عندما قررت ليلى أن تقف لتمسك بفوزي وتفرغ غضبها عليه، لم تكن تعلم أنها ستسقط؛ لأنها لم تقف على قدميها منذ أكثر من ثلاثة أشهر، وهذا طبيعي لأنها لم تستعد كامل قوتها وصحتها الجسدية بعد. سقطت ليلى وأمسك بها فوزي بين أحضانه. عندما التقت عيناهما، كانت
هناك لغة لا يفهمها سواهما: عتاب يصدر من عينيها وندم يجيب من عينيه، غضب تخبر به أنفاسها ومحاولة احتواء تنادي بها ضربات قلبه وأنفاسه معًا، لغة العشق التي لا مثيل لها ولا يفهمها سوى عاشق ومعشوق. حملها فوزي بين يديه وأعادها إلى فراشها قائلاً: -من فضلك اهدي دلوقتي وبعدين اعملي اللي انتي عايزاه. قامت تدفعه بيديها وصرخت في وجهه: -جبان ندل! أخرج برا مش عايزة أشوفك قدامي، أخرج برا.
تراجع فوزي خوفًا من أن يصيبها مكروه مرة أخرى، وهو يشير إليها بيديه أن تهدأ ويتراجع إلى الباب قائلاً: -حاضر حاضر، هخرج بس اهدي، أنا خارج اهو خلاص، اهدي اهدي. قال السيد فارس وهو يحمل الصغير ويمسك بيدها: -اهدي يا ليلى يا بنتي، خلاص عشان خاطر ابنك، الواد مرعوب من الصبح من اللي شافه. نظرت إليه وسيطرت على غضبها، ثم قامت بحمله وضَمَّته إليها وهي تقول:
-معلش يا ماما، حقك عليا، أنا آسفة. أنا مش هسيبك تاني أبدًا ولا حد هيقدر ياخدك مني تاني أبدًا. بعد مرور ثلاثة أيام في المشفى، وبعد أن استطاعت ليلى أن تقف على قدميها بخطوات متعثرة قليلاً، قررت الخروج والعودة إلى المنزل على ضمانتها. في تلك الفترة، لم يتمكن السيد فارس أن يخبرها بوفاة والدتها، وأخبرها في كل مرة سألت عنها أنها مريضة لأجلها ولم تستطع القدوم.
خرجت ليلى برفقة والدها وابنها إلى المنزل، حيث استقبلتهم جارتهم السيدة زينب، صديقة والدتها، على باب المنزل. ترجلت ليلى من السيارة وهي تستند على يد السيدة زينب: -حمد الله على سلامتك يا ليلى يا بنتي، والله الدنيا ما كان ليها طعم من غيرك يا حبيبتي، الحمد لله إنك بخير، تعالي على مهلك. -الله يسلمك يا خالتي زينب، تعبتك معايا، ربنا يخليكي.
-لأ يا حبيبتي، ولا تعب ولا حاجة، على مهلك ادخلي بقى برجلك اليمين عشان ربنا يبعد عنك كل شر يا بنتي. استني بقى أما أبخرك، بسم الله الرحمن الرحيم، قل أعوذ برب الفلق، من شر ما خلق، ومن شر غاسق إذا وقب، ومن شر النفاثات في العقد، ومن شر حاسد إذا حسد، صدق الله العظيم. -بس يا طنط، والنبي كفاية عشان ماما وصدرها والدخان. تعجبت الخالة زينب وسرعان ما أدركت أنها لم تعلم بعد. نظرت إلى السيد فارس، فأومأ إليها بأنها لا تعلم. فقالت:
-آه يا حبيبتي، حاضر حاضر. تعالي بقى ارتاحي في أوضتك، أما أنا بقى عملتلك حبة شوربة خضار وفرحة بلدي كده ترمي بيها عضمك، هتاكلي صوابعك وراهم. -ههههههه، أرم إيه بس يا خالتي، تسلم إيدك يا حبيبتي. أمال فين ماما؟ هي ما تعرفش إن أنا جايه النهارده ولا إيه؟ دي وحشتني أوي. قال والدها وبتر كلام الخالة زينب قائلاً:
-لأ يا حبيبتي، هي ما تعرفش، كان تعبانة شوية من امبارح ولسه نايمة. ما حبيتش أصحّيها، انتي عارفة قلت أسيبها ترتاح عشان بتصحى بدري. -آه يا بابا، حبيبتي يا ماما، أكيد تعبت أوي في غيابي. أنا هقوم أشوفها من بعيد وأبوسها لحد ما تصحى. -لأ يا ليلى، خليها بعدين يا بنتي، ارتاحي انتي دلوقتي. -ما تخافش يا بابا، مش هصحّيها، أنا هبوسها وأطلع، انت ماتعرفش وحشاني قد إيه. غضب السيد فارس وصرخ بوجه ليلى قائلاً: -قلتلك لأ، خلاص بقى.
تعجبت ليلى من ردة فعله وانتابها القلق أنه يخفي عنها شيئًا. زادها ذلك إصرارًا على رؤية والدتها: -هو في إيه يا بابا؟ انتوا مش عايزينيني أشوف ماما ليه؟ ماما مالها؟ ماما فيها حاجة مش كده؟ هي تعبانة صح؟ خرجت من الغرفة بخطوات متعثرة قليلاً، تستند على الجدران والأثاث، تتجه إلى غرفة والدتها وهي تنادي: -مامااااا، ماماااااا.
خلفها الخالة زينب والسيد فارس يحاولون منعها، حتى فتحت باب الغرفة ولم تجد والدتها. صدمت عندما رأت فراشها فارغًا. دخلت الغرفة وظلت تنادي عليها. فتحت خزانة ملابسها فلم تجد بها شيئًا: -إيه ده؟! هي ماما فين؟ بابا انت زعلتها؟ ماما سابت البيت؟ لأ دي عمرها ما عملتها، ماما فين؟
صمت الجميع، وفجأة نظرت إلى الحائط فوجدت صورتها يعلوها شريط أسود. ظلت تقترب وتنظر إليها وتزرف عيناها دمعًا في صمت وصدمة وهي تهز رأسها يمينًا ويسارًا بالرفض، إلى أن وضع والدها يده على كتفها برفق قائلاً: -وحدي الله يا بنتي، البقاء لله. أردفت تنظر إليه بسرعة ثم انهارت من البكاء وارتمت بين أحضانه صارخة: -مامااااااااا، مامااااااااا، لااااااااااا.
سمع فوزي صوت صراخها من خارج المنزل، فارتعب خوفًا ودخل مسرعًا إليها ظن أن أحدًا أصابه مكروه. وجدها تبكي في حضن والدها، فعلم أنها عرفت بموت والدتها. بعد لحظات، صمتت ليلى فجأة وهي في حضن والدها. اعتقد السيد فارس أنها هدأت وأخيرًا، لكن فوزي علم أنها ليست بخير. أقدم عليها يقول: -ليلى؟ أبعده والدها بيده وهو يضمها بالأخرى: -ابعد عنها، أوعى تحط إيدك عليها ولا تلمسها. -عمي، ليلى تعبانة.
-مالكش دعوة بيها، انت السبب في كل ده، أخرج برا. -عمي، بقولك ليلى تعبانة، خليني أوديها على أوضتها ونكلم الدكتور. -قلتلك أخرج برا. لم يستمع فوزي لحديثه، أقبل عليه بقوة وجذب ليلى من بين أحضانه فوجدها فاقدة للوعي. نظر إليه بغضب قائلاً: -قلت لحضرتك ليلى تعبانة، اتأكدت دلوقتي. -ليلى بنتي؟! يارب استرها عليها يارب. حمل فوزي ليلى إلى غرفتها، وقام بالاتصال بطبيب صديقه في المشفى المجاور. حضر الطبيب بسرعة وقام بفحصها:
-إيه يا فوزي؟ في إيه؟ مالها ليلى؟ -بعدين أحكيلك يا خالد، من فضلك شوفها، هي لسه خارجة من المستشفى بعد غيبوبة تلات شهور، وعرفت إن والدتها اتوفت. -تمام تمام، ماتقلقوش يا جماعة، إن شاء الله خير.
قام الدكتور خالد بفحصها، هو يعمل في المشفى التخصصي المجاور للمنزل. شاب وسيم ومهذب وخلوق، يبلغ من العمر ثلاثين عامًا، أعزب ويقطن في إحدى الحارات المجاورة لمنزل السيد فارس. يعيش منزله مع والدته ووالده ولديه شقيقة واحدة تدعى داليا، متزوجة من صديق له في المشفى. قال الطبيب خالد بعد فحصها: -أنا هديها إبرة دلوقتي وخلوها ترتاح، محدش يزعجها لحد ما تقوم لوحدها. فوزي، تعالى معايا عايزك. خرج فوزي مع الطبيب خالد إلى باب المنزل.
وقفا يتهامسان بصوت منخفض: -فوزي، على فكرة ليلى نفسيتها تعبانة أوي ومحتاجة دكتور نفسي ضروري جدًا. ليلى بتعاني من انهيار عصبي حاد بالإضافة للدمعة الأخيرة اللي كانت فيها. العقل والجسم منهارين يا فوزي. ارجوك خلي بالك منها ولازم يشوفها دكتور نفسي ضروري جدًا وفي أسرع وقت. -حاضر يا دكتور خالد، هعمل كل اللي تقول عليه، وهحاول أقنعها بموضوع الدكتور النفساني.
-تمام، وأنا هاجي أطمن عليها بكرة إن شاء الله تكون هدت شوية وفازت. أنا هكتبلها أدوية تمشي عليها بانتظام، فاهم، بانتظااام. -حاضر، فاهم. شكراً يا خالد، تعبتك معايا. -ياراجل، عيب عليك، إحنا أخوات. يلا، أشوفك بكرة إن شاء الله. ربنا يطمن عليها يا صاحبي، سلام. -مع السلامة. فتح فوزي باب الغرفة وقال وهو يحمل فارس الصغير: -أنا هروح أجيب الأدوية اللي كتبها الدكتور. خالة زينب، من فضلك ممكن تاخدي فارس لحد ما أرجع؟
هو تقريبًا عايز ينام. قامت الخالة زينب من جوار ليلى وقالت: -آه يبني، طبعًا ماتقلقش عليه. تعالى يا لولو، تعالى يا فارس، لا يا حبيبي، بس بس. بكى الصغير وحاولت السيدة زينب التعامل معه حتى خلد إلى النوم. وضعته في غرفة ليلى على فراشها، بينما كانت ترقد ليلى بجواره. خرج الجميع من الغرفة وليلى بجوار صغيرها. جلس السيد فارس والخالة زينب في صالون المنزل. دخل فوزي وبيده الأدوية فقال: -فارس فين؟ أجابته الخالة زينب:
-نايم يبني مع أمه جوا. تحدث السيد فارس بتهكم قائلاً: -كتر خيرك لحد كده، متشكرين أوي. تقدر تمشي، وجودك هنا ملوش لازمة. وجدت السيدة زينب أن الأمر أصبح عائليًا الآن ولا يمكنها البقاء، فقامت تستعد للمغادرة قائلة: -طيب، أنا همشي بقى أشوف البيت وأبقى أجي أبص على ليلى لما تروق كده وتهدى. لو في حاجة ابعتلي يا أبو ليلى. -كتر خيرك يا ست زينب، تعبناك معانا. سلمي ع الحج محمد والأولاد.
-ماتقولش كده يا أبو ليلى، انتوا أهلي. الله يرحمك يا سلوى يا أختي. تسلم يا أبو ليلى، سلام عليكم. -وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. جلس فوزي بعد وضعه الأدوية على الطاولة، ثم نظر إلى السيد فارس قائلاً بعدما التقط أنفاسه ندمًا: -أنا مش هبرر لنفسي يا عمو فارس ولا هدافع عن نفسي، بس بما إني سبب كل اللي حصل ده والسبب في حالة ليلى، أنا مش همشي من هنا غير لما ليلى ترجع زي الأول وأحسن، وكل حاجة ترجع زي ما كانت.
شبك أصابعه متكئًا بيديه على فخذيه مائلاً قليلاً للأمام وهو جالس على كرسيه، تحدث إليه بتهكم وسخرية: -امممم، هاترجع كل حاجة زي ما كانت، مش كده؟ -إن شاء الله، وأحسن من الأول كمان. -آه، ويا ترى بقى هاترجع سلوى يا فوزي بيه؟ هاترجع التلات شهور اللي ضاعوا من عمري وأنا بعيد عن بنتي؟ هاترجع التلات شهور اللي ضاعوا من عمرها وعمر ابنها وهو بعيد عنها؟ هاترجع أم لبنتها والحياة تاني يا فوزي بيه؟
لجم لسانه وكأنه مقيد، لم يستطع الرد على كلامه. ماذا سيقول؟ فلا مجال للحديث هنا. شعر فوزي بالذنب الشديد والندم الشديد على فعلته. لم يكن يعلم أن الأمور ستوصله إلى هذا الحد. أطرق عيناه أرضًا خجلًا قائلاً: -أنا معنديش كلام أقوله لحضرتك، بس كل اللي أقدر أقولهولك إني مش همشي من هنا لحد ما ليلى ترجع لطبيعتها وتقدر تاخد بالها من ابنها.
قام فوزي واتجه إلى خارج المنزل. جلس في حديقة المنزل على الأريكة حتى غلبه النوم. بعد مدة قاربت الساعتين وتخطت الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل، تتقدم خطوات شخص ما إلى فوزي حتى ظهر الظل على وجهه وهو نائم، ثم قامت يدان بوضع فراش عليه وتغطيته أثناء نومه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!