كان الممر المتلوى بين الزنازين يهبط درجات من الحجر الأخضر المزخرف بالزهور والطيور والفراشات. كانت المسافة تختلف بين كل هبوط أو صعود، أشعرني شيء ما أن هذه المستويات المتدرجة لم تُصنع هباءً أو من أجل إضفاء لمحة جمالية في ظلام لا يسمح لك بالرؤية. جعلت أمر على الزنازين المحفورة في الصخور وأسأل صاحبها: "أتود الخروج؟ رافقني طفل بشري، وعفريت صغير لديه أجنحة فوق ظهره. همست
الفتاة بضعف وأنا أسندها: "محمود،" ووضعت إصبعها فوق ذقنها. "اتركهم داخل الزنازين محتمين، وإذا انتصرنا على وحش الظلام يمكنك تحريرهم." قلت: "يأملون بحرية دون قتال؟ لا أحب هذا الصنف من الناس الذي يشاركك انتصاراتك فقط! قال صوت: "معك حق يا بشرى، سأكون معك." وكانت المرة الأولى التي يعرض فيها شخص مرافقتنا من تلقاء نفسه.
نظرت تجاه الصوت، كانت جنيه سوداء ووجه أبيض لامع وعيون عميقة سوداء، ترتدي فستانًا أسود وفي يدها قفازات وتحمل كتابًا بين يديها، جالسة على مقعد من الجلد تحيط بها كتب كثيرة. وإلى جوارها شمعة سحرية صغيرة تضيء فقط محيطها. وداخلها جنيات صغيرة تدور وسطها. همست الفتاة التي برفقتي: "سلرنيس، لا تخرجها." همست: "لما؟
قالت: "لا يعرف أحد من أين حضرت ولا كيف تتحصل على ضوء الشمعة الذي لا ينضب، والطعام يأتيها كل ليلة والوحش لم يهاجمها أبدًا." همست الفتاة وكأنها تسمع الهمس وتقرأ الأفكار: "الوحش لا يهاجمني لأنه لا يراني، أنا أستخدم تعويذة علمتني إياها جدتي." قلت: "لما قُبض عليك بطران؟ قالت: "عندما نلتقيه يمكنك أن تسأله، لكنني أشعر بوجوده، إنه قريب." صرخت: "من تقصدين؟ قالت: "الوحش." أمسكت حربة في يدي ونظرت في كل اتجاه.
دق فاريذون قدميه في الأرض. لم أر شيئًا ولم أسمع حركة. "أنت تقرئين؟ قالت: "أجل." ثم نهضت ورأيت ظلها الطويل وعيونها الغامضة. "في هذا السجن المظلم لولا القراءة لما تمكنت من النجاة." قلت: "كيف تأتيك الكتب؟ "ممم، حسنًا، يرسلها أحدهم من فوهة السجن يلقيها باستمرار وتحملها جنيات صغيرة إلى زنزانتي." قلت: "لستِ خائفة من الوحش؟ قالت: "لا، قلت لك الوحش لا يراني." قلت: "بسرعة جيد، هل يمكنك تعليمنا تلك التعويذة لكي لا يرانا الوحش؟
همست: "الأمر ليس سهل يا بشرى، يجب أن تثقي بي أولاً." أصرخت: "فاريذون! حررها! أسال فاريذون قفل الزنزانة وخرجت الجنية. ثم همست: "شكرًا يا بشرى." ثم اختفت. قالت الفتاة: "قلت لك لا تثق بها، تلك الجنية بالذات يكرهها كل قاطني السجن." همست: "كل شيء يحدث لسبب، ربما لم تساعدنا لكنها أيضًا لم تتسبب لنا في أذى." سألت الفتاة سلرنيس: "هل كنتِ لتنقذها إذا كنتِ تعرفين أنها ستختفي؟ قلت: "نعم."
قال العفريت الصغير: "سيمون الصغير سيطير إلى أبعد مكان ويأتيكم بالأخبار." قالت سلرنيس: "كن حذر يا سيمون الصغير، فوحش الظلام لا يترك ذبابة تمر من حوله دون إذنه." همس سيمون: "سيمون الصغير لديه حيلة، سيمون الصغير ليس عفريت قليل حيلة كما تعتقدي." طار سيمون، رفرف بأجنحته ثم ضمها وطار في سكون دون أن يحدث صوت. "أليس لهذا السجن نهاية؟ " سألت سلرنيس وقد تعبت من السير.
قالت سلرنيس: "سجن الوحوش كان ممتلئًا بالوحوش في الماضي، في كل ركن وكل شق، حتى ظهر وحش الظلام وقضى على كل الوحوش ولم يترك سوى فاريذون." واصلنا السير في أرض موحلة بها حفر من الماء. همست سلرنيس: "اقتربنا من النهر." قلت: "ماذا يعني ذلك؟ قالت سلرنيس: "يعني أن بوابة الخروج قريبة جدًا يا محمود." قلت: "لكن أين وحش الظلام؟ لماذا لم يظهر بعد؟ وكيف يسمح لنا بالخروج؟
قال الطفل الصغير: "ربما لا يوجد وحش من الأصل، إنه مجرد كذبة مثل كذبات الأمهات في أرض البشر عن وجود غول سوف يأكلك إذا لم تسمع الكلام." "اصمتوا، لا تفتحوا أفواهكم، سيروا بصمت وبطء السلحفاة." جاء صوت الجنية التي اختفت بعد تحريرها. قلت: "حضرتِ أخيرًا؟ قالت: "لم أرحل أصلًا يا بشرى، ألا ترى كيف أنك وعصابتك عبرت معظم السجن دون أن يراك وحش الظلام؟ همست: "التعويذة؟ قالت: "نعم."
ثم سمعنا صوتًا مرعبًا: "أشعر بوجودكم لكن لا يمكنني رؤيتكم، رائحة البشر العفنة تزكم أنفي." جذبتني الجنية نحو جحر بين الصخور وأخذت الطفل وسلرنيس معي، ثم وضعت يديها على الصخور وأغمضت عينيها قبل أن تنفتح ببريق لازوردي وتهمس بطلسم أغلق الصخور علينا. "سنظل هنا بعض الوقت." وظهرت الجنية أمامنا. "نحن محميون هنا ولا يمكنه رؤيتنا أو سماعنا، عندما يمضي الوقت سيذهب لتناول طعامه حينها سنخرج إلى النهر." سمعنا خطوات
الوحش يبحث عنا ويهمس: "هذه خدعة، فلا يمكن لشيء أن يمر من هنا دون أن تراه عيوني." سألت الجنية: "ما الشيء المميز في هذا الوحش يدفعنا لخشينته؟ أنا يمكنني قتله مثلما قتلت غيره؟ قالت الجنية فاديكا: "لأنه لا يموت يا محمود، مثلك تمامًا، جراحه تلتئم من تلقاء نفسها." قلت: "تعرفين ذلك؟ ابتسمت فاديكا وقالت: "كيف برأيك استطعت أن تهزم فاريذون؟
لا يوجد جني أو بشري يمكنه هزيمة فاريذون إلا إذا كان محميًا بتعاويذ القدماء وبحر الظلام." همست: "بحر الظلام؟ أتعني أن هذا الوحش حضر من بحر الظلام؟ قالت فاديكا: "نعم، كان يعيش هناك قبل أن يموت ويحضر سيده إلى هنا ويخضع لسحر الأبريكوني ويصبح على هذه الحال." مرت بخاطري فكرة ثم نفضتها من عقلي وهمست: "مستحيل، غير معقول." همست فاديكا: "ما هو المستحيل في أرض الجان؟ كل شيء يحدث هنا حتى أسوأه."
"يمكنكم أن تناموا لأن الوقت سيمر ببطء داخل الصخور وليس مثل اليوم العادي." قلت: "لكنني لا أملك الوقت؟ قالت فاديكا وهي تغمض عينيها: "ومن يملك الوقت غيرك؟ أنت الوحيد الذي يملك الوقت، أنت الوحيد الذي خضع له الزمن بدقائقه وساعاته وشهوره وسنينه." تذكرت أوزار وكيف كان يوقف الوقت، أن قوته تسري داخلي. بسطت يدي وهمست: "احكم علينا أن لا يمضي الوقت مهما مضت من ساعات أو شهور أو سنين أن نظل كما نحن في الوقت الراهن."
همست فاديكا: "جيد، كان يمكنك أن تفعل ذلك عندما كنت في الساحة وكنت ستضمن أن ما من سوء سيصيب زوجتك؟ همست بشك: "أنت تقرئين أفكاري؟ قالت فاديكا: "شعورك بالذنب يمزقني ولا يمكنني من النوم، ما حدث قد حدث يا محمود." ثم فتحت فاديكا عينًا واحدة واسعة وعميقة مثل البحيرة ورأيت فيها تسنيم ووالدتها داخل قصر فالكون قبل أن تنغلق.
قالت فاديكا: "تعلم أن تستخدم قواك يا محمود، الأمر لا يتعلق فقط بقوتك بل كيف تستخدمها ووقت استخدامها، أنت أقوى مخلوق في أرض الجان ولا يمكنك إنقاذ زوجتك؟ بعدها صمتت فاديكا ونامت دون حراك. مضى الوقت مملًا بطيئًا، كنت أقضم أظافري عندما سمعت صوت العفريت سيمون يغني في الخارج. "لقد عاد إليكم سيمون الصغير بالأخبار." همست فاديكا: "هذا العفريت سيتسبب في قتلنا." قلت لفاديكا: "افتحي الصخور سوف أحضره!
قالت فاديكا: "لا توجد فرصة، سيمون لا يعرف أن الوحش يتبعه، إن الوحش هو من سمح له أن يصل إلى هنا ليصل إلينا." قلت: "ولو لن أتركه، افتحي الصخور." ثم تنهدت وقلت: "ثم أغلقيها ولا تفتحيها أبدًا حتى أطرق عليك." انفتحت الصخور وقلت لسيمون: "اخفض صوتك." "أخيرًا ظهرت؟ سمعت الصوت الرفيع المرعب وظهر الوحش من خلف سيمون. كان جسده منكمشًا ثم تمدد واستطال حتى أصبح بحجم ضخم، كان بارتفاع مترين وجسده صلب كأنه قد صُنع من فولاذ.
أنيابه خارج فمه بطول ذراع ولديه مخالب في يديه وأقدامه وذيل طويل بين قدميه وفي منتصف ظهره شيء يشبه الحرب يتحرك باستمرار. قلت: "أنت لا تستطيع رؤيتي." ابتسم الوحش، وهمس: "كنت لا أراك أما الآن فأنا... وضربني في صدري وطوحني لبعيد. شعرت أن ضربته وصلت معدتي وأخرجت أحشائي. وعندما نظرت إلى جسدي غير مصدق رأيت أحشائي خارج معدتي. زحفت ببطء نحو الصخور واستندت بظهري. صرخ المخلوق: "كل ما تفكر به فعلته من قبلك."
ثم أمسك بسيمون وابتلعه. "عفريت حقير،" همس بحنق، "لا يتوقف عن الغناء، أشك أنه ربما يغني داخل معدتي." تنهدت بصعوبة: "لا يمكن أن تكون هذه النهاية، رحلتي لازالت طويلة." بدأت أحشائي تدخل في معدتي. ابتسم المخلوق وفي لمح البصر وجدته أمامي. ثم غرس يديه في معدتي وأخرج أحشائي وراح يطوحها في كل مكان. ضعف جسدي فجأة وشعرت ببرودة تسري في عروقي، إنها النهاية، عيناي تريد أن تنغلق لكنني أقاوِم، غير قادر على فعل شيء. همست بآخر كلماتي:
وضع المخلوق رأسي تحت قدمه وحمل صخرة ضخمة ونزل بها على رأسي عدت مرات حتى دهسها مثل التراب أو مسحوق الرمل. انتهيت وخرجت روحي...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!