أوصلت مريم فرستها الجميلة إلى منزلها وعادت إلى القصر وهي تعلم بأنه عاد من سفره، فرأت سيارته من قبل تدخل القصر. أخذت نفسًا عميقًا ودلفت للقصر لتراه يقف هناك مع حنان التي ترحب بعودته بحرارة وسعادة وتنزع عن أكتافه البالطو الخاص به. وقع نظره عليها لتتقابل عيونهما معًا وهي تقف محلها على بُعد منه، رغم ارتطام قلوبهما في عناق طويل قتل كل المسافات بدقاتهما. قلبها لا يقل حاله عن حال قلبه المتسارع بجنون لأجل رؤيتها.
همس بنبرة خافتة مرعبة: -خست يا حنان. ابتلعت حنان لعابها بخوف منه وهو يلومها هي على فقد وزن مريم لتقول بتوتر: -والله يا مستر جمال بأكلها كويس جدًا. سارت مريم بخطوات ثابتة بعد أن تحاشت النظر إليه واتجهت إلى الدرج دون أن تستمع لتمتمته مع حنان واتجهت إلى غرفتها. دلفت للداخل وأوصدت الباب جيدًا ثم وضعت يدها على قلبها وهي تلهث كأنها كانت تغرق أسفل المحيط وقالت: -أهدى يا قلبي، أنا قولتلك تنساه.
لم يستمع قلبها إليها، بل ظل يصرخ لأجل هذا الحب الكامن بداخله فتمتمت بسعادة خفية بداخلها: -كل ما كبر أحلوي أكتر. قفزت فوق الفراش بحماس وسعادة تغمرها لعودته فهي كانت كالوردة المشتاقة لراويها حتى تحيا من جديد وظلت تنتظره كثيرًا حتى تراه خفيًا دون أن يعلم بأنها تراقبه خلسة. _داخل الملهى الليلي عاد حمزة إلى مكتب سارة وقال بجدية: -مبعتيش الحاجة مع الواد ليه؟
نظرت سارة له بضيق شديد من أخذه للمخدرات دومًا دون أن يدفع بحجة أنه سيقتل مريم لأجلها لكن لقد فاض بها الأمر وقالت باختناق: -مش لما تدفع اللي عليك يا حمزة. -قولتلك هقتلها. قالها بانفعال وهو يفرك جبينه بضيق من شدة حاجته لجرعة المخدرات في الحال لتضحك سارة ساخرة منه وقالت: -اه أمتي إن شاء الله؟ أنت جبان يا حمزة وخايف تموتها عشان هي بنتك. جلس على المقعد أمامها وقال باختناق سافر:
-أنا مش خايف، أنا لو عايزاها دلوقتي يكفي إني أتصل بها وأنتِ أكتر واحدة عارفة دا. تبسمت سارة بمكر شديد واقتربت للأمام قليلًا ثم أخرجت كيس صغير يحمل جرعة من المخدرات وقالت: -أيوة جينا للمهم، أنت مسيطر عليها كليًا بإيه؟ ماسك عليها إيه وبتهددها بقى لما قولت إنك هتقول لجمال؟ نظر إلى كيس المخدرات بطمع ومرر لسانه على شفتيه بحماس ثم قال: -هقولك.
أخذ منها كيس المخدرات وتناول جرعته ليسترخي جسده كثيرًا وعاد بظهره إلى الخلف وبدأ يقصي لها الحكاية من ناحيته... (فلاش باك)
عندما ذهب إلى المنزل بيوم قتل مختار ووجده هناك مع أصدقائه يحاولون الاعتداء على ابنته مريم لكن بمجرد أن رآه وجهه فروا هاربًا ليبقي مختار الذي نظر له باشمئزاز. نظر حمزة إلى ابنته فاقدة للوعي وملابسها ممزقة كليًا ليدخل في شجار مع مختار ثم سحب المسدس من أسفل وسادته كما أخبرته سارة بمكانه من قبل وأطلق الرصاصة في رأسه وجلس ينظر كثيرًا إلى ابنته وماذا يفعل ليقرر أن يشركها في هذه الجريمة حتى لا تتفوه بكلمة واحدة وتخضع لخطته مع سارة في أخذ الورث بالإكراه وتوافق على الذهاب إلى جمال. وضع المسدس في يدها وغادر الغرفة وظل ينتظر في الخارج حتى سمع صوت بكائها وأدرك بأن مريم استيقظت ليدخل إلى غرفة متصنع الجهل كأنه يرى الجثة لأول مرة.
قال بصدمة متصنعة بإتقان: -قتلتيه. لم تتفوه بكلمة واحدة بل ظلت ترتجف كثيرًا حتى فقدت الوعي من هول الصدمة وأنها قتلت أحدًا. عندما استيقظت رأت حمزة جوارها وقد تخلص من الجثة وقال: -أنتِ قتلتيه يا مريم.
ظل يردد هذه الكلمة كثيرًا حتى أقنعها تمامًا بأنها مرتكبة الجريمة الكاملة وأنه تخلص من الجثة لأجلها لكن إذا عارضته في الحصول على الورث سيخبر الجميع بأنها القاتلة وأين الجثة وسلاح الجريمة الذي يحمل بصمات أصابعها وتذهب للسجن.... (عودة للواقع) ضربت سارة كفيها معًا بسخرية من حاله ثم قالت: -ههههه، دا إبليس يصفقلك يا راجل بس حلوة منك. اتصل بيها بقى وقوليها تيجي للمكان اللي هقولك عليه وفي نفس الميعاد وإلا هتتصل بالبوليس.
نظر حمزة مطولًا إليها لترفع حاجبها إليه كأنها تجبره بنظرتها على فعل ذلك... _قصر جمال المصري وصلت سيارة سيدان صفراء من ماركة المرسيدس أمام بوابة القصر، نفس السيارة التي أهداها لها بمناسبة نجاحها ورفضتها، لكن مع جمال المصري هل هناك سبيل للرفض أو معارضة رغبته؟ التف حسام للخلف بعد أن توقف عن القيادة ليراها جالسة محلها لم تترجل من السيارة فقال: -حضرتك كويسة؟ حملت حقيبتها بملل شديد يجتاحها من الداخل وتأففت
من طريقته في الحديث لتقول: -تعرف يا حسام أنت بتكبرني بكام سنة ومع ذلك طريقة كلامك بتعصبني، أنا كام مرة قولتلك إني بكره الرسميات. تبسم حسام بعفوية إليها ثم قال بنبرة جادة: -وكام مرة قولت لحضرتك إن في راجل جواه ممكن يقتلني لو تنازلت عن الرسمية لأنه بيغار. ضحكت بسخرية على غيرته التي يتحدث عنها الجميع ويخشوا الحديث معها خوفًا من غضب هذا الرجل. ترجلت من السيارة بعد أن عادت من جامعتها ودلفت للقصر متمتمة بضيق شديد: -بيغار!!
والله لو بإيدي لطلعت قلبه المتحجر من صدره. فاقت من تمتمتها على صوت حنان التي تقف جوارها وقالت: -مين اللي زعل القمر بتاعنا؟ تأففت مريم باغتياظ شديد ثم قالت بنبرة قوية: -محدش يا حنان. مرت من جوارها كي تصعد الدرج لكن توقفت قدماها عن الحركة عندما قالت حنان: -هحضرلك الغدا مع جمال بيه على ما الضيوف يمشوا. التفت مريم إليها بصدمة مما سمعته وهل يملك الآن ضيوف في منزله فهذه من الحالات النادرة جدًا داخل هذا القصر وقالت بتعجب:
-ضيوف!! تبسمت حنان بخبث وهي تعلم ما تحمله هذه الفتاة بداخلها تجاهه تمامًا مثله، لكن الاثنين كلا منهما يكابر ويرفض الاعتراف قائلة: -اه سلمى صديقته المفضلة أو زي ما بتقوله البيست فريند. كزت مريم على أسنانها وقد ظهرت غيرتها التي أكلت قلبها من الداخل على ملامحها وقالت بسخرية وغضب مكبوح: -سلمى!! قولتلي. تبسمت حنان على غيرتها التي رأتها في وجهها الآن وراقبتها بعينيها. اقتربت مريم منها بعد أن نزلت درجات الدرج الذي صعدتها
للتو ووقفت أمامها ثم قالت: -ودي حلوة؟ تبسمت حنان عليها بعد أن هزت رأسها بنعم وقالت: -جدًا وبعدين مش مهم الحلاوة كفاية إنها الوحيدة اللي بتقدر تضحكه دي معجزة إن مستر جمال يضحك وبعدين مش زميلته يا مريم ويلا بقى اطلعي غيري هدومك بسرعة عشان أنا ورايا تحضيرات كتير ليها عشان الغدا دا مستر جمال موصي عليه بنفسه.
ألقت مريم حقيبتها في وجه الخادمة التي تقف بالخلف باغتياظ وقد وصلت للتو إلى أقصى درجات الغيرة وربما تلتهمها هي وصديقتها. تعجبت حنان من عصبيتها الزائدة في حين أنها غادرت وهي تقول: -هي فين؟ تبسمت نانسي صديقتها التي أصبحت تتخذ صفها في هذه الحرب وقالت بمكر: -في الإسطبل وتقريبًا كده هتركب على إيلا.
قالتها عمدًا حتى تفجر هذه القنبلة الموجودة بداخلها من صنع الغيرة. خرجت شهقة من مريم بصدمة ألجمتها والآن يجعل صديقته المحببة تلمس فرستها هي. نكزت حنان نانسي في ذراعها وقالت بغيظ: -شايفة إنها ناقصة جملتك، أمشي حضري الغدا. مرت نانسي مع الخادمة بمكر نسائي وقالت بتمتمة سمعتها حنان: -دا إذا كان هيبقي في غدا النهار دا.
اتجهت مريم إلى الإسطبل وهناك رأت سلمى تقاربها في العمر وجميلة بهيئتها وتهتم بنفسها كثيرًا ووضح هذا في مساحيق التجميل والموضة في ملابسها. رأت حاتم يخرج من الداخل بحصان جمال المفضل كما يسميه مرجان وإيلا من أجل سلمى تمامًا كما أخبرتها نانسي لتشتعل غضبًا وهي تشعر بأن هذه الفتاة تتعدى على أملاكها أولًا هو والآن حصانها. اقتربت منهم لكن سرعان ما توقفت فجأة عندما رأت جمال يمسك يدها يساعدها في الصعود على ظهر إيلا التي تتذمر
الآن بعد أن وضع اللجام في فم إيلا لأول مرة من أجل سلمى. الغضب والغيرة تحكما بها نهائيًا وظلت تراقبهما حتى دخلوا معًا إلى السياج وهناك تبسمت بخبث بعد أن وقفت على السياج الخشبي مكتئة بذراعيها عليه ببرود أعصاب وأطلقت صافرتها إلى إيلا. نظر جمال نحوها ورآها تراقبهما وتبتسم بمكر إليه ليفهم أنها ستعاقبه على فعلته وقبل أن يتحدث إلى سلمى ركضت إيلا بسرعة جنونية وسلمى على ظهرها لتنفجر مريم ضاحكة بعفوية ووضعت يديها على فمها من
شدة الضحك. أسرع جمال بحصانه إلى إيلا التي لم تتوقف محلها بعد هذه الصافرة كأنها أخذت إشارة بأن تنتقم لصديقتها من هذه الفتاة التي على ظهرها. حاولت سلمى التشبث جيدًا باللجام لكن بسرعة إيلا أخذته منها بفمها لتكاد سلمى أن تسقط لكن التقطتها جمال بذراعه قبل أن تفعل. توقفت مريم عن الضحك بغيرة تأكلها وهي تراها بين ذراعيه. وصلت إيلا إلى صديقتها لتنزع عنها
مريم اللجام وقالت بلطف: -أحسنتي يا جميلتي. توقف مرجان قربها وترجل جمال أولًا ثم أخذ سلمى من خصرها وعينيه تحدقان بـ مريم ثم قال: -أنتِ جيتي أمتي؟ تسللت أصابعها بين شعرات إيلا الجميلة بعفوية محاولة إخفاء غيرتها عنه وقالت: -ميخصكش. كاد أن يفقد أعصابه عليها لكن منعته سلمى عندما مدت يدها إلى مريم تصافحها وقدمت نفسها إليها قائلة: -هاي أنا سلمى كابتن طيران وصاحبة جمال من سنين. أدارت مريم رأسها إليهما بسخرية ثم نظرت
إلى يدها الممدودة وقالت: -صاحبته!! خليني نمشي يا إيلا. أخذت فرسها بتجاهل تام إلى سلمى وعيناه تراقبها أثناء رحيلها، فقالت سلمى بعفوية: -أنا عيد ميلادي النهار دا، لازم تيجي مع جمال الحفلة. سمعتها مريم وهي تسير بجوار إيلا التي أصدرت صهيلها، فقالت بضيق شديد: -مش هروح يا إيلا....
وقف جمال أمام الدرج ينتظرها مطولًا وقد تأخر بالفعل على الحفل. سمع صوت طقطقة كعبها العالي على الدرج ليرفع نظره عن الساعة إليها، فرأها ترتدي فستانًا أحمر طويلًا يخفي أخمص قدمها، يظهر نحافتها وجسدها الرفيع بقط يظهر عنقها وعقدها المصنوع من اللؤلؤ الخالص ويأخذ شكل أفعى. تحمل في يدها حقيبة بحجم هاتفها تلمع ذات اللون الفضي كعقدها وحلق أذنها الطويل الواضح تمامًا بعد أن صففت شعرها في مؤخرة رأسها تمامًا فلم ينسدل منه خصلة
واحدة سوى غرتها الطويلة التي تصل لذقنها وتصففها على الجانب الأيسر تزيدها جمالًا. تضع مساحيق التجميل وأحمر شفايف باللون الأحمر البارز. خجلت مريم من نظراته المُثبتة عليها واحمرت وجنتاها خجلًا، فمررت سبابتها مع غرتها من التوتر. وصلت أمامه وهو يحدق بها بإعجاب شديد وقلبه كاد أن يقفز من مكانه ويرتطم بها. لا يشعر بشيء سواها ورائحة عطرها التي وصلت لأنفه مع طلتها. رفعت نظرها أخيرًا إليه لتتقابل عيونهما معًا ويضربها قلبها بقوة
غاضبًا من تجاهلها وتصرفاتها التي تفعلها كي تبتعد عن حبيبه الواقف أمامها للتو. عينيه الخضراء تفقدها الوعي رغم عينيها المفتوحتين. رائحته الجذابة ووسامته. لا يعلم كم دقيقة مرت على هذه النظرة الطويلة والعناق الذي تقابلت فيه أعينهما معًا. رأى يدها ترفع قليلًا لتقترب من لحيته فنظر إليها بينما أناملها استقرت على لحيته ونزعت عنها الخيط الصغير الذي تشابك مع شعرات ذقنه من المنشفة تقريبًا. ظل ينظر إليها في صمت حتى قاطع هذا
الصمت ظهور نانسي من الأعلى تحمل البالطو الخاص بمريم لتقدم للأمام بخطواتها ووضعت نانسي
البالطو على أكتافها وقالت: -أنتِ جميلة أوي يا مريم، الله يحفظك يا حبيبتي. تبسمت مريم بلطف ثم خرجت من القصر خلفه ليأخذها بسيارته الطويلة البيضاء التي بلغت ثلاثة أمتار، وانطلق صادق بهما إلى مقر الحفل.
فور وصولهم بدأ الجميع بالترحيب بجمال رجل الأعمال الذي يجتاح السوق العربي والغربي في مجاله للإلكترونيات ونادرًا ما يذهب إلى حفلات كهذا، فبعضهم جاء من أجل لقائه وليس لمباركة سلمى بعيد ميلادها. ظلت تقف جواره بحرج من كثرة الرجال الملتصقين به حتى وصلت أصالة وانطلقت معها في المكان.
كانت تقف هناك مع سلمى وبعض الفتيات يتسامرن معًا والضحكات لا تخلو من بينهم. بسمتها الساحرة لا تفارق وجهها فأراد أن يشكر صديقته على فعلتها التي جعلت هذه البسمة تنير وجهها العابس وتقتل حزنها. لطالما اشتاق لوجهها المبتسم لتنير حياته وقلبه بهذه الابتسامة. رغم وقوفه هنا عن بُعد ويتحدث مع رجال من مكانته المرموقة في العمل لكن عينيه لا تفارقها نهائيًا، لا يعلم أهو خوف عليها أم عشقًا بها، وهذا العشق من يجبره على النظر إليها ولا يستطيع تحاشي النظر عنها.
اقتربت أصالة منهم وهمست في أذنها بلطف: -عارفة أنا لحد من ساعة مكنتش متوقعة أنك هتيجي معاه. ردت مريم بهمس وهي تذهب بعيدًا عن الفتيات: -سلمى جت البيت وعزمتني، أنا واثقة أن دا بأمر منه أكيد. سارت أصالة معها بعفوية وبسمتها لا تفارقها من هذا الثنائي ثم قالت بجدية:
-أكيد، لأن أي حد يعرف مين هو جمال المصري مستحيل يطلب دا غير بعد موافقته. صدقيني يا مريم أنا عمري ما شوفته مهتم بحد الاهتمام اللي هو بيقدمه ليكي. أنا أكتر واحدة تشهد على دا من كتر الطلبات اللي بيطلبها مني عشانك. هدايا وكتب وأول ما يسمع أن نفسيتك وحش أو مخنوقة فورًا بيقولي أتشقلبي المهم أعمل حاجة عشانك. رغم أنكم مقعدتوش على سفرة واحدة لكن أقسم لك أن جمال عارف كل حاجة عنك بتحبي إيه وبتكرهي إيه. ألوانك المفضلة. حتى لحظات
خوفك أنا واثقة أن جين بينقلوا كل ضربات قلبك المختلفة عن معدلها الطبيعي. الحساسية اللي عندك شريف قالي أنه بطل سجاير في القصر عشانك. غيرته عليكي اللي بتخليه يعاقبني مجرد ما يشوفك لابسة فستان حلو أنا اللي اشتريته. عينيه اللي مش مفارقكي دلوقت وفي أي مكان أنتِ فيه. قوليلي لو مكنش كل حب يبقى إيه.
صمتت مريم قليلًا لتجمع شجاعتها بعد أن تذكرت رفضه لها قائلة: -آسفة يا أصالة بس أنا مش محتاجة لمراقبة ليا. كل اللي بتقوليه دا عندي معناه كلمة واحدة أنه بيراقبني بس. تركتها وخرجت من المكان في صمت وحدها. تنفست باختناق ثم قالت: -إن كان حب فأنا في غنى عن بطريقته دي.
ظلت في البهو وحدها تسير دون توقف حتى ينتهي هذا الحفل وتستطيع العودة للمنزل. شعرت بخطوات خلفها تقترب تحفظها جيدًا لتأخذ نفسًا عميقًا قبل أن تشعر بالبالطو الخاص به يوضع على أكتافها. نظرت للبالطو بصمت ثم رفعت نظرها إليه. وقف جوارها ينظر للأمام لتقول: -أنا مش سقعانة! حاولت خلع البالطو عنها لكنه أوقفها بكلمته البسيطة التي تفوه بها: -لكنك جميلة.
عادت مريم بنظرها إليه باندهاش، فهل استغرق كل هذا الوقت حتى يجمع شجاعته ويخبرها بأنها جميلة اليوم في حين أن كل من رآها قالوا هذا الشيء؟ لكن قلبها الأحمق انتظرها منه والآن تراقص فرحًا بين ضلوعها، ورغم سماعها لهذه الكلمة كثيرًا اليوم إلا أن منه كانت كالسحر الذي وقع عليها ليهزم كل حصونها والحواجز التي صنعتها بينهما. تابع جمال كلماته بنبرة هادئة يسخر من موظفيه دون النظر إليها:
-الأغبياء قولتلهم متخلوش جميلة جدًا. تفتكري دا غلطهم ولا غلطتك أنتِ لأنك جميلة. نظرت للجهة الأخرى مبتسمة خفيًا عليه وهو يحاول أن يعلم سر جمالها اليوم حتى يعاقب المسبب على هذا الجمال الذي جعل الجميع ينظرون إليها بإعجاب. تنحنحت بجدية تحاول أن تخفي سعادتها حين قالت: -عن إذنك!! التفت لكي تغادر فأوقفها بنبرة هادئة مناديًا إياها: -مريم!!
توقفت محلها لتصدم عندما التصق بها من الخلف وأصبحت أنفاسه تضرب خديها بسبب قربه ويديه تتسلل إلى خصرها برفق، فهمس إليها بنبرة أفقدتها المتبقي من صمودها أمام قلبها المتسارع: -لحظة من فضلك!!
أغمضت عينيها باستسلام لطلبه وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة في حضرته وعطره الرجولي يغتصب أنفها مع أنفاسها وتشعر بدفئه الذي لطالما أحبته وأخبرته به. ابتعد عنها مبتسمًا بمكر بعد أن أفقدها قوتها أمامه وأشعل نيران العشق بداخلها بتصرفه عن عمد لتفتح عينيها بعد أن ترك أسرها ونظرت له، فأشار إليها بعلبة سجائره والقداحة التي حصل عليها من جيب البالطو فكزت على أسنانها غيظًا منه وذهبت من أمامه. ضحك جمال عليها وأشعل سيجارته بينما دلفت هي للداخل غاضبة وتشتعل من الضجر منه بسبب ما فعله بقلبها وكأنها هزمت أمامه من
جديد وقالت بعتاب لحالها: -غبية، كان لازم تردي له القلم. لكن أنتِ يا مريم استسلمي لقلبك الغبي.
حاول حمزة العثور على رقم هاتفها الجديد حتى يتصل بها ويخبرها بما طلبته سارة لكن لا أحد يساعده في ذلك فقرر مراقبتها حتى تسنح له الفرصة بالحديث معها. ظل يجلس في سيارته قرب القصر حتى رأى سيارة جمال تمر من أمامه وهي تجلس بداخلها فتأفف بضيق من هذه الفرصة التي فشلت قبل أن يفعل شيئًا بسبب وجود جمال. دخلت السيارة للقصر بعد أن أنهوا الحفل وترجلت هي أولًا غاضبة منه واتجهت للأعلى وقدميها تكاد تكسر الأرض من ضربتها
في المشي لتقول حنان بقلق: -في إيه؟ تأفف جمال باختناق من تصرفاتها العنيدة والغضب الذي أصبح جزءًا منها وقال: -مفيش، أنا طالع أنام.
صعد إلى غرفته باختناق وأخذ حمامًا دافئًا ثم صعد للفراش ووضع الهاتف جواره على الكومودينو فوقع نظره على هذه الدمية التي صنعتها له في عيد ميلاده واحتفظ بها قرب فراشه وهذه العلبة السوداء ليلتقطها بحيرة ثم فتحها وظل ينظر إلى خاتم الزفاف الذي اشتراه من فرنسا في سفره لأجلها. اعتقد أن طلبها للزواج والاعتراف بمشاعر شيء سهلًا واشترى الخاتم لكن الأمر صعبًا عليه تمامًا كلمس نجمة في السماء. وضع الخاتم مكانه على الكومودينو وأشعل سيجارته ينفث بها غضبه.
كانت سارة تقود سيارتها في الطريق وتوقفت فجأة لتصطدم السيارة الموجودة بالخلف في سيارتها وترجل منها رجل في أواخر الأربعينات من عمره يرتدي بدلة سوداء ويصفف شعره الأسود للأعلى بجسد نحيف وعينين سوداوين ببشرة فاتحة قليلًا ونظر للسيارة الخاصة به بعد أن كُسر مصباحها الأمامي فتأفف بضيق وهو يغلق زر سترته وسار نحو السيارة ليطرق بأصابعه على النافذة. فتحت باب السيارة وترجلت سارة سكيرة وجسدها يهتز يمينًا ويسارًا تكاد
تفقد توازنها وقالت بلطف: -أنا آسفة جدًا. تطلع الرجل بها، امرأة جميلة تصغره بالعمر تضع مساحيق التجميل وشعرها الأسود القصير يداعب عنقها المثير. ترتدي فستانًا أسود اللون قصيرًا يصل لفخذيها وبدون أكمام يظهر أكتافها النحيفتين وعظام رقبتها الجميلة. تبسم بإعجاب بهذه المرأة وقال: -ولا يهمك دي فانوس، المهم أنتِ كويسة. أومأت إليه بنعم وهي تتعمد الارتطام به مرات متتالية ليتشبث بخصرها بلطف وقال: -تحبي أوصلك؟
أجابته بنبرة ناعمة مثيرة تليق بعملها كراقصة سابقًا ومديرة نوادي ليلية حاليًا: -عشان متعبكش. هز رأسه بلا وترحاب شديد في التقرب لهذه المرأة وأغلق سيارتها ثم أخذها في سيارته وانطلق بها إلى حيث منزلها وقبل أن تنزل قدم لها بطاقة عمله وقال: -أتمنى أشوفك مرة تانية.
تبسمت إليه ثم قبلت بطاقته أمامه ونزلت بجسدها الهزيل من سيارته لينطلق في طريقه، فضحكت سارة بمكر كأنها حققت هدفها ونظرت إلى البطاقة وقرأت اسمه بخبث ووجه يخفي خلفه الكثير من الخطط الشيطانية عكس وجهها الجميل: -نادر الهواري... اكتملت أول خطوة يا جمال... استناني. صعدت وهي تحمل في طياتها الكثير من الخطط وكأنها تصبو إلى طريق لا يعلم ماهيته سواها. "قصر جمال المصري"
كان الجميع يستعدون لاستقبال هذا الشاب الذي تقدم لخطبتها ورفضه شريف بسبب غياب جمال. رأت مريم وجوه الجميع كأنه يخشون الابتسام في هذا اليوم خوفًا منه فسألت نانسي بقلق: -نانسي، هو جمال... قاطعتها نانسي بنبرة هادئة تخشى أن يسمعها أحد:
-أبعدي عنه الساعة دي يا مريم لحد ما الضيوف دول يمشوا. من ساعة ما أستاذ شريف قاله أمبارح على الميعاد ولحد دلوقت طرد 7 خادمات لأسباب مش هتتخيلها زي أن نقطة من القهوة وقعت على الفنجان من برا. الثانية في شعرة خرجت من الكحكة فطردها لأن هيئتها غير مشرفة للقصر والثالثة ظفرها جرح التفاحة اللي متفهمش فين الكارثة في كدة عشان يقطع عيشها... فالله يخليكي أبعدي عنه عشان أنا حاسة أن القصر دا هيتصفي على إيدك ومش هيفضل غير حنان.
ضحكت مريم بعفوية على تصرفاته فهل الغيرة أكلت عقله عوضًا عن قلبه فقالت ببسمة تنير وجهها: -هو فين؟ -في المكتب. اتسعت عينا مريم على مصراعيها بصدمة ألجمتها وقالت: -من ساعة ما رجع من الشركة، مغيرش هدومه الناس على وصول.
تأففت غيظًا من تصرفاته وهل الآن سيستقبل الضيوف ويظهر أمامهم فوضوي لأجل غيرته. دلفت للمكتب ورأت الغرفة معبأة بالكثير من الدخان بسبب كم السجائر التي أحرقها كقلبه المحترق، فبدأت مريم في السعال ليطفئ سيجارته سريعًا وضغط على زر تنقية الهواء وفتح النوافذ لأجلها. مررت يدها على أنفها بضيق ثم قالت: -أنت ملبستش؟ الناس على وصول. -كفاية أنتِ تلبسي وتتأنقي. قالها بسخرية لتذهب إلى المكتب والتفت حوله ثم مسك ذراعيه
وبدأت تسحبه بقوة قائلة: -قوم يا جمال. لم يتحرك له ساكنًا، فجسدها الضعيف لن يقوى على تحريك بنيته الجسدية القوية لتتوقف عن سحبه بالقوة ونظرت إلى عينيه ويدها تمسك يده بدفء ثم قالت ببراءة: -ممكن تقف؟ لبى طلبها بتأفف شديد فتبسمت وهي تعلم أن القوة ليست سبيله بل باللين سيفعل لأجلها أي شيء. لتمسك أكتافه وتديره إليها حتى يصبح مقابلها تمامًا وبدأت تهندم له بدلته ورابطة عنقه بلطف وقالت:
-ممكن تفرد وشك شوية، أنت مش رايح تحارب ولا تعزي في موت. تنحنح بلطف وتنازل عن غضبه قليلًا ورأسه منخفضة إلى حيث وجهها وقصرها جواره وقال بتمتمة: -بعد الشر عنك. رفعت يدها إلى شعره ترفع خصلته الفوضوية للأعلى بلطف ثم تبسمت إليه ليقول بنبرة خافتة: -أنتِ عايزاه يا مريم؟ نظرت إلى عينيه الحزينة لكنها تحمل من الغضب أضعاف هذا الحزن لتقول بنبرة خافتة:
-آه على الأقل مش هشيل هم المكان اللي هروحه بعد ما أمشي من هنا ولا مش واخد بالك أن باقي سنة إلا شهرين ووصيتك عليا تخلص. هو أكبر مني بسنة وإنسان كويس وطموح ومعايا في كلية إعلام بيحضر ماجستير ونزل تدريب في أكثر من قناة وصنع لنفسه برنامج على اليوتيوب وبيكسب كويس جدًا من قبل ما يتخرج ودلوقت بيقدم برنامج كورة وعنده بيته ومامته متوفية وعنده أخ واحد. وبيحترمني جدًا وبيساعدني في دراستي ومتفهم أني أرملة يعني فيه كل المميزات اللي بتدور عليها أي بنت في أي راجل عايزة تعيش معاه.
قاطعها بتنهيدة باختناق سافر من حديثها عنه وكأنها سقطت في غرامه. أنزل يدها عن رابطة عنقه بضيق شديد وعينيه تحدق بها ثم قال: -كل دا شعر فيه؟ أنتِ بتحبيه يا مريم؟ رفعت رأسها بسخرية إليه وتطلعت به بنظرة صامتة ثم قالت: -وأنا خدت إيه من الحب يا جمال؟ ولا حاجة غير الوجع والفراق وعياط طول الليل. الحب عشان أعيشه لازم أعيش قسوته وأنا استكفيت قسوة.
شعر بنظرتها وحديثها بأنها تلقي بالحديث عنه عندما أخبرته بأنها تحبه، ماذا فعل غير الهجر والقسوة ورفضها رفضًا قاطعًا؟ كز على أسنانه بضيق ثم قال ببرود شديد: -ما دام مش بتحبيه يبقى مش هتتجوزيه. كاد أن يمر من أمامها لتمسك ذراعه بقوة غاضبة من قراره وقالت: -بس أنا موافقة، أنت مين عشان تعترض؟
قاطعها للمرة الثانية لكن هذه المرة بقبلة على شفتيها التي تثرثر بالكثير عن هذا الزواج ورجل آخر غيره لتصدم مريم من فعلته ورفعت يدها تبعده عنها ليمسك يديها بإحكام ويضغط عليهما بقوة حتى كاد أن يعتصر رسغيها في قبضته القوية. ابتعد عنها ثم قال ببرود بينما يمر سبابته على شفتيها بلطف: -أنا حذرتك أشوف قلم روج في وشك يا مريم. كدة بقيتي أحلى.
استشاطت غضبًا منه وهي تكتم أنفاسها من الغيظ وتراه يذهب بعيدًا فقال ببرود شديد يزيد من استفزازها وهو يسير للخارج دون أن يتطلع بها: -حاولي تجيبي واحد بالبطيخ هيبقى طعمه أحلى.
أغلقت قبضتيها بإحكام قبل أن تذهب وتضربه في وجهها من الغيظ الذي ألقاه بداخلها. اتجهت للأعلى رغم غضبها لكن قلبها الأحمق غارقًا في حب هذا الرجل. مسحت أحمر الشفاه ووضعت لونًا غيره أخف من الدرجات البنية ونزلت بسرعة عندما أخبرتها نانسي بحضور ضيوفها. وقفت على الدرج تستمع لحديثهما ليقول الشاب بلطف وبسمة لا تفارقه: -أنا بصراحة... معلش سامحني على توتري أصلها أول مرة... أنا جاي طالب إيد آنسة مريم... -هعتبر نفسي مسمعتش جملتك...
وصله يا شريف للباب. وقف الشاب بارتباك ثم قال بحيرة من رد فعله: -هو أنا عملت حاجة؟ أو حضرتك سمعت عني حاجة وحشة؟ التف جمال له بهدوء أعصاب كأنه جبل جليدي وقال: -لا طبعًا بس إزاي جاي تطلب إيد خطيبتي مني. اتسعت عينا مريم على مصراعيها بصدمة ألجمتها ثم نظرت إلى نانسي التي تقف جوارها وهكذا حنان وقالت مصدومة كأنه صعقها بالكهرباء للتو وتشير على نفسها: -خطيبته!! مين خطيبته….. أنا!!!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!