دخلت "حنان" إلى المكتب ليلًا لتراه نائمًا على الأريكة ويضع ذراعه فوق عينيه فقالت بخفوت: -جمال بيه أزاح ذراعه واعتدل في جلسته لأجلها ثم قال بتهكم: -في إيه يا حنان؟ تنحنحت بهدوء شديد خوفًا من غضبه لكنها جمعت شجاعتها وقالت بخفوت:
-اعذرني في تدخلي في حاجة متخصنيش بس مدام مريم من وقت ما رجعتوا إمبارح وهي حالتها صعبة ومريضة حتى إنها قاطعة الأكل والشرب ومبتتحركش من سريرها، أنا خايفة يجرى لها حاجة وكمان الدكتورة لما جت تشوفها قالت إن لازم تتغذى عشان صحتها وعشان النزيف وبرضه مش راضية تأكل. تنهد بهدوء مما يسمعه ومسح على وجهه بكفه ثم قال بجدية:
-حاولي معها يا حنان، خذي لها مكة تشوفها وخليها تأكل معها بس متعرفش إن أنا اللي قلت لك، قولي لها إنك جبت لها مكة من ورايا. أومأت إليه بنعم والتفتت لكي تغادر فقال "جمال" بهدوء: -حنان، مريم أمانة معكِ وأبعدي عنها نانسي وفريدة.
استدارت إليه بدهشة من طلبه فلم يفسر لها سبب طلبه وأنه يشك الآن بكل شخص كان معه بالغردقة، هزت رأسها بالموافقة وغادرت، عاد إلى نومه لكنه لم يقوَ على النوم ومحبوبته تتألم بالأعلى فخرج من المكتب فجرًا وصعد إليها وقلبه لا يقوى على مقاومة مشاعره. فتح "جمال" باب الغرفة ودلف إلى حيث الفراش وكانت "مريم" تتوسط وتضم ذراعيها أسفل رأسها ومنكمشة في ذاتها وأسفل رأسها قميصه ليدرك أنها لم تقوَ على الفراق بل تتشبث بملابسه عوضًا عنها. جلس جوارها بلطف حتى لا يوقظها ومسح على
شعرها بحنان ثم قال بخفوت: -يا روحي أنتِ... متمرضيش يا مريم والله أموت لو جرى لك حاجة.
قبل جبينها بدفء وحنان فلم يمارس قسوته وجحوده عليها سابقًا، كيف له أن يعتبرها عدوة وهي بالقلب وتينه. سحب قميصه من بين قبضتها وضمها بين ذراعيه بقوة مستنشقًا عبيرها ورائحتها التي يدمنها، أنفاسها التي اشتاق لصوتهم ودفئهم. شعرت "مريم" بقوة ذراعيه التي أوشكت على تكسير عظامها من تشبثه بها، لم تفتح عينيها فقلبها وروحها لا يريدان البعد، كل شيء بها وكيانها متمنيًا أن يظل "جمال" بهذا القرب، تمنت لو فتحت عينيها ونظرت إليه عن هذا القرب ولمسته فأصابعها فقالت "مريم":
-جمال. طأطأ رأسه قليلًا بعد أن سمع صوتها وكانت مغمضة العينين تمامًا لكنها تابعت الحديث بهدوء شديد تسأله: -أنت مصدق إني خونتك؟ فتحت عينيها الاثنتين ورفعت رأسها إليه حتى تنظر بهذه العيون الخضراء التي عشقتهما وفتنت بهما ثم قالت بهدوء ونبرة واهنة: -لو مصدق فيا كدة سيبني روح.
ظل ينظر إليها بصمت، فقط يتطلع بوجهها الملائكي رغم أنه شاحب وحزين وجذبها إليه أكثر لتدمع عينيها بانكسار فضمه إليها أكثر يعني أنه لن يصدق هذا لترفع ذراعيها وتطوق خصره بهما فقالت: -موجوعة أوي يا جمال وقلبي مش قادر يتحمل الوجع، حاسة إني تعبت وعايزة أموت. مسك ذقنها بيده ورفع رأسها إليه حتى تنظر به جيدًا وقال بجدية صارمة وقوة:
-على أساس إني هسمح لك تموتي، زمان أنا خلصتك من إيد حمزة وقتلك إن حياتك ملكي أنا وميحق لكِش تقرري الموت، لكن إذا ضعفتِ في مرة افتكري إني هنا، حتى لو هجرتك وفارقتك يا مريم أنا هفضل هنا. اعتدلت "مريم" في جلستها بصدمة من قسوة حديثه كأنه يمتلكها كجارية ويخبرها أن الموت ليس من حقها، جلس "جمال" ببرود أمامها لتقول بغضب من حديثه: -بتقصد إيه؟ إن حتى موتي ملكك لتكون فاكرني جارية عندك.
جذبها من ذراعها بقسوة وعينيه تحدق بها مباشرة وبتحدٍ ثم قال بغيظ شديد: -جارية!! حتى الجواري مبيقدر وش يخونوا سيدهم لكن أنتوا... قبلك ليلى و.... لم تتحمل "مريم" قسوته وخصيصًا فور ذكر اسمه "ليلى" زوجته السابقة الخائنة، خانته عمدًا والآن يشبهها بها، رفعت يدها بألم وعينيها دامعة كي تصفعه وتسكته عن حديثه، نظر إلى يدها باندهاش وانتظر أن تصفعه لكنها لم تقوَ على فعلها فأغلقت قبضتها بألم أمام وجهها وقالت بقسوة:
-اطلع بره، اطلع بره يا جمال ولأول مرة أنا مش عايزة أشوفك قصادي لإن مستحيل تكون أنت جمال اللي أنا حبيته... اطلع بره قبل ما يجن جنوني. وقف من محله أمامه وحدق بها فلم تنظر إليه وتحاشت النظر عن عينيه بألم ودموعها تنهمر على وجنتيها، لتصدم عندما جذبها من خصرها إليه وسرق منها قبلة رغم رغبتها في صفعه لتدفع بقوة بعيدًا عنها وصرخت بوجهه قائلة: -اطلع بره يا جمال، ولا تفكر تلمسني تاني إذا كنت خاينة بنظرك فمتلوثش نفسك بخاينة زي.
تبسم بغرور شديد على قسوتها، كلما غضبت "مريم" صارت أجمل وجن جنون قلبه من جمالها الغاضب، عبوسها يزيدها سحرًا ويفتن بها أكثر، لم يقوَ على اصطناع القسوة عليها أكثر فكيف لقلبٍ عاشقٍ أن يقسو على المحب؟ تحدث بقسوة حادة قائلًا: -أصلًا أنا كنت خارج لكن أنتِ لا، إياكِ تفكري تأذي نفسك يا مريم ولا حتى تطلعي من باب القصر وبنتك ممنوع تشوفيها من غير إذني.
أنهى جملته ببرود قاتل رغم غضبها الذي ازداد من كلمته وجزت على أسنانها بقوة من الغيظ مستشاطة غضبًا بينما هو تبسم أكثر وقبل وجنتها بمداعبة خافتة وغادر في نظرة صادمة منها كأنها لم تتوقع هذه القبلة منه بعد حديثها، لم تفهمه حقًا لكنها واثقة أن هناك شيء خفي، تعرف زوجها جيدًا خير معرفة لو كان يشك بخيانتها ولو بواحد في المائة لكان قتلها بيده حتى لو كان يعشقها فسابقًا كان يحب "ليلى" وفور خيانتها لم يكن لها سوى الكره والغضب، لم يجرؤ على ضمها أو تقبيلها إذا كان يعلم بخيانتها حقًا، بات الفضول يقتلها لما يخطط له "جمال". دلفت "جميلة" إليها صباحًا ورأتها تجلس في الشرفة شاردة
فصرخت بها بانفعال وقالت: -مريم، معقول اللي سمعته؟ نظرت "مريم" إليها ورأتها بزي عملها الخاص بالطيران لتدرك أن "جميلة" عادت للتو من عملها وسمعت بما حدث، جلست "جميلة" على المقعد المجاور إليها وقالت بضيق: -ساكتة ليه؟ أخبرتها "مريم" بكل شيء ثم تابعت بحيرة: -أنا متأكدة إن جمال بيخطط لحد، تفتكري يكون شاكك في حد؟ تحدثت "جميلة" بقلق مما تسمعه ورفعت شعرها للأعلى من الضيق ثم قالت:
-قولي لي يا مريم معقول يكون حد بالغل ده كله، يعني لو كان في حد بيكرهك ليه يقتل أيلا أو يعمل لك فخ قذر زي ده. -أنا واثقة لو جمال شاكك إني خونته مكنش رجع بيا على القصر وكان قتلني وحرق جثتي كمان، لإن بقدر حبي ليا هيكون قدر الوجع لكن جمال معملش كده، جمال رجعني لهنا يا جميلة، بتعرفي إمتى جميلة بيصدر قرار حبسي هنا؟ نظرت "جميلة" بحيرة لها من هذا السؤال لتقول ببسمة خافتة رغم ما تمر به:
-وقت لما بيحس إني في خطر، بيقرر يحبسني هنا مع جين عشان يحميني، بس أنا مش فاهمة من مين حابب يحميني؟ من هو عدوي اللي بيخرب حياتي وبيتي وقلبي؟ مين اللي كل هدفه يحرق لي قلبي يا جميلة؟ تبسمت "جميلة" بسعادة وهدوء رغم شجارها مع زوجها وقالت: -كنت واثقة إن جمال مش مصدق اللي حصل، أصلًا جمال معشقش حد قد عشقه لك، بالمناسبة استعدي لإن واضح إن كل حاجة بتتفق عليكي.
نظرت "مريم" إليها بفضول وعدم فهم لكلماتها الأخيرة فقالت "جميلة" بهدوء وبسمة خافتة تنير وجهها: -ماما هتيجي كمان يومين ومش محتاجة أفكرك بقدر حبها ليكي.
سخرت من حالها فضحكت "مريم" بهدوء كان ينقصها والدته التي تستشيط غضبًا فقط لكون "مريم" تتنفس أو تشاركها الأكسجين في المكان، ربتت "جميلة" على كتفها بهدوء ثم خرجت من الغرفة لترى "فريدة" من الأعلى تلعب مع الأطفال ومعها "مكة" وابنها "يوسف". دلفت إلى غرفتها وكان "حسام" يستعد للخروج فتقابل الاثنان على الباب لكن تجاهلته "جميلة" بغضب فهي لم تنسَ شجارهما الأخير قبل السفر بسبب عودة علاقته مع طليقته، تنهد بهدوء واستدار بعد أن أغلق الباب
ونظر إليها بهدوء ثم قال: -مقلتيش إنك راجعة النهاردة. تحدثت "جميلة" ببرود قاتل وعينيها ترمق صورتها المنعكسة في المرآة وتنزع رابطة عنقها: -أنت كمان مقلتش إنك بتاخد ابني معاك لست الحسن. تأفف "حسام" باغتياظ من حديثها وحرك رابطة عنقه من حدتها معه ثم قال بضيق: -جميلة أنتِ بتخلقي مشاكل على حاجات وهمية في دماغك....
قاطعته بدخولها لغرفة الملابس أخذت ملابسها ثم دلفت للمرحاض لم تترك له مجال للشجار أو الجدال معه فلن تقبل بأي مبرر يجعله يفعل ذلك دون أن يخبرها إلا إذا كان يفعل شيئًا خطأ لذا لم يجرؤ على إخبارها، تنهد "حسام" بضيق ثم خرج من الغرفة لمتابعة عمله.... "المدينة الزرقاء The blue city"
وقفت "غزل" أمام المرآة مرتدية فستانًا أسود قصيرًا بحمالة وصففت شعرها على الجانب الأيسر ووضعت القليل من مساحيق التجميل، دلفت "مسك" على أختها لتراها ترسم شفاهها بأحمر الشفاه ومتقنة جدًا كأنها ستذهب إلى سهرة فاخرة، جلست على الفراش بقلق وقالت: -أعتقد المرات اللي شفتك بالجمال ده قليلة جدًا، ودائمًا وراها بيكون في كارثة، ناوية على إيه يا غزل؟ تبسمت "غزل" بخبث شديد ثم التفتت إلى أختها وقالت بحماس ونبرة قوية:
-متقلقيش المرة دي المصيبة صغيرة ههه. ضحكت وألقت بأحمر الشفاه إلى أختها وفرت هاربة لتصرخ "مسك" بغيظ شديد: -غزل، تعالي هنا يا غزل... لا تفكري أنك ممكن تهربي مني. ذهبت "مسك" إلى زوجها "تيام" وكان جالسًا في غرفة المكتب مع "جابر" و"زين" يخططان لمشروع الأمن الذي سيتعاقد عليه مع "جمال" لتقاطع اجتماعه بضيق. نظر "تيام" إلى وجه زوجته وقالت: أستر، حصل إيه يا مسك؟ أوعي تقولي أنك ضربتي حد؟ أغلقت قبضتها بضيق
شديد وصرخت بانفعال قائلة: لا كان نفسي أضربها بس هربت مني. تنحنح بحرج من غضب زوجته أمام الجميع وذهب تجاهها بقلق. همس إليها بفضول: مين دي؟ صرخت بغضب وهي تحرك يديها في العدم من الغيظ وتتأفف بانفعال: هيكون مين غيرها؟ غزل طبعًا، البت دي مجنونة ووقت تختفي بتحصل كارثة فوق رأسي، مستحيل أنسى أن آخر مرة اختفت كانت في بنت تجار مخدرات. المرة دي هقتلها بإيدي.
نظر "جابر" باهتمام لما يسمعه وتذكر مهندس الكمبيوتر الذي فشل في معرفة ما فعلته "غزل". ربت "تيام" على يد "مسك" بهدوء ثم قال بحب: متقلقيش يا مسك، جابر معلش تروح ترجعها. تأفف "جابر" من أمره وخرج من المكتب متمتمًا بضيق: أصلًا هي المصيبة في حد ذاتها... تبسم "تيام" على كلمته فهذه الفتاة ستفقد الجميع عقولهم وستخرجهم عن سيطرتهم. رفع يده إلى وجه زوجته يبعد خصلات شعرها للخلف بحب واقترب خطوة نحوها ويقول:
خلاص يا روحي اهدئي، جابر هيجيبها حتى لو من شعرها. ضحكت "مسك" بعفوية على كلمته فلمس وجنتها بإعجاب متيمًا بهذه البسمة واقترب منها أكثر فنظرت "مسك" له بخجل شديد ثم قالت: تيام. كاد أن يقبلها لكن أوقف "زين" الذي تنحنح بحرج بعد أن نسي "تيام" وجوده بسبب ظهور زوجته المتيم بها. ابتعد "تيام" عنها بحرج من "زين" الذي غادر المكتب بعفوية مبتسمًا. شركة الجمال جي آند إم للإلكترونيات
كان "جمال" جالسًا بمكتبه يباشر عمله لكن عقله كان بمكان آخر حيث "مريم" معشوقته المفتون بها. مسك هاتفه لكي يحدثها مشتاقًا إلى صوتها، لكنه توقف قبل أن يضغط على زر الاتصال وتحمل هذا الشوق فقط لأجل سلامتها فلن يخسر مرة أخرى مقابل عدوه الخفي. دلف "عاشور" إلى المكتب بوجه عابس ليقول "جمال" بضيق: قول اللي عندك يا عاشور. تنحنح "عاشور" بضيق ثم قال:
الشاب اللي كان مع مدام مريم في الأوضة عذرًا يعني، لاقوه ميت على البحر أو بالأحرى مقتول، حد همش دماغه وفتفت جمجمته. ترك "جمال" القلم الإلكتروني من يده على المكتب وعاد بظهره إلى الخلف بقلق مما سمعه وقال: يعني بالفعل مش هو اللي خطط لده واللي خطط للقتل جوه بيتي، قاتل وقلبه ميت لدرجة أنه بيقتل عادي من غير خوف. وقف من مكانه بقلق على زوجته وابنته وأخذ سترته من فوق المقعد كي يغادر فرافقه "عاشور" بينما "جمال" يأمره قائلًا:
أنا عايز كل المعلومات عن كل اللي كانوا معانا في الغردقة وخصوصًا فريدة. نظر "عاشور" إليها بحيرة ثم قال: فريدة!! -حضرتك بتشك في البت دي؟ -وجودها مع حازم يخليني أشك، وهاتلي سجل مكالماتها وكل خطوة ونفس بتتنفسه. بس دا مش معناه أن الباقي مش محل شك، ركز يا عاشور، لأن أنا بدور على مجرم قاعد في بيتي مع مراتي وبنتي، ولو خدت خطوة واحدة غلط وعرف أني بدور عليه مش همسكه أبدًا.
قالها بقلق على "مريم" من أفعال هذا الخفي، كأنه يحارب شبح، لكنه سيعثر عليه مهما كلفه الأمر. وصل "جابر" إلى المطعم الذي به "غزل"، لكنه صُدم عندما رآها تتشاجر مع شاب أمام باب المطعم. فوقف يراقب من محله رد فعله، تاركًا إياها تتحمل نتيجة أخطائها. صرخت بالشاب غاضبة بانفعال: -حرك عربيتك قبل ما يجن جنوني عليكي! اقترب الشاب منها بثقة وغرور قاتل قائلًا: -طب ما توريني جنانك كده، حد بالحلاوة دي ممكن يكون آخره إيه؟
قالها ويده تحاول أن تلمس وجنتها، فحرك "جابر" سبابته بغيظ شديد على شفتيه من الغضب وكيف لهذا الحثالة أن يلمسها، وظل يفكر أيتركها أم يذهب إليها؟ ضربت "غزل" يده بقوة حينما لمسها وركلت قدمه بحذائها ذي الكعب العالي ليتألم بغيظ شديد منها وقال بغضب صارخًا بها: -وحياة أمي لأوريكي...
حدثها وهو يرفع يده لكي يصفعها، لكن أوقفه "جابر" الذي كان يستشاط غضبًا، بل كان كالبركان الناري الذي بلغ أقصى درجات غليانه بسبب هذا الوغد الذي يتجرأ على رفع يده أمامها، ليمنعه عندما مسك يده وقاطع حديثه. نظر الشاب إليه بغيظ شديد وقال: -أنت مين؟ ظل "جابر" صامتًا ويحدق بها. لم تبعد "غزل" نظرها عنه من الدهشة بسبب ظهوره وحمايته لها. ضغط بقوة على يده ثم تحاشى النظر إليها ودفع الشاب بعيدًا عنه ووقف أمامها ليكون
في مواجهته فقال بضيق: -أتخطاني أولًا لو عايزها. اقترب الشاب نحوهما ليلكمه "جابر" بقوة بسبب غضبه الكامن بداخله، فانتفضت "غزل" بفزع من قوة لكمته حين سقط الشاب على صندوق سيارتها المصفوفة جانبًا. التفت "جابر" إليها وأخذ يدها ليعبر بها الطريق حيث سيارته وترك الشاب يصرخ بغيظ وأمن المكان يمنعه من الذهاب وافتعل مشكلة. وقفت أمام السيارة بضيق شديد من سحبه إليها وقالت بضيق: -أنتِ مين اللي سمحلك تتدخل ها؟
مش أنا نفسي المصيبة اللي مش عايزها؟ حدق بها بعينين يتطاير منها الشر والغضب كأنه سيلتهمها بنيران سخطه. اقترب خطوة منها لتعود تلقائيًا للخلف خوفًا منه، لكنها دُهشت عندما نزع سترته ووضعها على أكتافها بسبب فستانها. اتسعت عينا "غزل" على مصراعيها من الدهشة وهي تحدق به. لم ينطق بكلمة واحدة وفتح لها الباب فقال بهدوء مُتحاشيًا النظر إليها بوجه عابس: -ما دام مبتحبيش الإجبار اركبي بمزاجك.
ظلت تنظر إليه بضيق مُدركة أنها إذا لم تركب الآن سيدخلها بالقوة، فصعدت للسيارة. أغلق الباب وصعد بمقعد السائق وانطلق بها في صمت كي يعود للفندق معها. تحدثت بهدوء: -كان في بنت بتشتغل مع بكر، وهي اللي اديت أخويا الجرعة الزيادة، ومن وقتها اختفت تمامًا. لكن ظهرت من فترة في الفندق وأنا بدور عليها. التفت "جابر" إليها برأسه لينظر إلى وجهها. أدارت رأسها قليلًا إليه لتتقابل عيونهما معًا فقالت بهدوء:
-دي مصيبتي اللي أنا بعملها ومحدش هيوقفني عنها. البنت دي مستحيل تفضل مرتاحة في حياتها في حين أنها سرقت حياة أخويا. نظر "جابر" للطريق بقلق مما تخطط له وحديثها يعني أن هناك كارثة ستحل أكبر مما هي تتوقع فسأل بهدوء: -مين البنت دي؟ تنهدت "غزل" بغضب سافر من هذا الحديث ثم قالت باختناق شديد: -اسمها تقى، مرافقة واحد أهبل وعبيط لكن عنده فلوس كتير اسمه حازم، وكانت في المطعم النهاردة لكن ضاعت مني.
نظر "جابر" إليها بقلق مما هي تخطط له وتنهد بهدوء، فلن يوقفها عما تريده شيء أو أي شخص، بل إذا علمت "مسك" بهذا الحديث ستسعى معها للقبض على هذه الفتاة للانتقام.
وصل "جمال" إلى القصر فرأى "مريم" جالسة على الأريكة وتتناول الطعام مع "مكة" فتبسم بسعادة فكان واثقًا أن طفلتها وحدها من ستجعلها تتناول الطعام وتكف عن الاضطراب والحزن. ظل واقفًا مُختبئًا حتى أنهت طعامها فدلف لتراه "مكة" وتركض إلى والدها بينما عينا "جمال" تنظران إلى "مريم" وانتظر أن تركض كطفلتها إليه. لطالما كانت تسبق طفلتها في معانقته حين يعود يوميًا، لكن اليوم لم تفعل فظلت محلها لم يتحرك لها ساكنًا. فقط عيونهما الصامتة تعانقه بدلًا من أجسادهما. أنزل طفلته أرضًا
وقال بحدة: -فريدة! جاءت "فريدة" من الداخل فور سماع صوته بسعادة ليقول بجدية: -خدي مكة على أوضتها. جاءت "حنان" مع "فريدة" ليقول بقسوة صارمة: -أنا قولت متلمحش مكة. بتعارضي أوامري يا حنان؟ تخلت "مريم" عن صمتها وتقدمت نحوه غاضبة وقالت بغيظ شديد وقوة: -أوامرك؟ أنت فاكر أنك تقدر تمنعني أني أشوف بنتي؟
أشار إلى "فريدة" بأن تأخذ الطفلة حتى لا ترى والديها يتشاجران. صعدت "فريدة" للأعلى والفضول يقتلها لمعرفة ماذا سيحدث وكيف أصبح الوضع بينهما. أدخلت "مكة" سريعًا للغرفة وعادت لتستمع لحديثهما من الأعلى فقال "جمال" بحزم صارمًا وعينيه تلتهم "مريم" بغضب مُصطنع لكنه يفضل جدالها عن خصامها وعدم رؤيتها: -آه أقدر يا مريم، ولو فضلتي تعاندي وتعارضي أوامري متلومنيش على رد فعلي.
اقتربت "مريم" منه بتحدٍ وعنادٍ أكثر من السابق وهي قد فهمت أمره وأنه يفعل ذلك لسبب خفي، لكنه لم يقوَ على فراقها فقالت بقوة: -آخرك هاتوا يا جمال، ولا تنسى أني مريم ومستحيل أقبل بأن حد يفرض أوامره عليا. رفع حاجبه بجدية لطالما أخبر "أصالة" أنها كالطير تعشق الحرية وتكره التقييد والآن تذكره بشيء يحفظه عنها. أشار بسبابته بتهديد واضح: -جربي تكسري كلامي تاني يا مريم.
لم تتحمل غلاظته وقسوته فنظرت حولها بغيظ وهي الآن لا تريد سوى ضربه بسبب هذا الغيظ والغرور الذي يتحدث به معها، فلم تجد شيئًا أمامها سوى هذا المكعب الإلكتروني الخاص بـ"جين" فحملته بغضب سافر وألقت به على الأرض ليُكسر وقالت بغيظ وغضب جنوني: -هددني تاني يا جمال وأنا ههدم القصر على رؤوسكم كلكم. انحنى "جمال" ليحمل هذا المكعب الذي جرح يده بحدته ولم يبالِ عندما تحدث "جين" من المكعب المُهشّم قائلًا: -لقد حدث خلل!
نظر "جمال" إلى المكعب باغتيظ من جنونها الذي بلغ أقصاه أمامه فحملها على كتفه بذراع واحد وهو يقول بتهديد: -أنتِ اللي جنّتي على نفسك يا مريم. صعد بها للأعلى لتختبئ "فريدة" قبل أن يراها. وصل للغرفة بـ"مريم" وهي تصرخ وتضربه بقوة على ظهرها حتى وصل للفراش وألقى بها بقوة لتصرخ بعناد أكثر: -بتفرد عضلاتك عليا؟ ليكون في علمك يا جمال أنا كمان بقدر... أسكتها بقبلته لتُصدم من رد فعلها. أهذا كان رد فعله الذي حذرها منه؟
أي شجار هذا ينتهي بقبلة دافئة أشعلت نيران قلبها المفتون بالعشق؟
لم تتحرك لها ساكنة أو تدفعه بعيدًا عنها بل كانت مندهشة من رد فعله. عندما كسرت "جين" كانت تريده أن يعاقبها حتى تكذب شكوكها، لكن بفعلته أكد لها بأنه فرض الفراق عليهما لسبب خفي. كانت تعلم بأن ما تفكر به حقيقي و"جمال" محبوبها لن يتهمها في شرفها أو يلحق بها الخيانة بل سيضمها ويخبرها أنه سينتقم ممن أوقعوا بها. ابتعد عنها لينظر إلى عينيها التي تعانقه بل يخبره هذا الزوج من العيون العسليتين بأن يظل ويضمها ويقبلها كما يريد. رفع يده إلى وجهها يضع خصلات شعرها خلف أذنها
بلطف ورفق فتمتم بخفة: -كسري زي ما تحبي لحد ما تخرجي كل غضبك يا مريم لكن إياكي تكسري كلمتي مرة تانية لأن المرة الجاية مش هسامحك. كاد أن يذهب من أمامها لكنها تشبثت بسترته بقوة لينظر إليها بقوة: -جمال لو حابب تخاصمني وتهجرني ماشي، بس متقوليش أنك هاجرني لأنك مصدق أني خاينة... وقتها بيموت العشق اللي بينا يا جمال. صدقني والله إذا اتهمتني بجريمة زي دي ساعتها مستحيل يكون في حاجة اسمها مريم وجمال.
نظر إلى عينيها بصمت ولم يقوَ على إخبرها بالحقيقة لكنه قبل جبينها بدفء وابتعد عنها يقول بهدوء: -دا جوابي يا مريم. غادر تاركًا إياها في حيرتها، وبهذه اللحظة تساءلت بتمتمة خافتة: -مستحيل يكون شايفني خاينة ويبوس رأسها... يا جمال هتسيبني لحيرة قلبي وعقلي وياك؟
جلس في غرفة المكتب مُبتسمًا بسعادة على جنون زوجته ونظرات تحديها. يشعر وكأنه يسقط في عشقها من جديد ويتذكر أيامها الماضية حين جاءت للقصر وبدأ الجنون بينهما. فتح باب المكتب وولجت "فريدة" تحمل فنجان قهوته ثم التفت خلف المكتب بجوار مكتبه ووضعت فنجان القهوة ببسمة خافتة لتقول: -تأمرني بحاجة تاني؟
أشار إليها بلا بوجه عابس بعد أن تلاشت بسمته مع فتح باب المكتب فيجب أن يكون مهمومًا وحزينًا إذا تعرض للخيانة. رأت "فريدة" جرح يده بسبب انفعال "مريم" فسحبت منديلًا من فوق المكتب وأخذت يده بلطف تمسح الدماء عنه ليُدهش "جمال" من فعلتها وسحب يده سريعًا عنها وقال: -أنتِ اتجننتي؟ تنحنحت بحرج من قسوته وقالت بعبوس ونبرة بريئة: -أنا آسفة بس حضرتك اتعورت. -اطلعي برا، وتاني مرة متعمليش حاجة أنا مطلبتهاش منك.
قالها بقسوة صارمة لتغادر "فريدة"، وقبل أن تخرج من الغرفة كليًا سمعت صوت ماء ينسكب على الأرض، التفتت لترى "جمال" ينظف يده باشمئزاز من لمسها له. كأنه لا يقبل بأن تلمسه امرأة سوى "مريم". دمعت عيناها بألم يمزقها فرغم كل شيء هو مفتونًا بهذه الزوجة ويشمئز من الجميع وليس سواها هي، حتى أنه لم يبالِ لسكب الماء على الأرض لكن كل ما يكترث له هو أن يتخلص من أي امرأة غير محبوبته.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!