اعتدل في جلسته وأخذ وضعية السواقة ومشي بالعربية وبدأ يحكي: من بعد ما ستي ماتت، جدي مكنش مركز في أي حاجة خالص لا في صحته ولا في شغله. وكان فيه صديق له شغال معه اسمه توفيق، جدي كان بيثق فيه أكتر من نفسه ومكنش يعرف إيه اللي مخبيه جواه من نوايا.
وطبعًا وجود جدي في الحالة المتدهورة دي كان أنسب وقت علشان توفيق يطلع فيه كل نواياه وينفذ خطته. وفعلاً خلى جدي يمضي على ورق بيقر فيه إنه متنازل عن نصيبه من الشركة لشريكه في العمل، واللي هو توفيق طبعًا. والمؤسف في الأمر إن توفيق مكنش عايز الشركة بس، لا وكمان البيت بالخدم. وده اللي حصل وجدي مضى على الورق ده من غير ما يعرف، لأن حالته مسمحتلوش إنه يقرأ حاجة وكان واثق في صاحبه جدًا. وبالعكس كان ممتن إنه مقدر ظروفه وشايل الشغل لوحده لحد ما اكتشف إنه كان بيغفله علشان يخليه يمضي على كل ممتلكاته.
طبعًا كانت صدمة لينا كلنا، وبالأخص جدي لأنه كان لسه مفاقش من صدمة جدتي قمر، وبعدين صدمته هو بصاحبه أكتر من صدمته بخسارة كل أمواله. واللي كان فيها له الصدمة الرابعة لما عرف إن توفيق لم الكتب اللي في مكتبة جدي كلها علشان يحرقها.
جدي عرف وجرينا أنا وهو على بيتنا وفعلاً لقيناه بيحرقها. جدي جري وكان بيقع ويقوم لحد ما وقع قدام الكتب وهي مرمية في قلب النار وهو بيحاول يطلعها ويطفي النار عنها، ومكنش حاسس بإيده اللي اتحرقت. هو بس كان بيعيط بحرقة، ولتاني مرة أشوفه بيبكي كدا على حاجة بعد ستي. حاولت أطلع الكتب معاه بس مفيش فايدة، اتحرقت. وقفت قدام توفيق واترجته إنه يسيب لنا باقي الكتب وإني مستعد أعمل أي حاجة في مقابل إنه يسيب لنا الباقي. بس رفض.
سألته: بتعمل كدا ليه؟ مش أخدت الشركة والقصر خلاص؟ قالي وبكل عيون مليانة غل وشماتة: علشان زمان كان نفسي أشوفه وهو كدا عاجز وضعيف ومتهالك. وأشوف حسرة قلبه زي ما كان قلبي بيتحسر وهو واخد مني كل حاجة النجاح وحب الناس وحتى بنت خالتي اللي حبيتها من واحنا عيال صغيرين خطفها مني. وأبويا اللي كل شوية يقارني به وطالع بيه السما كأن مفيش في الدنيا غير هادي.
جدي مكنش سامع ولا مستوعب أي حاجة من اللي توفيق بيقوله، لأنه كان منهار وفي حالة صدمة وهو بيشوف كتبه بتتحرق قدامه. كانت دي أول مرة في حياتي أشوف توفيق على هيئة شيطان، ولو طال كنت نزلت فيه ضرب لحد ما موتّه على كل دمعة جدي نزلها منه. بس مكنش لي غير الخضوع علشان جدي ميتحسرش وأحاول أنقذ ما بقي من الكتب. اترجيته تاني وإني مستعد أعمل أي حاجة، حتى ولو وصل الحال إني أكون من ضمن الخدم في القصر.
جدي قام من مكانه لما سمع كلمتي الأخيرة وجذبني من إيدي ومشى وقالي: الموت أهون ولا إني أشوفك مذلول. توفيق حس بإن دي حاجة ممكن تقهر جدي أكتر، فنادانا وقالي: أنا موافق. جدي أخدني من إيدي وخرج بره القصر وهو في كمية غضبه وتحسره. بص لي وقالي: انت عايز تشوفني ميت يا حد؟
قولتله: مكنتش قادر أشوفك وانت منهار كدا، أنا كنت بحترق مع كل كتاب بشوفه قدام عيني، آه بس كنت بحترق عليك أكتر وانت رامي نفسك في النار بتحاول تتطفي ومفيش فايدة. جدي عيط وقالي: أنا يمكن حاسس إن ولادي هما اللي بيتحرقوا قدامي مش كتبي، بس كله يهون إلا إني أشوفك مذلول. بعدها حضني وعيط كتير وقالي: شوفت يا حد الحياة من بعد ستك بقت جحيم إزاي؟
أنا مكنتش عارف قد إيه أنا ضعيف بالشكل ده إلا من بعد ما فارقتني وادركت قد إيه أنا كنت قوي بيها. كانت مصدر كل حاجة في حياتي، حبي وقوتي ونجاحي، ولما مشيت وسبتني أخدت كل حاجة معاها، حتى كتبي. لما راحت بمجرد ما راحت أنا مش عارف أنا عايش ليه لغاية دلوقتي ولا إيه لازمتي في الحياة من بعدها. مكنتش عارف أعمل إيه وأنا شايف جدي مقهور كدا، أنا كنت بموت مع كل لحظة ألم بيمر بيها. وقررت إني لازم أرجع الكتب لجدي ولو بأي تمن.
جه الليل علينا وكنا عند بيت واحد من الموظفين اللي كانوا شغالين عند جدي، وكان مبسوط جدًا بوجود جدي في بيته واستقبلنا بدون حتى ما يسألنا عن السبب. استنيت لحد ما الليل ليل جامد وكانت الساعة 12 كدا، روحت القصر تاني وسبت جدي نايم. اترجيته للمرة التالتة إنه ياخد أي حاجة بس يسيب لنا باقي الكتب. وطبعًا توفيق محرقش الكتب الفاضلة علشان كان عارف إنه هيحتاجها علشان يلوي بها دراعنا أكتر.
توفيق قالي: أنا قلتلك إني موافق على طلبك وإنك تكون من ضمن الخدم. وقبل ما يكمل كلامه قاطعته وقلتله: موافق، بس متقوليش لجدي حاجة. قالي: طب انت عارف الأول هشغلك هنا قد إيه؟ سكت واستنيته يكمل. وكمل وقال: مع كل يوم هتشتغل فيه هنا هسيب لك كتاب. وطبعًا ده معناه إني هشتغل عنده لسنين طويلة لحد ما أعجز، لأن جدي كان عنده المكتبة فيها 12 ألف كتاب. بس اكتشفت إنه حرق منهم 11 ألف ومتبقيش منهم غير ألف.
وعلشان الألف دول كنت مضطر أعمل أي حاجة. وفعلاً بدأت اشتغل عنده، بس كنت بشتغل عنده بليل والصبح بروح المدرسة وبعد الضهر كنت بروح أدور على شغل، علشان أكيد مش هينفع نعيش عند بيت موظف جدي مدي حياتنا، فكنت محتاج أي شغل علشان نعرف حتى نأجر ولو حتى أوضة. كان عندي وقتها 11 سنة وكنت في نهاية خامسة. عدت خامسة وسادسة وأنا بليل شغال عند توفيق خدام وإهانة وذل مفيش بعد كدا. كان يخليني أمشي
الأرض بقماش قديم ويقولي: عايزها تلمع. وكان بيعمل نفسه مش واخد باله ويدوس على إيدي بجزمته، وكان بيتعمد يظهرني قدام شركاء جدي وأصحابه القدام في أي حفلة أو اجتماع ويهزأني قدامهم ويوقع العصير على الأرض قدام رجله ويخليني أميل أمزحه قدامهم.
كنت كل مرة بفكر أسيب كل حاجة وأمشي، بس جدي كان ديما على بالي وكان قاهرني وضعه اللي بيمر بيه. بس تعبت جدًا، بليل إهانة وتهزيق، والصبح مدرسة وتهزيق برد من المدرسين علشان كنت بنام أوقات بين الحصص من الإنهاك، بس أعمل إيه وأنا كان عندي شغل بعد المدرسة لحد بليل ومعنديش وقت حتى أتنفس.
فضل الحال ده كتير لحد السنة ونص دي ما عدت. في يوم وفي حفل من حفلاته، شايفني واحد من أصحاب جدي جري علي وسألني عن حالي وإيه اللي بعمله ده، فحكيته كل حاجة. فراح لتوفيق ونهر وزعق، بس توفيق ولا اتأثر بشعرة. حاول صاحب جدي يقنعه إنه ياخد باقي الكتب بأي تمن عايزه، ولأن توفيق جشع طلب منه 5 مليون وكان عارف إني عاجز ومعيش المبلغ ده. بس اللي استغربته صاحب جدي وإنه وافق وفعلاً كتب له شيك بـ 5 مليون ورميه في وشه. وأخدني من إيدي ومشي.
وصلني للبيت اللي كنا مأجرينه أنا وجدي على القد كدا. عيط لما شاف البيت اللي كنا ساكنين فيه وإزاي الحال اتبدل. حضني وقالي: أنا جاي بكرة إن شاء الله وسبني ومشي. وأنا بفكر هسدد الدين ده إزاي.
وتاني يوم لقيته جه بعربيته وأخدني أنا وجدي بعد ما سلم عليه وحكى معاه شوية. وبعدين وقف بعربيته قدام بيت كبير وجمب البيت ده كان فيه أوضة كبيرة منعزلة تمامًا عن البيت. كانت الأوضة اللي بيحب يعزل نفسه فيها ديمًا. دخلنا الأوضة واتفاجئنا أنا وجدي إن فيها الألف كتاب. كانت أوضة كبيرة للدرجة إنها استحملت العدد ده من الكتب، وكان فيه كدا سرير على جنب ومكتب صغير.
جدي بمجرد ما شاف الكتب فرح أوووي للدرجة إنه كان بيشيل الكتب ويبوسها ويشمها ويحضنها. لأول مرة في حياتي أشوف الفرحة في عينه من بعد ستي ما ماتت، ولاول مرة أشوفه بيضحك كدا. وقتها بس هانت علي السنة ونص عذاب اللي عشتها، ولو رجع بي الزمن كنت هعمل كدا تاني طالما كنت هشوف ضحكته اللي نورت وشه. بس بعد شوية جدي استغرب وسأله إزاي، فحكاله على اللي عملته وإني اشتغلت عند توفيق. وبصراحة كنت خايف جدي يعرف فيزعل مني. بس حصل عكس ما
توقعت وجدي حضني وعيط وقال: كنت بتتعذب كل ده لوحدك ومن غير حتى ما تقولي، أنا آسف إني كنت سبب معاناتك يا ابني. ابتسمت له وقلتله: كل يهون في مقابل ابتسامة منك، ومكنتش عايز غير أشوفك وانت بتضحك ولو لمرة واحدة. ثم بصراحة الشكر كله لأستاذ أحمد هو اللي دفع الـ 5 مليون في مقابل إني أتحرر منه. وبعدين بصت لأستاذ أحمد وقلتله: أنا جميلك ده مش هنساه وفلوسك دي دين علي ولازم أسددهالك.
أستاذ أحمد بص لي وقالي: اللي جدك عمله لي أكتر بكتير من اللي عملته. وقتها جدي اعترض وقال: أنا متشكر لكرمك يا ابني، بس المعروف حاجة ودين حاجة تانية خالص، ودينك ده في رقبتي، وبرجوك متخلينيش أحس إني عالة أكتر من إحساسي باللي عملته في حفيدي.
أحمد سكت وقدر إحساس جدي في الوقت الحالي، وبعدين أصر علينا نعيش معاه في نفس البيت، بس جدي رفض وقاله إنه هيأجر الأوضة دي. وبعد مناوشات كتير أحمد استسلم لرغبة جدي، بس مرضيش ياخد فلوس. بس برضه جدي مرضيش وقاله إنه هيمشي لو ما أخدش فلوس الإيجار، فاستسلم تمامًا لرغبة جدي، بس خلينا ندفع مبلغ رمزي.
وبعدين روحنا علشان نجيب هدومنا من البيت اللي كنا مأجرينه. والهدوم دي مكنتش مجرد هدوم، دي كانت آخر ما تبقى لنا من الترف والنعيم، لأنها كانت فريدة مفيش منها اتنين. لأن جدي كان نزيه ومهتم بلبسه جدًا ومبيحبش يلبس الحاجة مرتين أو إن يكون فيه منها اتنين، وكان له مصممين بيغير فيهم كل شوية علشان كل واحد فيهم يطلع بحاجة جديدة متعملتش قبل كدا.
جدي أخد صندوق الهدوم ده، واللي طبعًا معرفش يلبسها في البهدلة اللي كنا فيها طول السنة ونص اللي فاتت، وقرر يبيعهم علشان كان عارف إنهم هيجيبوا فلوس كويسة. وأنا كمان أخدت هدومي وقررت أبيعهم مع جدي، وفعلاً بعناهم بس بتمن بخس جدًا ميجيبش حتى تمن تشيرت واحد من بتوعي من التصاميم اللي جدي كان بيدفع فيها ملايين، بس كنا مضطرين نبيعهم. والمبلغ اللي جمعناه كان 3 مليون.
جدي عطي لأحمد الفلوس وقاله إنه هيتصرف في الباقي بس يستنى عليه شوية. أحمد طلع ورقة وطلب من جدي إنه يمضي عليها. جدي ولتاني مرة في حياته مضى من غير ما يبص. وفجأة لقينا أحمد بيطلب من جدي إنه يقوله: شكرًا جدًا. جدي استغربه بس مترددش في إنه يقوله شكرًا جدًا، وزاد على الشكر شكر. أحمد طبق الورقة وقال: كدا تمام أوي يا عمي، دفعت الباقي. استغربنا إزاي. فتح الورقة وقالنا: مكتوب هنا إنه تم سداد المبلغ المتبقي بشكرًا جدًا.
الاستغراب زاد أكتر بيني وبين جدي، فأحمد بص لجدي وقاله: فاكر من 18 سنة فاتت لما جيت هنا المدينة وفلوسي اتسرقت وكنت تايه، ووقتها انت خدتني على بيتك وأكرمتني بما لذ وطاب وعطتني كمان فلوس وفوق كل ده جبت لي سكن وكنت انت اللي بتدفع الإيجار لحد ما خلصت جامعتي؟ ولما جيت أرد لك دينك اللي كنت بسجله جنيه جنيه، عطتني ورق بخط الإيد وبرود مقرتوش وطلبت مني أمضي وأقولك شكرًا جدًا؟
ووقتها أنت قولت لي: خلاص يا عم، انت كدا سددت اللي عليك. ولما سألتك إزاي كدا؟ قولت لي: ربنا بيقدر الكلمة، فانت إزاي عايزني مقدرهاش؟ سألتك إزاي يعني، وضح لي. قولت لي: لو أنت بتقرأ في أذكار الصباح والمساء
هتلاقي من ضمن الأذكار ذكر: اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بإحدي من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك فلك الحمد ولك الشكر. ولو قرأت في فضل الذكر ده هتلاقي إن اللي بيقوله بالنهار فقد أدى شكر يومه، والي بيقوله بالمساء فقد أدى شكر ليلته. انت متخيل ربنا اللي مهما عبدناه من المحي للممات عمرنا ما هنوفي شكره على كل نعمه التي لا تعد ولا تحصى، ورغم كدا فالذكر البسيط ده اللي ميتعدش شوية كلمات بسيطة له الثواب العظيم ده. فعايزني أنا بشر بقي مقدرش الكلمة اللي هي مكانتها عندي أحسن من المال. لو عايز مني نصيحة يا ابني، كن طالب كلمة مش طالب مال.
جدي ابتسم وبص لي، فضحكت لأنه ديما كان بيقولي الجملة دي يناغشني بها لما أجي أطلب منه فلوس، ودلوقتي بس أدركت معناها الحقيقي. ومن ساعتها وأنا كنت مقرر إن كلمة الشكر عندي تساوي أجري ومستحيل أخد من حد فلوس.
قالي: شكرًا، يمكن تشوفي الموضوع غريب يا مرسال وإني كدا مش هكسب في حياتي، بس عايز أقول إن محدش أساسًا قالي شكرًا من قبلك. ويمكن تستغربي ده، بس أنا بحكم اسمي الغريب كنت بنعزل عن الناس علشان أتجنب سخريتهم، وغير كل ده منهمك في دراستي وشغلي اللي مشوفتيش فيه يوم واحد عدل. وهو بيتكلم وقف العربية وقالها: إحنا وصلنا باين. لف وشه وبصلها لاقيها حاطة إيدها على وشها وبتعيط جامد. سألها باستغراب: مالك؟ انت كويسة؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!