عانقتها "مريم" بضعف شديد وخوف يحتلها من الداخل من القادم وما سيحدث عما قريب. طوقتها "سارة" بحب محاولة إخماد نيران قلبها المرتعب خوفًا من القادم ثم همست إليها قائلة: -حصانك تحت، أنا سألته ممكن تروحي له. خرجت "مريم" من بين ذراعيها بسرعة البرق وتلاشى الخوف وعادت للحياة كسمكة صغيرة عادت للمحيط بعد أن انقطعت أنفاسها في صراع الخروج منه. نظرت إليها بحماس وقالت: -هروح أكيد، عن إذنك.
ابتسمت بسعادة وهي تقف من مكانها لتركض للخارج ولأول مرة تظهر بسمة على شفتيها منذ رحيل "مختار". ضحكت "سارة" بعفوية على عودة طفلتها إلى طبيعتها البريئة. كانت تركض على الدرج كطفلة صغيرة جميلة نالت حريتها. فرأتها "حنان" وشعرت بأنها ترى فراشة جميلة حلقت بجناحيها في السماء بعد أن نالت حريتها وبسمتها العريضة تجذب كل من يراها فقالت بدهشة من تبدل حال هذه الفتاة: -على فين، أساعدك؟ توقفت "مريم" بحرج من هذه المرأة وركضها هكذا في
هذا المنزل الغريب وقالت: -عايزة أروح الأسطبل. أشارت "حنان" إلى أحد الخادمات الواقفة هناك وقالت بجدية: -هي هتساعدك وتوصلك هناك، وصليها للأسطبل وأرجعي على طول. أومأت الخادمة لها بنعم ثم ذهبت في المقدمة. لتبسم "مريم" بسمة لطيفة خافتة إلى "حنان" كشكر وامتنان على مساعدتها. خرجت خلف الخادمة حتى وصلت إلى الأسطبل وكان خلف القصر وهناك سياج كبير لركوب الخيل بجوار منزل خشبي يسكنه الخيول.
أسرعت بالركض إلى هناك لتمر من جوار الخادمة وتصبح هي في المقدمة. ابتسمت الخادمة عليها وسارت خلفها بعفوية. دخلت للأسطبل وكان هناك عامل "حاتم" فور رؤيتها تعجب من وجود غريبة هنا ليقول: -أنتِ مين؟ ممنوع حد يجي هنا أطلعي برا. لم تجب عليه بل نظرت إلى حصانها ورأسه يظهر من فوق السياج الخشبي المغلق عليه فابتسمت بفرحة عارمة تغمرها وقالت: -أنا مالكة إيلا.
بدأ الحصان يصدر صهيله ويقفز بأقدامه فرحًا لرؤيتها وكأن هذا الحصان يبادلها نفس القدر من العشق والشوق. أسرعت إلى هناك فأومأت الخادمة إلى العامل بنعم وأن سيد القصر قد سمح لها بالفعل بالمجيء إلى هنا فمن سيعترض. نظرتها كأنها تخبره بموافقة "جمال" على ذلك. رفعت "مريم" يدها إلى الأعلى بينما قربت "إيلا" رأسها إلى يد مالكتها تداعبها فقالت الخادمة بدهشة بعد أن سمعت اسم الحصان: -فرسة، حصان أنثى.
أومأ "حاتم" لها بنعم فمنذ حضور هذه الفرسة إلى هنا وهو من يرعاها ويهتم بأمرها لذا يعرف هذا الأمر وقال بحماس: -من يوم ما جيت هنا بقالها ثلاثة شهور ولا مرة شوفتها فرحانة كده، كل مرة كنت بطلب الدكتور عشان يشوفها لأن أكلها ضعيف وحتى صهيلها مسمعتهوش في معظم الأوقات، فتحت لها الباب أكثر من مرة عشان تجري وتحس بالحرية في المكان. لكنها كانت واقفة محلها ساكنة. دلوقتي بس عرفت مالها وعلاجها اللي الدكتور مقدرش يدهولها، صاحبتها!
إيلا كانت عايزة المالكة عن الحرية. فتحت "مريم" الباب الخشبي الجراج بقوة رغم ضعفها وهو الحاجز بينهما وربتت على ظهر "إيلا". فرستها البنية الجميلة ذات الشعر الطويل كصاحبتها مما جعل من لمستها الحماس ينطلق بها وبدأت تقفز بسعادة وتهز رأسها كأنها تطلب من "مريم" الصعود على ظهرها. ابتسمت "مريم" وجلبت مقعد صغير لتضعه جوارها وصعدت على ظهر "إيلا" وتنفست براحة وهي تقول: -وحشتيني يا إيلا، مش هتتخيلي حياتي في غيابك عاملة إزاي.
أوقفها "حاتم" بضيق شديد قائلًا: -علي فين، ممنوع ركوب الخيل بالليل دي أوامر جناب البيه... لم تعطيه "إيلا" المجال لاستكمال حديثه وركضت بسرعة جنونية بـ"مريم" كأنها تحتفل بعودة صديقتها ومالكتها وتشاركها الفرح.
خرج "جمال" من المرحاض بعد أن أخذ حمامًا دافئًا وارتدى تي شيرت أسود اللون وبنطلون أزرق ليجد كوب قهوته موجودًا على الكومودينو فأخذه ودخل إلى الشرفة يرتشف القليل منه وهو يتكأ بذراعيه على دربزين الشرفة ويفكر كثيرًا فيما هو قادم وماذا يجب أن يفعل بهذه الفتاة. وغدًا سيفتح الوصية غير كونها حامل قاطع تفكيره وشروده صوت صهيل الفرس بقرب منه.
التفت لزاوية الشرف واتسعت عينيه عندما رأى الفرسة تخرج من منزل الخيول مسرعة وبحماس وعلى ظهرها "مريم". استقام في وقفته وهو يسير معها بل يركض معهما بعينيه. دخلت "إيلا" إلى السياج وكأنها تعود للحياة والركض بحماس وسعادة و"مريم" فوقها. تلاشى الخوف والارتجاف منها تمامًا كأنها تبدلت وأصبحت فتاة أخرى. كانت كفارسة ماهرة في قيادة الخيل وتمسك في شعر "إيلا" الطويل بحب وشعرها الناعم يتطاير مع جسدها النحيل الذي يقفز مع ركض "إيلا".
لم ينكر "جمال" أبدًا كونها جميلة لكن تساءل أجمالها يستحق أن يتزوجها رجل بعمر والدها؟ فإذا كان هو الذي يصغر أخاه بعشر سنوات فلن يقبل أبدًا بطفلة مثلها زوجة له. ماذا قدم "مختار" لها كي تقبل به؟ كان هذا السؤال يلازمه دومًا طيلة الليل وهو يراقبها حتى مرت ساعتين أو أكثر فجلس "جمال" على المقعد يراقبها في جلوسه حتى تعبت وأخذت "إيلا" إلى المنزل الخشبي لتدخل "إيلا" وتعود وحدها للقصر.
لم ينم "جمال" هذه الليلة وكان تفكيره يأخذه للأسوأ، أيجب أن يتخلص من جنينها؟ بدل ملابسه صباحًا وارتدى قميص أبيض وبنطلون جينز ثم ترجل للأسفل وكان "شريف" قادمًا فتعجب لما يرتديه "جمال" فقال: -رايح فين؟ النهاردة دي إجازتك ولا وراك شغل معرفوش. أغلق "جمال" ساعة يده بإحكام وهو يجيب عليه قائلًا: -رايح معكم للمستشفى خلينا نخلص. اتسعت عيني "شريف" وهكذا "سارة" على مصراعيها وبدأ الارتباك يظهر عليهما فقال "جمال" بجدية: -هي فين؟
أجابته "سارة" بتوتر شديد قائلة: -أهي جت. رفع رأسه ليراها تنزل على الدرج مرتدية نفس ملابس الأمس بنطلون جينز وتي شيرت أبيض بنصف كم وحذاء رياضي أبيض اللون فهي لم تجلب معها أي ملابس أو أغراض لها. ذهبوا أربعتهم معًا للمستشفى في سيارة "جمال" فلم يستطع "شريف" أو "سارة" والخوف من هذا الرجل صنع بداخلها ثقبًا كبيرًا من الخوف بعد أن يعلم "جمال" ما ينووا عليه.
وصلوا للمستشفى ولم ينتبه أبدًا إلى سيارة الأجرة الخاصة بـ"حمزة" التي توقفت خلفهم وهو يراقبهم. وصلت "مريم" بارتباك شديد إلى غرفة الطبيب وكان صديق "جمال" ليقول: -اتفضلي. نظرت "مريم" لهما بقلق شديد مما جعل "جمال" ينظر إليها وهي لم تدخل كما طلب الطبيب ليقول بحزم ولهجة صارمة: -أدخلي خلينا نخلص من الموضوع ده. تعجب "شريف" لكلمته التي لم يفهمها فدخلت "مريم" وحدها بعد أن منعت الممرضة وجود "سارة".
أخذ "شريف" "جمال" من ذراعه إلى درج الطوارئ وكان المكان فارغًا ليقول بقلق: -حضرتك قصدك إيه بنخلص من الموضوع؟ ناوي على إيه يا مستر جمال؟ أجابه "جمال" ببرود شديد قائلًا: -هتجهض، ونخلص من الطفل ده، لازم أنزله أنا مش هقبل بطفل من عاهرة يكون فرد من عائلتي ووصمة عار ليا. استشاط "شريف" غيظًا من تصرفه دون أن يرجع له وقال بانفعال دون أن يتمالك غضبه لأول مرة أمام "جمال": -من قال لك أنها عاهرة؟
وبعدين عذرًا لكن حضرتك إزاي تتصرف من غير ما ترجع لي وتأخذ قرار زي ده. صاح "جمال" غاضبًا بانفعال وهو يشير بسبابته نحو الباب قائلًا: -عاهرة يا شريف، قبلت تتزوج برجل من عمر أبوها عشان فلوسه بس، باين عليها أنها طفلة منضجتش لسه ولا تعرف حاجة عن الحياة لكن أول ما شافت فلوس لمعت في عينيها وقالت تبدأ الحياة بمعلقة من الذهب وراحت له، ممكن تقولي الطفل اللي في بطنها ذنبه إيه؟
ذنبه إيه أن يتولد من أب فاسد متعاطي للمخدرات ومفيش في سيرته اللي باقية له غير كل أعماله السيئة ومن أم محتاج أتكلم عنها أديك شايف العينة، وفي الآخر أنا هكون عم له وتربطني علاقة أبدية بالناس دي، لا يا شريف أنا مش هسمح بده نهائيًا، الطفل لازم ينزل ونخلص بقى وبعدها ممكن أديها مبلغ كريم مني وتعوض على ابنها اللي راح وصدقني مش هترفض لأن الفلوس هي الهدف من الأساس في جوازها من مختار.
خرج "جمال" من الباب إلى حيث الرواق وكان كالثور الهائج منفعلًا بجنون وعلى وشك قتل "مريم" بهذه اللحظة وهي سبب كل ما يعيشه وتدمير حياته الهادئة. جلست "مريم" بخوف على الفراش معتقدة بأنها ستجري فحصًا بأشعة السونار لكنها صُدمت عندما وضعت الممرضة حقنة في وريدها لتسألها "مريم" بقلق: -أنتِ بتعملي إيه؟ أنهت الممرضة الدواء من الحقنة في وريدها وهي ترفع رأسها إلى "مريم" لتقول: -بخدرك ولا هتجهضي الطفل من غير تخدير؟
صُدمت "مريم" من كلماتها وقبل أن تصرخ أو تتفوه بكلمة واحدة كانت قد غابت عن الوعي بمفعول المخدر وجهزتها الممرضة لتجري الجراحة. وصل "شريف" للغرفة خلفه وهو يقول: -يا مستر جمال صدقني هتندم، هي مش زي ما أنت متخيل نهائيًا، أنا.. قبل أن يكمل حديثه خرج الطبيب من الداخل ونظر إلى صديقه ليقول: -جمال!! من اللي قالك أنها حامل؟ نظر "جمال" لـ"شريف" و"سارة" الواقفة مكانها بقلق ثم سأل بقلق: -هي مش حامل؟ نظر الطبيب له بدهشة
من سؤاله ثم قال بجدية: -هتكون حامل إزاي يا جمال وهي بنت وملمسهاش حد. اتسعت أعين الجميع فيما عدا "سارة" التي تعلم جيدًا أن "مريم" ما زالت بعفويتها لم يلمسها رجلًا من قبل حتى زوجها المتوفي لم يقترب منها، لكنها تفوهت بصدمة قاتلة: -أنت عرفت إزاي أنها بنت!!؟
أسرعت للغرفة بصدمة قاتلة لترى "مريم" نائمة على الفراش وملابسها جوارها وترتدي زي الجراحة مما جعل عينيها تدمع حزنًا وإشفاقًا على هذه الطفلة التي لم يشفق عليها أحد والجميع يتسبب في إهانتها وألمها حتى هذا الرجل الذي لم تقابله سوى بالأمس لم تتسبب له بأي أذى صنع لها هو أذى لم تقبل به أي امرأة في حياتها. ظل "جمال" واقفًا في صدمة متجمدًا وكأن عقله شل مكانه وجسده جُمد في الأرض. لم تكن عاهرة كما قال بل فتاة عفيفة وشريفة.
اتهمها أسوأ اتهام بكل مرة يتفوه بالحديث عنها. أم "شريف" ظل واقفًا مصدومًا فهو كان على علم بأنها لم تكن حامل وهو من اخترع هذه الكذبة حتى يبقيها في القصر بعد أن سمع حكايتها لكن عفويتها لم يتوقعها أبدًا. ألبستها "سارة" ملابسها وهي فاقدة للوعي ثم مسحت على رأسها بحنان وقالت:
-سامحيني يا صغيرتي، أنا اللي سيبتك لوحدك ووثقت بهما ونسيت أنهم رجالة ميتوثقش فيهم، متقلقيش أنا هاخدك بعيد عنهم كلهم، هنبعد عن كل اللي أذوكي ووجعوكي أوعدك. قبلت رأسها بحنان ودفء. حاولت حمله كي ترحل لكنها لا تقوى على حملها فذهبت إلى زاوية بالغرفة لتجلب المقعد المتحرك الموجود هناك وعادت إلى الفراش. دهشت عندما رأت "جمال" يحملها على ذراعيه كطفلة رضيعة والتفت كي يخرج بها لتتقابل عينيه مع "سارة". نظرت إليه بضيق شديد
واشمئزاز من فعلته وقالت: -أنت بتعمل إيه، أبعد عنها وإياك تفكر تلمسها مرة تاني، أنت زيهم ومتختلفش عنهم ولا عن قذارتهم، الرجالة كلها زي بعض بنفس الخشية ما بتصدقوا تلاقوا واحدة ضعيفة تستقوا عليها وكل واحد بطريقته. أجابها بحدة ونبرة غليظة قائلًا: -قذارة!! ليه هو أنا جيت أكشف على عذريتها ولا اتهمتها في شرفها وقولت ابن حرام، أنتوا اللي قولتوا أنها حامل وأنا مش عايز طفل منها يكون في عيلتي. ابتسمت "سارة"
بسخرية على كلماته وقالت: -وأنا تقتل طفل في رحم أمه بريء مش قذارة ووحشية، مفيش مبرر يا فندم للي عملته، أنت متختلفش عنهم. لم يجب عليها وخرج من الغرفة حاملًا "مريم" بين ذراعيه. جسدها النحيل باردًا كمكعب من الثلج وبخف ريشة صغيرة كأنه يحمل دمية صغيرة وليست بشرية أو ربما قوة عضلاته ما جعلته لم يشعر بثقل جسدها.
فتح باب السيارة الخلفي ووضعها على الأريكة ثم صعد جوارها و"سارة" جلست في الأمام بجوار السائق ليعود بهما "صادق" إلى القصر بعد مغادرة "شريف" غاضبًا من تصرف "جمال". كان ينظر من النافذة ويفكر فيما يحدث وكيف كانت زوجة أخيه الفاسد ولم يلمسها يومًا هذا أمر لا يصدقه عقل بشري يعلم جيدًا حقيقة "مختار" وإن الحقيقة اللي يصدقها العقل هي أنها لم تكن زوجة أخيه واصطنعت هذا الزواج العرفي لتأخذ منه الإرث.
توقف عن الشرود في تفكيره الخبيث الماكر عندما شعر بشيء ثقيل على قدمه وكانت رأسها قد سقطت عليه. لم يحاول جاهدًا إبعادها فالتفت "سارة" من مقعدها محاولة إبعاد "مريم" عنه وهو ينظر من النافذة لكنها لم تنجح بسبب جلوسها في الأمام. استوقفها "جمال" بسؤاله الماكر قائلًا: -أمتى أتجوزت من مختار؟ نظرت "سارة" إليه بضيق وهي حقًا الآن ترغب بقتله مثل "حمزة" تمامًا وقالت ببرود: -صدق أو متصدقش لكنه اتزوجها يوم عيد ميلادها الثامن عشر.
سأل "جمال" بعبوس شديد بعد أن تطلع بوجه "سارة" في المرآة: -وامتى عيد ميلادها؟ أجابته "سارة" باختناق وهي تفهم ما يرمي إليه بأسئلته: -يوم 10 / 1. تبسم بسخرية وهو يفهم كذبتها ثم نظر إلى وجه "مريم" النائمة على قدمه فاقدة للوعي ويقول: -اتجوزت أخويا من سنة ونصف وملمسهاش مرة واحدة حتى. استشاطت "سارة" غيظًا من حديثه وقالت: -قولتلك صدق أو لا، الأمر يرجع إليك محدش هيجبرك.
وصلوا للقصر فحملها "جمال" على ذراعيه وصعد إلى غرفة الضيوف اللي أصبحت غرفتها من الأمس ثم وضعها بالفراش برفق شديد وتطلع بملامحها قليلًا وقال: -أنا عارف أنك مخبية كتير، جواكي مليئة أسرار وغموض وواثق من ده لكن إيه هي قصتك يا مريم؟ فضولي بيقتلني عشان أعرف اللي جواكي ومخبية أنتِ ومربيتك. التفت لكي يغادر لكن استوقفه صوتها المبحوح ضعيفًا جدًا يكاد لا يسمع كلماتها وهي تقول: -أنقذني أرجوك! التفت إليها بذهول ليراها تفتح عينيها
ببطء وتقول بضعف تستغيث به: -ساعدني! شعر بقشعريرة قوية تصيب جسده وقلبه انقبض قبضةً قوية وهو ينظر بعينيها الضعيفة لا يعلم ليه يشعر بألم شديد في صدره وشيء قوي بداخله يسير إليها وينجذب إلى ضعفها بقوة ليشعر بخوف سفر داخلَه فهرب مسرعًا من غرفتها... كان جالسًا في غرفة المكتب مساءً فصاح "جمال" بضيق شديد قائلًا: -أديني سبب واحد خلّاك تصدق كذبتهم يا شريف وتقع في فخهم؟ تنحنح "شريف" بتوتر وهو جالسًا أمام "جمال" على المقعد
المجاور وقال بنبرة خافتة: -أنا آسف على الموقف اللي حطيت حضرتك فيه، لكن صدقني أنا حسّت بصدق في كلامهم والبنت ميبانش عليها أنها بتشتغل في الدعارة ولا حتى عمرها دخلت كباريه وتقدر تغري رجل، أنا شوفت في وشها براءة وطفولة مقتولة من العذاب، إزاي هتغري رجل أو حد تحاول تثيره وهي بتخاف من كل الرجالة وبتترعب من وجودهم على طول متعلقة بذراع مربيتها، عقلي وعيني مصدقوش اللي بيتقال؟
صمت "جمال" قليلًا قبل أن يجيب عليه ومرر أصابعه بضيق على ذقنه ولحيته حركته المفضلة عندما يفكر وقال: -ماشي، معاك 24 ساعة بس تعرف لي عنها كل حاجة، لكن أفتكر 24 ساعة بس لو مجيبتليش اللي يقنعني ببراءتها هرميها برا باب قصري يا شريف. أومأ إليه "شريف" بنعم ثم وقف لكي يغادر من المكان لكن استوقفه صوت "جمال" القوي يقول:
-اتصل براغب وقول يعتذر النهارده عن فتح الوصية أنا مش هفتح الوصية قبل 24 ساعة وخلال هذا الـ24 ساعة أعرف كل حاجة عنها مهما كلف الأمر. تبسم "شريف" بحماس شديد لهذا الرجل ثم قال: -زي ما تحب يا مستر جمال. غادر "شريف" المكان بينما دلفت "حنان" إلى المكتب وسارت في خطوات هادئة حاقدة على هذا الرجل الذي تحولت حياته الهادئة لفجوة كبيرة مليئة بالمشاكل والكوارث.
كان "جمال" مغمض العينين ومتكئ بظهره على ظهر المقعد من الخلف منهكًا بحق. وقفت قرب المكتب بهدوء ثم تنحنحت بخفوت تنذره بوجودها ليقول دون أن يفتح عينيه: -في إيه تاني يا حنان؟ تحدثت بنبرة هادئة: -اتصل الأمن وبيقولوا أن والد الهانم الصغيرة مريم بيتخانق معهم على باب القصر عايز يدخل ويشوفها. فتح عينيه مع كلماتها وعقله لا يفكر سوى في شيء واحد وهو رجاء "مريم" منه بألا يترك "حمزة" يأخذها وطلبها منه بإنقاذها.
كل هذه التصرفات تنذره بوجود شيء خبيث وسيء في والدها ولهذا تخشاه أكثر من أي رجل آخر فقال بضيق: -روحي أنتِ دلوقتي. وقف من مكانه وخرج من مكتبه متجهًا إلى الأعلى حيث غرفتها وطرق الباب قليلًا حتى سمع صوت "سارة" تأذن له بالدخول. فتح الباب بلطف ودلف ليراها ما زالت نائمة في فراشها منذ أن جلبها صباحًا من المستشفى لكن الآن قد فتحت عينيها لكن ما زال جسدها كما هو دون حركة فقال بحرج من فعلته: -باباكي تحت وحابب يشوفك!
كلمات قليلة تفوّه بها لكنها فعلت الكثير بها فجعلتها كلماته تنتفض من فراشها وهي تقول بخوف: -لا... سارة أعملي حاجة رجاءً. نظر إلى "سارة" اللي وقفت حائرة لا يمكنها فعل شيء الآن وإذا أمر "جمال" بخروجهما من منزله سيخرجون دون معارضة. شعرت "مريم" بعجز "سارة" لتنظر إليه وهو واقفًا وذهبت نحوه بحزن شديد وتقول: -أنا عارفة أني كذبت عليك بموضوع الحمل وفعلًا أنا آسفة لك بس ممكن متخليهوش يأخذني وممكن تعاقبني على كذبتي زي ما تحب.
تطلع "جمال" بعينيها الباكية وإيديها المتشابكتين أمام وجهها وتترجاه بكل ضعف أن يعاقبها لكن لا يسمح لوالدها بأخذها. نظر "جمال" إليها وقال بخبث: -أعاقبك!! إزاي ممكن أعاقبك؟ أنا مبقدرش أتحمل المخادعين. مسحت دموعها بأناملها الصغيرة ثم قالت: -والله زي ما تحب، حتى لو حبيت تخليني خادمة هنا في القصر مش هعارضك أقسم لك. تساءل كثيرًا ماذا يفعل بها "حمزة" لتفضل الخدمة في منزله وتكون خادمة على أن تكون سيدة القصر ولا تذهب معه فقال:
-معقول!! بعد ما بقيت سيدة القصر بفضل أخي المرحوم أجي أنا أخليكي خادمة القصر..... وصل "شريف" إلى المزرعة اللي كانت تعيش بها "مريم" قبل أن تذهب للقصر. ترجّل من السيارة ليرى عامل الحديقة يرعى الزرع والخضرة فاقترب منه ليقول: -مساء الخير! نظر العامل له بهدوء مستغربًا وجود شخص داخل المزرعة فقال: -مساء النور يا بيه، أمر؟ -أنا كنت جاي أسأل عن مريم؟
قالها "شريف" بنبرة هادئة لكن رغم هدوءه اشتعلت نظرات الخوف والرعب بهذا الرجل ليعطيه ظهره بخوف من التفوه بشيء ثم قال: -أنا معرفش عنها حاجة، من ساعة ما اتجوزت البيه الله يرحمه وهي مخرجتش من باب البيت ممكن تسأل الشغالة هناك، حل عني يا بيه أنا مش عايز مشاكل. حديثه وخوفه جعله "شريف" يشعر بريبة في الأمر وتأكد بأن هناك شيء غامض وخطير خفي يجعل هذا الرجل يرفض الحديث معه.
اتجه إلى المنزل عازمًا أمره على كشف الحقيقة ومعرفة الماضي الذي تحمله "مريم" داخلها وكما يبدو بأنه ليس بأمر هين نهائيًا......
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!