الفصل 20 | من 59 فصل

رواية روية جمال الاسود الفصل العشرون 20 - بقلم نورا عبد العزيز

المشاهدات
20
كلمة
3,294
وقت القراءة
17 د
التقدم في الرواية 34%
حجم الخط: 18

زجاجتان من الخمر على الطاولة الزجاجية أمامه وكأسه يلازم يده. قاطعه صوت جرس الباب، ففتح تامر الباب لأجلها. بعد أن دخلت سارة، غادر هو وأغلق الباب خلفه. سارت للداخل حتى وقع نظرها عليه ورأته جالسًا هناك في انتظارها بشوق، لتبتسم بسعادة. رمقها نادر بنظرات إعجاب والفرح يغمره اليوم. تقف أمامه ببسمتها الجميلة مرتدية عباءة سوداء وتحمل حقيبتها في يدها. وقف من مكانه ويده تحمل الكأس بها حتى وصل إليها وأعطاها الكأس في يدها بعد قبلته الناعمة التي تذوق بها جمال أحمر الشفاه الخاص بها. تبسمت بسعادة

تغمرها هي الأخرى وقالت: -أطلب أي حاجة النهار دا. ضحك بخبث شديد وعينيه تكاد تمزق عباءتها بعد أن علم أنها تسعى خلف جمال لسبب غير مجهول، ليقول: -بيقولك عدو عدوي حبيبي، ما بالك لما تبقى كمان مراتي. ضحكت بعفوية وهي ترفع يديها إلى عنقه وتدلل إليه بحب ثم قالت: -بيعجبني فيك يا حياتي إنك مش فضولي.

ضحك بسخرية على كلمتها وهو حقًا لا يريد سوى كرهها إلى جمال بغض النظر عن السر الغامض الذي تخفيه بطياتها. شعرت بيده تتسلل إلى عنقها لتفتح سحاب عباءتها ويبعدها عن أكتافها فسقطت أرضًا ويظهر فستانها الأحمر الذي يليق بسهرتها اليوم واحتفالها بهزيمة جمال أمامهم. تتطلع بهذا الفستان المثير الذي يظهر من جسدها أكثر مما يخفي، عبارة عن مثلث مقلوب بدون أكمام ويكاد يخفي مؤخرتها، عاري الظهر كاملًا وكعبها العالي الأسود، فتبسم بإعجاب وهو يحيط بيده خصرها ويستكشف نعومة ظهرها بأنامله قائلًا:

-والله أنا قلت إن سهرتي معاكي الأجمل. تبسمت وهي تجذب رأسه بيدها إليه وتهمس بدلال مفرط قائلة: -ولسه يا حياتي، أنا النهار دا هخليك تعيش ليلة بألف ليلة وليلة. ليلة تمنها 50 مليون جنيه. قالتها وهي تسحبه للداخل من ياقة قميصه حتى وصلوا للأريكة لينهل على عنقها بقبلاته، لكنها استوقفته عندما وضعت إيصالات الأمان الذي وقعها أمامه عينيه وقالت: -بتستاهل الـ 50 مليون.

تبسم إلى هذه الأوراق بسعادة وأشعل بها النار ثم تركتها تحترق على الطاولة وأحرق هذه المرأة بقبلته لكل أنش وسعادة تغمرهما معًا لتحقيق انتصارهما. خرجت سلمى من غرفة القيادة بزيها الرسمي للطيران كي ترحب بهما في هذه الطائرة الخاصة التي ستأخذهما إلى فرنسا، واندهشت مما رأته عندما رأت جمال يجلس على اليسار وحده ومريم تجلس على اليمين حزينة وتنظر من النافذة. تنحنحت بحرج وقالت: -أتمنى لكم رحلة سعيدة وآمنة.

لم يجب أي منهما عليها والغضب والحزن يحتل وجههما. عادت إلى غرفة القيادة لتنطلق بقيادتهما. بعد أن استقرت الطائرة في الجو، سمعت صوت جمال يطرق باب غرفة القيادة ففتحت لأجله وقالت: -اتخانقتوا؟ تأفف بضيق وكاد أن يشعل سيجارته لتقول بحزم: -ممنوع التدخين، لكن في المقابل خرج غضبك فيا وقولي حصل إيه. على حد علمي إن الرحلة دي هديتك لنجاحها وخطوبتكم، يعني مناسبة سعيدة؟ مع إني مش شايفة أي سعادة في الموضوع. تمتم

بضيق شديد مما يحدث ثم قال: -أنا وعدتها ولازم أوفي بوعدي. نظرت إليه بسخرية من تحجره وقالت: -لكن وعدك مالوش لازمة وأنت مزعلها.

حدق بهذه الفتاة وغادر الغرفة غاضبًا ليعود إلى مقعده ووقع نظره عليها. تحدق من النافذة بحزن شديد بعد أن اتهمها بالخيانة وأبكاها، لكن قسوته لم تكتفِ بذلك بل أجبرها على السفر معه. جلس في مقعده باستياء وقبلة ياسين لها لا تفارق مخيلته فنظر بهاتفه لعل هذه الأفكار تتركه وترحل. نظرت مريم إليه بضيق من تصرفاته، لم يعتذر على كلماته القاسية لها وبحقها لكنه أجبرها على الصعود على متن هذه الطائرة فقالت بتمتمة غاضبة منه:

-فاكرني هفرح بهديتي بعد اللي عملته؟ سمع كلماتها ليقول بجدية ولهجة صارمة: -متفرقش يكفي إني وفيت بالوعد اللي قطعته ولو عايزة سلمى تلف وترجع بينا مفيش مانع، مش هموت وأفضل هنا على كل حال.

كزّت على أسنانها منه ونظرت للنافذة لا تملك مهربًا منه الآن سواها. وصلت الطائرة لأرض فرنسا فترجل جمال أولًا لا يعير اهتمامًا بها، فسارت خلفه كي تنزل الدرجات الخاصة بالطائرة لكن آخرهم كانت بعيدة عن الأرض لتنظر إليه وهو يصعد إلى سيارته دون أن يهتم بأمرها فتنحنحت سلمى بلطف ومدت يدها إلى مريم لتساعدها في النزول. تنهدت باختناق منه وذهبت خلفه بضيق حتى وصلا للفندق وهو لا يتحدث معها نهائيًا حتى وصل أمام الغرفة وفتح الباب لها فتأففت

بضيق من جبروته وقالت: -أنا لو مخطوفة مش هتعامل كدة.

دلفت للغرفة ليغلق الباب خلفها وذهب إلى الغرفة المقابلة لها ودلف حيث غرفته. دخلت مريم غرفتها بضيق شديد يتملكها ولا تعلم كيف أمس كان سيخبرها بحبه ويعترف لأجلها واليوم يعاملها كخائنة له. كانت الغرفة عبارة عن جناح لتدخل إلى غرفة النوم باختناق من هذه الرحلة لها. دهشت عندما رأت الغرفة مزينة بالبالونات وهناك قلب مصنوع من الورود الحمراء على الفراش الأبيض فاتسعت عينيها على مصراعيها من الدهشة التي أصابتها ووضعت يديها على فمها بسعادة غمرتها كأنه انتشل كل هذا الغضب الذي بداخلها واعتذر بفعلته عما قاله صباحًا. اقتربت من الفراش ووجدت دمية على شكل عروسة جميلة كبيرة تتوسطه كأنها هدية من أجلها. حملت العروسة بين ذراعيها بلطف وضمتها إليها بسعادة.

في الغرفة المجاورة، بدل ملابسه وأخذ حمامًا دافئًا ثم خرج على صوت هاتفه الذي يرن باستمرار وكانت أصالة. وقد توقفت عن الاتصال وأرسلت له الرسائل الكثيرة وكان محتواها: -أتمنى الهدية تكون عجبتها. -أنا خليت المسؤولين في الفندق يبعتولي صورة السويت عشان أتأكد من كل حاجة بنفسي قبل وصولكم.

لاحقت رسائلها صورة للجناح الخاص بمريم المزين لتتأفف بغضب وتذكر أنه طلب من أصالة أن تجهز لها الغرفة مع الحجز حين أخذ الأوراق منها. الآن ماذا ستفكر مريم؟ هل ستعتقد أنه يعتذر على ما بدر منه رغم أنه لم يفعل؟ دق باب الغرفة ليفتح وكان موظفو الفندق جلبوا له العشاء كما طلب قبل صعودهما فرأى الصينية الأخرى الخاص بها وقال الموظف باللغة الفرنسية: -هي لا تفتح هل نترك الطعام أم نعيده في وقت آخر؟

نظر إلى غرفتها واقترب ليدق الباب قليلًا لكنها لا تفتح فطلب منهم أن يفتحوا الباب لأجله وعندما دخل كانت غرفتها فارغة وهي لا أثر لها ليجن جنونه من اختفائها في هذه البلد الغريبة وأخرج هاتفه واتصل على مريم لكنها لم تجب عليه. ساءت حالة حمزة أكثر بسبب الإصابات الكثيرة والبالغة التي ألحقها جمال به، فاتصل عاشور بالطبيب وجاء لفحصه ومعالجته وأخذ منه عينات الدم للتأكد من شيء ما ثم غادر المكان.

تجولت مريم في كل مكان في الشوارع باحثة عن هدية تقدمها له كي تعتذر هي الأخرى عما فعلته رغم أنه لم يترك لها المجال لو كان انتظر قليلًا لرآها تصفع ياسين بيدها قبل أن يفعل على تقبيله لرأسها. اشترت قلمًا ثمينًا من أجله وجعلت الموظف يحفر له اسمه على القلم ثم دفعت بأموالها النقدية وغادرت. وقفت على الطريق تنتظر سيارة أجرة حتى تعود للقصر لكنه قاطعها باتصاله فوضعت الهاتف على أذنه فسمعته يصرخ بانفعال شديد وقلق عليها واضح:

-أنتِ فين؟ أخبرته بمكانها فأمرها بألا تتحرك من محلها وهو في طريقه إليها. جلست على أحد المقاعد تنتظره وتحمل في يدها علبة سوداء بداخلها هديتها له. رأت سيارته التي كانت تنتظره من الفندق عند الطائرة تتوقف أمامها. ترجل جمال من مكانه بغيظ شديد وغضب يحتل وجهه ونظراتها المثبتة عليه. وقفت من مكانها بصمت ليقول بضيق شديد: -أنتِ كويسة؟ أومأت إليه بنعم دون فهم لحالة قلقه الزائدة فصرخ بها بانفعال شديد هاتفًا:

-أنتِ إزاي تخرجي لوحدك ومن غير ما تقوليلي ها؟ أنتِ غبية تعرفي إيه في البلد دي عشان تخرجي لوحدك. دمعت عينيها بحزن شديد وضغطت بيدها على العلبة التي تحملها في يدها من توبيخه به ونبرته القاسية التي جعلت الجميع ينظرون عليهما. تمتمت بضيق شديد: -غبية! آه غبية يا جمال، غبية لأني بفكر فيك.

أعطته الهدية في يده بضيق شديد واتجهت إلى السيارة، فتأفف باغتياظ من تصرفاتها وفتح العلبة ليرى قلمًا أسود جميلًا ويحمل اسمه ومعه بطاقة صغيرة كتبت بها بخط يدها كلمات قليلة: (ممكن نعدي الزعل ونتصالح، والله ما بحب غيرك)

أغمض عينيه بضيق من كلماتها ليفهم أن ما وصل إليها من تزيين غرفتها أنه يعتذر، فقررت أن تعتذر هي الأخرى لكنه في الحقيقة لم يفعل. صعد إلى السيارة وانطلق بهما السائق، فظل صامتًا يحاول ترتيب الكلمات في عقله قبل أن يتحدث ويخبرها بأنه لم يعتذر عن شيء، لكنها قاطعت شروده بكلماتها الهادئة: -سألتني لو كنت زعلتني امبارح؟ لا ما زعلتش منك... أنا جالي اتصال من ياسين. أدار رأسه لها بغضب سافر من حديثها عنه وكاد أن يتحدث، لكنها منعته

من الحديث عندما قالت بخفة: -أنت قولتلي وقت ما أحب أحكيلك هتسمعني. ابتلع كلماته بضيق شديد حتى يستمع إليها كما وعدها، فطلبت من السائق أن يتوقف جانبًا ونزلت من السيارة وفتحت الباب له هذه المرة وقالت: -انزل. ترجل من السيارة وهندم ملابسه مع تنهيدة قوية تخبرها بأنه لن يستمع إليها كثيرًا وربما يفقد عقله في أي وقت، لتسير معه في الطريق وأخذت يده في راحة يدها ثم قالت:

-أنا ما قصدتش أجرحك يا جمال، أنت عارف كويس دا وعارف إني بحبك، آه بحب ياسين... قاطعها عندما توقف عن السير وسحب يده من يدها بقوة غاضبًا منها كأنها مصرة بكل طاقتها وأنفاسها أن يفقد أعصابه عليها ويصفعها هذه المرة، لكنها وقفت أمامه ونظرت بعينيه بهدوء وقالت: -أنا بحبه كأخ يا جمال، اتربيت معاه سنين عمري وكنا بنهزر ونضحك مفيش حساسية في التعامل وعمري ما اعتبرته غريب لكن لما اتصل بيا استغربت هو جاب رقمي منين؟

أنت جايب لي الرقم دا بنفسك والأسماء اللي على تليفوني محدودة أنت وحنان ونانسي وأصالة وحسام وشريف وبس، أنتوا بس اللي معاكم الرقم دا لكن ياسين وصله. -يمكن اديتهوله من غير ما تحسي. قالها بسخرية لترفع حاجبها إليه بضيق شديد وقالت: -أنا مش بهزر دلوقت يا جمال، أنا عارفة إنك جبت ليا دكتور نفسي عشان أتعالج بأي طريقة حتى لو كانت الطريقة هي الخوض في الماضي والذكريات لكن ما كنتش أعرف إن حتى ياسين اشترك في الجريمة.

تخلى جمال عن غضبه بعد جملتها الأخيرة وقال: -الجريمة!! أومأت بنظرها إليه وأخبرته أن ياسين ساعد حمزة في التخلص من جثة مختار، ولهذا كانت خائفة عندما اتصل بها وتوترت كثيرًا من أن يكون حمزة من أرسله، فالتزم جمال الصمت وهو لا يخبرها بأن هذا مستحيل ما دام حمزة معه وتحت رحمته وقبضته، فقالت بحزن: -لما جالي القصر أقسمك يا جمال إني ما كنتش أعرف إنه بيبص لي البصة دي لكني شوفتها في عينيه واترعبت من الخوف، آه خوفت...

خوفت تفهمني غلط وتتهمني إني وحشة واللي خوفت منه حصل، وجعتني وأذيتني بكلامك مع إنك واثق إني ما بحبش غيرك، أنا جيتلك امبارح في المكتب وقولتلك إني واثقة فيك، قولتلك إني بقوى بيك عشان أنت معايا وإني من غيرك ضعيفة، معقول ما حسيتش بصدق في كلامي وفاكرني بكدب عليك؟ ما أنا مستحيل أخونك إلا لو ما بحبكش لكن أنا... أنا بحبك. كيف لقوته ألا تنهار أمامها وعينيها تلتهمه بالحب وتعانقه بالدفء؟

كيف له أن يكذب ما يراه الآن في عينيها ويشعر به في قلبه لأجلها؟ كيف تكون كاذبة وخائنة وهي تسحبه لقاع الحب وعالم العشق بحديثها؟ رفع يده إلى وجهها وهذه الهزيمة التي لحقت به، هزم العشق عقله المتمرد وأوقف لسانه السليط، لمس شعراتها بحنان ووضع خصلات شعرها خلف أذنها بلطف حادقًا بها وقال: -المرة دي بس!! عشان مريم وغلاوتها في قلبي.

تبسمت بسعادة وهو يخبرها بأنه سيتخلى عن غضبه هذه المرة لأجلها، فقط من أجلها سيصدق حديثها ويكذب كل أفكار عقله الخبيث الذي يتألم من ذكريات الماضي ولأجل فتاته التي تسكن قلبه سيضرب الماضي بقوته ويقتله وسيكون سلاحه هو مريم نفسها. أومأت إليه بنعم وسعادة تغمرها وتبدل حالها عن الفتاة التي كانت تحلق معه في الجو من قليل لكنها عادت كفراشته الجميلة التي تبتسم ويتطاير شعرها مع نسمات الهواء، فقال بصعوبة بالغة على غير عادته:

-خليني أقولك إني وقسمًا بحياة مريم ومعزتها عندي ما قولتها لحد قبل كدة لكن المرة دي بس يا مريم، عشانك هقولها... أنا آسف مع إنك عارفة قد إيه هي صعبة. تبسمت إليه بحب شديد وهي تهز رأسها بنعم وتخبره بأنها تعلم أن ليس من السهل عليه أن يعتذر لأحد ولم يفعلها من قبل، لطالما كان يدوس أي شخص بقوته ويضرب الجميع بقسوته لكنه فعل لأجلها هي فقط، فكيف لا تغفر له ما قاله هذه المرة وقلبها وعقلها يقدران هذه المحاولة الصعبة منه للاعتذار.

قالت بنبرة خافتة سعيدة: -وأنا كمان آسفة. والله لو كنت صبرت لكنت ضربته بالقلم قدامك على اللي عمله. قاطعها عن الحديث على رجل أخرى بغيرة تأكل قلبه بقبلة تسكت شفتيها عن الحديث، لتبتسم بسعادة تغمرها وهي تتشبث بقميصه بحب وضربات قلبها تتسارع بجنون في هذه اللحظة وأوشك على الانفجار. كان الحب يغمرها بدفئه بقدر كافٍ جعل جمال لا ينتبه نهائيًا لهذا الرجل الملثم الذي يلتقط لهما الصور في هذه اللحظة وانطلق بعيدًا.

_تبسم شريف بسعادة وهو يرد الضربة إلى نادر بنشر خبر زواجه من سارة على المواقع ومع الخبر نبذة بسيطة عن سارة وإدارتها لنادي ليلي، تمامًا كما خطط جمال، فتبسم بسعادة وهو ينظر إلى الخبر في التابلت ويتحدث في الهاتف مع شريف الذي تحدث قائلًا: -دلوقتي الصحافة كلها تدور وراء سارة وتعرف حقيقتها وأعمالها القذرة وميبقاش قصاده غير إنه يطلقها أو ينسحب من المشروع ده.

أجابه جمال بنبرة جادة بينما ينظر إلى مريم التي تجلس معه على الطاولة في المطعم وتتناول طعامها قائلًا: -أفتكر الاحتمال الأول هو اللي هيحصل. أومأ شريف له بنعم ليقول جمال بجدية: -عرفت الخاين اللي جوه الشركة؟ -قربت أوصله. قالها شريف بحزم ليجيب جمال عليه بحدة: -لما تعرف كلمني ومتتصرفش من دماغك. أومأ إليه بنعم ثم أنهى الاتصال فنظر جمال إليها عندما قالت بتذمر: -حتى هنا مبتبطلش شغل. تبسم بخفة على كلماتها ثم قال:

-أنا حذرتك من ده.

هزت رأسها بنعم فهو أخبرها عن إدمانه للعمل وربما سيهملها لأيام من أجله وهي وافقت على هذا الشيء. أنهيا طعامهما وخرجا معًا، تجولا في الطرقات وأكلا معًا من طعام الشارع والمثلجات وضحكاتها لا تفارقها نهائيًا بينما هو يراقبها بنظراته مستمتعًا برؤيتها سعيدة. ذهبا معًا إلى التسوق ومنه إلى ركوب المنطاد معًا وهي تنظر للأسفل بخوف لكنها تستمتع وتتشبث بيديه من خوفها. مر اليوم كاملًا وهم في الشارع يفعل لها كل ما تطلبه دون أي اعتراض حتى قررت الذهاب إلى برج إيفل الذي تمنت رؤيته بصحبته. سارا معًا حتى وصلا إليه لتركض مريم للأمام بسعادة وهي تبتسم ببراءة وطريقة طفولية لتحقيق أمنيتها. توقفت وهي تضع يديها على فمها من الفرحة حتى شعرت به يعانقها من الخلف

لتكبر بسمتها أكثر وقالت: -شكرًا. وضع رأسه فوق رأسها وهي أقصر منه بكثير وقال بلطف: -مبسوطة! هزت رأسها مرات متتالية من الفرحة التي تغمرها والدفء الذي تشعر به: -جدًا، ربنا يخليك ليا يا حبيبي. التفتت إليه بسعادة ليبعد خصلات شعرها عن وجهها بدلال ويحدق بعينيها منتظرًا أن تتحدث وتقول ما تحمله على لسانها وسريعًا ما تفوهت به قائلة: -أنا بحبك أوي يا جمال. هز رأسه بنعم بهدوء شديد اعتادت عليه من هذا الرجل ثم قال: -عارف.

ضحكت بعفوية على ثقته من هذا الحب وقالت: -ده أغرب رد يترد بيه على كلمة بحبك. -عارف. قالها بجدية لتنفجر ضاحكة عليه وبدأت تلتقط الصور بهاتفها لهما كثيرًا حتى قالت: -اديني تليفونك. نظر إليها بتعجب من طلبها لترفع حاجبها بجدية فأخرجه من أجلها وأعطاه لها وهو يقول: -في إيه؟ جعلته يفتح الهاتف لها وظلت تنظر به كثيرًا وأعطته له لينظر إلى الهاتف وكان يحمل في خلفيته صورة لهما وقالت بتهديد صريح:

-مش مسموح تغيرها نهائيًا إلا بأمر مني. أعجبته الصورة جدًا فقال بهدوء: -حاضر. تبسمت بخبث شديد ثم غمزت إليه وقالت: -كمان غيرت اسمي على تليفونك. فتح خانة الاتصالات بسرعة من الدهشة التي أصابته وبحث عن اسمها لكنه لم يجد له أثر لكنه وجد اسم "حبيبتي" وبجواره قلب أحمر وخاتم فاتسعت عينيه على مصراعيها ونظر إليها: -برضه ممنوع نهائيًا تغيره مفهوم. وضع الهاتف في جيبه وهو يسير بها في الطريق ويقول:

-حاضر على كل الأحوال محدش بيشوف تليفوني غيري. ضحكت بحماس شديد على هذا الأمر وقالت بخبث طفولي شديد: -لكني غيرت صورة بروفايلك بصورتنا وكتبت خطيب مريم.

اندهش من أفعالها بعد أن أعلنت للجميع أنه ملك لها. كاد أن يتحدث ليقاطعه صوت إنذار الخطر يطلق من هاتفه فأخرجه من جيبه بقلق بعد أن ابتعد عنها وصدمت عندما كان الإنذار يخبره بوجود عطل في تطبيق "جين" ليصدم صدمة ألجمته وجعلته يعود بها إلى مصر حتى أنه جعل الطائرة تهبط على سطح شركته وهي معه. طيل رحلته إلى مصر وهو منغمسًا في اللابتوب الخاص به يحاول إصلاح الأمر ليعود "جين" للعمل بطريقة مثالية. انطلق بها للأسفل واندهش الجميع من

دخوله لهذا المصعد بصحبتها لطالما ذهب إلى هناك وحده بدون "شريف" حتى. ترك يدها وهو ينظر إلى شاشة التابلت الموجود في يده والمصعد يهبط للأسفل. لم تقوَ على قول كلمة واحدة أمام غضبه وقلقه وهو يحاول معرفة ما حدث. ووصل المصعد للطابق الأول بالشركة لكنها دهشت عندما هبط طابق آخر للأسفل ثم توقف المصعد في طابق تحت الأرض ففتح الأبواب

مع الصوت الآلي يقول: -أدخل كلمة السر. اقترب جمال قليلًا لهذا الباب الزجاجي وأدخل كلمة السر الخاصة به. ولج وهي تسير خلفه باندهاش مما تراه في باطن هذه الشركة. ردهة طويلة مظلمة رغم الإضاءات الخضراء المنبعثة من كم الأسلاك والأجهزة التي تشبه غرفة الطاقة بهذه الشركة ووصل إلى أحد الأجهزة وفصلها ثم أعاد تشغيلها وأوصل بها فلاشة صغيرة لتبدأ التحميل ببطء شديد ثم تقدم بخطواته للأمام. سارت مريم معه وهي تستمع إلى حديث جمال يقول:

-جدي كان من أكبر المقاولين في البلد، رجل ابن بلد استثمر كل فلوسه في العقارات وكبرها. الجنيه بقى مليون وعلم أبويا المهنة واشتغل معه، كانوا إيد واحدة وعمل أبويا شركته الخاصة في العقارات وكبرها ولما جدي اتوفى ورث أملاكه وبقى من أعيان البلد كلها وكبارها وفضل يكبر في العقارات ويشتغل فيها. أنا روحت أدرس في أمريكا وهناك اكتشفت إن الثورة الحقيقية اللي جاية ثورة تكنولوجيا وإلكترونيات ودرست الهندسة والبرمجيات وكل ما يتعلق بالتكنولوجيا بأنواعها واشتغلت في مختبرات وشركات لصناعة الروبوتات لحد ما اتوفى أبويا وورثت شركات العقارات. وقتها من غير ما أفكر للحظة واحدة بعت كل حاجة ورثتها واستثمرت كل الفلوس في شركة الجمال جي أند إم للإلكترونيات.

تابعته مريم في صمت حتى وصل لنهاية الردهة وكان هناك غرفة زجاجية ليقول: -تعبت في الشركة عشان أحقق حلمي وأكون من رواد التكنولوجيا مش في مصر بل في العالم كله. طول عمري راجل طموح بحط حلم قصادي ولما بحققه بخلق حلم جديد لحد ما حققت ده... جين. نظرت مريم إليه بينما وضع يده على بصمة اليد لتفتح الغرفة ثم قالت: -جين! أومأ إليها بنعم ثم تابع الحديث قائلًا:

-مرايتي، جين أول روبوت ذكي من تصميمي. هنا خلقته وصنعت كل ثغرة فيه. من خلاله كأني ببص على العالم كله ومرايتي بمعنى الكلمة. خلقته في 10 سنين وقعدت في دراسته ثلاث سنين مع متخصصين في أمريكا وعشانه كنت مشغول عن ليلى وبشوفها مرة كل شهرين ثلاثة لحد ما خانتني لو كانت استحملت فترة انشغالي عنها كانت هتلاقي النتيجة في جين. من خلاله تقدر تعمل كل حاجة. لكنها كانت طماعة بدورها عايزة كل حاجة وفي نفس الوقت...

التفت إليها ليحدق بوجهها وهي تنظر إليه في صمت لا تعقب عن حديثه عن زوجته ليقول: -جين اتكلف مليارات يا مريم ومع ذلك ميغلاش عليك. اتسعت عينيها على مصراعيها بصدمة ألجمتها للتو وهو يخبرها بأنه سيهديها حلمه ومستقبله الذي أخذ سنوات من عمره وأطنان من ماله فقالت: -أنا! اقترب إليها بهدوء شديد ثم أخذ يدها في يده بلطف ونظر بعينيها المصدومتين وقال بنبرة دافئة: -تتجوزيني؟

هربت الدماء من جسدها والكلمات من فمها وهو يعرض عليها الزواج الآن بهذه الغرفة ودون سابق إنذار دون أن يجلب لها وردة أو يعترف بحبه لكنه يرغب بالزواج منها وقدم "جين" هدية زواج لها. قالها بوضوح دون تردد أو خوف رغم أنه يصارع عقله من الداخل الذي يحذره من خوض التجربة مرة أخرى لكن قلبه يريد ذلك ويريد أن يخوض هذه التجربة والحرب معها فقالت: -أنت قولت إيه؟ تبسم بحرج من نظراتها وهو يتصبب عرقًا من التوتر وقال: -أنا مش هقولها تاني.

التفت بغضب مصطنع تعطيه ظهرها غاضبة من جديته وقالت: -يبقى مش موافقة. عانقها من الخلف بدفء لتشعر بدفء جسده وانحنى إلى مستواها حتى يضع رأسه على كتفها فشعرت بقطرات العرق من تلامس وجنتيهما معًا ليقول: -أنا حاولت بصعوبة أقولها مرة يا مريم، استحمليني وفي المقابل أنا هقولها مرة تانية عشانك لأني لأجل مريم وضحكة واحدة منها أنا مستعد أعمل أي حاجة.

تبسمت بعفوية إلى هذه الكلمات وظلت ساكنة بين ذراعيه التي تحيط بها وهو يقف خلفها لكنها أدارت رأسها قليلًا لتنظر إليه وتقابلت عيونهما معًا. تسارعت نبضات قلبه أمام عينيها وهو يشعر بدفئها بين ذراعيه وأنفاسها تضرب وجهه وبسمتها تقتله بل تسلب هذا الرجل قلبه أسيرًا إليها بعد أن توجها ملكة على عرشه فقال: -تتجوزيني؟ تبسمت إليه بسعادة تغمرها وطفولية تحتل وجهها ثم وضعت يديها على يديه التي تحيط بها وقالت بنبرة هامسة ناظرة إليه:

-وكأن عندي خيار تاني غير إني أتجوز حبيبي. تبسم بعفوية لأجلها، مرة أخرى ترى هذه البسمة تعلو وجهه من أجلها لتضع قبلة رقيقة على وجنته بدلال وقالت: -بحبك. كاد أن ينطق بهذه الكلمة لأجلها لكن أوقفه صوت "جين" يتحدث بصوته الآلي قائلًا: -لقد تم التحميل ورصد خلل في النظام لكن تم تطهير النظام من الفيروس.

ابتعد عنها بحرج لينظر إلى جهاز الحاسب الآلي وبدأ يعيد برمجة "جين" ومسح الفيروس لتبتسم بسعادة وهي تجلس جواره تراقبه أثناء العمل وانغمس في عمله بتركيز شديد.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...