الفصل 19 | من 59 فصل

رواية روية جمال الاسود الفصل التاسع عشر 19 - بقلم نورا عبد العزيز

المشاهدات
25
كلمة
3,383
وقت القراءة
17 د
التقدم في الرواية 32%
حجم الخط: 18

تناول جمال طعامه في صمت وعيناه تحدقان في وجهها العابس وشرودها، حتى أنها لم تضع لقمة واحدة في فمها. ترك الملعقة من يده ومسح فمه بالمنشفة الصغيرة ثم قال: -مالك يا مريم؟ نظرت إليه بتوتر وحيرة ثم قالت: -مفيش! كمل أكلك. نظر جمال إلى طبقه الذي أنهاه بالفعل لكنها لم تنتبه وقال بهدوء شديد: -أنا كلت. وقفت مريم من مقعدها ببسمة مزيفة ثم قالت: -هعملك القهوة.

كادت أن ترحل من أمامه لكنه استوقفها عندما أمسك يدها بيده القوية يمنعها من الرحيل فنظرت إليه بهدوء ليقول بجدية: -حنان هتعملها، أنا زعلتك في حاجة؟ هزت رأسها بلا بسرعة تقتل أفكاره الخاطئة ثم قالت: -لا محصلش. وقف من مكانه ليحدق في عينيها الحزينتين والقلق يحتلهما. نظر إليها بحيرة من معرفة ما حدث بها، منذ قليل كانت تبتسم بسعادة وتركته بفرحة تغمرها لكن أين كل هذا ليقول: -الورد معجبكيش؟ -لا والله جميل ورائحته طيبة وجميلة.

قالتها ببسمة خافتة، استسلم لصمتها لكنه يعلم جيدًا بأن هناك شيئًا حدث معها فسأل من جديد: -أنتِ زعلانة عشان منفذتش وعدي وسفرتك؟ أنا عندي بكرة اجتماع مهم من لجنة من الحكومة وأخلصه وأستلم المشروع ونسافر زي ما تحبي وأنا هسيب الشغل لشريف لكن مقابلة بكرة ضروري أكون فيها. هزت رأسها بنعم في صمت وهدوء على غير عادتها ثم قالت: -مش زعلانة، ولو عندك شغلك بلاش السفر أنا مش هحبلك الخسارة أو أسببلك أذى في شغلك.

ترك يدها بثقة من أن هناك أمر حدث بها فهي من كانت تصرخ وتأمره بالسفر معها ليقول: -أنا متأكد أن فيكي حاجة، أنا مش لسه بتعرف عليكي يا مريم وعمومًا براحتك، لما تحبي تتكلمي أنا موجود وهسمعك، خلي حنان تجبلي القهوة في المكتب.

تركها ودخل للمكتب مستاءً من صمتها وهي تخفي عنه الأشياء بينما نظرت إليه وهو يبتعد عنها بحزن. جهزت لكل شيء من الصباح لتبقى معه طيلة الليل وتصنع الذكريات الجميلة معه، أرادت أن تجعله يبتسم بقدر بسمتها التي لاحقتها مع خبر نجاحها، لكن هذا الغبي دمر كل سعادتها باتصاله. تعجبت حنان من كلمتها وقالت: -القهوة في المكتب!! معلش سامحيني على تطفلي والله مش قصدي أدخل بينكم لكن ضروري أسأل عشان قبل ما أدخل أواجهه جوا...

أنتوا اتخانقتوا؟ خرجت تنهيدة من مريم معبأة بالخيبة والحزن ثم قالت: -لا، أنا طالعة أنام. استوقفتها حنان بسؤالها قبل أن تخرج من المطبخ: -طب والتورتة مش هتأكلوها؟

لم تجب عليها مريم بكلمة واحدة وصعدت للأعلى حيث غرفتها وجلست مقابل المرآة تنزع حلق أذنها بشرود في هذا الاتصال الذي جاء لها من شخص تناساها كل هذه السنوات. نظرت للمرآة على انعكاس صورتها وبدأت تلوم نفسها على فعلتها، أخبرته أن يأتي لأجلها مسرعًا ولا يتأخر. دخلت للمطبخ وبدأت تصنع له الطعام تحت إشراف الطباخ لأجل جمال واتصلت بصالون التجميل حتى يأتوا الفتيات ويساعدوها في التجمل حتى تظهر أمامه جميلة ومختلفة كيومها وهي بالنهاية ماذا فعلت؟

دمرت كل شيء بسبب توترها وخوفها من القادم فقالت بندم معاتبة صورتها المنعكسة: -خايفة من إيه وجمال معاكي يا مريم؟ تركت حلق الأذن على التسريحة وهرعت للأسفل حيث تجده. دلفت للمكتب دون أن تطرق الباب لتراه يجلس على الأريكة الجلدية السوداء ويرتشف قهوته وبين سبابته والوسطى سيجارته. رمقها في صمت لا يعلم ماذا يقول لكنه غاضبًا بعد أن خاب أمله بها، طيلة اليوم وهو يفكر لماذا تنتظره وماذا ستفعل؟

إلغاء كل مواعيده وهرب من عمله الذي يُدمنه لأجلها وهي ماذا فعلت؟ دمرت كل شيء بصمتها وحزنها الغامض. اقتربت منه ليرى فستانها يزحف على الأرض معها بعد أن نزعت كعبها العالي وهكذا الحُلي ليبتسم بخفة بعد أن تذكر كيف أخبر أصالة اليوم عن حُريتها وكرهها للتقييد. جلست جواره في صمت ليقول: -قررتي تقولي مالك؟ هزت رأسها بلا لتراه يطفئ السيجارة التي أشعلها للتو لأجلها رغم غضبه لكن يهتم بصحتها، فقالت بنبرة خافتة: -قررت أثق فيك.

أدار رأسه إليها باندهاش من كلمتها فقال بحيرة وعدم فهم لكلمتها: -أنتِ حد قالك حاجة عني؟ أخذت يده في راحتي يديها بلطف شديد ونظرت إليهم ثم رفعت نظرها إليه ورأت عيني جمال تحدق بيده التي احتضنتها للتو باندهاش لفعلتها ثم رمقها بحيرة وحيرتها تظهر في عينيه بوضوح حتى لو لم يتفوه لسانه بها لتقول بنبرة خافتة: -أنا متأكدة إنك معايا ومش هتسيبني، صح؟ لم يُجب على كلمتها لتتابع بنبرة هامسة رغم دفئها لكنها تحمل الخوف

الذي تحمله في طياتها: -متسيبنيش يا جمال، أنا مطلبتش منك أي حاجة ولا إنك تضغط على نفسك عشاني ولا عايزة منك حاجة وقبلتلك وحبيتك زي ما أنت وطلبي الوحيد إنك متسيبنيش مهما كان اللي هيمر علينا خليك معايا أنا بقوى وبتشجع بوجودك لكن لو سيبتني مليون حاجة ممكن تدوس عليا وتقتلني، أنا ضعيفة قوي من غيرك وبشجعني بيك. ترك فنجان القهوة من يده الأخرى ثم لمس وجنتها بلطف وقال: -بالله عليكي يا مريم قوليلي مالك؟

مين اللي قالك إني هسيبك أو إيه اللي مخوفك قوي كدة؟ أنا شايف الخوف والحيرة في عينيك وده مش من فراغ. حدقت بعينيه بصمت لكن عينيها أخبرته بألا يضغط عليها أو يجبرها على التحدث وهي تسعى جاهدة للشفاء من أوجاعها ليقول بضيق شديد من نظرتها التي قرأها جيدًا: -مريم متجبرنيش أعرف بطريقتي، أنا مسافة ما غيرت هدومي كأنك بقيتي حد تانية في دقايق، متجبرنيش أسأل جين؟ -تحت أمرك يا سيدي.

قالها جين فور سماع اسمه بصوته الآلي ليزيد من ربكة مريم وهي تعلم أن هذا الاختراع الآلي يملك المكبرات الصوتية ويمكنه الولوج لهاتفها وربما يملك تسجيل المكالمات أيضًا، إذا أمره جمال بمعرفة ما حدث سيخبره بالتفاصيل دون أن يهمل شيئًا لتقول: -جمال. -أنا ما أقصدش التطفل ولا إني أضغط عليكي لكن حالتك وزعلك دول قلقوني عليكي....

تحدث بجدية صارمة بخوف عليها لكنه صمت فور اعترافه بهذا الخوف بارتباك لتبتسم مريم بتلقائية وهذه المرة كانت بسمة حقيقية لا تزيفها وهو حقًا بدأ يعترف شيئًا فشيئًا ويتخلى لسانه عن عقدته لتقول: -قلقان عليا. تنحنح بحرج من كلمته وقال بحزم: -مريم متغيريش الموضوع، طب أنا زعلتلك في حاجة فوق؟ ما قنعتينيش إن مسافة ما نزلتي السلم زعلتي لوحدك، أنا زعلتك؟

تبسمت بلطف هائمة بعشق هذا الرجل الذي يكره عبوسها وحزنها ثم تركت يده التي احتضنتها مطولًا ورفعت يدها إلى لحيته الناعمة تداعبها بأناملها الدافئة وقالت: -معقول أزعل منك! -لا مستحيل... قالها معترضًا على حديثها لتقول بنبرة أكثر دفئًا وحنانًا وعينيها ترمق عينيه الخضراء بنظرة ثابتة كالعناق الدافئ: -بيسألوني أنا إزاي قدرت أحبك؟

قولي لو ما حبتش راجل بيكره زعلي وبيخاف يكون زعلني من غير قصد، راجل ما بيهونش علي زعلي ولا سكاتي هحب مين؟ مرة قولتلي إن خرابك هيتعبني وهيوجعني، طيب أنا إزاي بلاقي سلامي وأماني في خرابك دا يا جمال؟ إذا كان كل الحب اللي بتعاملني بيه وبتقدمه ليا خراب فالصلاح عامل إزاي؟ أنا راضية أكون في خرابك ومعاك على إني أكون في الجنة مع غيرك.

وضع يده على يدها الموجودة على لحيته بحنان وضربات قلبه تصعق ضلوعه الصلبة المتجحرة أمام هذا الحب الذي يتلقاه من هذه الفتاة وقال بلطف رغمًا عن قوته وجبروته: -أنا مستحيل أسيبك لغيري يا مريم. اندُهشت من رد فعلها عندما جذبت يدها من يده وعانقته بحنان وتعلقت بعنقه بقوة كأنها لا تريد الرحيل من بين ذراعيه مأواها الوحيد بهذا العالم القاسي الذي يخفي لها الكثير من الوجع وقالت: -ودا كفاية عليا والله يا جمال، كفاية إنك ما تسيبنيش.

طوقها بذراعيه بدفء مشتاقًا لهذا العناق الذي لطالما تمناه ولا يريد أن يترك أسرها بين ذراعيه ولو أمكنه سيشق صدره الصلب ويخفيها بداخله حتى تظل معه للأبد. تبسمت عندما شعرت بيديه تستقر على ظهرها بحنان وهمست في أذنيه بنبرة ناعمة كاد أن يسمعها وأنفاسها الدافئة تداعب أذنه: -أنا بحبك يا جمال وهفضل أحبك لحد آخر نفس فيا وهفضل أقولك بحبك بعدد أنفاسي ولو يسمح ليا العالم هصرخ لكل الناس وأقولهم إني بحب الراجل دا.

تبسم على دفئها وكلماتها التي أطلقت العنان لضربات قلبه حتى تهزمه وأوشك على نطق هذه الكلمة وقال بخفوت: -مريم... أنا بـ... توقف لبرهة من الوقت وعقله الأحمق يتذكر الماضي ويضربه بقسوة أفكاره. تسللت مريم من بين ذراعيه وحدقت بعينيه وهي تعلم أنه أوشك على النطق بها. نظر إليها في صمت بضيق من تلجم لسانه الذي عقده عقله وأفكاره فتبسمت بخفة من محاولته وقالت: -ما تضغطش على نفسك يا حبيبي أنا مش عايزة أسمعها دلوقتي.

قبل جبينها بامتنان لتفهمها حالته وتحجر عقله لكنه واثقًا أن مريم ستنتشله من تحجر عقله كما انتشلت قلبه من تصلبه وأذابت الجليد عنه لتعيد له الشعور بالحب من جديد. تبسمت إلى هذه القبلة بامتنان كأنها تكفيها منه ولا تطمع بالكثير الآن. وعدت قلبها بأن تكون صبورة معه حتى تحصل على جائزتها الكبرى عندما ينطق بهذه الكلمة....

ذهب جمال بصحبة شريف إلى مقر الحكومة التي سيتقابلا فيه وكان مرتديًا بدلة ثمينة للغاية وحذاء أسود يلمع وكأنه أراد أن يظهر قوته وهيبته في هذا اللقاء من أجل عدوه اللدود. جلس على اليمين وبجواره شريف يحدقان بنادر الذي على اليسار مقابلهما ويحدق بهما ببسمة خبيثة ليقول شريف بهمس: -في حاجة غلط، نادر فيه حاجة غريبة النهار دا، أول مرة ما يكونش قلقان وهو قاعد قصادك. -يمكن جوازه من رقاصة قوي قلبه.

قالها بسخرية ليقاطعهم صوت الرجل الذي أنهى للتو تفقد العرضين من الشركتين وقال: -بصراحة العرض مغري جدًا ويليق بالمشروع والخطة اللي حاطاها الوزارة وبما إنكم قدمتوا نفس العرض فخلينا نراجع للشئون المالية. اتسعت عيني جمال من كلمته وحدق إلى نادر الذي تبسم بمكر شيطاني وقال بتلعثم: -نفس العرض. أومأ الرجل له بجدية وقال:

-أيوه نفس العرض بنفس المميزات وحقق لي دا معجزة إننا نخلق شقق سكنية تساعد المصابين بالشلل أو ذوي الإعاقة كالمكفوفين والصم عن طريق التكنولوجيا. كز جمال على أسنانه بضيق شديد من سرقة عرضه وقد فهم للتو سر هذه البسمة الماكرة وقوة قلب نادر وجرأته أمامه فهو سرق مخططه لصنع شقق تساعد ذوي الإعاقة. خرج الرجل بالأوراق قليلًا ليقول جمال بسخرية: -شقق لذوي الإعاقة، من نادر تيجي إزاي دي.

-أنا طول عمري رجل أعمال بيساعد المحتاجين يا جمال مش جديدة عليا. قالها نادر بسخرية من جمال وحالة الغضب التي تملكته للتو فقال جمال: -فعلًا بس يا ترى فكرة إنك ترشي حد من شركتي ويبيع لك مشروعي كانت فكرتك ولا فكرة الرقاصة مراتك؟ أصلًا فكرة عوالم شوية. اتسعت عيني نادر وهكذا مساعده تامر بمعرفة جمال بخبر زواجه من سارة ليقول بتلعثم: -أنت!! انفجر جمال ضاحكًا بسخرية على تلعثمه ثم قال:

-ههههه، أنت فاكر إن في حاجة بتستخبى على جمال المصري؟ بس السؤال بقى هل اللجنة ممكن تديك مشروع زي دا بعد خبر جوازك من رقاصة؟ كز نادر على أسنانه بضيق ولا يملك جواب عليه. كاد تامر أن يتحدث لكن أوقفه دخول الرجل الذي يقول: -متأسف جدًا يا أستاذ جمال، بما إنكم قدمتوا نفس العرض كان لازم نبص على المالية وشركة نت ورك الخاصة بأستاذ نادر قدمت ميزانية أقل من حضرتك بـ 10 مليون.

نظر جمال باندهاش من قرار اللجنة وغادر غاضبًا بعد خسارته أمام نادر بينما تبسم نادر بسعادة لفوزه وانطلق في سيارته مع تامر الذي يقول: -مش كتير 10 مليون ندفعهم من جيبنا عشان خاطر جمال. ضحك نادر بعفوية ثم قال:

-ما تصحصح كده يا تامر هو أنا هدفع حاجة من جيبي كلها فلوس سارة، ما تنساش إن العقد بيقول لو أنا خدت المشروع دا مش هرجع جنيه واحد من الخمسين وأنا كنت عايز أكسر مناخير جمال وأديني حققت الهدفين بضربة واحدة، أدفع الـ 10 مليون من فلوس سارة ويبقى كده المكسب لينا 40 مليون جم كده من الهوا وانتصرنا على جمال دا غير المكسب اللي هيعود علينا من المشروع، أنا استغفلت جمال وسارة واللجنة... بذمتك ما أستاهلش حفلة النهار دا؟ ضحك تامر

بعفوية ونظرة خبيثة ثم قال: -بصراحة تستاهل على المجهود اللي عملته يا ريس، تحب أتصل بواحدة من حبايبك تيجي تسهر معاك؟ هز رأسه بلا ويديه تخرج هاتفه من جيبه ويتصل بسارة ثم جعله ينظر إلى اسمها وقال: -لا في الوقت الحالي معايا أجملهم، لكن لو كنت تعرف النهار دا بالذات تجيب لي الفرسة البرية اللي عند جمال كنت غرقتك دلع يا تامر. وضع الهاتف على أذنه ينتظر أن تجيبه عليه فقال تامر بمكر شيطاني:

-ههه بلاش النهار دا يصعب عليا يخسر شغله وخطيبته مرة واحدة. ضحك نادر بسخرية وسعادة تغمره حتى أجابت سارة عليه ليقول: -وحشتيني يا وش السعد... لا بقولك إيه ما فيش شغل النهاردة أنا عندي ليكي خبر بـ 50 مليون جنيه... هههه ما تستعجليش يا حياتي على رزقي هبعتلك عنوان تعدي عليا بعد ساعة فيه لكن خلي بالك محدش يشوفك... سلام يا روحي. كاد أن يجن جنونه من خسارته أمام هذا الرجل الخبيث فقال بغضب سافر:

-اعرف ليا مين اللي عملها يا شريف، أنا مش هرحم حد. أومأ شريف له بنعم بينما يجلس في الأمام بجوار صادق لضرب جمال قبضته في النافذة بضيق شديد من الغضب الذي يكمن بداخله في الحال. قاطعه رنين هاتفه باسم سلمى ليقول: -ألو. -مالك شايط ليه؟ قالتها بقلق بعد أن سمعت صوته ليجيب جمال بنبرة أكثر هدوءًا: -ما فيش مشاكل في الشغل، عملتي إيه؟ -حجزتلك طيارة خاصة بالليل وتحت قيادتي وبعتلك الورق وجواز السفر على الشركة.

قالتها بلطف ليومئ إليها بنعم وأغلق الهاتف وسيارتها في طريقها للمنزل لا يعلم كيف سيقابلها بهذا الغضب والآن لا يريد السفر حتى يرد المكر إلى نادر لكنه وعدها بأن يذهب معها اليوم.... قصر جمال المصري كانت مريم جالسة في الردهة على الأريكة تبحث في هاتفها عن أماكن يجب أن تزورها في فرنسا حتى قاطعها صوت حنان تقول: -في واحد اسمه ياسين على الباب عايز يقابلك بيقول إنه ابن عمتك.

رفعت نظرها عن الهاتف بصدمة ألجمتها وصمتت قليلًا تفكر ووضعت يدها على فمها بقلق ثم قالت بحيرة: -ماشي دخليه وأنا هطلع أغير هدومي. صعدت للأعلى بقلق وارتدت بنطلون جينز وتي شيرت أبيض اللون وخف من الفرو ونظرت في المرآة ثم قالت: -ما تقلقيش يا مريم أنتِ في القصر مستحيل يأذيكي وأنتِ في ملك جمال.

ترجلت للأسفل لتراه جالسًا في الصالون الموجود قرب الدرج وأمام بوابة القصر ويرتشف العصير الذي قدمته حنان له. كان كما هو لم يتغير به شيء رغم مرور السنوات. شاب يكبرها بثلاث سنوات. شعره الأسود القصير وخفيف من الجانبين بدون لحية لكنه يملك شارب أسود فوق شفتيه. حاجبين كثيفين وعينيه أسفلهما باللون البني الداكن جدًا يميل للأسود. بشرته سمراء بجسده العريض رغم أنه بطولها تقريبًا. مرتدٍ بنطلون جينز أزرق وتي شيرت سماوي اللون. سارت نحوه وهو يتطلع بها هذه الفتاة التي كبرت عن قبل لم يراها منذ خمس سنوات وعندما تشاجر مع زوجها مختار تغيرت كثيرًا من فتاة مراهقة إلى فتاة شابة ناضجة. فتاة قروية فوضوية لفتاة كعارضة أزياء رغم بساطة ملابسها. زاد جمالها مع سنوات عمرها.

وقف فور رؤيتها وقال: -احلويتي يا مريومة. جلست أمامه دون أن تصافح يده الممدودة ليتعجب طريقتها. قبل اليوم كانت تعانقه عندما تراه فقال بسخرية: -لا واتغيرتي كمان. جلس بعد جملته فسألته بجدية ولهجة صارمة تعلمتها من جمال: -جيت ليه؟ -ما كانش ينفع أعرف إنك اتخرجتي ونجحتي وما أجيش أبارك وكمان على الخطوبة، معقول ما تعزمينيش. قالها بسخرية ونبرة غليظة لتضع قدم على الأخرى بضيق من كلماته ثم قالت: -وعرفت كل دا منين بقى؟

أو خليني أسأل السؤال الصح؟ جبت رقمي منين؟ نظر لها في صمت لتتابع بضيق شديد: -من حمزة!! هو اللي أدهولك مش كده، ويا ترى هتساعده في إيه المرة دي؟ ما هو مش جديد عليك مساعدته. نظر لها باندهاش من كلمتها وارتجفت يده التي تحمل كوب العصير لتتابع بحدة وضيق شديد: -مستغرب ليه؟ أنا عارفة إنك ساعدته في التخلص من الجثة.

سقط كوب العصير من يده بصدمة ألجمته من كلماتها. فعندما ذهب للمزرعة كي يطمئن عليها بعد شجار مُختار وجده جثة هامدة وهي فاقدة للوعي، ليخبره حمزة بأنه حاول اغتصاب ابنته فقتله، وتخلصا من الجثة معًا. لكن مريم كانت فاقدة للوعي حينها، على عكس مريم التي تبسمت بسخرية على صدمته. ونظرت للعصير المسكوب على الأرض بعد أن ساعدها الطبيب النفسي في تذكر التفاصيل المفقودة في عقلها، وربما هذا ما جعلها ترتجف خوفًا من الأمس وبعد اتصاله، لتقف

من مكانها بضيق شديد وقالت: -امشي يا ياسين ومتجيش هنا تاني ومتحاولش أنت وحمزة تضايقوني لإن معنديش استعداد أعاني لوحدي، وأقسم لك إني ممكن أبلغ البوليس عنكوا وهو يخلصني منكم. نظرت للجهة الأخرى وكادت أن تقف لكن أوقفها ياسين الذي هرع إليها بخوف مما تتحدث به ومسكها من ذراعيها بقلق مُحدثًا: -مريم أنا عملت كده عشانك مش عشان أساعد حمزة، أنتِ عارفة إني بكره وبكره أذيته ليكي، ساعدته عشان بس أحميكي من أذية مُختار.

صرخت به بانفعال وهي لا تتحمل كلماته التي ألحقت بها للجحيم قائلة: -لو مكنتش ساعدته وبلغت البوليس كانوا قدروا يثبتوا إني اتخدرت ومكنش حمزة ابتزني ولا عذبني ووهمني إني قاتلة، مكنتش شوفت كوابيس لما وشكل الدم اللي ملازمني دايمًا، مكنش كل ده حصل... لكن جاي تقول لي عشاني أنت بتكدب على نفسك الكذبة وعايزني أصدقها... تبسم بلطف ويديه تمسح على رأسها بحنان بعد أن أهدأ من روعته وقال: -مريم أنا عملت ده عشان بحبك وخايفة عليكي.

اتسعت عيني مريم على مصراعيها من الصدمة التي احتلت عقلها للتو برؤيته أمامها، يمسكها من ذراعيها ونظرة الإعجاب تتطاير من عينيه بوضوح. دفعته مريم بانفعال شديد من قربه الزائد منها وقالت: -ابعد عني أنت فاكراني لسه مريم الهبلة اللي اتربت في الإسطبل، بص ليا كويس أنا اتغيرت وبقيت حد تاني يا ياسين مبقاش يضحك عليا بكلمتين. نظر إليها بدهشة بعد أن دفعته بقوة بعيدًا عنها ولأول مرة تعامله بهذه القسوة فقال بسخرية:

-لا إزاي بقيتي مريم هانم اللي كبرت في القصور ودخلت الكلية وشافت الناس، بقيتي إعلامية. تأففت بضيق من سخريته لها وصمتت ليقطع صمتها صوت سيارة جمال التي وصلت للتو ووقفت من مكانها بذعر وقالت: -شوفها زي ما أنت عايز، حتى لو بقيت أنا الشريرة في نظرك لكن ممكن تمشي من هنا، جمال لو شافك هنا هيقتلك ويقتلني.

أخذ خطوة نحوها لتبتلع لعابها بخوف من نظرات هذا الشاب وعقلها لا يصدق بأن هذه التصرفات والنظرات تخرج من أخ لأخته. لمس وجنتها بلطف مُعجبًا بجمالها الذي زاد وبزغ مع سنين عمرها التي مرت وقال: -خايفة على مشاعره، طب ومشاعري أنا، أنا يا مريومة، ياسين حبيبك، أغلى حاجة عندك مش أنتِ اللي قولتي كده وقولتي إنك بتحبيني، أنا كمان بحبك يا مريم. قالها واقترب منها على سهو مُحاولًا تقبيلها لتصرخ بذعر منه وهي تقول:

-أنت اتجننت، ابعد عني يا ياسين.. دفعته بعيدًا عنها بانفعال وهي تقول بنبرة غليظة قوية: -أنا بحبك اه لكن..

كادت أن تخبره أن حبها له أخوي لكنها ابتلعت كلماتها عندما رأت جمال يقف أمامها يشاهد في صمت واستمع لهذه الكلمة التي تفوهت بها للتو. تبسم ياسين بمكر إلى جمال الذي يشتعل من مكانه ووجهه يظهر به الخنق. عقد حاجبيه بغل وبرزت خطوط عريضة في جبهته وعينيه تحدق بها. أغلق قبضته بإحكام قبل أن يقتلها للتو بعد أن سمعها تلفظ بهذه الكلمة مع رجل آخر وهو لا يعرف من هذا الشاب لكنه سمع آخر كلمات حديثهم. ابتلع ياسين لعابه خوفًا من نظرة جمال إليه التي كادت أن تقتله، لو كانت النظرات تقتل لكانت نظرة جمال كالسهم الذي خرج من عينيه وأسرع في رأس ياسين في الحال. اقترب منها ليضع

قبلة على جبينها بلطف وقال: -هنكمل كلامنا بعدين... التف لكي يغادر لكنه تلقى لكمة من جمال قوية أسقطته على الأريكة وتحمل الغضب الذي تملكه من نادر وغيرته التي أحرقته مما رآه. اقترب لكي يكمل نفاث غضبه بهذا الشاب لكن استوقفته مريم بذعر وهي تقول: -لا يا جمال. نظر إليها بصدمة ألجمته وهي تمنعه عن معاقبة هذا الشاب على لمسها وكأنها تقبل بهذه القبلة. تابعت بنبرة خافتة: -عشان خاطري متأذيهوش.

رحل ياسين بخوف مُستغلًا فرصة انشغال جمال بالنظر إليها فصعد إلى غرفته غاضبًا منها وألقى بجوازي السفر على الفراش بضيق ويخرج تنهيدة قوية. نزع رابطة عنقه وسترته بانفعال ثم شق قميصه شقًا لتتساقط الأزرار على الأرض ويظهر صدره العاري من كم الغضب الذي يحمله. قاطعه طرقات على الباب ثم ولجت مريم دون أن يأذن لها. أعطاها ظهره قبل أن يفقد أعصابه بها فقالت بنبرة خافتة: -ده ياسين ابن عمتي.

أدرك للتو هوية هذا الرجل وتذكر حديثها عن تربيتها معه وتراه كأخ لها فأستدار صارخًا بها وهو يقول: -لكنه مش أخوكي يا مريم، معقول تكوني هبلة لدرجة إنك مش شايفة الحب والإعجاب في عينيه، نظراته ليكي نظرات رجل لست مش أخ لأخته. أومأت إليه بنعم باستياء شديد ثم قالت: -عارفة...

توقفت عن الحديث عندما هرع إليها غاضبًا وهي تخبره بأنها تعلم أن هذا الرجل يحبها ويريدها لكنها سمحت له بتقبيلها أمامه ورفع يده أمام وجهها لكي يصفعها ويعاقبها على هذا الخطأ وقال: -أنا قولت لك إني مبغفرش الخيانة!!! نظرت بخوف إلى يده المرفوعة أمام عينيه وكاد أن يصفعها بحق لكنه لم يفعل ولم يقوَ على ضربها ليصرخ بغيظ وهو يستدير إليها وقال:

-اااااه، للمرة التانية أعجز عن ضربك يا مريم، امشي من وشي قبل ما أعمل حاجة نندم عليها إحنا الاثنين. لم تفعل كما طلب منها لكنها اقتربت منه مخالفة أمره والتفت حوله حتى وقفت أمام نظره ليراها ثم قالت: -جمال، أنا .... صرخ بها بغضب سافر وهز صوته جدران القصر بأكمله: -أنتِ عارفة إنه بيحبك وعايزاك وسمحت له يلمسك لو مكنتش دي خيانة ليا تبقى إيه يا مريم؟ كلكم زي بعض...

رغم كل اللي فيا لا كفيتها زمان ومليت عينها ولا كفيتك دلوقت ومليت عينيك، زيك زيها فامشي من وشي قبل ما يكون مصيرك نفس مصيرها. دمعت عينيها بصدمة ألجمتها مما تسمعه وهو يصفها بالخائنة ويقارنها بزوجته التي عاشرت أخاه وعلى زوجة له بكل وقاحة لتجيب عليه بحزن وسط دموعها التي تساقطت أمامه ولا تقوى على كبح: -أنا مش خاينة يا جمال ولا زي حد، أنا مريم وأنت عارفني كويس. -أنا برضه كنت عارف ليلى كويس.

كبحت ألمها منه وغادرت جاهشة في البكاء بانهيار تام لينظر إلى جوازي السفر الخاصة بهما ورحلتهما التي يجب أن يذهبا إليها مساءً معًا لكن الآن قد حل الفراق بينهما وقطع الوصال حبائله عن قلوبهما.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...