ربما تتلاقى الأعين رغم افتراق الأشخاص، وربما تتلاقى الأرواح رغم افتراق الأبدان، فلكل لقاء لذته وآثاره. كان لقاء فارس وثريا الأول بعد غياب دام لفترة طويلة. عندما تلاقت أعينهما، لم يرى كل منهما سوى الآخر رغم ازدحام المكان بالناس، كأن الزمن قد توقف في تلك اللحظة. صمت الجميع وتحدثت القلوب والأعين. يتحكمون في اقترابها وافتراقهم، لكن لا حكم على القلوب، ولا سلطان عليها.
نظرت في عينيه تلومه بصمت، ونظر في عينيها يعاتبها بصمت. إلى أن تعجب الحضور من وقفتهم التي دامت هكذا لبعض الوقت. إلى أن رآهم عماد، اقترب من ثريا من خلفها وبتر تلك اللحظات التي كان من الممكن أن تكون بداية جديدة لهم. "ثريا؟! في حاجة، انتي كويسة؟ فزعت ثريا وانتفضت، لأنها لم تكن مدركة الجميع حولها. غابت عن الوعي عندما حضر عشقها، سلب منها وعيها وكأنه سحر سيطر على جميع حواسها. "لأ، لأ، أنا تمام بخير."
وقفت نايا أيضاً بجوار فارس ووضعت يدها على كتفه، مقتربة منه إلى حد جعل ثريا تنظر إليها بصدمة، تتساءل ما الأمر؟ هل هذه صديقتها التي كانت تناسبها دائماً؟ أم أنها لم تكن كذلك من البداية وكان لها رغبة أخرى في قربها منها؟ أزال فارس يد نايا عن كتفه بذوق، وقال وهو ينظر إلى عماد بتهكم، اشتعلت به نيران الغيرة ورغبة الانتقام، لأنه كان السبب الأول في بعدها عنه. "انت بتعمل ايه هنا؟
وضع عماد يديه في جيبه، يقف بثقة وغرور رافعاً رأسه، يتحدث إليه من طرف أنفه، كأنه يخبره أنني أنا من ربحت وبقيت بجوارها وأنت لا. "لازم اكون موجود، أي مكان فيه ثريا أكيد هاتلاقيني فيه." تحدث فارس بسخرية. "والله دا أنت لزقة بقا من يومك." كاد أن يشب شجار بينهما لولا أن وقفت ثريا بينهم وقالت وهي تنظر لفارس. "عماد هو مدير أعمالي، طبيعي إنه يكون موجود معايا في أي حفلة، بس الغريبة هو وجودك هنا انت ونايا."
تحدثت نايا بهدوء وقالت. "ايه الغريب في كده؟ انتي ما تعرفيش إنك كنتي بتحيي حفل شركتنا والا ايه؟ تعجبت ثريا وظنت أن فارس تركها لأجل نايا ومالها. قالت بصدمة. "شركتكم؟ أجاب فارس عندما لاحظ الصدمة على وجه ثريا، يشرح لها. "أنا بشتغل في الشركة، والحفل ده بيخص توقيع عقود لصفقة مهمة خاصة بالشركة." "بس أنا اللي كلمتني واحدة لبنانية، ازاي؟ "اه، دي آنسة سارة الشريك اللي هانمضي معاه عقود الصفقة، أهي هناك أهي، سارة."
أشار إليها فارس، وانت إليهم وهي مبتسمة. مدت يدها إلى ثريا وقالت. "ثريا بجد صوتك يجنن، أنا من أول ماشفت الفيديو بتاعك وأنا قولت محدش هيغني في الحفلة غيرك. عايزة أقولك صوتك أصلاً اللي خلاني أفكر أعمل حفلة." سلمت عليها ثريا وقالت وهي مبتسمة بحزن تدعي الفرحة. "ميرسي ليكي يا سارة، أنا كمان سعيدة بمعرفتك. أكيد لسه منورانا في مصر شوية؟ "اه أكيد، أنا عندي دراسة هنا بدرس موسيقى في جامعة القاهرة."
"معقول، ده كان مجالي ودراستي أنا كمان." "بجد والله، حيث كده بقا أنا هستغلك طول فترة وجودي في مصر." "أكيد، ليه لا، أنا تحت أمرك. استأذنكم، فرصة سعيدة." أجابتها سارة بحب. "إحنا أسعد، أشوفك قريب، باي." "أكيد، باي." ذهبت ثريا، وخلفها عماد. توقف عدة ثوان أمام فارس يستفز مشاعره وهو يبتسم دلالة على انتصاره برفقة ثريا. عندما أوشك فارس أن يتقدم نحوه ويتشابك معه، أمسكت بزراعه نايا وقالت. "اهدى يا فارس، أرجوك الناس حوالينا."
تحدث فارس بانفعال وغضب إلى سارة وقال. "ليه ما قولتيليش إنها ثريا اللي هتغني؟ كان لازم تعرفيني يا سارة." نظرت سارة باستغراب لطريقة كلامه وانفعاله وقالت. "أنا آسفة، مكنتش أعرف إنك هاتتضايق من وجودها كده." "أنا مش مدايق من وجودها، أنااا." توقف عن الحديث واعتذر منهم وذهب خلف ثريا. لا يمكنه الانتظار حتى يتحدث إليها. وقفت سارة مزعوجة من حديث فارس، فقالت لها نايا.
"معلش يا سارة، ماتزعليش، فارس مدايق؛ لأن هو وثريا كانوا بيحبوا بعض وانفصلوا من فترة، تقريباً دي أول مرة يتقابلوا من وقتها، وانتي السبب؛ عشان كده هو مدايق." "بس أنا معرفش حاجة زي دي، يعني أكيد لو كنت أعرف مكنتش كلمتها أو دايقته بده." "مش مشكلة، حصل خير، هو شوية وهايهدى، ماتقلقيش." انتاب سارة الحزن على حالة فارس وما حدث بسببها. ظنت أنها تسببت له في جرح جديد. ذهبت سارة تبحث عنه، فوجدته متجهاً إلى سيارة ثريا.
نادى ثريا وركض خلفها يمسك بزراعها. "ثريا ممكن نتكلم شوية لو سمحتي؟ وقف عماد ليرد عنها فقال. "ثريا مش فاضية." أقبل عليه فارس ليتشابك معه قائلاً. "وأنا مال أهلك، بتتدخل ليه؟ وقفت ثريا بينهم وعلا صوتها وقالت. "خلاص كفاية، عماد من فضلك امشي، أنا كمان عايزة أتكلم مع فارس شوية." "تمام يا ثريا، اللي تشوفيه، سلام." صعد عماد بالسيارة وذهب مسرعاً. بينما كانت سارة تقف خلف الحائط تترقبهما. وقفت ثريا ونظرت إليه بضيق وقالت.
"اتفضل، سمعاك، عايز تقول إيه؟ "طمنيني عنك الأول، انتي كويسة؟ رفعت ثريا يديها وضربت على جانبيها برفق تسخر من سؤاله، ترى كيف ستكون وهي بعيدة عنه. "انت شايف إيه، أكيد طبعاً كويسة." "أنا عايز أفهمك إنــ." بترت حديثه بلا مبالاة. "مش محتاجة أفهم يا فارس، أنا فهمت اللي كان لازم أفهمه من زمان. انت كمان مش مجبر تبررلي، بعد إذنك." عندما أدارت له ظهرها وبعدين خطوتين قال لها.
"يعني أنا كمان فهمت كده سبب وجود عماد معاكي، ومش محتاج إنك تبرريلي؟ توقف بانفعال وعادت إليه غاضبة. "انت بتقول إيه، عماد ده مدير أعمالي وبس، لكن الدور والباقي على نايا. نايا اللي كنت فاكراها صحبتي، واللي وجودها معاك مالوش أي مبرر غير." بتر حديثها قائلاً. "غير إنها شريكة في الشغل يا ثريا، شريكة وصديقة وبس." تحدثت ثريا بوتر شديد وانفعال.
"أنا أصلاً مش عارفة أنا بسألك ليه، دي حياتك وانت حر فيها. شريكتك حبيبتك انت حر، مبقاش يهمني." أمسك بزراعها وهي تغادر وأعادتها إليه. جذبها بشدة حتى ارتطمت بصدره. نظر إليها وهي تتنهد بين أحضانها. "بجد مبقاش يهمك يا ثريا، خلاص." تحدثت بهدوء وهي تتسارع أنفاسها بين يديه. "خلاص، دي انت اللي قولتها يا فارس، مش أنا." "اللي انتي عملتيه وقتها مكنش ينفع يتعمل يا ثريا." "واللي انت عملته وقتها كان ينفع يتعمل، مش كده؟
"ثريا أنا راجل المفروض إنك تحترميني، أنا غلطت أه، بس ده من غيرتي عليكي." دفعته ثريا بعيداً عنها وقالت بضيق. "هي دي مشكلتك بس إنك انت الراجل، وطبعاً تصرفي هان رجولتك مش كده؟ لكن مفكرتش أنا إحساسي كان إيه لما شكيت فيا." "أنا عمري ماسكين فيكي، وانتي عارفة كده كويس، بس مكنش ينفع تعملي راسك براسي يا ثريا." صفقت ثريا سخرية من حديثه. "برافوووو أستاذ فارس، برافووو. انت الراجل وأنا الست، مش كده؟
والمفروض إني أقبل منك أي تصرف حتى لو فيه إهانة ليا، بس لمجرد إنك انت راجل وأنا ست. يا خسارة يا فارس، طنط ليلى معرفتش تربيك صح." "الزمي حدودك يا ثريا، والا." "والا إيه؟ هاتضربني تاني؟ يلا اضرب، اضرب." بدأت ثريا تنهار من البكاء وتضرب بصدره بقوة. يتراجع إلى الخلف خطوة بعد الأخرى من شدة ضرباتها. يحاول تهدئتها لكنها لا تستجيب. "يلا اضرب يا فارس، اضرب، اضربني كمان، يلا."
"خلاص، أهدي، ثريا اهدي، خلاص، أنا آسف، حقك عليا، خلاص." ضمها فارس إليه بشدة وهي تبكي وضمته بشدة وهي تتألم من وجع قلبها. تبكي بقهر. قالت وهي بين يديه. "عمري ما كنت أتخيل إنك ممكن تسيبني في يوم من الأيام عشان نايا وفلوس وشركات عمري، مقهورة منك يا فارس أوي." أمسك بكتفيها وقال منفعلاً. "فارس إيه؟ انتي تفتكري إن أنا كده يا ثريا؟ أنا وصلت لكل ده بمجهودي وتعبي، عمرك ما هتفهمني يا ثريا، عمرك."
"مجهودك وتعبك يوصلك لكل ده في أقل من سنتين يا فارس، مش كده؟ تحدث بانفعال وهو يلوح بيديه. "عشان مكنتش بنام يا ثريا، مكنتش بنام. وانتي بعيدة عني كنت بموت نفسي في الشغل؛ عشان مفكرش فيكي وأشوف صورتك كل شوية قدامي. الحاجة الوحيدة اللي كانت بتخلي الوقت يعدي بسرعة عليا هي الشغل، الشغل يا ثريا." أقبل عليها وأمسك بكتفيها وقال بعتاب وهو يضع أنفه بأنفها، وجبينه بجبينها. "إزاي تفكري كده فيا، وانتي عارفة انتي عندي إيه، إزاي؟
تسارعت أنفاسها وضربات قلبها. أغمضت عينيها لشدة قربه منها. وعندما هم يلتقط شفتيها بقبلة شوق، أوقفته بقولها. "مش قادرة أصدقك." نظر إليها بحدة وترك كتفيها مبتعداً. رفع يديه على رأسه يكررها على شعره بضيق. ثم قال. "وانتي وصلتي لهنا إزاي يا ثريا؟ ها، مش غريبة أحلامك كلها تتحقق في أقل من سنتين وتبقي نجمة مشهورة، دفعتي إيه تمن شهرتك؟
وقفت سارة خلف الحائط، وضع سارة يدها على فمها من الصدمة. نظرت إليه ثريا بصدمة شديدة لاتصدق، وقالت وهي تقترب منه بدموع لا تتوقف وقلب منفطر. "انت إزاي تقولي كده، ها؟ انت إزاي تتجرأ تقولي كده؟ أنا مش مصدقة نفسي." صرخت ثريا ترددها بانفعال وغضب لا يوصف. "يا ريتني كنت مت قبل ماسمع منك الكلام ده، ده انت مبينيل على إيديك يا فارس، يا ريتني كنت مت، يا ريتني كنت مت، يا ريتني كنت من."
ركضت ثريا مسرعة إلى الطريق تبتعد عنه. وإذا بسيارة مسرعة كادت أن تضربها لولا أن فارس ركض خلفها وجذبها نحوك بقوة لترتمي بين أحضانها بعد صرخة خوف. أبعدته عنها وقالت. "شديتني ليه؟ ليه ماسبتنيش أموت ليه؟ "ثريا اهدي، من فضلك اهدي، خلاص، طب استني أوصلك ثريا؟
أوقف ثريا سيارة أجرة وصعدت بها. وفارس يقف على نافذة السيارة ينادي باسمها وهي تبتعد. للمرة الثانية كأن الزمن يتوقف في تلك اللحظات حتى تبتعد عنه. ذهبت ثريا وعاد فارس إلى الداخل. عندما كان يمر بجوار الحائط الذي تقف خلفه سارة، شعر بوجود أحد خلفه. أردف ينظر متفاجئاً من وجودها. تقدمت إليه بخجل قائلة. "أنا آسفة، كنت جاية عشان أعتذرلك وسمعتكم، مقدرتش أتدخل بصراحة، أنا آسفة كمان مرة، انت كويس؟
"أنا عايز أمشي من هنا يا سارة، مش طايق المكان ولا طايق نفسي." "طيب من فضلك استنى هنا، ماتروحش مكان، هجيب شنطتي وراجعة فوراً، ماتروحش مكان ها." دخلت سارة إلى الحفل وجلبت حقيبة يدها بسرعة وخرجت. رأتها نايا تذهب مسرعة فتبعتها إلى الخارج. وجدتها تصعد إلى السيارة هي وفارس. حاولت أن تلحق بهما ونادت على فارس لكنه لم يجيب. طلب من سارة أن تذهب على الفور. عندما كانت تقود سارة السيارة، كان فارس حزين للغاية. قال معتذراً منها.
"أنا آسف يا سارة على كل حاجة انتي سمعتيها." "على إيه بتعتذر، أنا اللي آسفة، بسببي حصل كل ده." "انتي مالكيش ذنب، اللي حصل ده كان لازم يحصل من بدري أوي، كان لازم هانتواجه في يوم." "فارس انت شكلك بتحبها أوي على فكرة، وهي كمان بتحبك، ليه تعملوا في بعض كده عشان حد تاني؟ "حد مين يا سارة؟ أنا مفيش حد في حياتي غير ثريا." "بس واضح جداً إن نايا وعماد سبب في كل ده."
"نايا مالهاش ذنب، وقفت جنبي وساعدتني بدون أي مقابل. إنما عماد من وقت ما كنا في الجامعة وهو عينه من ثريا، دايماً كان سبب مشاكل بينا، وهو سبب انفصالنا عن بعض برضوا." توقف سارة بالسيارة جانباً وقالت. "بص يا فارس، مش كل الناس بعدي حاجة وتساعد بدون مقابل، وأنا شايفة بما إن نايا لحد دلوقتي ماطلبتش مقابل، يبقى هيكون المقابل كبير أوي، وتقريباً هاتحصل عليه من غير تعب."
"أنا مش فاهمة يا سارة، انتي إزاي قدرتي تعملي تقرير عنها، انتي أول مرة تشوفيها." "المهم إنك تاخد بالك منها يا فارس، نايا من الواضح إنها مش سهلة." "ممكن نروح ع البيت لو سمحتي؟ "أكيد ممكن، بس لازم نتصل بمدير الشركة، أشرف بيه عشان نعتذرله عن خروجنا المفاجئ ده من الحفلة." "تمام، اتصلي انتي، لأني مش قادر أتكلم مع حد."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!