وقفت ليلى أمامه متعجبة، ليس مما أخفاه عنها، بل من مدى حبه لها وخوفه عليها. كان فوزي يعتقد العكس في نفس الوقت، ظن أن ليلى علمت ما طلبه منه والده. لكن الرسالة الثانية فاجأت فوزي وخيبت ظن ليلى في أنه يخفي عنها شيئاً ما. قالت ليلى وهي تقترب منه، وعيناها تذرف دمعاً: "انت ازاي تعمل كده؟ أسقطت قلب فوزي بين قدميها ككرة صغيرة تقفز دون توقف. "ليلى أناااا كنت هقولك والله." "تقولي بإيه وامتى؟
انت ازاي أصلاً تفكر إني هسمح بحاجة زي دي تحصل؟ "ليلى اهدي من فضلك، بليز خلينا نقعد ونحكي." "احكي إيه بس احكي إيه." أقبلت عليه تضمه بين أحضانها بشدة. تعجب فوزي من رد فعلها وكأنه تجمد جراء سقوط ماء مثلج على رأسه. "انت ازاي تفكر إني ممكن أمنعك تشوف باباك التعبان؟ ازاي فكرت إني هكون قاسية للدرجة دي؟ ليه خبيت عليا إن باباك تعبان بقاله تلات شهور، وبعتلك قبل كده وانت مارديتش عليه؟ طب ليه؟
تعجب فوزي مما تقوله، نظر إليها بشرود، ثم عاد من شروده مسرعاً بعدما أدرك أن تلك الرسالة ليست كما كان يعتقد. التقط أنفاسه مطمئناً ثم قال بهدوء: "بعتذر منك حياتي والله، مش قصدي إني أخبي عليكي شيء، أنا ما كنتش عايزك تشغلي بالك." أمسكت بيديه وجلسته جوارها على الأريكة، بينما كانت تجلس والدتها على الكرسي المجاور.
"فوزي أنا عمري ما همنعك من إنك تشوف والدك وتطمن عليه، روح له يا فوزي، باباك تعبان ومالوش غيرك، أكيد هو محتاجلك دلوقتي أكتر من أي وقت فات. وبعدين يمكن لما يعرف إنه بقى عندك ولد صغير يغير رأيه وترجع المياه لمجاريها، والا إيه يا ماما." تحدثت والدتها وهي تجلس فارس الصغير على قدميها: "طبعاً يا ابني، المسامح كريم، واللي مالوش خير في أهله مالوش خير في حد. روح يا ابني لأبوك واطمن عليه، وربنا يهديكم لبعض."
زفر بضيق يحاول إخفاءه. ابتسم بزيف وهو يربت على كتفها: "حبيبتي شكراً ليكي على الكلام الحلو ده، بجد ريحني جداً، بس أنا ما أقدرش أسيبك انتي وفارس هنا لوحدكم، مش هكون مطمن وأنا بعيد عنكم، علشان كده ما حبيتش أرد عليه." نظرت إليه والدتها بعتاب وهي تقول: "لا يا فوزي يا ابني مالكش حق تقول الكلام ده، لوحدهم إزاي بس وأنا وعمك فارس معاهم، ما تشغلش بالك عليهم، سافر وأنت مطمئن، دول في عنيا."
"ربنا يخليكم ليا وما يحرمني منكم أبداً، يلا حياتي ارتاحي دلوقتي وبعدين نتكلم في الموضوع ده." بعد مرور أسبوع من الزمن، قرر فوزي الرحيل إلى لبنان للاطمئنان على والده، وذلك بعد إصرار من ليلى. بالطبع، لم تكن تعلم أن إصرارها على رحيله سيكون سبباً في خسارتها إياه.
سافر فوزي إلى والده، وكان بالفعل مريضاً، مستلقياً على الفراش يمضي بعض الأوراق الخاصة بالعمل. عندما رآه فوزي، كأن الحياة عادت إليه من جديد، وكأنه لم يكن مريضاً. انتفض من فراشه كالطفل الصغير بابتسامة عريضة وفرحة عارمة ودموع فرح وحب. بالرغم من حدة طباعه، إلا أن هناك قلب لا يعرف القسوة، وهو قلب الأب أو الأم، مهما كانت أفعالهم تظهر العكس. احتضن فوزي أباه: "شوي شوي بابا، على مهلك، انت كويس."
"ابني حبيبي اشتقتلك، كنت مفكر إني مش هشوفك مرة تاني قبل ما أقابل ربي الكريم، كنت بعرف إنك هتيجي وإنه عقلك هيرجع لك يا ابني." بتر كلامه فوزي بصورة أخرجها من جيبه وهو يقول: "بابا بترجاك، مالوش لزوم الكلام ده دلوقتي، بص كده هنا شوف، ده ابني فارس الصغير، الوضع دلوقتي بقى مختلف، بابا أنا بقى عندي ابن." نظر إلى صورة الطفل واللهفة تخرج من ملامحه شوقاً لضمه بين يديه. ابتسم وهو يبكي قائلاً:
"بسم الله ما شاء الله على الوش الحلو، قد إيه بيشبهك الواد ده يا فوزي، وبيشبهني أنا كمان، مش كده؟ بس ليه ما جبتهوش معاك يا فوزي؟ مع مين سايبه هناك؟ "مع أمه يا بابا، مع ليلى، ما أقدرش أجيبه هنا، أنا جيت علشان أطمن عليك وهرجع تاني عندهم مصر." بدأت ملامح وجهه تتغير، وبدأ يتملكه الغضب أكثر فأكثر، بداية بالتعجب إلى الانفعال غير المسبوق. جلس والد فوزي على فراشه وهو متعجب: "إيه؟! انت بتقول إيه؟
ازاي يعني ما تقدرش تجيبه هنا، وإنك هاترجع تاني عندهم؟ هنا إزاي يعني؟ "بابا أنااااا." بتر كلامه بصوت مرتفع يصرخ في وجهه: "أنا مش قلتلك تسيب البنت دي يا فوزي؟ مش قلتلك الكلام ده قبل ما تيجي هنا؟ مفكر إنك كده بتلوي دراعي دلوقتي؟ انت مفهمتش أنا قلتلك إيه."
"بابا أنا ما أقدرش أسيب ليلى يا بابا ولا أقدر أسيبك يا ابني، لو انت عايزني أكون معاك فأنا هروح أجيب ابني ومرتي معايا هنا، ولو انت مش عايز كده فأنا همشي ومش هرجع هنا تاني يا بابا ولا حتى هنشوف وشي تاني بعد كده." بدأ يتأثر ضاهر بيك سلباً جراء انفعاله. أمسك صدره وهو يتألم حتى فقد وعيه على الفراش. ازدادت ضربات قلب فوزي، ظن أنه قد فارق الحياة بسببه. ركض عليه مسرعاً يمسكه من رأسه يحاول إفاقته، ثم صرخ ينادي على خدام القصر:
"بابا؟ بابا؟ بترجاك رد عليا يا بابا؟ يا روبا يا مصطفى تعالوا بسرعة هنا بسرعة." دخلت الخادمة "روبا" وهي التي تعتني بكل ما يخص القصر من طعام وشراب وغيره، والتي تعد تقريباً تربت وكبرت في هذا القصر مع والدها الذي كان يعمل به. ومن بعدها دخل "مصطفى" وهو سائقه الخاص والذي يعد كابن له أيضاً، لأنه في سن ابنه وترعرع معه في القصر إلى أن غادره. "في إيه يا فوزي بيه؟ إيه اللي حصل؟
"روبا اتصلي بالإسعاف فوراً وكلمي دكتور بابا بليز بسرعة، مصطفى شيله معايا بليز." وصل الطبيب وبعد فحصه له أخبر فوزي أن والده لا يحتمل التوتر والانفعال، وأن قلبه أصبح ضعيفاً للغاية، لذلك عليه بمجاراته وعدم مجادلته وإلا سيفقدونه عما قريب. شكر فوزي الطبيب وخرج معه مصطفى إلى باب القصر، ثم عاد إلى فوزي وجده جالساً بجوار والده وهو يبكي. أمسك مصطفى بكتفه وقال:
"فوزي بيه تعالى ممكن نحكي شوية، سيبه يرتاح دلوقتي بعدين بتشوفه وتتكلموا مع بعض على رواق، تعالى معايا يلا." خرج فوزي معه إلى حديقة القصر وجلس على الكرسي، وجلس جواره مصطفى قائلاً: "أنا هتكلم معاك بصفتي أخوك اللي اتربيت معاه مش بصفتي خادم في القصر، ممكن تقولي انت إزاي عايش انت ومراتك وابنك؟ إزاي مكفي نفسك يا أخي؟ انت هنا بتعمل كل اللي انت عايزه والتصرف أد مانت عايز من غير ما حد يحاسبك، إزاي عايش هناك؟
ممكن تقولي إزاي هاتربي ابنك في الوضع ده؟ هاتقوله لما يحتاج حاجة وأنت مش معاك تجيبهاله؟ بترجاك يا أخويا فكر بكلام ضاهر بيك." نظر إليه باستغراب: "انت بتقول إيه يا مصطفى؟ انت عايزني أسيب ليلى؟ عايزني أعمل اللي هو عايزه وأنت عارف إنه غلط، دي ليلى يا مصطفى، انت عارف يعني إيه ليلى؟ يعني حب حياتي وعمري كله، دلوقتي كمان بقى فيه فارس الصغير ابننا اللي بقى عندي بالدنيا وما فيها، إزاي عايزني أسيبهم؟
"أنا ما قلتش كده بس على الأقل لازم تفكر بمستقبل ابنك، هنا هيكون إزاي وهناك هيكون إزاي يا بيه، ممكن تتكلم مع أختي ليلى وتشرحلها الوضع، وممكن أجيبها معاك وتعيش بمكان تاني بعيد عن ضاهر بيه، وكده تبقى رضيت كل الأطراف وضمنت مستقبل ابنك ومستقبلك لحد ما تهدى الأمور بينكم، ماينفعنش تخاطر بكل حاجة مهمة لحياتك بس علشان حاجة واحدة وهي ليلى يا أخويا، بالطريقة دي هاتخسر أبوك وثروتك ومستقبل ابنك كمان، فكر كويس في كلامي قبل ما تأخد قرار ترجع تندم عليه بعدين يا فوزي بيه، أنا هسيبك ترتاح دلوقتي، لو احتاجت حاجة أنا موجود."
جلس فوزي شارداً لأكثر من ساعة، يفكر فيما قاله مصطفى وحالة والده وفي عشقه الأول والأخير ليلى وابنه الصغير. ثم قام متجهاً إلى غرفته ليرتاح. عندما دخل الغرفة، عادت إليه ذكرياته مع والدته ووالده عندما كان صغيراً، وعندما كان شاباً وهو يدرس، وعندما ترك تلك الغرفة آخر مرة. جلس على مكتبه وأمسك بقلمه وكتب رسالة لوالده وغادر إلى غرفة والده. نظر إليه من بعيد ثم وضع الرسالة بجواره وغادر القصر دون أن يراه أحد، ثم اتجه إلى المطار عائداً إلى مصر.
عاد والده إلى وعيه وهو ينادي باسمه ويبحث عنه: "فوزي؟ فوزي؟ ابني ماتسيبنيش ماتمشيش بترجاك، فوزي." تحدثت إليه روبا وهي تنظم الغرفة: "السيد فوزي مش هنا يا ضاهر بيك، بترجاك ارتاح، قال الدكتور إنك لازم ترتاح كويس." "روبا فين فوزي يا بنتي؟ "هو مشي من غير ما يقول حاجة لحد بس ساب الرسالة دي لحضرتك." أعطته روبا الرسالة وهي تدعي من قلبها ألا تكون تلك الرسالة سبباً في فقدانه. ومن ثم تعجبت لتلك الابتسامة التي ملأت وجهه،
ثم قال بفرح: "كنت عارف إن ابني مش هايسيبني يا روبا، حفيدي هيجي هنا عندي." تعجبت روبا من حديثه ثم قالت بلطف: "إن شاء الله خير يا بيه، ألف مبروك، حضرتك بتؤمر بتجهيزات لاستقبال حفيدك؟ اللي حضرتك تؤمر بيه هايكون جاهز يا بيه." اعتدل من نومه قليلاً رافعاً رأسه، ساعدته روبا بوضع وسادة خلف رأسه. التقط أنفاسه مطمئناً وهو يقول:
"يا الله يا روبا، من قد إيه وأنا بستنى اللحظة دي، وأخيراً بقى عندي حفيد وهايجي يعيش معايا هنا وأربيه بإيديا دول، الحمد لله يارب، أنا عايزكم تحضروا أحلى شيء وكل شيء بيطلع بيديكم لاستقبال ابني وحفيدي بقصرهم، مش عايز حاجة تنقصهم ولا يحتاجوا أي حاجة. آه وكمان جهزوا لحفيدي أحلى أوضة في القصر كله علشان يكون مبسوط." "بأمرك يا بيه، في شيء تاني حضرتك عايزه؟
"آه يا روبا اتصلي بمهندسين الديكور لغرف الأطفال وكمان تجهيزات الغرفة والأثاث بتاعها، وكل شيء، عايز كل شيء يكون جاهز في خلال أسبوع من دلوقتي، حفيدي هيوصل بعد أسبوع من دلوقتي." "تحت أمرك يا بيه، حضرتك بتؤمر أمر، من بعد إذنك هروح أشوف التحضيرات."
أشار إليها بيده للخروج وخلد للنوم وهو يمسك بصورة فارس الصغير. بعد مرور ثلاثة أيام وبعدما عاد فوزي إلى مصر، لم تكن لديه الجرأة ليخبر ليلى بما حدث معه، فقط أخبرها أنه اطمئن على والده وأنه يريد رؤية فارس الصغير. فرحت ليلى بذلك وظنت أنها ستغادر معهم إلى هناك، فبدأت بالتجهيزات والتحضيرات للسفر.
تعجب فوزي من كل تلك التجهيزات التي تقوم بها ليلى، فأقبل على سؤالها اعتقاداً منه أنها بالغت في ذلك، لأنه سيغادر هو وابنه فقط، بينما هي تتصرف على عكس ذلك، لأنها متيقنة من أنها ستغادر معهم. وهنا كانت اللحظة التي لعب فيها القدر دوراً غريباً لم يكن في الحسبان لكل منهما. "حياتي مش كتير كل الحاجات دي لفارس وليا؟ يعني كلهم كام يوم بس." تعجبت ليلى ثم قالت: "حبيبي هو إيه ده اللي كتير؟
ده يا دوب كام غيار ليا ولك ولفارس لحد ما نستقر هناك ونجيب هدوم، وبعدين كام يوم إيه مدام ربنا هدا لك أبوك خلاص يا فوزي ماينفعش تسيبه وهو تعبان كده." "لحظة لحظة انتي بتقولي إيه يا ليلى، انتي حضرتي حاجات ليكي ليه؟ أنا هسافر أنا وفارس يا حبيبتي، بابا عايز يشوف فارس وأنتي عارفة موقفه من ناحيتك إيه." تركت ما بيدها من ملابس بصدمة، تقف وتنظر إليه: "مش فاهمة يعني إيه عايز يشوف فارس وانت هاتسافر مع فارس لوحدك، طب وأنا إيه؟
مش فاهمة." "ليلى حبيبتي…." بترت حديثه بانفعال: "آآآآه طبعاً أبوك لسه معترض على وجودي مش كده؟ وعشان كده طلب إنك تروح انت وفارس بس، وقال إيه كمان ها قالك إيه عليا، أنا مش عارفة هو بيكرهني ليه أنا عملتله إيه عشان يكرهني كده." أقبل عليها يمسكها من كتفيها يهدئها: "حياتي ممكن تهدي نفسك شوية بليز." وإذا بها تدفع يديه عنها وتبعده قائلة بانفعال وتهديد:
"اسمع يا فوزي أنا ابني مش هايخرج من بيتي ولا هايروح مكان، عايز تسافر انت سافر لوحدك، إنما ابني لا." "انتي بتقولي إيه يا ليلى؟ إحنا مش اتكلمنا في الموضوع ده، إيه اللي حصل دلوقتي، أنا مش قلتلك إني هاخد فارس لبابا عشان يشوفه، ما قلتش يا ليلى إنك هاتكوني معانا والا إيه، وبعدين هما كلهم كام يوم يا حبيبتي وهانرجع هنا فيها إيه دي بقى؟
"وانا مش مرتاحة للسفرية دي يا فوزي، ابني صغير وبيُرضع وما يقدرش يقعد من غيري ولا ساعة، وقلتلك يا فوزي إن ابني مش هايخرج بره البيت من غيري فهمت والا لسه هانحكي تاني؟ باباك عايز يشوفه يجي يشوفه هنا وهو ف حضني وف بيتي، والا كتير علينا إن البيه يشرفنا بحضوره، طبعاً ما إحنا مش قد المقام."
"ليلى بليز بلاش الكلام اللي ملوش طعم ده دلوقتي، قلت إني هاخد فارس عند البابا وما عندي نقاش تاني في الموضوع ده من فضلك، فهمتي والا لسه هانحكي تاني؟ بعديلي كده لو سمحتي." خرج فوزي غاضباً من غرفته إلى خارج المنزل. جلست ليلى على فراشها وهي تصرخ عند خروجه: "مش هاتقدر تاخد ابني مني يا فوزي ولا انت ولا أي حد في الدنيا دي كلها سامعني، ابني مش هايخرج من بيتي مش هايخرج."
انهارت ليلى من البكاء جراء ما حدث بينها وبين فوزي. دخلت والدتها ووالدها يحاولان تهدئتها. كانت تلك هي المرة الأولى التي يتشاجران فيها، وكانت أيضاً الأخيرة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!