كانت ميريت مرمية على الأرض بين أشجار الغابة فاقدة الوعي، وجرح كبير في جانب معدتها الأيمن. غير بعيد، كانت ميلاديسيا، التي اخترق سيف كتفها، راقدة على أرض المعركة تحت جثث الجان الكثيرة التي سقطت فوقها. وكانت الغربان الضخمة تحوم حول أرض المعركة وداخلها، تنقر الجثث الميتة وتفقئ عيونها. عثر الميلتيت المستطلع الذي أرسلته سلانديرا على جسد ميلاديسيا أولاً، وحملها الشوامل قبل أن يعثر على ميريت بين أشجار الغابة.
تم نقلهما إلى مدينة الشوامل في عمق البحر الأزج، بين الحياة والموت. أن الحياة ساخرة جدًا، ولا تصفعك إلا في اللحظة التي تعتقد فيها أنك وصلت لغايتك. تم احتواء جسد ميلاديسيا وميريت بأعشاب البحر المعالجة التي تتفاعل مع الجراح وتتحرك نحو الألم ثم تختفي بداخله. كانت المرة الأولى التي يجتمع فيها الشوامل والحوريات، ليس كأعداء، بل كفصيل واحد يدافع عن بقائه.
قبل الحرب، توجه محمود نحو زنازين وسجن الحوريات وأفرج عنهم دون شروط، ثم منحهم الاختيار. ولأنهم جان بحر، اختاروا الدفاع عن الشوامل. يجلسون إلى جوار بعضهم يخططون للقادم، والذي بلا شك قاتم وغامض وأسود. انسحقت رأس محمود، وبعد أن انتهى منه الوحش، راح يجول في طرقات السرداب ويهمس بصوت واطئ: "أين أنتم يا من تختفون بين الصخور؟ صاحبكم يحتاج مساعدتكم." ثم همس بصوت محمود: "النجدة! وصل الصوت إذن فاديكا وسلنريس.
صرخت سلنريس: "افتحي الصخور يا فاديكا! "لن أفتح الصخور أبداً دون كلمة السر التي أخبرني بها محمود." قالت سلنريس: "لكن محمود بالخارج يطلب مساعدتنا." "فاديكا، إنه ليس محمود بل الوحش يقلد صوته." ثم أغلقت عيونها الواسعة التي تشبه المفيض. تحول صوت الوحش لنبرة مرعبة، محذرة، متوعدة: "سأحطم كل صخرة وأبحث خلف كل حجر حتى أعثر عليكم." ثم راح يضرب صخور السرداب ويفتتها بقوته اللامتناهية. تمتمت
فاديكا بكلمات السحر وقالت: "آمل أن تنقذنا حتى يظهر محمود." ابتسم الوحش عندما لمح طرف فستان فاديكا، ومد يده ليسحبها. ثم شعر بقوة تسحبه للخلف بعيداً عن الصخور، ثم تضربه في الصخر مرات متعددة وقوية أدمت جسده. لم يتمكن الوحش من الالتفاف، فقد كان محمود يضربه بلا توقف، بعد أن أمسك بالنتوء العظمي الذي يقسم ظهره نصفين. قبل أن يقطع محمود قدميه، يطوحها لبعيد. اقترب محمود من الصخور وهمس بكلمة السر.
انفتح الصخر وخرجت فاديكا وسلرنيس والطفل وفاريذون. صرخ محمود: "اخرجوا من السرداب وانتظروني على حافة النهر." همست فاديكا: "الوحش سيعود مرة أخرى." قال محمود: "ليس وهذا معك." ثم وضع أقدام الوحش في يد فاديكا وأمرها أن تجرها معها نحو النهر. ثم صرخ في فاريذون: "اسبقني وافتح كل الزنازين المغلقة." حرر محمود كل السجناء المحتجزين داخل سجن الوحوش. وكى لا يفقد الوقت، قال: "إن الوحش سيقتل كل من لا يركض خلفه."
ركضت الأجساد النحيلة خلف محمود نحو باب السرداب، بعد أن وصلوا حافة النهر. أمسك محمود بلطة وهمس عليها بطلاسم سوداء، ثم ضرب بها باب السرداب الذي راح ينهار، محطماً معه كل جدران السجن. قالت فاديكا: "أرى أنك استمعت لنصيحتي يا محمود واستخدمت عقلك للمرة الأولى." همس محمود: "أجل، نطقت الكلمات قبل أن تزهق روحي، فأنا أملك الوقت والزمن كما تعرفين." ثم ابتسم.
كان محمود قد أوقف الوقت قبل موته، وأمره أن يعود في كل مرة للحظة التي يكون فيها حياً. "الشكر لـ أوزار هو الذي علمني كل ذلك." قالت فاديكا: "لكنك تعرف أين يوجد أوزار الآن؟ التفتت سلنريس تجاه فاديكا مستفهمة، واكتفت فاديكا بابتسامة محمود الذي قال: "لقد مات أوزار ولن يعود مرة أخرى." باستخدام سحرها، صنعت فاديكا جياداً كثيرة استعملها السجناء للهرب بعيداً عن قلعة أَبيداس.
فبعد انفجار السجن والصوت الذي أحدثه انهياره، سيحضر الكثير من الجنود، بطران أيضاً. انطلقت الجياد السحرية تركض فوق الأرض بين أشجار الغابة نحو الغابة المسحورة، حتى وصلت حدود النهر الأزج. وعندما نزل من عليها راكبوها، اختفت على الفور. وضع محمود يده على سطح الماء وهمس برسالة. ولم تمض سوى دقائق معدودة حتى ظهر باكيتش ملك الحيتان من خلف قطيعه. قال محمود: "مرحباً بملك الحيتان." همس باكيتش: "مرحباً بملكنا البشري."
باكيتش قال: "محمود، خذهم إلى مدينة الشوامل في سلام يا صديقي." "سمعاً وطاعة." همس باكيتش وهو يتقيأ العشبة المسحورة على الشاطيء. وضع كل سجين قطعة من العشبة داخل فمه وابتلعها، ثم امتطوا الحيتان التي غاصت بهم نحو مدينة الشوامل. نظر محمود تجاه قلعة أَبيداس وهو يهمس: "إلى متى ستطول هذه الحرب؟ ثم اصطحب فاديكا نحو البحيرة المسحورة حيث كان هناك حصان أبيض ضخم في انتظاره.
امتطى محمود الحصان ذو العرف الذهبي، من خلفه فاديكا التي أحكمت قبضتها على خصره، ثم لكز الجواد وهمس: "أركض بنا."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!