الفصل 58 | من 59 فصل

رواية روية جمال الاسود الفصل الثامن والخمسون 58 - بقلم نورا عبد العزيز

المشاهدات
23
كلمة
2,970
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 98%
حجم الخط: 18

أخذها إلى منزل زجاجي صُنع بداخل بركة من المياه الكبيرة تحيطه من كل الجوانب، فقط هذه المعدية التي نقلت السيارة إليه. ثم ترجل من السيارة وفتح الباب الآخر فمد يده إليها. نظرت إلى يده ببسمة وعينيها تتجول في المكان حولها بذهول من جماله، وضعت يدها في راحة يده الممدودة وترجلت من السيارة ناظرة حولها حتى تقابلت عينيهما، فشردت بجمال هذا الزوج الأخضر من العيون تحت أشعة الشمس الذهبية تزيدها من الجمال.

تنفست بارتباك من قربه وهو لم يبتعد خطوة حتى يفسح لها الطريق، بل ظل واقفًا محله مستمتعًا بهذا القرب. تحدثت "مريم" باسمة بإشراق وبهجة تنير وجهها قائلة: -إحنا فين؟ شعرت بيده الأخرى تلمس خصرها بدلال فقشعر بدنها كاملًا من لمسته وأغمضت عينيها باستسلام لهذا الشعور المربك رغم جماله ودفئه الذي لا يوصف. اقترب "جمال" خطوته الأخيرة منها معجبًا بملامحها وخجلها الذي جعل وجنتيها تتورد باحمرار من حرارتها ودقات قلبها المتسارعة.

لمس وجنتها بعد أن ترك يدها بلطف وقال: -مريم. فتحت عينيها بهدوء حتى تقتله حركة رموشها الجميلة وبريق عينيها العسليتين. تبسم "جمال" متابعًا الحديث:

-أنت أجمل هدية بعتهالي ربنا. أنت العالم كله يا مريم. افتكري دائمًا إنك خليتي راجل ما بيعرفش يحب ولا يعبر عن مشاعر يقولك بحبك ويحضنك ويطمن بوجودك. خليتي راجل لعن كل ستات العالم يستنى اللحظة اللي بيرجع فيها البيت عشان يترمي في حضنك ويشبع من ملامحك. راجل كان مدمن على السجاير بقي مدمن على أنفاسك. مريم أنت غيرتي كل حاجة فيا. هزمتيني وأنا قدامك قبلت الهزيمة يا مريم.

عادت بذكرياتها مع كلماته. لم ترَ شخصًا في برودته أو قساوته رغم دفئه، لم يتجرأ شخص على معارضته لكنه سمح لها بفعل ذلك. تمتمت "مريم" بنبرة دافئة: -ما عاش ولا كان اللي يهزمك يا جمال. داعب وجنتها بإبهامه بدلال مبتسمًا بسعادة تغمره لهزيمتها إليه وقال بحب: -لو كان مريم فأنا قابل. أنت يا مريم هزمتيني ولأول مرة أقبل بالهزيمة بس لما شوقك وحبك غلبوني ولقيتني متيم بيكي وقلبي أسير لعشقك. ضحكت بعفوية على كلماته وعقلها

يعبث في الماضي وقالت: -مين يصدق أن جمال المصري بنفسه بيقولي الكلام دا. لو كان حد قالي من سبع سنين أن جمال ممكن يقول كدة أو يخطفني قصاد الكل زي ما عملت ما كنتش صدقت. تسللت يديه للأعلى يرفع غرتها خلف أذنها بإعجاب متأمل ملامحها الجميلة وكيف كبرت فتاته وأصبحت امرأة شابة بهذا الجمال وفاتنة ومن نظرة واحدة قد تخطف قلوب كل الرجال. قال بهمس خافت:

-من سبع سنين جيتي لقصري مرعوبة وضعيفة، طفلة عمرها 18 سنة في البطاقة لكن في الواقع كان عندك 14 سنة بريئة ومكسورة ودموعك ما بتبقاش. سبع سنين يا مريم سرقتي فيهم قلبي وعقلي وكل دنيتي. يا ربي معقول مرت كل السنين دي وأنت في حضني؟ تشبثت "مريم" بسترة من الخصر بعفوية وقالت: -كل السنين دي يا جمال غيروا كتير. شوف أنت بقيت بتقولي بحبك في اليوم أكتر من 10 مرات ههههههههه. سألها بفضول على ضحكتها القوية قائلًا: -بتضحكي ليه؟ توقفت

عن الضحك بخباثة وقالت: -فاكر من سبع سنين لما قلتلك بحبك، وقتها ضربتني كف يا الله إيدك كانت ناشفة أوي وقلت عليا عيلة مراهقة وحبت واحد قد أبوها.... قاطع حديثها فجأة بقبلة على وجنتها اليسرى بنعومة ودافئة لتبتسم "مريم" بعفوية فكلما ذكرته بصفعته لها قبل وجنتها كأنه يزيل أثر الضربة رغم أنها تلاشت من زمن. تنفست بأريحية وهي تشعر بدفء أنفاسه وشفتيه الباردتين على وجنتها. ابتعد قليلًا عنها ثم قال بلطف:

-حقك عليا يا روحي. مستحيل أنسى أني كنت مجنون لما رفضت حبك لأن العيلة المراهقة ليلتها سرقت قلبي كله وبسبب غبائي والقلم اللي ضربته عاقبتني أربعة سنين ونص كاملين حارمني من صوتها وصورتها بعد ما سرقت قلبي وسابتني أتعذب من شوقي ليها. رفعت يدها وعينيها تحدق به عن هذا القرب وأنفاسه تضرب وجنتها، لتلمس وجنته وهذا اللحية الناعمة التي تعشقها بجنون وقالت ضاحكة:

-ههههههه اه وعشان كدة أول ما جالي عريس خطبتني بالإجبار يالله عليكي يا جمال.. مسك يدها التي تلمس لحيته بحنان وقال هائمًا في عينيها، وضربات قلبه تكاد تفقده عقله وصوابه من وجود "مريم" وحدها: -قولي لي يا مريم، معقول ما تتعشقيش؟ أنتِ اتخلقتي عشان أعشقك وبس، وأصلًا العشق اتخلق عشانك لوحدك. أحم، تعالي خليني أوريكي حاجة لأني ماسك نفسي بالعافية أصلًا.

تبسمت بخجل شديد عليه وهي تعلم بما يفكر، فأخذها من يدها ودلف إلى المنزل لتُدهش عندما وجدته كمعرض خاص بها. ملابسها التي جاءت إليه بها لأول مرة، هاتفها الذي أهداها إياه كأول هدية، وصور كثيرة لها في مراهقتها بفضل "جين" الذي كان يصورها تلقائيًا ويرسل الصور له، وأول يوم في الجامعة حتى حفل تخرجها الذي لم يحضره بسبب خصامهما. دمعت عينيها بغزارة وسالت الدموع على وجنتيها من السعادة، وهذا الشعور الذي لم تقو على تحمله. كيف جمع "جمال" كل شيء خاص بها هنا؟

كيف صنع هذا المنزل وهو بمثابة العقل الصناعي الذي يحوي الذكريات فقط؟ تقدمت بقدميها للأمام وتنظر لجدران والصور الموجودة عليه حتى وصلت أخيرًا إلى فستان زفافها وصورة جمعتها به، فالتفتت "مريم" إليه وهو ما زال واقفًا بجوار الباب يراقبها عن كثب، فقالت ببكاء من السعادة: -جمال!

ركضت إليه بجنون وارتطمت بجسده بقوة ليطوقها بذراعيه بشدة كأنه لا يقبل بأن تخرج من صدره وتظل بقية عمرها بين ذراعيه فقط. شعرت بقوة ذراعيه عليها لكنها لم تقاوم بل تشبثت به أكثر وأكثر، وبسبب طوله لم تصل قدماها للأرض نهائيًا وباتت مُعلقة في عنقه كثيرة من الوقت وهو يأبى أن يتركها حتى رن هاتفها. اضطر مجبرًا على تركها مُتذمرًا بسبب قطع لحظتهما. تنحنحت "مريم" بحرج وضيق تملكها لكن سرعان ما تذكرت عملها بعد رؤية اسم موظف القناة الفضائية يتصل بها،

فضربت جبينها بيدها وقالت: -أنا نسيت خالص، كله بسببك يا جمال. ضربته على ذراعه مُتذمرة، فضحك على فتاته التي تقاعدت عن العمل وهو من طلب أن تعود والآن تضربه بسبب العمل. جلس على الأريكة ينتظرها بعد أن استقبلت الاتصال وأجلت الميعاد للغد بفضل زوجها. أنهت المكالمة وذهبت إليه تاركة الحقيبة على المقعد وجلست "مريم" قربه ببسمة ثم قالت بهمس ويديها تداعب صدره وأزرار قميصه: -معاك يوم واحد بس.

أنزل "جمال" قدمه عن الأخرى وجذبها إليه بذراعه الأيسر يضمها بشوق والسعادة تضرب أوتار قلبه وظهرت بسمته. اقترب أكثر منها وشعرت بلحيته تداعب وجنتها فانتفض جسدها عشقًا وسمعته يهمس إليها عن قرب: -والله ما يكفيني في عشقك العمر كله يا مريم.

أغمضت عينيها مُستسلمة لهذا الرجل الذي احتل كيانها. كل ما تعرفه عن الاحتلال أنه دمار وهزيمة، بل نكسة تصيب المُحتلين، لكن احتلال "جمال" إليها كان سلامًا وأمانًا، فلن تقبل سوى باحتلاله وتخلت عن الحرية التي ستأتي إليها بدونه. "مستشفى القاضي"

داخل غرفة "جميلة" كانت "ولاء" جوارها وتجلس تتحدث في الهاتف لا تبالي بشيء وتجلس معها كأنها تنفذ مهمة. فتحت "جميلة" عينيها بتعب وبدأت أصابعها تتحرك بصعوبة. هرع "حسام" إليها بسعادة بعد أن سمع أنينها ووقف مُنحنيًا جوارها بسعادة تغمره وقال: -جميلة حبيبتي.

أخذ يدها في يديه وبدأ يقبلها بسعادة مُمتنة ليقظتها وعودتها للحياة سالمة وقلبه تراقص فرحًا، بل عاد للحياة يحيا من جديد بنبضاته التي ردت إليه بعودة المحبوبة، لكن سرعان ما تمزق هذا الشعور وتوقف عن تقبيلها بصدمة ألجمته عندما تحدثت "جميلة" بصوت مبحوح قائلة: -حسام، أنتوا طافين النور ليه؟ افتحوا خليني أشوفك.

اتسعت عينيه على مصراعيها بصدمته التي ألجمته بل شلت كل تفكيره وعينيه التي تحدق بوجه زوجته ثم نظر إلى والدته "ولاء" والغرفة المُضيئة. ترجم عقله ما تفوهت به وتمتم بنبرة مُرعبة: -أنا هشوف الدكتور.

هرع للخارج مُسرعًا بصدمة ويتمنى ألا تكون زوجته فقدت بصرها حقًا ويكن هذا مجرد عرض للغيبوبة أو الجراحة التي حدثت في رأسها. جاء طبيب المخ والأعصاب بصحبة طبيب العيون ثم دلفت "مسك" أثناء الفحص. وبعد أن فحصها الجميع، سألت "جميلة" بتوتر من رؤيتها المظلمة رغم مرور الوقت وحضور الأطباء: -أنا مش شايفة حاجة ليه؟

نظر الأطباء إلى "حسام" بنظرة آسفة ليُدرك أن ما توقعه حقيقي وزوجته فقدت بصرها في هذه الحادثة. اقترب منها وأخذ يدها في يده فعلمت من هو من لمسة يديه وقالت بانهيار: -حسام أنا مش شايفة حاجة، أنا اتعميت صح.

جهشت في البكاء والانهيار حتى تحول البكاء إلى صراخ ونوبات انهيار، فضمها "حسام" بقوة بين ذراعيه ويمسح على رأسها بلطف ودموعه ذرفت على وجنتيه من الحزن. أعطتها الممرضة حقنة مهدئة وسرعان ما استرخى جسدها بين ذراعيه وغاصت في نومها. تركها بالفراش وخرج مع الأطباء في حضور "جمال" وعلم بما حدث لأخته، فلم تكن حياتها وحدها في خطر بل فقدت بصرها بسبب متربص مجهول لها ولم يفهم أحد سبب هذا الترصد بـ "جميلة". تحدث الطبيب بهدوء:

-إحنا هنعمل الفحوصات اللازمة وإذا كانت الجراحة حل هنعملها، لكن قبل الفحوصات الكاملة ما اقدرش أأكد حاجة. هز "حسام" رأسه بنعم بعجز وهو لا يملك شيئًا يفعله لأجلها الآن، فلن يشفيها المال أو السلطة ولا حتى المكانة والثراء التي تعيش بها. الآن لن يشفيها سوى الخالق وحده. أخذه "جمال" للأسفل حتى يخفف عنه قليلًا وجلس الاثنان معًا في كافتيريا المستشفى وجاء "عاشور" لهم بالقهوة فارتشفها "حسام" في صمت ساد بينهما حتى قطع هذا الصمت

ممرضة تتحدث بتعجل قائلة: -افتح الشاشة بسرعة. جلست على الطاولة بوجبة الغداء الخاصة بها بحماس وسعادة تغمرها بلا سبب لكن سرعان ما أدرك "جمال" السبب وكان رؤيتها لعودة "مريم" للشاشة ويبدو أنها من متابعي زوجته الجميلة التي افتتحت برنامجها الجديد (كيف تكونين الأفضل؟ . قال "جمال" بهدوء:

-اهدأ يا حسام ورتب أفكارك. جميلة لما تصحي هتكون محتاجك جنبها أكثر من أي حد ومش هينفع تشوفك ضعف أو تحس أنك زعلان. ونصيحة مني لأني أخوها لو هتحس في لحظة أن جميلة عبء عليك يبقى .... قاطعه "حسام" بحدة صارمة غاضبًا من كلماته مُتناسيًا أن من يجلس أمامه هو "جمال المصري"، بل كل ما اهتم إليه زوجته وعشقه إليها:

-ما تكملش يا جمال. رجعتها ليا بالسلامة كفاية. أنا كنت ميت من غيرها وجميلة مستحيل تكون عبء عليا أو حتى أشفق عليها. جميلة قلبي وروحي يعني حتة مني جواها وأم ابني وأنا مستحيل أتخلى عنها أو حبي ليها يقل. عن إذنك. ذهب "حسام" من أمامه غاضبًا من كلماته بينما تبسم "جمال" بخفة على "حسام" فنظر إلى الشاشة حيث زوجته وقال بتمتمة:

-كنت هأندم عمري كله يا مريم لو رفضت أجوّزه لجميلة زي ما أمي عملت. جه الوقت اللي ولاء هانم تفهم فيه قيمة الحب. خرج من المستشفى بعد أن مر على "غريب القاضي" مدير المستشفى يوصيه بأخته واتخاذ اللازم لأجلها. انطلق إلى شركته وفور وصوله استقبلته "أصالة" ببسمة هادئة وقالت: -تيام بيه الضبع منتظر حضرتك وشريف قاعد معه. أومأ إليها بنعم وسار بطريق مكتبه. تحدث "جمال" بعد ذهاب "أصالة" قائلًا: -وصلت لفين؟ أجابه "عاشور" بثقة

بعد أن أعطاه الهاتف وقال: -ده آخر واحد ظهر راكب العربية قبل الحادثة بأسبوع. نظر لوجه هذا الرجل وكان مألوفًا فقال بتمتمة غاضبًا من عقله: -أنا شوفته قبل كده لكن فين؟ لازم أفتكر.... دور عليه يا عاشور وتجيبه لي، أنا هآخد عينيه وكل فرد في عيلته بدل عين جميلة اللي راحت. أومأ "عاشور" إليه بنعم ثم دلف إلى المكتب وكان "تيام" جالسًا هناك. تصافحا وقال: -عُذرًا للتأخير.

-لا عادي، أنا اتناقشت مع شريف على بنود العقد ووقعت ناقص توقيع حضرتك. قالها "تيام" بلطف فأومأ "جمال" إليه بنعم وأخذ العقود من شريف لينظر بها ثم وقعها وقال: -مبروك. جلبت "مسك" شطيرتين من الدجاج المقرمش وقدمت واحدة إلى "مريم" ثم سارا معًا في الطريق فنظرت "مريم" إليها بلطف: -بصراحة كان إحساس مربك وكنت متوترة جدًا يمكن لأن بقالي كتير ما طلعتش قدام كاميرا. تبسمت "مسك" وقالت:

-بس قدرتي وكنتِ جميلة ومنورة الشاشة. تشربي بيبسي؟ استني. انطلقت "مسك" إلى سوبر ماركت ودلفت تشتري عبوتين من المشروبات الغازية وخرجت لكنها لم تجد "مريم" فبحث عنها كثيرًا ولم تجد لها أثر. فتح باب الغرفة ودلف "جابر" مُرتديًا بنطلون أسود وقميص رمادي اللون مفتوح أول زرين به. رآها كما هي بملابسها وتجلس على الفراش وتتكئ بذراعيها عليه كأنها تتواعد إليه بالانتقام. وضع صينية الطعام على الطاولة بهدوء وقال: -الأكل.

رفعت "غزل" رأسها إليه بغضب شديد ترمقه ثم قالت: -الأكل!! والله فاكرني كلبة عندك حابسها وبتجيب لها الأكل. وضع يديه الاثنين في جيوب بنطلونه ببرود ثم قال: -أنتِ اللي اضطريتني أعمل كده. وقفت "غزل" من مكانها بانفعال كالمجنونة وقالت بصراخ ونبرة عالية: -أنت فاكر نفسك مين عشان تحبسني هنا؟ بصفتك إيه تقعدني في بيتك ها؟ أخرج يده من جيبه ورفع سبابته في وجهها بغضب سافر نابع من قلقه عليها وقال بانفعال هو الآخر:

-دي مش بيتي ده سجنك يا غزل. ولو على مين فأنا أخدت الإذن من ولي أمرك غريب بيه. إحنا كلنا شلنا من مصايبك كتير تحبي أعدهم لك؟ لما رميتي نفسك مع عصابة بكر وساعتها وصلتي للموت ونجيتي منه بأعجوبة وبعدها لما دخلتي بيته وخطفك من القرية وغيره كتير. عايزني استنى إيه؟ لما أجيبك منين المرة دي؟ كزت على أسنانها باغتباط شديد من أفعاله وقالت بتهديد واضح: -أنتوا فاكرين إنكم تقدروا تمنعوني ها؟ ولا فاكر نفسك هتقدر تحبسني هنا؟

دي جريمة وأنت خاطف أنثى يا جابر. تقدم خطوة إليها بغرور ورفع حاجبه بمكر شديد لتبتلع لعابها من التوتر وعادت بخطواتها للخلف وهو يقترب أكثر مُتطلعًا بها من الرأس لأخمص القدم فقالت بتلعثم مُرتبكة: -أنت... أنا... والله لو قربت مني لأصوت وألم عليك ااااااه.

كانت تهدده بتوتر وقدميها تعود للخلف حتى وصلت لحافة الفراش. قاطعها عن الحديث بعد تعثرها وكادت أن تسقط لتصرخ، لكنها دهشت عندما مسكها "جابر" من يدها قبل أن تسقط. تقابلت عيونهما معًا في نظرة مطولة فأزدردت لعابها وتوردت وجنتيها، باتت عينيه تتجول بين عينيها الرمادتين واحدة تلو الأخرى بإعجاب ثم قال: أنا مستعد للسجن ما دام هحمي الأُنثى دي.

استرخت "غزل" وتخلت عن تشنج جسدها بعد كلماته وظلت ترمقه بهدوء. ترك "جابر" يدها بحرج وعينيه لا تقوى على البعد عنها أو تحاشي النظر إليها فقالت "غزل" بعفوية: لكن قبل ما تتسجن الأُنثى دي هدفعك تمن حبستها.

هربت من أمامه ليركض "جابر" خلفها وهي لا تعرف الطريق وأين باب الشقة لتهرب منه، فضحك عليها عندما رآها حائرة. وصلت "غزل" إلى باب الشقة وقبل أن تفتحه صرخت بغضب بعد أن حملها "جابر" على ذراعيه وعاد بها إلى الداخل. بدأت "غزل" تضربه بقوة بقبضتيها وقضمت كتفه بقوة ليقول بألم: أنتِ فاكرة أنك هتقدري تهربي مني... اااه.

حاولت القفز عن ذراعه بغضب متذمرة. لم تستسلم لترويضه إليها فحاول السيطرة عليها، لكنها وضعت قدمها في الحائط تصعب حركته، لكنه سقط للخلف أرضًا بها وهي فوقه ويديه تطوقها. توقف كلاهما عن الحركة وهدأت "غزل" تمامًا بعد أن أصبحت بين ذراعيه وفوقه تستمع لصوت دقات قلبه. تنفس "جابر" بأريحية وهدوء يخمد نيرانه. وقفت "غزل" بحرج من فعلتها وأعطته ظهرها ليقف "جابر" أيضًا بحرج ولم ينظر إليها فقالت بتمتمة: أنا جوه.

دلفت للغرفة وحدها من الحرج والشعور الذي أصابها لرجفة قلبها، فأدركت أنها سقطت في غرام هذا الرجل الشامخ. تنحنح "جابر" بارتباك وأغلق باب الشقة جيدًا ودلف إلى غرفته دون أن يقيدها في غرفته. جلست "غزل" إلى الطاولة ورأت ملابس نظيفة مطوية لتبدل فستانها الذي ترتديه من أيام بعد أن أخذت حمام دافئ وتناولت الطعام ثم خرجت تصنع كوبًا من الشاي الأخضر. كانت تعلم أنه بالداخل لكنه لم يسمح لها بالرحيل كليًا، فأخذت حقيبتها الموجودة على الأريكة وأخرجت الهاتف. كان مغلقًا بسبب بطاريته الفارغة فتنحنحت بحرج وذهبت إلى غرفته تدق عليها بلطف. خرج "جابر" بهدوء ودهش من جمالها البريء وهي ترتدي بيجامة قطنية بنص كم فضفاضة وشعرها على الجانبين وحافية القدمين.

تنحنح بخفة وقال: نعم. عايزة شاحن. قالتها "غزل" بحدة فسحب الهاتف من يدها بقوة وقال: ومين قالك أن مسموح لك تستخدمي الفون بتاعك؟ اتسعت عينيها على مصراعيها بصدمة وصرخت به قائلة: أنت اتجننت رسمي! حاولت أخذ الهاتف منه ليرفع يده للأعلى بحزم وقال بكبرياء: لحد ما أنا أسمح بده ممنوع تكلمي حد أو تشوفي حد، ويا أنا يا أنتِ يا غزل، وأنتِ اللي جنيتي على نفسك.

كزت على أسنانها بغيظ منه وهي تشعر بقيد حريتها كليًا فضربت قدمه بقوة وغادرت. تألم كثيرًا من ضربتها لكنه ابتسم على قسوتها وشراستها. عادت "جميلة" للمنزل بوجه شاحب وحزينة بعد ما آلت إليه الأمور. كان "حسام" يساندها ويأخذ بيدها وساعدها في صعود الدرج فقال بلطف: على مهلك يا روحي.

تنهدت بحزن وهي تشعر بالعجز، وبسبب إصابتها ستترك عملها، لن تصعد للطائرة مرة أخرى ولن تقودها. لم يفهم أي شخص قدر متعتها في قيادة الطائرة. كان "حسام" يراقب تعابير وجهها وحزنها لكنه يحاول أن يتجنب هذا بلطفه وإظهار الحب إليها. تحدث "جمال" بنبرة دافئة: براحتك يا جميلة، أنا هخلي حنان تجبلك يوسف... حنان. جاءت "حنان" إليه فقال بجدية: ودي يوسف لأوضة جميلة، صحيح مريم رجعت؟ أجابته بلا مبالاة وهدوء: لا مرجعتش.

أومأ إليها بنعم ثم اتصل بزوجته وهو يسير إلى المكتب لكنها لم تجب عليه مما أثار قلقه خصيصًا مع مرور الوقت حتى أصبحت الساعة العاشرة مساءً ولم تعد تجيب على الهاتف. دخل على "جين" محاولًا الاستعلام عن سيارتها وأين هي؟ فوجدها في القناة الفضائية لكن هاتف "مريم" في مكان آخر. انقبض قلبه رعبًا بلا سبب فوضع يده على قلبه بخوف وتمتم باسمها قائلًا: مريم.... تجمع الرجلان حولها و"مريم" ترتجف رعبًا وخوفًا فدفعته بقوة بعيدًا

عنها قائلة: ابعد عني يا حيوان.... صرخت بهلع عندما أخرج الآخر سكينًا مطوية صغيرة وفتحها ثم وضع السكين على عنقها مما أرعبها وجعلها تنتفض فزعًا. دمعت عينيها بخوف فلمس الرجل وجنتها بإعجاب ثم قال: أنتِ أحلى بكتير من الشاشة. ابتلعت لعابها بخوف وقلبها يرتجف فزعًا وبدنها مرتعشًا من الخوف وهذا المكان المظلم، لكنها رغم خوفها فلم تستسلم لهذين الرجلين فدفعته بقوة بعيدًا وقالت: ابعد عني يا زبالة والله لتدفع تمن عمايلك.....

رفع يده إلى الأعلى لكي يصفعها فصرخت "مريم" بشدة والآخر قدم السكين نحوها فجرح عنقها. قصر جمال المصري شعر "جمال" بوخزة حادة في قلبه مما أرعبه وجعله يدرك أن محبوبته أصابها شيء حتمًا وهرع إلى الخارج كالمجنون لكن قبل أن يصعد السيارة أوقفه صوت هاتفه وكان رقمًا مجهولًا فقال: ألو. أستاذ جمال. قالها رجل بنبرة صارمة فتنحنح "جمال" بهدوء وقال: أيوة مين حضرتك. تحدث الرجل بنبرة خافتة عبر الهاتف يقول:

المقدم تامر البنهاوي محتاج حضرتك تنورنا في قسم الزمالك. ابتلع "جمال" لعابه بخوف وانقبض قلبه قلقًا على محبوبته فسأل بعد أن صعد للدرجة: بخصوص مريم؟ حصلها حاجة؟ صمت المقدم لثوانٍ مروا على "جمال" كالعمر بأكمله ثم أتاه صوت هذا الرجل يقول بنبرة خافتة: كنت محتاج حضرتك تتعرف على الجثة في المشرحة.

اتسعت عيني "جمال" على مصراعيها بصدمة أوقفت قلبه عن النبض وسقط الهاتف من يده من صدمته. أصابه شعور الموت على قيد الحياة وانتفاضة قلبه لم تكن من فراغ. لم يتخيل أنه ممكن أن يفقد "مريم" وعندما غابت عن ناظره ذهبت إلى المشرحة جثة. تنفس بصعوبة وعقله لم يستوعب الأمر وتساقطت دموعه. تمالك أعصابه وانطلق كالمجنون إلى زوجته ودموعها لم تتوقف للحظة عن الانهمار وذكريات "مريم" بأكملها تمر أمام عينيه حتى أنه حصل على أكثر من مخالفة على قيادته الجنونية.

تمتم بصعوبة وصوت مبحوح: مريم ...... وللحكاية بقية.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...