في قصر السيد ضاهر، تضع روبا الفطور على طاولة الطعام. قدم السيد ضاهر وجلس على مقعده منتظراً حضور ابنه فوزي لمشاركته الإفطار وحفيده الصغير. نظر إلى ساعته ثم قال: "فوزي اتأخر ليه كل ده يا روبا؟ هو لسه نايم لحد دلوقتي والا ايه؟ "لأ يا بيه. السيد فوزي صحي الصبح بدري، وطلع يتمشي شوي مع فارس بيه الصغير، وقالي إني أبلغ حضرتك ماتستناهوش على الفطور." همهم باستغراب قائلاً:
"امممممم طيب إذا كان كده قدمي الفطور رجاءً، وقولي لمصطفى يحضر العربية أنا هطلع بعد شوي." "بأمرك يا بيه." قدمت روبا الفطور والقهوة للسيد ضاهر. دخلت إلى المطبخ لتخبر مصطفى بتحضير السيارة: "مصطفى البيه عايزك تحضر العربية، قال إنه هيطلع بعد شويا." استغرب مصطفى من طلبه، لم يكن معتاداً أن يخرج من المنزل في الصباح: "ماقالكش هو رابح فين؟ غريبة ده عمره ما عملها."
"لأ ماقاليش حاجة، حتى إنه استغرب من طلعت السيد فوزي وفارس الصغير، كأنه في حاجة حصلت، مش عارفة." "طيب دلوقتي نعرف في إيه، يا خبر إنهاردة بفلوس بكرة يبقا ببلاش، أنا هروح أحضر العربية، في حاجة لازماكي من بره أجبهالك معايا؟ "آه خد الورقة دي فيها لستة بالطلبات، عايزها علشان العشاء." "عيني يا ستي روبا حاضر، سلام." "سلام يا حبيبي." ***
في تلك السيارة الفخمة من ماركة المرسيدس، صعد السيد ضاهر وسائقه مصطفى. كان السيد ضاهر بكامل أناقته بالزي الرسمي وبيده عصاه التي يتفاخر بها المطلية يدها بماء الذهب. قال له مصطفى وهو يحمل: "احم احم على الشركة يا بيه إن شاء الله؟ "لأ يا مصطفى، هانروح بيت ظافر بيه." "خير إن شاء الله في حاجة يا بيه؟ "من امتى بتسأل يا مصطفى؟
"العفو يا بيه بس افتكر فيه حاجة لاقدر الله، حضرتك يعني مش متعود تطلع بدري كده وعند ظافر بيه كمان، يعني استغربت الموضوع بس مش أكتر، يعني لو في حاجة أقدر أساعد فيها." "سوق وانت ساكت يا مصطفى." "احم حاضر يا بيه تحت أمرك." ***
وقف السيد فارس أمام غرفة ابنته في المشفى متجمداً، كأن الزمن توقف به. تدور الدنيا حوله أطباء وممرضات وأناس آخرون وهو يقف في صمت، فقط ينظر إلى باب تلك الغرفة. كل ما يجول في خاطره أنه سيفقد ليلى كما فقد أمها. إلى أن علت صرخات فارس الصغير وأعادته للوعي مرة أخرى.
حمله بين يديه ونظر إليه بتعاين دامعة. ثم طرأت له خاطرة أن هذه رسالة. ليس هناك من سيعيد ليلى للحياة سوى فارس كما أعاده إلى وعيه مرة أخرى. ركض إلى تلك الغرفة بفارس وجد ثلاث أطباء يقفون على رعايتها. أحدهم يتابع النبض والآخر يفحصها ويتفقد عينيها، والآخر يقف على جهاز الصدمات الكهربائية مستعداً للحظات حرجة قد تمر بها المريضة. تقدم السيد فارس بالطفل فلمحه طبيب النبض وحاول منعه من الدخول:
"ممنوع يا فندم من فضلك انتظر برا، لو سمحت ممنوع حضرتك معاك طفل صغير." "لو سمحت يا دكتور دي بنتي خليني أدخل، والولد ده ابنها، هو السبب في حالتها دي من فضلك، هو الوحيد اللي هايقدر ينقذها ويرجع بنتي أرجوك خليني أدخل بيه."
لم يتأثر الطبيب بحديثه ولا بدموعه وبكاء الطفل. بالطبع واجبه المهني يحتم عليه فعل ذلك، فلا مجال لعواطف قد تكون سبباً في خسارة أحد المرضى. بالرغم من ذلك دخل السيد فارس رغماً عنه. بعدما أخبر الطبيب أنه سيخرج وأعطاه الطبيب ظهره فدفعه متقدماً إلى سرير ابنته وهو يقول بصوت مرتفع مع صرخات الطفل التي تزداد من الخوف: "ليلى فارس رجع يا ليلى، قومي يا بنتي هديه في حضنك، فارس خايف يا ليلى محتاجلك، قومي يا ليلى."
في تلك اللحظة صرخ فارس الصغير من الخوف جراء هذه الأصوات والأشخاص الذين لا يعرفهم من حوله، فصدعت تلك الصرخة في أذني ليلى ووالدها يقول: "فارس خايف يا ليلى قومي هديه." تكررت تلك الكلمة في أذني ليلى، وبدأت ضربات قلبها تزداد وفجأة شهقت ليلى بصوت مرتفع ورفعت رأسها وفتحت عيناها، ثم عادت إلى الفراش مرة أخرى. حالة تعجب لها الأطباء بعد مرور بضع دقائق استقرت حالة ليلى الصحية، وعادت إلى طبيعتها ولكنها لم تفقد بعد. ***
هناك أشخاص يصارعون الموت وهناك أشخاص لا يستطيعون التوقف عن الضحك. بينما تصارع ليلى الموت بسبب فراق ابنها، تعلو ضحكات السيد ضاهر في منزل ظافر بيه صديقه المقرب، والذي ذهب إليه ليطلب منه ابنته الوحيدة التي تدعى "سلمى" للزواج من ابنه فوزي. لم يكن يعلم فوزي بخطة والده لإبقائه بجواره أنه سيرغمه على الزواج.
جلس السيد ضاهر وتناول القهوة برفقة صديقه المقرب. دخلت ابنته "سلمى" المدللة والتي تبلغ من العمر ثمانية وعشرون عاماً. كانت تحب فوزي من صغرها إلى أن تعرف على ليلى برحلة عمل إلى مصر وتزوج بها من بعد ذلك. لم تشأ سلمى أن تتزوج بالرغم من جمالها وأناقتها، لكنها مغرورة بعض الشيء. تحدث السيد ضاهر عند رؤيته إياها: "اها وعروستنا وصلت أهي." دخلت سلمى من باب المنزل واتجهت إلى والدها تقبله من خده، ثم إلى السيد ضاهر تقبله أيضاً
من خديها: "إيه ده معقول إيه المفاجأة دي عمو ضاهر عندنا، ازيك يا بابا." "أهلاً يا حبيبتي حمد الله ع السلامة." "الله يسلمك، عمو ضاهر حبيبي، عامل إيه وحشاني جداً فينك كده؟ "أهلاً بعروستنا الحلوة." "إيه حكاية عروستنا دي شكل الزيارة دي وراها حاجة، مش عادتك كده، جايبلي عريس والا إيه؟ ضحك السيد ضاهر ثم قال: "بصراحة أه عندك حق يا سلمى فعلاً الزيارة دي وراها حاجة، أنا فعلاً جايبلك عريس ومش أي عريس."
"اوووو يا بابا شكل الموضوع كبير وعمو ضاهر ناويني المرادي، طيب حيث كده بقا أنا هطلع أغير هدومي وأجيلكم." وقف السيد ضاهر وهو يقول: "لأ استني يا سلمى أنا مش مطول يابنتي بعد إذنك؛ لأن الوقت مش في صالحنا." استغربت سلمى ووالدها من حديثه. تقدمت إليه سلمى تمسك بيده بقلق: "عمو ضاهر انت كويس في إيه مالك قلقتني؟ اتفضل اقعد طيب أنا سامعة حضرتك." جلس السيد ضاهر ممسكاً بعصاه، ثم قال:
"بصراحة ومن غير مقدمات أنا جاي أطلب إيد بنتك سلمى يا ظافر، لابني." تعجب السيد ظافر وتساءل مازحاً: "ابنك مين يا ضاهر انت عندك ولاد تاني وأنا معرفش والا إيه؟ "ابني فوزي رجع وها يستقر معايا هنا." غضب منه ظافر لكنه حاول تمالك غضبه، وقال: "انت نسيت أن فوزي متجوز من مصر يا ضاهر، لولا أنك صديقي المقرب أنا كنت اعتبرت دي إهانة ليا ولبنتي؛ لأنك عارف أن سلمى بنتي أي راجل ف الدنيا يتمناها."
"أنا عارف يا ظافر واللي خلاني أجي هنا وأطلب الطلب ده هو العشم اللي بينا، انت عارف أني من زمان نفسي آخد سلمى لفوزي، يمكن الوقت متأخر بس هكون ممنون لو وافقت على طلبي، أنا همشي وأسيبكم تفكروا بس رجاءً ماتتاخروش عليا." "اعتبر أن ردي جاهز يا ضاهر وهو.." بترت كلماته سلمى قائلة: "بابا من فضلك، شرفتنا يا عمو ضاهر ومجيتك على راسنا، حضرتك بقا لازم تقعد تتعدى معانا الأول." "ربنا يخليكي يا بنتي، أنا هاروح علشان أرتاح، سلام."
"مع السلامة." خرجت سلمى إلى باب المنزل مع السيد ضاهر توصله وتودعه. عادت إلى والدها تعاتبه: "في إيه يا بابا ليه كلمت عمو ضاهر بالطريقة دي؟ "يعني إيه ليه؟ انتي مش شايفة جاي يطلب مني إيه هو فاكر بعد كل السنين دي وبعد ما ابنه رفض جوازه منك أنا هرجع أيامك ليه بإيديا، هو مايعرفش انتي مين وبنت مين؟ "بابا من فضلك أهدى الموضوع مايتاخدش بالطريقة دي، وعمو ضاهر أكيد مايقصدش حاجة وحشة انت تعرفه أكتر مني."
"تعالي هنا هو انتي إيه حكايتك بالظبط؟! من وقت ما سمعتي أن فوزي رجع وها يستقر هنا وانتي مش على بعضك، رجعتي تحنيله تاني يا سلمى بعد اللي عمله فيكي؟! وقفت سلمى وأعطته ظهرها تداري دموع عينيها: "بابا من فضلك مالوش لازمة الكلام ده دلوقتي بعد إذنك أنا طالعة أوضتي." "سلمى سلمى؟
ركضت سلمى إلى غرفتها وهي تبكي. آخر همها ما دار بحياة فوزي وماضيه، فقط عادت إليها الحياة بعودته. حب من طرف واحد وعذاب للطرفين، أحدهما قلبه معلق بالآخر، والآخر قلبه معلق بغيره. وقفت سلمى على تراسها تلتقط أنفاسها وهي تغمض عينيها تستعيد ذكريات الطفولة بينها وبين فوزي، عندما كانت طفلة صغيرة سقطت وهي تركض فجرحت ركبتها. جلس فوزي جوارها وهو ينفخ بجرحها ويقول: "ماتخافيش يا سلمى أنا هنفخلك فيها علشان ماتوجعكيش، ها خفت؟
يلا تعالى أسندي عليا أوصلك البيت." "لسه بتوجعني يا فوزي، مش قادرة أمشي." "معلش أسندي عليا واحدة واحدة." شهقت تلك الجميلة أعلى تراسها وكأنها تتنفس للمرة الأولى. *** بكى السيد فارس وهو يحتضن حفيده بعدما أخبره الأطباء أن حالة ابنته على ما يرام. خرج الجميع من الغرفة بعد الاطمئنان على حالة ليلى وجلس فوزي على الأريكة المقابلة لمخدعها. وجلس السيد فارس على الكرسي المجاور لها وهو يضع فارس الصغير على فراشها.
بدأ الطفل يتصرف على طبيعته ويصدر أصواتاً للعب والضحك، وهو ينادي ماما، يتسلق عليها وهو يضرب بكفه حتى يوقظها إلى أن صعد عند وجهها. وبدأ يمسك بيديها وهي فاقدة للوعي ويضع فمه على ذقنها ويعض عليه. حاول القيام فسقط على وجهها وارتطمت أنفه بانفعال فصرخ الطفل من الألم. أفرت تلك الجميلة أخيراً عن أهدابها بسرعة البرق وتلقائياً ضمت يديها هذا الصغير؛ لتهدئه وتربت على ظهره برفق وهي تقول: "بس يا ماما بس."
تجولت أنظارها في الغرفة فرأت فوزي واقف أمامها ووالدها يجلس جوارها وهو يبكي وغيرها بين يديها. استجمعت بعض أفكارها وضمت صغيرها برفق إلى حضنها وأمسكت بيد والدها وقالت وهي تدمع: "بابا حبيبي." "الحمد لله يا ليلى الحمد لله أنك بخير يا بنتي، حمد الله على السلامة، فارس أهو رجع تاني." "فارس حبيبي يا ماما، يا عين ماما وروح ماما، بس يا قلبي أنا هنا جمبك اهو، الحمد لله يارب الحمد لله." قال فوزي بهدوء:
"حمد الله على سلامتك يا ليلى."
نظرت إليه ليلى وكأنها أنثى أسد غاضبة ترى أمامها فريستها ولا تستطيع الإمساك بها من مرضها. بالرغم من ذلك فإنثى الأسد لديها إصرار شديد ولن تتوقف عن المحاولة في الحصول على فريستها حتى تفقد السيطرة على نفسها. وها هي أنثى الأسد لا تلقي بالاً لمرضها عندما يزأر قلبها ألماً. استعدت للهجوم وقامت بكل غضب. أعطت ابنها لوالدها ونزعت عنها تلك الأسلاك على صدرها وتلك الإبر المحاليل المعلقة بوريدها. ثم وقفت على قدميها وقلت أن تخطو الخطوة الأولى بكل هذا الغضب. سقطت ولكن أمسك بها ذاك الأسد بين أحضانه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!