قذفت "سارة" الكأس الموجود فوق المكتب في وجه "حمزة" بانفعال صارخة به: -عايشة!! عاد "حمزة" خطوة للخلف قبل أن يرتطم به الكأس ويجرحه ثم نظر لها بغضب سافر واقترب ليضع يديه على المكتب وانحنى قليلًا يحدق بها بنظره ثم قال: -اسمعي يا حية أنتِ، أنا مش شغال عندك ولا صبي من صبيانك. تأففت "سارة" بغضب يأكل عقلها من هذا الخبر الذي وقع على مسمعها كالصاعقة التي شلت كل حركاتها ثم قالت بتحدي:
-أنتَ خدت الفلوس عشان تكون صبي من صبياني وتنفذ اللي أقولك عليه، مريم لازم تموت. اعتدل في وقفته ووضع يديه في جيوبه بضيق ثم قال: -من ناحية لازم، فهو لازم أنا بس اللي مستخسر ما أشوفش لحظتها الأخيرة، بس اتقلي. وقفت "سارة" من مقعدها والتفت حول المكتب بغضب تحاول كبحه والسيطرة على أعصابها قبل أن تفقدهما وقالت: -مفيش وقت عشان أتقل، أنا سمعت كلامك واستنيت السنين دي كلها ومعنديش استعداد أستنى يوم واحد، عايزة أفوق لجمال.
رفع نظره بها بفضول شديد ثم سألها بمكر: -أنتِ مهوسة بجمال ليه؟ مريم وقلت غيرة ستات لكن جمال أنتِ متعرفيهوش غير لما روحتي قصره. أشعلت سيجارتها ورائحة التفاح تخرج مع دخانها ثم قالت بهدوء شديد: -ده أنا أعرفه من زمان أوي، ما علينا امشي ومشوفش وشك غير لما تجيبلي جثتها وأشوفها بعيني المرة دي. غادر المكتب باشمئزاز ومر في الردهة ليرى "حازم" يقف مع فتاة يقبلان بعضهما بحرارة فتبسم بسخرية على الأم وابنها ثم غادر المكان.
_خرجت "مريم" من القصر بصحبة "نانسي" مرتدية فستان أبيض به الكثير من الورود وفوقه سترة من الصوف زرقاء اللون وتستدل شعرها على ظهرها بحرية، نظرت للأمام لتراه واقفًا أمام سيارته مرتديًا بنطلون أسود وتي شيرت رمادي فوقه سترة جلدية سوداء صامتًا منذ أن استعادت وعيها وهو صامت يتجاهلها تمامًا ويبتعد عنها، حدقت بـ "صادق" الذي يقف ويفتح لها الباب، قالت "نانسي" بلطف: -خلي بالك من نفسك.
أومأت "مريم" لها بنعم ثم ذهبت إليه، نظرت إلى "صادق" مطولًا وقالت بنبرة هادئة: -ممكن نروح لوحدنا. نظر إلى "صادق" وسيارة الحراس التي ترافق سيارته دومًا بقيادة "عاشور" وقبل أن يقرر سمعها تقول بلطف: -رجاءً.
أومأ إليها بنعم موافقًا على رغبتها والفضول يقتله لمعرفة ما حدث هناك، انطلق "جمال" بسيارته إلى الفيوم حيث المزرعة بعد أن ترجته بأن يذهبا وحدهما، ظلت تنظر للطريق من النافذة وهي تستعد لمواجهة الماضي الذي هربت منه، حاولت أن تنظم أنفاسها وتضبط دقات قلبها الخافتة كأنه يرتجف من لحظة الوصول، راقبها "جمال" عن كثب بعينيه ناظرًا إليها تارة وإلى الطريق تارة، ضغطت على زر النافذة لتُفتح ورغم الهواء البارد لكنها كانت بحاجة للنفحات
الهوائية القوية تساعدها على الصمود، ولج "جمال" بسيارته من بوابة المزرعة لتغمض عينيها بقوة كارهة النظر لهذا الطريق الداخلي، تألمت بصمت من داخلها وبدأت تتذكر ضرب "حمزة" المبرح لها قبل زواجها وقسوته التي لحقتها إلى هنا، كل جزء بهذا المكان يحمل تعاستها مع فرحها لكن هذا الفرح ظل يتلاشى حتى هذه الليلة التي هرب منها الفرح ولم يبقَ لها سوى الحزن والألم فقط، توقفت السيارة ونظر "جمال" لها، ترجل من سيارته أولًا وهو بداخله
اضطرابات كثيرة لا يعلم ماذا يفعل أيعاقبها أم ينتظر حتى يستمع لها، أيحري به أن يدفنها هنا على جريمتها أم يعطيها الفرصة لتبرر وتدافع عن نفسها، أسرع إليه العامل بصدمة ألجمته من ظهور "جمال" وهو يعرفه جيدًا فلم يتعب حاله بالسؤال
عن شخصيته وقال بتلعثم: -حمد الله على السلامة يا بيه، ما اتصلتش بيا ليه قبل ما تيجي كنت جبت بنت شغالة تنظف لك المكان و... بتر حديثه نزول "مريم" من السيارة وفتح فمه بصدمة أكبر كأنه رأى ملاك الموت أمامه أو جثة ميتة عادت للحياة للتو، تمتم باسمها بذعر شديد: -مريم. نظرت إليه بهدوء دون أن تجيب ثم تقدمت للأمام، هرب العامل بمجرد أن تحرك "جمال" خلفها، تتبعها بالسير حتى وصلت للأسطبل بقدمين بطيئتين استغرقت نصف ساعة كاملة
في الوصول إليه ثم قالت: -من هنا بدأت الحكاية. نظر إليه في صمت ليراها تلمس الباب الخشبي بامتنان ليعلم أن هذه الغرفة تعود إلى "إيلا" حصانها الجميل، دلفت للداخل وهو معها ليرى رسومات كرتونية وقلوب كثيرة محفورة على جدران الغرفة الخشبية كأنها حفرتهم بأداة حادة، تبسمت بحزن شديد وهي تقول: -عمرك شوفت حد بينام مع الحيوانات بس سعيد ومبسوط؟ التفتت إليه فرأته ينظر إليها كعادته مؤخرًا بصمت، تطلعت بوجهه بحزن شديد وقالت: -ساكت!
الأيام الأخيرة ساكت لكن تعرف أنا شوفت كل حاجة في عينيك، الكره والغضب والشفقة والحيرة والوجع كل ده كان جوا عينيك ليا، ليه؟ نظر إلى عينيها التي على وشك البكاء ودموعها تتلألأ بداخلهما محاولة كبحهما جيدًا وأنفها الحمراء من البرد فتمتم بنبرة خافتة: -قتلتيه؟
أغمضت عينيها بحسرة تعتصرهما من الوجع لتتساقط الدموع منهما التي منعتها كثيرًا ليدرك "جمال" مدى الألم الذي تحبسه بداخلها وهي تقضم شفتيها بقوة في محاولة منها لكتم أنفاسها وشهقاتها لكنها في نهاية الأمر لم تستطع ذلك لتخرج منها شهقة قوية مزقت قلبه في الحال وفتحت عينيها ترمقه بيأس وقالت: -معرفش! مرت من أمامه وخرجت من الغرفة متابعة الحديث بحسرة أصابتها:
-بقيت عادة عندي مجرد ما أدخل المزرعة أجي هنا زي دلوقت، أول مكان بجري عليه هو هنا، يومها جه ياسين ابن عمتي من الجيش وفرحت أوي إني شوفته، أخويا اللي اتربيت معاه من عمر خمس سنين، جبته هنا يشوف إيلا وقد إيه كانت جميلة وأنا بقيت شاطرة في ركوبها زي العيلة الهبلة اللي فرحانة بحاجة قدرت تعملها وهدية جت لها بدأت توريها للكل، جينا وشوفنا إيلا وحممنا سوا ولعبنا لحد ما ياسين قرر يمشي عشان عنده ميعاد وحضني عادي كأخته الصغيرة وقتها لقينا مختار فوق راسنا وفضل يضرب فيه وأنا مش فاهمة ليه واتخانق معايا وضربني بوحشية كأني بشوف حمزة في واحد تاني وقرر يحرمني من الحاجة الوحيدة اللي بحبها إيلا وباعتها للقصر.
كان يستمع لحديثها ويسير خلف خطواتها حتى وصلوا للمنزل المغلق، فتحته ودلفت وكان كل شيء مليئًا بالأتربة والغبار والعناكب صنعت بيوتها في هذا المنزل المهجور، صعدت للسلالم لكنها توقفت بانقباض قلب حين تذكرت كيف أخذها "مختار" للأعلى في هذه الليلة لتفقد قوتها في الصمود وجلست أرضًا ترتعش، جلس "جمال" جوارها بهدوء والقلق ظهر على ملامحه بوضوح ووضع يده على وجنتها بلطف يقول: -أنتِ كويسة؟
نظرت إليه بخوف وتشبثت بكم سترته بأناملها، نظر إلى يدها المتشبثة به بقلق ليعلم أن القادم هو الأسوأ وعينيها تترجاه بألا يتركها وحدها تصارع الموت الداخلي الذي تعيش معه، ربت على يدها بلطف وقال: -أنا معاكِ. تنفست بهدوء وهي تحاول تنظيم أنفاسها وقالت:
-من كتر الضرب وأنا مش عارفة أدافع عن نفسي أو أبعده عني مقدرتش أتكلم ودخلت في صدمة فقدت النطق فيها، فضلت طول الوقت بعيط وساكتة وقاطعة الأكل بعدها بيومين قسوة مختار زادت وقرر إن يمشي الخدم وأنا اللي أخدمه كانتقام منه ليا وبدل ما كنت بتدلع بقيت بتذل، سارة خدت إجازة وهو رجع مع اتنين صحابه و...
أغمضت عينيها بقوة تعتصرهما والأصوات تخترق عقلها لتبدأ تنتفض وهي تقص له جريمتهم بها وما حدث بالغرفة، أغلق قبضته بقوة يعتصر عظامه مع سماعه لطريقة أخيه في الاعتداء عليها وتمزق قلبه مع دموعها ورؤيتها تصارع ألمها النفسي، نظرت إليه بحزن وقالت: -أنا مش واثقة في ذاكرتي في كل الأحوال أنا كنت مش في وعي بفضل المخدرات اللي أخوك شربها ليا، مبقتش عارفة أصدق اللي حمزة قاله وعاشت فيه لسنين ولا اللي عقلي بيشوفه وهو مجرد أحلام...
توقفت عن الحديث ونظرت للخلف على الطابق العلوي ثم قالت بتلعثم وخوف تملك منها كاملًا: -لو لقيت رصاصة في الحيط يبقى أنا ما قتلتوش، لكن لو ما لقتش حاجة يبقى أنا قاتلة. مسك وجهها بين راحتي يديه وقال بنبرة هادئة: -في الأول حاولي تهدئي، اهدئي يا مريم أنا هنا معاكي... بصي ليا. هزت رأسها بلا بطريقة هستيرية رافضة تقبل أي حديث وقالت: -أرجوك.
طلبت منه أن يصعد ويتأكد وحده فهي لن تجرأ على الصعود للأعلى والدخول لهذه الغرفة نهائيًا لذا طلبت منه أن يأتي معها، أومأ إليها بنعم وصعد للأعلى وحده فبدأت تتمتم بخفوت: -ما قتلتوش.. مقتلتوش! عاد أدراجه إليها فتشبثت بيديه وجسدها المرتجف يترجاه بأن يجد الرصاصة، وإذا لم يفعل فليصنع رصاصة لأجلها. انحنى قليلًا إليها ثم حملها على ذراعيه بالإكراه وهي تصرخ من الخوف وتقول: -جمال أرجوك، والنبي…
لم يبالِ لحديثها وصعد بها للأعلى لتخفي رأسها في كتفه حاجبة عن عينيها رؤية هذا المكان وتشبثت بعنقه خائفة. أنزلها رغمًا عنها أرضًا لكنها لم تترك أسر عنقه محاولة ألا ترى شيئًا بهذه الغرفة فرفع جمال رأسها بالقوة وهو يقول: -بصي يا مريم.
أوقفها مقابل الحائط وهي تغمض عينيها بقوة حتى سمعت صوت زجاج يكسر ففتحت هذا الزوج من العيون الباكية ورأته ألقى بالإطار الذي كان معلقًا على الحائط لترى أثر الرصاصة فتنفست بصدمة ألجمتها وظلت تحدق به لدقائق طويلة وقالت: -مقتلتوش… فقدت الوعي من وهل الصدمة التي حلت بها والكذبة الكبيرة التي كانت تعيش بها تحت رحمة حمزة. مسكها جمال وهو يقف خلفها جيدًا وحدق بوجهها الشاحب وقال بقلق: -مريم…
خرج نادر من الفيلا الخاصة به يتحدث مع مساعده ومدير أعماله تامر قائلًا: -أتصرف يا تامر أنا اللي هقولك تتصرف إزاي؟ أنا زهقت ومليت من الصحافة اللي مبقاش وراها غير الكلام عني. صعد إلى سيارته بضيق ليصعد تامر جواره وقال: -متقلقش يا فندم أنا اتصرفت خلاص، وبعت لواحد من حبايبنا وقولتلك على خبر بمليون جنيه هيخلي الصحافة كلها تبعد عننا وتتكلم عن جمال المصري. نظر نادر إلى مساعده بفضول ليقول:
-واحدة حبيبتك بعتتلك الكارت دا ومعاه فلاشة عجبتني جدًا وبصراحة مكذبتش خبر وبعتها لحبيبي اللي بقولك عليه. أخذ نادر البطاقة وكانت تحمل اللوجو الخاص بالملهى الليلي بسارة دون أي كلمات أخرى ليبتسم بإعجاب بعد معرفته بهويتها ثم قال بفضول: -فيها إيه الفلاشة دي؟ تبسم تامر بمكر شديد قاصدًا إثارة فضول رئيسه وقال: -هتعرف بكرة والخبر متصدر النت يا فندم. تبسم نادر بعفوية وهو لا يبالي بما يحدث بعد أن ذكر سارة…
فتحت مريم عينيها بتعب شديد لتجد نفسها بنفس الفراش ووحدها بالغرفة. شعرت بأن يديها مقيدة وصوتها لا يخرج من حنجرتها كلما حاولت الصراخ وأصوات ضحكات مختار مع أصدقائه حولها تخترق أذنيها وترى وجهه أمامها يقترب أكثر منها ويديه تلمس عنقها وتتسلل للأسفل قليلًا حتى لمس ياقة فستانها وقبل أن يمزقه هربت من الفراش صارخة باسمه: -جمال… جمااااال!
ركضت على الدرج وصوت ضحكات مختار في رأسها يعذبها لتراه يأتي نحو الدرج على صوت صراخها بقلق فأسرعت في خطواتها حتى ارتمت بحضنه متشبثة به. وقف محله على درجة السلم متجمدًا من فعلتها ليقول: -حصل إيه؟ -بالله عليك يا جمال إزاي قدرت تسيبني هناك لوحدي؟
قالتها ببكاء ونبرة مرتجفة. تنفس بأريحية بعد أن أدرك بأنها تعاني نفسيًا مما حدث لها. حرك ذراعيه ببطء حتى استقرا على ظهرها مطوقًا إياها بلطف وبدأ يربت بكفه عليها بحنان لكي تهدأ. ظلت معلقة برقبته وتشعر بدفئه الذي لطالما انتشلها من الوجع والخوف وأعطاها الأمان والسلام الذي فقدته.
جلست على الأريكة تنتظره بهدوء دون أن تحرك ساكنًا حتى جاء إليها بصينية الطعام الذي أعده لأجلها. جعلها تتناول الطعام بأكمله وعينيه تراقبها في صمت حتى قطعت صمته بحديثها قائلة: -شكرًا. رفع رأسه بشموخ مستفهمًا عن سبب شكرها فقالت: -على حاجات كتير.
هز رأسه بنعم في هدوء تام وعقله لا يتوقف عن التفكير فما أخبرته به والآن يعلم بأن حمزة قاتل أخاه لكنه كذب من أجل استغلال ابنته لجني المال. صنع المخاوف والأكاذيب المزيفة حتى تخضع له وهو لا يدرك بأنه جعل ابنته مريضة نفسية ولتتخطى هذا الألم والخوف عليها بالذهاب لطبيب نفسي. نامت مريم على الأريكة أمامه منكمشة في ذاتها وقالت بخفوت: -متتحركش من هنا. نظر لها بغرور ورفع حاجبه من لهجتها وهي تأمره فقالت بخفوت
خائفة من نظرته الحادة: -رجاءً. تخلى عن تعابير وجهه الحاد ووضع قدم على الأخرى باسترخاء ثم نظر بهاتفه لتبتسم بطمأنينة على تلبية طلبها وأغمضت عينيها بعد أن وضعت يديها أسفل رأسها. تحدثت بوجه نائم ونبرة خافتة: -جمال. -أمممم. قالها ونظره في الهاتف لتجيب عليه: -أحسنت متتحركش. رفع نظره عن الهاتف إليها متعجبًا كلمتها ليراها مغمضة العينين تمامًا وعلى وشك أن يغلبها النوم لكنها تتأكد من وجوده جوارها. كررت مرة أخرى قائلة: -جمال.
أجابها وهو يقف بعيدًا يسكب القهوة في الكوب حتى تساعده في الاستيقاظ طيلة الليل لأجلها وعينيه عليها قائلًا: -أنا هنا، مش هروح لمكان.
غاصت في نومها بأريحية وطمأنينة لوجوده هنا بجوارها. وضع كوب القهوة على الطاولة ثم بحث حوله عن العامل ولم يجد له أثر فلم يعرِ اهتمامًا لاختفائه ونظر إليها ليراها نائمة تمامًا فتنهد بضيق من مخالفته لطلبها وخرج إلى السيارة وأحضر منها اللاب توب الخاص به وعاد إليها بأقل من دقيقة. وضع الغطاء عليها يحميها من برد الشتاء وجلس على الأرض جوار أريكتها وبدأ يباشر عمله على اللاب توب الخاص به حتى شروق الصباح. فتحت مريم عينيها لتراه مستيقظًا وأمامه ثلاثة أكواب من القهوة الفارغة ويعمل على اللابتوب. فركت عينيها جيدًا
ليقول: -صباح الخير. تبسمت بلطف وحرج من جعله يسهر طوال الليل لأجلها وقالت: -صباح النور. وقف من مكانه يحدق بها وهي ما زالت نائمة بعينيها التي ترفض فتحهما بتذمر ليقول: -أنا هشرب قهوة وبعدها نمشي. ذهب للمطبخ ليصنع فنجانًا جديدًا من القهوة وبدأ هاتفه يطلق صوت إشعارات كثيرة وهكذا اللاب توب فنظرت إلى شاشة اللابتوب المفتوحة أمامها لتصدم مما رأته ورفعت نظرها تجاه جمال بصدمة ألجمتها…
وصل نادر إلى الملهى الليلي في العاشرة صباحًا وكان الزبائن قلة قليلًا والموظفون يستعدون لإغلاق المكان. أوقف أحد الموظفين وسأل: -مدام سارة فين؟ أشار إليه على الطابق الثاني ليضع نادر ورقة من النقود في جيبه بامتنان وتبسم ثم صعد للغرفة. مر حازم من جواره بوجه شاحب بعد شجاره مع والدته وخرج من الملهى. اتجه نادر إلى مكتب سارة ووجد العاملة تنظفه فقال بجدية: -مدام سارة. -آخر أوضة على الشمال.
قالتها بتعجل من أمرها حتى تنهي التنظيف وتعود لمنزلها. اتجه إلى هذه الغرفة حتى وقف أمامها وهندم ملابسه جيدًا وشعره رفعه للأعلى بيده بلطف ثم فتح الباب ودلف سمعها تتحدث في الهاتف قائلة: -أنا بعتلك العنوان وهتلاقيها هناك وخلي بالك اللي معاها جمال…
قطعت حديثها بدهشة من حضور نادر وأغلقت الخط. ولج للغرفة دون أن يهتم بكلماتها التي سمعها ليراها جالسة على الأريكة الدائرية التي تدور مع الغرفة وأمامها طاولة من الزجاج كبيرة دائرية وفوقها زجاجتان من الخمر وكأس. إحداهما فارغة تمامًا والأخرى ما زال بها. أغلق باب الغرفة خلفه واتجه نحوها. رفعت نظرها للأعلى نحوه بعد أن تركت الهاتف بجوارها كان واقفًا أمامها فتبسمت بتلقائية وهي في حالة سكر قليلة تزال في وعيها وعقلها غاضبًا من
مريم وبقائها على قيد الحياة والآن ذهبت إلى المزرعة كأنها تريد أن تستعيد الذكريات. اقترب نحوها مبتسمًا معجبًا بهذه المرأة التي تفاجئه دائمًا بجمالها. كانت ترتدي تنورة سوداء تصل لركبتها وبالنسبة لملابسها دائمًا فهي تعد طويلة جدًا. ومن الأعلى ترتدي قميصًا نسائيًا أحمر شفاف يظهر البادي الأحمر الذي ترتديه بالأسفل ذات الحمالة وتغلق أزرار القميص كاملة وشعرها الأسود مسدولًا بحرية يحيط بوجهها بقصره وتضع مساحيق التجميل وأحمر
شفاه باللون الأحمر المثير…
تبسمت بدلال وهي تحمل في يدها كأسًا وتحركه بمهارة مقلبة الخمر بداخله بحركات دائرية وقالت: -عجبتك هديتي؟ مقدرتش أشوفك زعلان بسبب جمال وعمايله قولت لازم أساعدك. رفع يده بعد أن فتح زر سترته ليجلس بأريحية وداعب خصلات شعرها الناعم مجيبًا عليها: -معقول متعجبنيش وهي منك. وضع خصلات شعرها خلف أذنها وسبابته تسلل إلى عنقها وقال: -أنا كمان جبتلك هدية يا رب تعجبك.
أخرج من جيب سترته علبة قطيفة مستطيلة زرقاء وفتحها أمام عيني سارة لتجد بداخلها سوارًا لليد مصنوعًا من الألماظ فنظرت إليه بإعجاب شديد وتركت الكأس من يدها لتملس هذا الألماظ بجشع كأنها لا تشبع من جني المال أكثر فقالت: -دا رائع. أخرجه من العلبة بلطف وعينيه تحدق بهذه المرأة التي خلصته من ضغط كبير كان يعاني منه وأنزلت الكارثة بعدوه اللدود وقال: -وهيبقى أروع لما يتحط في إيدك.
مدت يدها إليه ليغلق السوار حول رسغها ثم ختم عليه بقبلة ناعمة لتبتسم بمكر وهي تسحب يدها منه وتطلعت بالسوار بامتنان وهذا الزوج من العيون يقدس المال وقلب لا يعشق سواه فتبسم نادر بعد أن علم بنقطة ضعف هذه المرأة الجميلة فهي لا تريد سوى المال فقط وإذا قدم لها المزيد ستتوقف عن رفضه. سكبت الخمر في كأسها وكأس آخر ثم حملت الكأسين بدلال لتقدم له أحدهما وقالت: -في صحتك.
أخذ الكأس منها وارتشفه على جرعة واحدة لتبتسم سارة بخبث كبير بعد أن قرأت ما يفكر به في عينيه لا يريد سواها وسيعطيها من المال ما تريد معتقدًا بأن هذا ما تريده حقًا لكنه يجهل تمامًا أنها تريد الانتقام وهو ليس سوى أداة في حربها. سألها نادر بنبرة هادئة يقول:
-كل الناس بتبعد عن شر جمال المصري، ووحشيته وجبروته زي راية العلم فوق اسمه معروف بيهم جدًا زي ما هو معروف كونه رجل أعمال. أخوه مختار مستحملش العيشة معاه وسابله البيت ومراته اللي مكملتش سنة جواز معاه واختفت. دا حتى الست الوالدة وأخته الصغيرة راحوا يعيشوا في لندن عشان مقدروش على العيشة معاه. الخلاصة أن الكل بيترعب من جمال المصري، عملتيها أنتِ إزاي وقررتي تضربيه بالصحافة؟ تبسمت وهي تضع مكعبات الثلج
في الكأس وقالت بكبرياء: -أنا غير أي حد يا حياتي. أومأ إليها بنعم معجبًا بجرأتها ليقول: -طب بلاش عملتيها إزاي لكن مش خايفة منه؟ نظرت سارة له وعادت بظهرها للخلف تسترخي في جلستها وقالت بغرور شديد وثقة بعد أن وضعت قدمًا على الأخرى: -أنا لو بخاف مكنتش عملت اللي عملته، أنت بس اللي لسه متعرفنيش يا حياتي، بكرة لما تعرفني أكتر هتعرف إني غير الكل.
ضربا الكأسين معًا ببرود أعصاب وسعادة تغمر الاثنين. هو من أجل هذه الهدية ممتنًا لها وهي لنجاح خطتها الشيطانية…
أغلقت مريم الهاتف الخاص به نهائيًا بخوف من أن يعرف بهذه الكارثة وقطعت عنه كل اتصالات شريف وهكذا اللابتوب. انطلق بسيارة مغادرًا المزرعة معها. ظلت تنظر إليه بقلق مما يتصدر الإنترنت الآن عنه. لا تعلم ماذا سيفعل عندما يعلم. ربما يهدم بشركته كل الأجهزة الإلكترونية فهو بارع في الحروب الإلكترونية ولديه متخصصون في فعل ذلك. نظر جمال نحوها بقلق من نظراتها المسلطة عليه وقال: -لسه خايفة؟
هزت رأسها بلا ورسمت بسمة خافتة مزيفة أمامه فعاد بنظره إلى الطريق وهو يقول: -الكذب بيبان عليكي يا مريم. ضغط على المكابح فجأة عندما رأى سيارة زرقاء أمامه لترتطم رأسها بالسيارة. نظر إليها بقلق وخوف شديد من أن يكون أصابها شيء ليقول: -أنتِ كويسة؟
هزت رأسها بنعم بخجل شديد من قلقه عليها. تعلم بأنه يكن المشاعر لها وتسللت مريم إلى قلبه لكنه يفشل في الاعتراف بهذا الحب رغم أنه يظهره بوضوح علنًا في تصرفاته. القلق والخوف عليها. كلما أمر جين برنامجه الإلكتروني بتفعيل عازل الصوت لأجلها في الشتاء وتنقية الهواء من الدخان الناتج عن تدخينه. يهتم بصحتها وأكلها جيدًا. مرر سبابته على جبينتها التي احمرت للتو بلطف ثم انطلق في قيادته مرة أخرى ببطء وحذر لأجلها ولم ينتبه إلى السيارة الزرقاء التي غيرت مسارها وجاءت خلفه حتى ظهرت بجواره. كانت مريم تراقبه بنظراتها لتصرخ بذعر عندما رأت رجلًا بداخل السيارة المجاورة يصوب مسدسه نحو نافذته. نظر جمال ليصدم مما رآه ووضع
يده فوق رأسها بقلق وقال: -البسي حزام الأمان ومتخافيش العربية مضادة للرصاص.
زاد من سرعة سيارته وهذا الرجل يطلق طلقات نارية على السيارة وهي لا تتأثر. أراد جمال أن ينزل ويمزقهما إربًا لكنه تردد كثيرًا لأجلها حتى لا يضعها في خطر. استسلم الرجل لحقيقة كون السيارة مضادة للرصاص وقرر أن يقلبها أفضل من الفشل في مهمة قتل مريم. فتح جمال الشاشة المتصلة بسيارته الكهربائية وأدخل اسم المستخدم الخاص بتطبيق جين ويقود بيد واحدة وهي تبكي جواره وترتجف. اصطدمت السيارة بسيارتهم ليفقد تحكمه بالمقود بيد واحدة. مسكها بكلتا ذراعيه
وقال بغضب سافر وقلق: -مريم… مريم فوقي. نظرت إليه وهي تحاول التوقف عن البكاء ليقول بجدية: -اكتبي الباسورد اللي هقولك عليه. أومأت إليه بنعم وبدأت تكتب كلمة السر الخاصة بجين التي لم يخبرها لأحد من قبل حتى شريف وقبل أن تضغط على زر تم خرجت السيارة عن مسارها وسقطت إلى طريق أكثر وعورة بين الأشجار حتى اصطدمت بشجرة قوية. تأذت رأسه ونزفت دماء لكنه لم يهتم كثيرًا. نظر إلى مريم بقلق وسألها: -مريم.
نظرت إليه بخوف شديد. فتح باب السيارة وترجل منها ليحصل على رصاص في ظهره أسقطه على مقعده من جديد واقترب الرجال نحوهما أكثر. بينما خرجت صرخة قوية من مريم باسمه بهلع وخوف: -جماااااااال…
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!