تبسم "جمال" داخليًا بمكر على عكس وجهه العابس وأتجه إلى المكتب لكي يجلس عليه. سارت "فريدة" نحوه بوجه سعيد لم تقوِ على إخفاء سعادتها بسبب انفصاله عن "مريم" ووقفت جوار المكتب بهدوء ثم قالت: -تحب أعملك حاجة يا جمال بيه؟
التزم "جمال" الصمت بهدوء سافر وعينيه تنظر للأمام متجاهلاً النظر إلى عينيها وشاردًا بهذه الفتاة التي أدخلها إلى قصره بدافع الشفقة على حالتها الاجتماعية ورغم ذلك سعت لرد الجميل بتدمير حياته وأذية حبيبة قلبه. تساءل بمكر كيف يوقعها في شر أعمالها وينتقم؟ أدار رأسه قليلاً إلى وجهها قال بهدوء: -أعمليلي قهوة؟
أومأت إليه بنعم وهرعت إلى الخارج مسرعة لتصنع القهوة بنفسها وتجاهلت فريق الطبخ كاملاً وعادت لتجد المكتب خاليًا و"جمال" لا أثر له. خرجت حاملة الصينية بالقهوة وسألت أحد الخادمات بعبوس: -مش وفتيش جمال بيه؟ أجابتها الخادمة بهدوء: -دا أخد مكة وخرج. نظرت "فريدة" إلى فنجان القهوة بغيظ وغضب سافر ثم دلفت إلى المطبخ بقلب محترق ولا تعرف ماذا تفعل لهذا الرجل حتى يشعر بوجودها.
معاملة "جمال" القاسية واعتباره إياها لا وجود لها يؤلمها ويثير غضبها مما يزيد حقدها على "مريم" والكره الكامن بداخلها يكبر أكثر. سكبت القهوة في الحوض بانفعال مما جعل كل من بالمطبخ ينظرون إليها ثم هرعت إلى غرفتها ووقفت أمام المرآة بغضب وعينيها باكية ثم قالت بحزن: -فيها إيه مريم أحسن مني؟ لا أنا مستحيل أخسر مش بعد ما عملت كل دا أنا حتى قتلت عشانك وفي الآخر أخسر لا؟
مريم معملتش اللي أنا عملته ولو حد لازم يخسر فهي اللي لازم تخسر مش أنا. كسرت زجاج المرآة بيدها من الغضب وأنهمرت دموعها دون توقف.... على الجانب الآخر وصل "جمال" إلى شقة في مدينتي كفيلة بأن تظهر ثراء "جمال". دلف إلى الشقة وكانت "مريم" وحدها بالداخل وتقف في المطبخ المكشوف أمام غلاية المياه تنتظر غليان الماء فرأته يدخل ويحمل "مكة" على ذراعيه نائمة. أدخلها إلى الغرفة ثم خرج إلى "مريم" التي صنعت كوبًا آخر له من الكابتشينو.
تبسمت "مريم" بلطف وألتفت حول هذا الحاجز المبني بالمنتصف يفصلها عنه وسحبت المقعد الحديدي العالي المجاور له وجلست بعد أن وضعت الكوبين من يديها. ألتفت بجسدها نحوه ورأته ينزع رابطة عنقه بضيق شديد والآن هو من يهرب من قصره بزوجته وعائلته لأجل الحقد الذي ملأ القصر. لم تكن "فريدة" وحدها وأيضًا والدته التي أهانت زوجته هناك. رفعت "مريم" يديها إلى عنقه بلطف وأخذت الرابطة عنه بهدوء وهي تقول وعينيها على الرابطة: -جمال.
نظر إلى وجهها المبتسم رغم ما تعيش به فرفعت "مريم" نظرها إليه بدفء يحتلهما وهذا الدفء كان كفيلاً بانتزاع الغضب منه فشرد بعينيها وجمال أسمه من بين شفتيها. كانا قريبين جدًا وعينيهما تقتل هذا الصمت بالكثير من الحديث والمشاعر. تفحص "مريم" بعينيه وهي ترتدي قميص نوم من القطن باللون الوردي يصل لأسفل ركبتيها وفوقه روب قطني مفتوح بأكمام طويلة وشعرها مسدولاً على الجانبين يحيط بوجهها الملاكي والدافئ.
نظرت "مريم" إليه بعفوية وسعادة ثم أخذت يديه في يديها وقالت: -هدي نفسك كله بيتحل، صدقني أي كان الموقف أو المشكلة هما مش نهاية العالم، بس المهم تهدي نفسك وتتنازل شوية عن غضبك، لأن مهما كان اللي بتفكر فيه وأنت غضبان ومتعصب فهيكون قرار غلط خدته وقت الغضب والزعل. تتطلع بها وبجمال روحها فكيف لها أن تطلب منه أن يهدأ ويفكر في سبيل أنها أكثر شخص تأذى.
وحدها من اتهمت في شرفها ولحقت بها تهمة الخيانة وخسرت طفلها الموجود في رحمها، تحملت قسوته وضرب والدته لها، والآن هي من ترأف بحال الفاعل وتخفف عليه من غضب زوجها فسألها بوضوح وصراحة مندهشًا من حالة هدوئها: -مريم أنتِ إزاي كده؟ صامدة وهادية رغم كل حاجة حصلت معاكي، أهدأ إزاي بتطلبي مني أهدأ وأفكر برحمة وعقل مع مجرم إذاكي وخسرك كتير وأكترهم أبنك. ربتت على يده التي تحملها بين راحتي يديها وتبسمت بإشراقة أكثر ثم قالت بعفوية:
-لأن مهما كان الأذى اللي حصلي أنا واثقة وعارفة أنك لو فكرت ترد دا هيبقى أضعاف وأن الموت نفسه هيكون قليل على اللي ممكن تعمله في اللي عمل دا، جمال أنا أكتر واحدة عارفة غضبك وقسوتك عاملين إزاي؟ مستحيل حد يفهمك قدي وحقيقي أنا رغم وجعي بشفق على اللي عمل كده من اللي هيحصل له منك، لو كنت مكانه كنت فكرت ألف مرة قبل ما أكون عدو لجمال المصري بس هو غبي. تبسم بعفوية على كلماتها ومال برأسه قليلاً لليمين بإعجاب واضح ثم قال:
-معقول أكون بالقسوة دي. قربت رأسها منه بعفوية وبراءة وقالت تغيظه أكثر: -وأكتر كمان. ضحك "جمال" على طريقتها بعفوية متناسيًا غضبه لتبتسم "مريم" بسعادة على ضحكته وقدرتها على امتصاص غضبه بسهولة.
ألتفت للأمام وأخذت الكوب بين يديها لترتشف منه القليل بسعادة لا تفارق وجهها وتشعر بنظراته المثبتة بها ولم يرفع نظره عنها نهائيًا فأحمرت وجنتاها خجلاً دون أن تنظر إليه وتسارعت ضربات قلبها العاشق المفتون بهذا الرجل فضحك "جمال" على تورد وجنتيها وقال بخفوت ونبرة دافئة: -مريم. أنزلت الكوب عن فمها وألتفت برأسها إليه بتمتمة طفولية: -أمممم....
دهشت منه عندما سرق قبلة منها وابتعدت مسرعة مما أدهش "مريم" كليًا وظلت محلها مجمدة كالثلج من فعلته المفاجئة وتراقبه بعينيها بينما أخذ كوبه وذهب بعيدًا متجهًا إلى غرفة المعيشة فهرعت نحوه بتذمر من فعلته وقالت: -جمال... تعال هنا والله أنك بتغش... قولتلك تعال هنا متفكرش أنك ممكن تهرب بعملتك دي. كان يسير في طريقه ويضحك على تهديدها له بشجاعة والتهديد منها بمثابة الدلال.
جلس على الأريكة وهي تركض نحوه متذمرة على فعلته ووضع الكوب على الطاولة حتى وصلت "مريم" إليه وضربته على ذراعه ببراءة ثم جلست جوارَه وهو يقيد يديها في يديه بينما صرخاتها الدلالية بسبب قوته البدنية وانتصاره عليها تملأ المكان. قبل جبينها بلطف لتهدأ تمامًا بين ذراعيه وتتوقف عن مقاومته ليطوقها بلطف ثم قال بجدية: -مريم. -أممم. قالتها وهي تمدد جسدها على الأريكة وتتكأ برأسها على صدره فقال بهدوء وعينيه تراقبها متترقبًا
رد فعلها على حديثه: -أمتى هتيجي الفرصة أن جين يعرض حبيبتي على شاشة التلفزيون. تسللت "مريم" من بين ذراعيه بوجه عابس بعد أن تلاشت بسمتها ثم وقفت مستعدة للرحيل. ليمسكها "جمال" من يدها قبل أن تفعل فنظرت إليه بهدوء صامتة وحزينة ليتابع حديثه قائلاً: -لحد أمتى يا مريم هتفضلي سايبة شغلك وطموحك، والله وحشني برنامجك وكلامك وواقفتك قصاد الكاميرا.
نظرت "مريم" إلى يديهما المتشابكة مطولاً بعد أن طلب منها "جمال" العودة للعمل وعدم التخلي عن نجاحها وطموحها. رفعت نظرها إليه وقالت بخفوت: -أنا هدخل أشوف مكة. تركت يده ثم دلفت إلى الداخل. كان واثقًا أن العمل سيرمم ما دهسوه الجميع بداخل "مريم" وسيداوي جروحها التي تحاول إخفاءها جاهدة فتنهد بهدوء.... دلف "تيام" إلى شقته مساءً بقلق من غضب زوجته بعد أن رحلت "مريم" وربما سمعت ما قاله.
بحث بنظره في كل مكان في أرجاء الشقة باحثًا عن زوجته حتى وقع نظره عليها جالسة على الأريكة وتحمل طفلها بين ذراعيها فقال بلطف: -مساء الخير. لم تجب عليه فابتعل لعابه بهدوء وجلس جوارها حين قال: -مسك. وضعت طفلها على الأريكة جوارها فابتعل "تيام" لعابه بهدوء وتوقف عن الحديث بينما "مسك" التفتت إليه بهدوء وقالت: -مسك!! دلوقتي جاي تقول مسك؟
عارف يا تيام كم الغضب اللي أنا فيه دلوقتي بفضلك، بلاش غضبي عارف أنا عايزة أعمل إيه ومانعة نفسي بالعافية. تبسم بعفوية وهو خير الناس مرفوع بزوجته فقال بتلقائية: -تضربيني أكيد، دايماً أيدك بتحكم وتتحرك قبل لسانك. وقفت أمامه بانفعال شديد تراقبه بإغتياظ من بروده الذي أثار غضبها أكثر وهتفت بضيق: -وأنا مانعة نفسي بالعافية ما هو مش معقول هضرب جوزي ومنيعي دا محسسني أني متقيدة يا تيام، لأول مرة حد يصغرني ومين؟
دا أنت، صغرتني قصاد صاحبتي ووقت لما طلبت أني أقف جنبها بفضلك أنت أنا أتخليت عنها وسحبت أيدي منها، أنا عارفة ومقدرة أنها مش أي حد وأن جوزها لو عرف كان هتقوم حرب بينكم بدل المشاريع اللي أنت هنا عشانها ويمكن أخرب لك شغلك لكن فكرة أنك صغرتني ومقدرش مشاعري وموقفي زي ما أنا بقدر موقفك وبخاف على شكلك مضايقني يا تيام، أنا كنت مستنية منك تدعمني وتكبرني قصاد صاحبتي، ربنا يشهد عليّ أني كنت دايماً بقولها ترجع لجوزها بس ترجع عشان أصلح بينهما مش عشان أنا أتخليت عنها.
انفجرت في الغضب أمامه وتصرخ بكلماتها من الخذلان الذي تشعر به من زوجها فوق "تيام" دون أن يجيب على أي كلمة تحدثت بها مدركًا غضبها وانفعالها ولأول مرة تتحكم "مسك" بغضبها دون أن تضرب أحد لطالما كانت قبضتها ما تعبر عن غضبها. أخذ خطوة منها ليضمها إليه بدفء محاولاً إخماد نيران الغضب الذي تحرقها من الداخل بهذا العناق.
جهشت باكية من الخذلان ولم تقا على دفعه بعيدًا عنها بل تشبثت به بحزن خيم على قلبها وعقلها فتبسم "تيام" بلطف على تشبثها به. ثم ابتعد عنها قليلاً لكي ينظر في عينيها وقال بعفوية: -أضربيني يا مسك، أنا موافق تعالي ندخل جولة ملاكمة كعادتنا ومسموح لك بضربي وقتها كلاعب منافس، أنا موافق بس تتخلي عن غضبك. نظرت إلى عينيه العسليتين وبريقهما اللامع ثم رفعت يدها إلى وجنته تلمسها بدفء ثم قالت بنبرة خافتة ناعمة:
-أنا إزاي هعملها يا تيام، معقول أذيكي لو بدافع اللعب مستحيل والله قلبي يوقف فيها يا متيمي. تبسم "تيام" إليها بسعادة وبسمته تنير وجهه بحب ثم قال بعفوية: -أنا سمحت لك ولا خلاص مبقتيش عايزة تلعبي معايا، خلاص أتجوزنا وهتشوفي لاعب غيري. هزت رأسها بلا فبعثر شعرها بلطف ثم قال:
-أبقي كلمي مريم وأطمني عليها وعايزة تروح تقعدي معاها اليوم كله بعد المستشفى أنا مش مانعك عنها يا مسك، خلصي شغلك في المستشفى وروحي، أنا مطلبتش منك تتخلي عنها ولا تقطعي علاقتك بيها. أومأت إليه بنعم بسعادة تغمرها ثم قالت بخبث: -أمممم وأفتكر أنت اللي قولت. ضحك "تيام" على زوجته وقال بقلق واضح: -الخبث اللي شايفه في عينيك دا وراء إيه؟
مسك حذري تفكري تلعبي معايا أو تعملي مقالب فيا مع مريم وقتها أنتوا الاتنين مش هتقدروا علينا أوعي تنسي مين أنا ومين جوزها. التفتت "مسك" بخباثة إليه وقالت بسعادة: -خلينا نشوف مين إحنا ومين أنتوا لعلمك يا متيمي أنتوا الاتنين في شغلكم حاجة وقصادنا أنتوا حاجة تانية وأنا واثقة... أستنى وهتشوفه بعينيك. -ربنا يستر.
قالها "تيام" بقلق من أفعال زوجته الجنونية وخاصة بعد أن أصبحت على علاقة قوية بـ"مريم" إحداهن مجنونة والأخرى متهورة ومقاتلة لا يعرف إذا اجتمعت الإثنتين معًا ماذا سيفعلون بيهم؟ ... _"شركة الجمال جى أند أم للإلكترونيات" فتح "شريف" باب المكتب ودلف للداخل فسمع آخر جملة قالها "جمال" إلى "عاشور" قائلًا: -خد حسام معاك ولما تنفذ قولي.
أومأ "عاشور" له بنعم ثم خرج من المكتب و"شريف" لم يفهم شيء وماذا طلب من "عاشور" مهمًا لدرجة أن يأمره بأخذ "حسام" معه، رمقه "جمال" بهدوء وقال: -عملت إيه؟ أجابه "شريف" وهو يضع التابلت الخاص به أمام "جمال" وقال: -ده العقد اللي هنمضي مع القرية الزرقاء، اتأكد منه قبل ما يوصل تيام الضبع النهاردة. سأله "جمال" بدهشة قائلًا: -هو ميعاده النهاردة؟ أومأ "شريف" له بنعم ثم قال: -آه الساعة 2، لو عجبه العقد هيمضي على طول.
أومأ "جمال" له بنعم ونظر للعقد يقرأه جيدًا في صمت و"شريف" يرمقه بحيرة من أمره فقال "جمال" دون أن يرفع نظره إلى "شريف": -قول اللي عندك على طول يا شريف؟ تنحنح "شريف" بحرج من هذا الرجل ونظراته التي قرأها "جمال" ثم قال بوضوح: -هكون صريح معاك، عاشور خرج دلوقتي هيعمل حاجة غير قانونية صح؟ رفع "جمال" نظره إلى "شريف" بنظرة مرعبة ومخيفة وكأن "شريف" مساعده الشخصي تخطى حدوده للتو فأزدرد "شريف" لعابه بخوف من نظرة "جمال" ثم قال:
-مش قصدي أدخل بس عشان .... وضع "جمال" التابلت على المكتب ليبتلع "شريف" كلماته بخوف فقال "جمال" بحدة صارمة: -روح على شغلك يا شريف وزي محدش بيدخل في شغلك متحاولش تتدخل في شغل حد. أخذ "شريف" التابلت وغادر دون أن يقول شيء فتنهد "جمال" بهدوء ووضع أصابعه على لحيته يحكها بتفكير عميق....
_خرجت "فريدة" من جامعتها وانطلقت في طريقها حتى وصلت أمام محطة الأتوبيس وقبل أن تأتي الحافلة جاءت لها سيارة فان سوداء وسحبها رجلين بداخلها بقوة وقبل أن تصرخ وضع الرجل يديه على فمها وخدرها، فتحت عينيها بصعوبة من ألم في كل أنحاء جسدها وأول ما رأته بنظرها المشوش ظل رجل وعندما وضحت الرؤية كان وجه تعرفه جيدًا فكان "جمال" جالسًا على مقعد أمامها ويضع قدم على الأخرى وهي مقيدة على الأرض في مكان يشبه المخزن كبير ومساحة هائلة وفارغ وبكل ركن في المكان كان رجل من رجاله، ارتعبت من كل هؤلاء الرجال ووجود "جمال" فابتلعت لعابها بخوف وبدأت ترتجف من الخوف وشعرت بأنها دخلت لقفص الأسد للتو .........
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!