الفصل 49 | من 59 فصل

رواية روية جمال الاسود الفصل التاسع والأربعون 49 - بقلم نورا عبد العزيز

المشاهدات
18
كلمة
3,234
وقت القراءة
17 د
التقدم في الرواية 83%
حجم الخط: 18

كان "جمال" جالسًا على طاولة في أحد أركان المطعم البحري، وبجواره تجلس "مريم" تتناول الطعام في صمت بسبب هذا الرجل الذي قطع لحظتهما معًا لأجل العمل مع زوجها. تحدث "جمال" بهدوء قائلًا: -إن شاء الله تنورنا في الشركة وكل حاجة تتم حسب رغبتك.

تبسم الرجل وهو يكمل الحديث مع "جمال" عما يريده. سقطت الملعقة من يد "مريم"، فانحنت قليلًا كي تجلبها. عينيه لم تفارق وجه الرجل، لكن يده أسرعت بلمس حافة الطاولة كأن قلبه لن يتخلى عن اهتمامه بها رغم انشغال عقله. نظرت "مريم" ببسمة خافتة إلى يده وهو يخشى أن ترتطم رأسها بحافة الطاولة فتتألم ولو قليلًا. نظرت إلى "جمال" الذي لم يرفع نظره عن عميله وكأنه يخبرها مهما كان منشغلًا عنها فهو لا يهتم سوى بها.

نظرت "فريدة" إلى رد فعله التلقائي لأجل "مريم" واندهشت فكيف يهتم بها حتى دون أن ينظر إليها. تحدثت "نانسي" بهدوء بينما يجلسون على طاولة أخرى بعيدًا عنهما: -كلي يا فريدة ومريم لما تعوزك هتنادي عليكي بطلي تبحقلي فيهما. أنتِ هنا عشان تنفذي طلباتها مش تراقبيها. تأففت "فريدة" بضيق والغيرة تأكل قلبها مما تراه، وعشق "جمال" إلى "مريم" يزرع بداخلها بذور الحقد والغيرة تجاهها. ولما هى لم تعثر على رجل مثله في حياتها؟

تساءل عقلها ما هى ميزة "مريم" لتحصل على كل شيء وعلى عشق كهذا؟ لم تتناول لقمة واحدة من كرهها إلى "مريم". ذهب الرجل بعد مصافحة "جمال" واتفق على أن يزور شركته في القاهرة قريبًا. نظر "جمال" إلى "مريم" ببسمة مشرقة ظهرت للتو لأجلها وتخلى عن جديته وكبريائه فور نظره إليها. قال بلطف: -حقك عليا حتى في إجازتي بشتغل. صمتت "مريم" وعقلها مفتون ببسمته وكيف لها أن تغضب منه بعد هذه البسمة؟

مسكت يده بيدها بدفء ثم نظرت إلى عينيه وقالت بنبرة ناعمة وقلبها لم يقل حالة جنون عشقه عن أول مرة غرمت به: -ولا يهمك يا حبيبي. بدأ "جمال" يضع الطعام في طبقها بيده ويدللها كأنها أميرة بل ملكة متوجة على عرشه. أنهى غدائه معها ثم وقف ممسكًا بيدها ليقف "عاشور" ورجاله من طاولتهم فأشار "جمال" للجميع بأن يبقوا مكانهم وقال بجدية: -خليكم يا عاشور، خلصوا أكل على راحتكم وارجعوا على الشاليه. نانسي. نظرت "نانسي" إليه بهدوء وبسمة

ترحيبية فقال بجدية صارمة: -خذي مكة معاكي وخلي بالك منها لحد ما نرجع. أومأت إليه بنعم فأخذها ورحل وحدهما دون حراسة أو خدم. جلست "نانسي" على مقعدها من جديد ونظرت إلى "مكة" النائمة في عربتها الصغيرة الخاصة بالأطفال وتبسمت بعفوية. خرج من المكان مع "مريم" وحدهما وكانت في أقصى درجات السعادة من لحظتهما معًا وبدأ يتجولان في البلد معًا وابتسامتها لم تفارقها بل تزداد حتى تصدر منها صوت ضحكاتها.

دخل "جابر" إلى مكتبه ويتحدث في الهاتف بجدية قائلًا: -إحنا هنتفق مع شركة الجمال جي آند إم بخصوص موضوع نظام الأمن الجديد عشان سلامة النزلاء. توقف عن الحديث عندما رأى "غزل" نائمة على مكتبه بتهكم وعينيها شبه مغمضتين وتنظر في اللاب. أنهى حديثه في الهاتف بضيق من دخولها إلى مكتبه ووضعه في جيب سترته بينما قال بضيق: -أنتِ مين اللي دخلك هنا؟

قفزت من مكانها بسعادة وحماس شديد وبدأت تصرخ بطريقة جنونية و"جابر" متعجبًا من تحولها المفاجئ. ظلت تتمتم بحماس قائلة: -قفشته، والله إني ما في مني اتنين. ركضت نحو "جابر" بحماس وقالت: -معلش دخلت مكتبي، لأنه المكتب الوحيد اللي بعرف باسورده. أبقى غيره لو مش عايز تشوفني هنا تاني.

كادت أن تمر من جانبه لكنه مسك ذراعها بقوة يمنعها من الحركة. رفعت نظرها إليه فبادلها النظر بجدية، وجهها مبتسم وعينيها الرماديتين تلمع ببريق الحماس كأنها عثرت على جائزة أو منجم للذهب وشعرها الأسود ترفعه على شكل ذيل حصان وغرتها على الجانب الأيسر من وجهها وترتدي بنطلون جينز وقميص من الجينز تدخله في البنطلون وحذاء رياضي أبيض. سألها بقلق من حماسها فكلما تحمست هذه الفتاة جلبت كارثة:

-كنتِ بتعملي إيه في اللاب بتاعي، لتكوني هكرتي؟ ولا بتراقبي حد تاني؟ اقتربت "غزل" منه خطوة للأمام وعينيها تحدق به مباشرة فأزدرد لعابه من قربها بارتباك لتقول بهدوء مخيفة: -أكيد بعمل مصيبة.. ربتت على صدره بكبرياء وقالت بلا مبالاة بعد أن أحاشت نظرها عنه: -استعد عشان تحل المصيبة. مسك يدها التي تربت عليه بيده الأخرى وقال بضيق شديد من حديثها:

-كل مرة تقضي إجازتك هنا تعملي مصيبة، لكن المرة دي مش مسموح لك بأي مصيبة يا آنسة غزل، أنا مشغول كفاية ومش ناقصني مصايبك. ضحكت بعفوية بعد أن أفلتت يديها الاثنتين منه وهرعت إلى طريق الخروج وقبل أن تخرج من الباب التفتت إليه وقالت بمزاح ونبرة قوية: -أعمل إيه؟

نصيبك هنا محدش فاضي يتحمل مصايبى غيرك وبما أنك من البداية أتحمل مسئوليتي لازم تكون قد المسئولية دي يا جبورة ولعلمك أنا بصغرك بـ 16 تحديدًا فبلا آنسة غزل أنا أفضل تخليها غزولة... باى باى هرعت إلى الخارج ليُغلق قبضته باقتضابٍ غاضب، وصرخ بانفعالٍ مُناديًا على مساعده الذي دلف فور أن سمع صوته العالي، ليقول "جابر" باختناق: -هاتي مهندس كمبيوتر بسرعة.

أومأ إليه بـ "نعم"، وجلس "جابر" على مكتبه غاضبًا، ويتمنى أن يستطيع مهندس الكمبيوتر أن يعرف عما كانت تفعله "غزل" بحاسوبه ليستعد للكارثة قبل أن تحدث. ولكن هذا الأمل كان ضعيفًا، فـ "غزل" ليست مهندسة كمبيوتر بل حاصلة على شهادات دولية في القراصنة، ولن يتفوق عليها أي شخص.

ظلت "فريدة" تقف في شرفة غرفتها ليلًا تنتظر أن يعود "جمال"، لكنه لم يفعل. منذ أن أخذ "مريم" عصر اليوم ولم يعد حتى بعد منتصف الليل، مما يزيد فجوة الحقد والغضب بداخلها تجاه "مريم". جلست على هاتفها، تحديدًا على تطبيق الفيسبوك، وكتبت منشورًا مجهول الهوية عن فتاة تسرق قلب حبيبها. وبدأت الردود السلبية تأتي إليها، لكن تعليقًا واحدًا أعجبها بشدة، هو من فتاة مُختلة مثلها تقريبًا عندما أخبرتها أن تفرق بينهما بشيء قوي، وحينها سيتمزق الحب. ظلت حتى شروق الشمس تفكر في هذا الأمر، وكيف تفرق بينهما وتلوث الحب الموجود بقلبهما، حتى جاءت لها الفكرة الشيطانية من وسواس شيطاني حقًا.

كان "تيام" يسير في بهو الفندق مُرتديًا بدلته الرسمية ذات اللون الأسود، وبجواره "مسك" يأخذ يدها في يديه بسعادة، لتقول:

-أنا عجبتني الفكرة جدًا لما سمعتها من جابر، وإن نركب كاميرات مراقبة ونظام مراقبة عالي بمستوى عالمي زي اللي بتقدمه شركة الجمال جي آند إم، حاجة حلوة جدًا. أنا بحثت عن الشركة وعرفت أنها قدمت مشروع سكني بيساعد ذوي الإعاقة ووحدات سكنية لكل واحد حسب إعاقته، في الحقيقة شيء مذهول، تخيل واحد كفيف يلاقي اللي يوصف له كل حاجة قصاده كأنه شايف مش بس حافظ المكان لأنه عايش فيه. تبسم "تيام" بعفوية ثم قال: -عشان كده رحبت بالفكرة.

توقفت "مسك" أمام أبواب الفندق الزجاجية وقالت: -أنا مش هأخرك على ميعادك مع جمال، لكن أول ما تخلص هتلاقيني مستنيكي على البحر. أومأ إليها بـ "نعم"، ثم قبل وجنتها بحب، لتبتسم "مسك" بسعادة غامرة وهمست إليه وهو بهذا القرب: -متتأخريش يا مُتيمي. -مقدرش يا قلب مُتيمك.

قالها بحب وعينيه تتلألأ ببريق الحب. ذهب مع "جابر"، وانطلقت "مسك" تبحث عن "ورد" أو "غزل" أو حتى "مريم" لتقضي وقتها مع أي أحد حتى لا تبقى وحيدة بعد أن تركت طفلها نائمًا في الأعلى مع "طاهرة".

كانت "مريم" تقف في الحديقة المصاحبة للمنزل مع فرسها الجديد، لم تعطِه اسمًا بعد، مُرتدية فستانًا أزرق اللون بأكمام من الدانتيل الشفاف ومُغلق بأزرار حتى عنقها، وبالخصر حزام قماشي بنفس لون الفستان. مررت يدها على جبين الحصان وهي تتذكر لحظاتها مع "أيلا" فرستها السابقة. دمعت عينيها لكن تحملت وآمنت بقضاء الله ومشيئته. تبسمت بلطف إلى حصانها وقالت بلطف: -متسبنيش أنت كمان اتفقنا.

حرك الفرس رأسه وأصدر صهيلًا بلطف كأنه يقطع وعده إليها بألا يتركها كما طلبت منه. رن هاتفها فأخرجته من جيب فستانها. رأت رسالة من مجهول ويتحدث بصفة المؤنث يخبرها بأن "جمال" الآن معها بغرفة نومها. مع كلماتها المُميتة أرسلت صورة إلى "جمال" وهو نائم في الفراش. انقبض قلبها خصيصًا أن "جمال" عاري الصدر ورأت هذه الندبة التي حصل عليها في خصره من الهجوم الذي حدث له معها وأخذ الرصاصة عنها. تأكدت من هذه الندبة أنه "جمال" وليس كذب،

فهرعت إلى الخارج وحدها كالمجنونة دون أن تخبر أحد، ولا حتى "نانسي" أو الحرس الذين كانوا يضحكون ويتحدثون دون أن ينتبهوا لخروجها، وخصيصًا بغياب "عاشور" الذي رافق زوجها للخارج. سقط الهاتف من يدها أثناء ركضها ولم تعرِ أي اهتمام لأي شيء سوى خيانة "جمال". أنفاسها تخنقها بل تقتلها ولا تقوى على الخروج. تشعر باختناق كأنها تغرق تحت الماء ولا تقوى على التنفس. وصلت للفندق وضربت "غزل" في كتفها أثناء ركضها، لكن لم تهتم أو تعتذر عن

فعلتها. صرخت "غزل"

بضيق شديد قائلة: -مش تفتحي! لم تحصل على جواب منها فتأففت بضيق وركبت "مريم" المصعد حتى وصلت للأعلى، خصيصًا على هذه الغرفة التي كانت الرسالة تحمل رقمها. وجدت الباب مفتوحًا لتتوقف للحظة خائفة من الدخول، فماذا ستفعل إذا وجدت "جمال" بالداخل مع امرأة أخرى؟ ارتجفت يديها بخوفٍ مُميت احتلها ودفعت الباب بهدوء ثم دلفت. وفور عبورها الباب رأت ظل أحد خلفها، فالتفتت إليه بذعر، حينها رأت رجلًا مُلثمًا أغلق الباب ووقف أمامه لتذعر

وتبتعد عنه بخوف وقالت: -أنت مين؟

لم تنتبه أن مع ابتعادها عنه كانت تتسلل لداخل الغرفة شيئًا فشيئًا. هجم الرجل عليها لتصرخ وهي تركض منه بذعر لكنه أمسكها جيدًا بسبب قوته البدنية، وبسرعة البرق وخز عنقها بإبرة لتصرخ "مريم" بذعر وأخذت المزهرية التي وصلت لها يدها وضربته على رأسه ليبتعد عنها مُتألمًا. ركضت للخارج لكن المخدر كان أقوى من طاقتها فسقطت أرضًا فاقدة للوعي. حينها ظهرت "فريدة" من غرفة النوم وظلت تنظر إليها وهي على الأرض غائبة عن الوعي.

سألها الشاب بقلق: -هنعمل إيه؟ هتصوريها وتبعثي الصور لجوزها؟ ظلت ترمق "مريم" وعقلها يذكرها بكل اللحظات التي رأت فيها اهتمام "جمال" اللانهائي بها. قالت بمكر شيطاني: -لا، عشق جمالها ليها هيخليه ميصدقش الصور حتى لو كل الأدلة أكدت له أن الصور حقيقية. جمال مُتيم بها بجنونه ومش هيصدق إلا لو شافها بعينيه. جلس الشاب على المقعد باسترخاء ثم قال:

-طب ما هو جمال المصري مش غبي، حتى لو اتصلنا وجينا هيعرف أنها متخدرة وأن حد عمل فيها كده. انحنت "فريدة" لتجلس جوار "مريم" تحدق بوجهها مُطولًا وعقلها مُخيبًا لم يتذكر حُسن معاملة "مريم" لها، فقط كل ما يراه عشق "جمال" إليها وطمعها بهذا الرجل. قالت بهدوء شديد:

-مريم بريئة ونقية صدقت الصورة وجت تجري زي المجنونة ومخدتش بالها أن الصورة كانت في أوضتهم وأن جمال نائم عادي. وقت لما صورته الصورة دي كان زي القمر وهو نائم، كنت عشان احتفظ بصورة له معايا متخيلتش أنها هتكون سبب سعادتي لدرجتي. لكن جمال ذكي وماكر ووقت الجد بيقلب شيطان عشان كده الصور مش هتقنعه. وقفت بحماس وحملت "مريم" مع هذا الشاب إلى غرفة النوم وظلت معها تنظر إلى وجهها حتى خطرت لها الفكرة الأكثر شيطانية وقالت:

-أنا هكلم جمال أول ما مفعول المخدر يروح. جمال لازم يجي يلاقيها صاحية بس خلي بالك لأن هم دقائق معدودة لازم تخلص فيهم عشان مريم مجرد ما تفوق مش هتسكت ودلوقت اتفضل اطلع برا. جعلته يخرج من الغرفة لتجرد "مريم" من ملابسها وظلت قربها حتى مر ساعتين تقريبًا، وعندها غادرت الغرفة بعد أن أرسلت نفس الرسالة إلى "جمال" الذي كان في مكتب "تيام" بالطابق الأعلى. -مفيش مانع أتواصل مع شريف وهو هينفذ لك كل حاجة.

قالها "جمال" بهدوء وجدية، وقبل أن يتحدث "تيام" سمع الجميع صوت آلي يتحدث من ساعة "جمال" وكان "جين" يقول: -لقد حدث خلل بساعة إم.

اتسعت عينا "جمال" عندما سمع التنبيه وأخرج الهاتف الخاص به وهو يعلم أن هذه الساعة ملك إلى "مريم" وحدها. كانت نبضات قلبها جيدة وهكذا أنفاسها، فلم يفهم أي خلل حدث بمؤشراتها الحيوية. أثناء نظره في الهاتف مُتابعًا مؤشراتها الحيوية وصلت له الرسالة التي جعلته يَجُن كالمجنون وخرج مُسرعًا من مكانه ونزل للطابق الأسفل، وكانت "فريدة" تختبئ بزي الموظفات النظافة بعيدًا، وعندما رأته اتصلت على الشاب وقالت بخبث:

-جمال جه، ادخل عند مريم بسرعة. أغلقت الخط وظلت تراقب من بعيد.

فتحت "مريم" عينيها بتعب شديد في جسدها ووضحت رؤيتها فاتسعت عينيها على مصراعيها بصدمة ألجمتها من وجودها بهذه الغرفة وقد بدأت تستعيد وعيها وتدرك ما حدث وتذكرت هذا الرجل. حاولت أن تحرك جسدها لكنها صرخت من ألم شديد يمزق نصفها السفلي. وهرعت دموعها بجنون في جفنيها عندما وجدت جسدها عاريًا. فُتح باب الغرفة ودلف الشاب ليُصدم مما فعلته "فريدة" فهي لم تخبره بأنها جردت "مريم" من ملابسها. ذعرت "مريم" بصدمة حين رأته يدخل بدون قميصه وأنفاسها أوشكت على الانقطاع. اقترب الشاب بخوف مما فعلته "فريدة"

وقال بهدوء: -اهدئي والله محصلش حاجة... أنا... جلس أمامها على الفراش بخوف من هذه الحية التي تركته في وجه "جمال" ككبش فداء لرغبتها. حمل فستان "مريم" وأمده إليها برعب تملكه، خصيصًا أنه يعلم أن "جمال" أمام الباب الآن وسيقتله حتمًا فهو ليس بأي شخص. كانت "مريم" ترتجف من الخوف والصدمة لا تعرف ماذا حدث بها؟

وألمها يزداد أكثر وأكثر. كان الشاب لا يهتم بشيء سوى ستر جسدها العاري قبل أن يدخل "جمال"، لكن فُتح باب الغرفة بقوة ليغمض عينيه بصدمة من وصوله.

اتسعت عينا "جمال" على مصراعيها بصدمة ألجمته شلت كل أطرافه وحركات جسده حينما رأى "مريم" زوجته الجميلة بين ذراعي رجل آخر غيره في الفراش. تسارعت أنفاسه من هول الصدمة واشتعلت نيران الغيرة بين ضلوعه، ولم تكن غيرة فقط بل ألم مزقه لأشلاء بسبب الخيانة التي شعر بها كليًا في عقله وقلبه العاشق وعاد بذكرياته للماضي حين خانته "ليلى" زوجته الأولى مع أخيه ورآهما في نفس الوضع. لم يتخيل للحظة أن "مريم" رغم كل العشق الذي قدمه لها تخونه كما يرى الآن. هرع إلى هذا الرجل وسحبه من شعر رأسه بسبب جسده العاري ولكمه في وجهه لكمة قوية أسقطته أرضًا عن الفراش من قوته التي أخرج بها كل الألم والغضب الذي شعر بهما داخله.

ارتطم الرجل بالأرض بسبب قوة "جمال" الذي التفت إلى زوجته يحدق بها بنظرات اشمئزاز وقرف، ولأول مرة في حياته منذ أن رآها ينظر لها بهذا الاستحقار والاشمئزاز. رفعت "مريم" الغطاء تخفي جسدها العاري وجسدها يرتجف بل ينتفض كهزة كهربائية أصابتها ودموعها لم تتوقف عن النزول وطأطأت رأسها بانكسار فلم تقو على النظر إليه بعد أن عثر عليها بهذا الوضع. ألقى الملابس في وجهها بقسوة وغضب حتى ترتديها وتستر جسدها العاري، بينما التفت إلى هذا الرجل الذي خانت معه بعد كل شيء قدمه لها ولم يجد له أثر بعد أن استغل الفرصة وهرب أثناء نظر "جمال" لها.

وقفت بعد أن ارتدت ملابسها ولم تتوقف لوهلة واحدة عن البكاء والارتجاف، تقدمت خطوتين للأمام نحوه ولسانها متجمد لا يقوى على نطق حروف اسمه بسلاسة فقالت بتلعثم: -جـ مـ ـا ل....

لم يبالِ لها في بداية الأمر، لكن سرعان ما انتفض فزعًا عندما صرخت من الألم وسقطت أرضًا تضغط بيدها على أسفل بطنها من الوجع وتصرخ به. ظل ينظر إليها بهذه الحال حتى دلف "عاشور" على صوت صراخها ورآها بهذا الوضع، وصُدم الاثنان من بركة الدماء التي ظهرت بين قدميها. كان الشاب يركض بجنون محاولًا الهرب من "جمال" ورجاله وهو واثق أن جمال لن يتركه، فذهب إلى حيث "فريدة" وصرخ بها بغضب قائلًا: -أنتِ اتجننتي؟

إحنا اتفقنا على صورة، على أنه يدخل يشوفني في الأوضة ودا كفاية، لكن... المنظر اللي عملتيه دا إيه؟ دا جنان. تأففت "فريدة" بضيق شديد من هذا الشاب ذي القلب الضعيف وقالت: -كان لازم يصدق إن مريم خاينة، هو لو لاقاها بهدومها هتفرق إيه؟ رفع الشاب سبابته بوجهها بغيظ شديد قائلًا: -أنتِ اتجننتي خالص وأنا مش هدفع تمن جنونك لوحدي، أنا لو جمال وصل لي هقوله على كل حاجة، ما أنا مش هيقطع رأسي لوحدي.

التف لكي يغادر، فتنهدت "فريدة" بضيق شديد وغيظ من هذا الرجل الذي سيدمر كل شيء بغبائه. نظرت حولها بحيرة ورأت حجرًا صخريًا كبيرًا، حملته وركضت كالمجنونة ولم ترَ شيئًا أمامها سوى هوس حبها بـ "جمال" وضربته على رأسه بقوة ليسقط أرضًا، وظلت تضربه حتى هشمت رأسه كالمغيبة حتى فارق الحياة.

كان يجلس في الانتظار، منتظرًا أن يخرج الطبيب من غرفتها بعد أن يفحصها. رن هاتفه بتنبيه ليفتحه وكان "جين" يخبره بارتفاع نسبة مادة مخدرة في جسم "مريم"، وهذه المادة تخطى نسبتها الطبيعي فقد تودي بحياتها. صُدم "جمال" مما يسمعه من "جين" الذي أخبره أن أحدهم أوقع زوجته في فخ وأرسل صورة إلى الرسالة التي وصلت إلى "مريم" عن خيانته، بسبب اتصال هاتف "مريم" بـ "جين"، فاستشاط غضبًا وظل يحدق بصورته مطولًا لينتبه إلى ما لم تنتبه له

"مريم" وهو غرفته. فتأكد أن الفاعل من هؤلاء الخدم أو الحرس الذي وثق بهما وجلبهم إلى هنا معه. موت "أيلا" ودخول غرفة نومه والتقاط صورة له، الوقوع بزوجته في فخ كهذا هو شخص قريب منهما. فتح باب الغرفة وخرج الطبيب بوجه عابس، نظر "جمال" إليه بقلق وفي عقله جملة "جين" أن نسبة المخدر التي أخذتها "مريم" قد تقتلها،

فقال بتلعثم: -مريم جرالها حاجة؟ -للأسف، إحنا لقينا مادة سامة في دم مدام مريم، وفي تحليل الدم اتضح إنها كانت حامل في 3 أسابيع والجنين نزل، وحصل لها نزيف بسبب المادة دي.

قالها الطبيب بهدوء شديد ليغمض "جمال" عينيه بغضب تملكه وصدمة قاتلة من موت طفله الذي لم يعرف بوجوده حتى، لكنه ممتن لهذا الطفل الذي أخذ الموت عن والدته. لولا وجوده لكانت "مريم" هي المتوفية الآن. دلف "جمال" إلى الغرفة وكانت "مريم" بفراشها تبكي بحسرة مما حدث إليها وخصوصًا بعد أن علمت بحملها وقتل طفلها بسبب هذا المجرم. جلس "جمال" بهدوء جوارها ومسح على رأسها بلطف ثم قال: -مريم.

نظرت إليه بانكسار وحسرة تملكتها، وكأن قلبها كُتب عليه الألم فقط وحياتها الآن ليست سوى منبع للجحيم والوجع: -مين يا جمال؟ مين بيكرهني بالحجم دا عشان يقتلي أيلا ويقتلي ابني ويلوث شرفي؟ مين عنده كل الغل دا مني؟ أبعد يده عنها بهدوء ثم حدق بها بوجه جاد غاضب وعابس، ثم سألها بنبرة مخيفة: -خونتي ليه يا مريم؟ اتسعت عيني "مريم" على مصراعيها بصدمة ألجمتها، لم تصدق ما تسمع وأنه يتهمها بالخيانة. تحدث بقسوة قائلًا:

-كان لازم تحسبي حساب اللحظة دي وقت لما فكرتي تخونيني، أنا جمال المصري مباتخانش يا مريم، وخيانتك ليا هتدفعي تمنها غالية أوي يا مريم. غادر الغرفة غاضبًا بينما جهشت "مريم" باكية بحسرة وألم لا تستوعب كلماته وعن أي خيانة يتحدث، فهل صدق ما رأته عينيه عن ما يشعر به قلبه؟ وكان "عاشور" بانتظاره ليقول بحدة صارمة:

-خليهم يجهزوا عربية لمريم، إحنا هنرجع القاهرة حالًا، ومن اللحظة دي مريم ممنوع تشوف مكة بعينيها حتى لو من بعيد مفهوم. حدق "عاشور" به بصدمة ألجمته، فرغم حديث الطبيب ووجود دليل قاطع أن أحدهم أوقع بها صدق أنها خائنة والآن قرر أن يحرمها من ابنتها مع خسارتها لطفلها الآخر. (قصر جمال المصري)

وقفت "حنان" تستقبلهما لتُصدم عندما رأت "مريم" تترجل من سيارة غير سيارة "جمال" و"نانسي" تساعدها على المشي و"فريدة" ترجلت من سيارة "جمال" وتحمل "مكة" بين ذراعيها. اتجه "جمال" إلى غرفة المكتب وصعدت "مريم" بوجه عابس إلى غرفتها. لحقت "حنان" بها لكن منعتها "نانسي" من الدخول قبل أن تخبرها بما حدث. في بداية الأمر اعتقدت أن "مريم" ساءت حالتها بسبب موت "أيلا" لكن بعد سماع القصة صُدمت وكأنها تسمع لقصة خرافية، هي أكثر شخص شهد على عشق "مريم" إليه فكيف لها بأن تخونه.

تحدث "شريف" بقسوة معه غاضبًا ولم يبالِ لكون "جمال" رئيسه وقال: -يعني إيه؟ رغم إن الدكتور أكد لك إنها اتخدرت اتهمتها بالخيانة؟ بلا الدكتور مريم خلاه يكذب عليك لكن جين؟ أنت بحياتك كلها موثقتش في حد قد ثقتك في جين وهو أكد لك دا، إزاي كدة؟ مريم!! مريم يا جمال معقول عقلك مستوعب وقابل بدا؟ التف "جمال" صارخًا بجنون يفتك بعقله ولأول مرة يخرج عن هدوئه من الوجع الذي يحتله بالداخل من فراقها وتمزق قلبه لأشلاء:

-لا مستحيل أصدق ولا أستوعب إن مريم تعملها. حتى لو شوفتها بعيني هكذب عيني وهصدق مريم. لو ما كنتش باثق فيها ولا في حبي لها ما كنتش أديتها لها يا جين يا شريف ولا خليتها مراتي وأم بنتي ولا كنت فتحت قلبي ليها. لكن أنا فاض بيا، أنا في حد وسخ بيلعب معايا وحد جبان مش قادر يواجهني فبيضرب في مريم. والاستفادة الوحيدة اللي هو عايزها من كل دا هو إنه يفرقني عن مريم وأنا عملت اللي هو عايزه بس عشان أمسكه وأخليه يطلع من جحره اللي مستخبيه فيه. أقسم بالله بس أمسكه لأقطع رأسه على وجع مريم اللي سببه لها ودموعها اللي نزلتها بسببه، مين ما كان ورب الكعبة لأفصل رأسه عن جسمه لأجل مريم.. ولحد ما أوصل له لازم مريم تتحمل الفراق.

وللحكاية بقية...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...