ركض الجواد الأبيض كالريح، يرفرف عرفه المذهب اللامع في أشعة الشمس. عبر الغابة ذات الأشجار المتحركة التي تلعب فيها جنيات صغيرات وعفاريت، ثم ركض على رمل الشاطئ الناعم وحوافره تركض الهواء. وإلى جواره تتقافز أسماك الربيش البيضاء بكثافة.
ثم انتهى إلى سهل معشوشب أخضر تتخلله زهرات اللقنطيط والبرومال والأشنيه. انحنت فاديكا وقطفت بعض الزهرات المعطرة، وصفع وجهها الهواء البارد. وضعت واحدة في جانب شعرها الأيمن وأخرى في مقدمته، وزرعت واحدة في صدرها. صهل الحصان ورفع حافره الأمامي، ثم توقف أمام نسر ضخم كان يحلق قبل أن يهبط أمامهم داخل الوادي. أحنى الحصان رأسه أمام النسر. همس النسر: فاديكا؟ أعتقدت أنني لن أراكِ مرة أخرى.
ابتسمت فاديكا: وأحرم نفسي من رؤية وجهك الجميل يا أدهم؟ قال النسر: من يقدر على خدع فاديكا وجمال كلماتها؟ والدتك تنتظرك. أطلق محمود نظرة حائرة، ثم نزل من على ظهر الحصان وساعد فاديكا على النزول. ثم ربت على ظهر الجواد وهمس: أنت حر كما وعدتك. صهل الجواد بفرحة، ثم تحول لشاب صبغته أشعة الشمس، حليق الرأس ويمتلك عضلات جبارة. شكرا لك يا مولاي.
ارتقى فاديكا ظهر النسر، وقفز محمود خلفها. انطلق النسر عموديًا حتى ظن محمود أنه سيسقط، قبل أن يحلق أفقيًا بسرعة خرافية فوق سبغات وحشائش، ثم بقعه سوداء جرداء محترقة. همست فاديكا: الأرض الميتة التي تفصلنا عن عالم الجان. أتـعرف يا محمود، لا يمكن لأي واحد من شعبنا أن يغادر دون الاستعانة بعشيرة النسور. هذه الأرض لم يمشِ فوقها إنس ولا جان ولا عفريت ولا جوبلن، حتى الأرواح لم تدخلها.
ظهرت بحيرة ذات مياه حمراء صافية تسبح فيها أسماك ملونة ضخمة، لمحها محمود حتى من كل هذا الارتفاع. ثم لاح شلال مرتفع أجبر النسر أن يحلق لأعلى قبل أن ينغرس داخل مياه الشلال مثل السهم، لتظهر أمامهم أرض خضراء واسعة تتخللها تلال يكسوها العشب وترعى فيها الحيوانات والطيور، كانت أشبه بالمحمية الطبيعية، قبل أن ترتفع أسوار قلعة محفورة داخل الجبل.
نزل النسر أمام مدخل القلعة الذي كان يصعد تدريجيًا بدرجات مصنوعة من الرخام ومفروشة بالسجاد الأحمر، على جانبيه تماثيل لأسود ونسور وجنيات ضخمة تحمل كتبًا مفتوحة تكاد تسقط منها الكلمات. أهلاً بك في قلعتنا يا محمود!
استقبلهم قزم برأس فراشة، لديه شعر طويل جدًا ولحية صفراء تحبس عيون زرقاء ماكرة. في يده صولجان تعلوه بلورة على شكل الكرة الأرضية لامعة شفافة، داخلها جنيات صغيرة تحمل أقلامًا جالسة على مقاعد واطئة أمامها دفاتر صغيرة تكتب فيها. انحنى القزم حتى تقوس ظهره، ورأى محمود جناحيه الصغيرين المقطوعين من جذورهما. همس: أهلاً فاديكا. والدتك في انتظارك.
كسر القزم أمامهم وصعدوا الدرجات العريضة، وسمع محمود خرير الماء الذي كان يجري في قناة تحت الدرج الرخامي. رفرفت فراشات ملونة حتى اصطدمت بوجوههم، وسمع محمود همس إحداهن: لا تثق بكل ما تراه عينيك، لا تثق بكل ما تسمعه. همست فاديكا: ارحلي يا براتونا، ولا تقلقي ضيفنا. طبعت الفراشة قبلة على خد محمود، شعر بطراوتها، ثم رفرفت لبعيد.
على باب القصر ظهرت عشرة وصيفات مرتديات زي أخضر موحد وأوشحة صفراء، وكانت أيديهن ذات أصابع طويلة داخل قفازات لا يظهر منها إلا مخالب حادة. ارتموا على الجانبين وانحنوا أمام محمود وفاديكا. ثم ظهرت جنية ترتدي نظارة طبية وتمتلك أوسع عيون في الكون. كان شعرها قصة شعر بيكسي، وفي رقبتها علق مفتاح ضخم في سلسلة من الأزورد مزينة بالأحجار الكريمة. قالت فاديكا: أعرفك بـ أنتونيا، حارسة وخادمة المكتبة العظمى. رمقت أنتونيا
محمود بتركيز وهمست: ليس لدي وقت لأضيعه. أنتِ وأشارت لفاديكا: اذهبي لوالدتك، وأنت اتبعني. ووضعت قلمًا في انحناءة أذنها الطويلة المدببة: سنبدأ فورًا. لديك الكثير من العلوم عليك أن تعرفها. وصلوا بابًا ضخمًا فتحته أنتونيا، وضع محمود يده على الباب الضخم الذي على شكل كتاب مفتوح وهمس: أمرك يا وقت أن لا تمضي مهما ظللت هنا، أن تعود إلى تلك اللحظة التي أعيشها الآن. ماذا تهمس؟ سألت أنتونيا بشك وفضول.
لا شيء. ورفع محمود بحركة متأسفة. داخل المكتبة تلقى محمود علوم السحر على يد أنتونيا. علمته كيف يطلق الطلاسم وكيف يحلها، كيف ينتقل من مكان لمكان، وكيف يسحر من أمامه على طريقة الجان. قضى محمود وقتًا طويلاً داخل المكتبة لم يرَ فيه فاديكا، ولم تطلبه والدتها للحضور. وكان يتدرب كل يوم على طلاسم السحر، يطلقها على جنيات وعفاريت. وبعد مضي شهر كامل، أيقظته أنتونيا
في غرفته وهمست بصوت متشكك: لقد حانت اللحظة. الملكة ستلقي عليك التعويذة التي حضرت من أجلها. بدلت ملابسي ورافقتني أنتونيا نحو قاعة الملكة. كانت القاعة معلقة في الهواء، تصعد إليها عن طريق سلم زجاجي يشعرك أنك تصعد نحو السماء. كانت أرضية القاعة من الزجاج المقوى تمكنك من رؤية الخضرة والأزهار والغدير الذي يجري تحتها.
جلست الملكة فاتيرا على مقعد من عاج، مرتدية فستانًا متدرج الألوان ينتهي بمشبك ملكي، وكان شعرها جديلة طويلة. ووجهها الشديد الشبه بالبشر أبيض مثل الحليب، وكانت عينيها الواسعة ذات الرموش الطويلة بلون الطحلب. انحنيت أمام الملكة فاتيرا التي رحبت بي. أهلاً محمود. جلست على مقعد أسفل الملكة، وكان الخدم يعدون المائدة التي أمرت بها الملكة على شرفتي. راحت جنيات صغيرات بأجنحة تحمل الأطباق من المطبخ وترصها على الطاولة.
بعد أن أنهينا طعامنا، وقفت أنتونيا أمام الملكة ورفعت يدها البشرية: جاهز يا مولاتي. ابتسمت الملكة فاتيرا وهمست: لحظة يا أنتونيا. ثم قالت: محمود. وشعرت بالسحر في صوتها. تمدد على الأرض. وجدتني منصاعًا إلى أمرها غير قادر على الرفض. ثم قالت: محمود، اقفز من هنا على الأرض. مشيت بلا تردد نحو النافذة، وفي آخر لحظة قالت الملكة: توقف. ثم فتحت عينيها ونهضت.
منذ تلك اللحظة، لن تخضع لسحر الجان أو ملوكها. لن يؤثر بك. أنا أحصنك بقوتي الملكية وأمنحك جزءًا من قوتي يمكنك من اكتشاف سحر الجان. ستكون قادرًا على معرفة المتحولين، مكشوفين أمامك. لكن أمنعك من استخدام تلك القوة لسحر أي جان أو بشر. انتفض جسدي وشهقت. قلت للملكة: كيف تفعلين ذلك؟ كنت على وشك أن ألقي بنفسي من النافذة.
قالت الملكة: هذه قوة يمتلكها ملوك الجان، وقد حصنتك ضدها. ستُرحل من هنا، لكن فاديكا أن ترافقك. أنا آمرها أن تظل هنا. سيكون رحيلك بعد يومين. بعد يومين، من فوق القصر كان النسر أدهم في انتظاري، وحملني فوق الأرض الميتة، ثم عبر بي النهر والغابة، وتركني على حدود الغابة. ثم قال: هنا آخر حدودي. ودعني النسر أدهم وهمس: أدعو أن لا نلتقي مرة أخرى، أن تتحقق أحلامك وتجتمع بزوجتك وتغادر أرض الجان.
أمسكت عود نبات البيرق وسحرت حصانًا أقلني نحو شاطئ البحر الأزرق. وجدت الشوامل والحوريات مجتمعين، وسلانيدرا تتحقق من أعداد المقاتلين وأسلحتهم. قلت لفاريذون: اتبعني. وقف فاريذون إلى جواري. رفعت يدي وقلت للمقاتلين: هذا آخر أمر أصدره بصفتي ملككم. سنهاجم قلعة أبيداس ونستولي على الحكم. سأقتل فلاكون وستكون سلانديرا ملكتكم. أما قلعة أبيداس فستخضع للملك البيرون كما وعدته.
أرسلت مخلوق باتيكون إلى الملك البيرون يخبره بموعد هجومي على قلعة أبيداس. ثم قلت لسلانديرا: التجمع عند ميناء قلعة أبيداس. ستتحركين عندما أمنحك إشارتي. انطلقت مع فاريذون نحو البر. تسللنا داخل الغابة حتى وصلنا سجن الوحوش المتهدم. سألني فاريذون: إلى أين يا مولاي؟ قلت: سأقابل الوحش. همس فاريذون: هذا جنون مطبق. قلت: لا تقلق، لدي فكرة. لكن الوحش يا مولاي مات. قلت: هذا ما تعتقدة. أوزار لم يمت.
ثم وضعت يدي فوق الصخور وأطلقت طلاسم وتعويذات جعلت الصخور ترتفع وينفتح مدخل ضيق. نزلت مع فاريذون إلى ما تبقى من السرداب. كان الوحش هناك بعيونه المشتعلة يزحف على يديه ويدور حول نفسه. قال الوحش: أنت مرة أخرى؟ قلت: نعم يا صديقي. صرخ الوحش: لست صديقك، أنا لست صديقًا لأحد. وضربني بذيله المشتعل الذي كان بعيدًا عني. صرخت صرخة مرعبة: لا تجبرني على قتلك. اندفع الوحش نحوي بكل قوته فاتحًا فمه الواسع.
قلت: من أجلك يا صديقي. ثم وضعت يدي في فم الوحش متحملًا أنيابه التي انغرست في ساعدي حتى لمست قلبه. كنت تعلمت من السحر ما يكفيني لتحريره. قبضت على قلبه وهمست بطلاسم التحرير قبل أن يقطع الوحش يدي. توقف الوحش فجأة وبدا أنه غير مدرك للمكان الذي يوجد به. ثم همس: محمود، من الذي فعل ذلك بيدك؟ قلت: ياه، أوزار صديقي أخيرًا. همس أوزار وهو يحاول أن يتأمل هيئته الجديدة: ما الذي حل بي؟
أنا أبدو كحيوان حقير. آخر ما أتذكره أنني مت. قتلتني باندهيار. قلت: نعم، لكن بطران استخدم سحره وسخرك لخدمته. تنهد أوزار بحزن: لا يمكنني العيش بهذه الهيئة. إذا كنت صديقي فعلاً يا محمود، اقتلني. قلت: لكنني أحتاج مساعدتك. قال أوزار: سأساعدك، لكن عاهدني ما أن ننتهي أنك ستقتلني بيدك. أوزار الذي كنت أعرفه مات ولم يعد مرة أخرى. قلت: أعدك يا أوزار أن أقتلك بيدي إذا لم تمت داخل المعركة.
خرجنا من السرداب نحو الأرض المنبسطة، وظهرت أسوار قلعة أبيداس أمامنا. كانت الحراسة مشددة على أسوار القلعة، لكن هذا لم يشغلني. كان أكثر ما يقلقني تسنيم، أين توجد وكيف أعثر عليها قبل أن يستخدمها بطران مرة أخرى. قلت لأوزار: ستكون لديك مهمة واحدة. أن تعثر على زوجتي وتحررها وتخرجها من القلعة إلى حدود البحيرة المسحورة، ولا تسمح لأي مكروه أن يصيبها. ستكون مهمتي تشتيت انتباه بطران. أما أنت فتعرف طريقك. فسرديب الأرض تخضع لك.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!