وقف “جمال” بصدمة ألجمته للتو داخل مكتبه مُستشاطًا غضبًا من ظهور أخاه حيًا ويحدق في وجهه بينما يجلس أمامه وقال: -وما دام عايش كل السنين دي كنت فين؟ تبسم “مختار” بغرور شديد ثم قال: -مش المفروض تسأل أنا جيت النهار ده ليه بالذات دونًا عن كل الأيام؟
ألقى بصور في وجه “جمال” صور جمعها من مراقبة “جمال” و”مريم” خلال كل هذه السنوات ورحلتهم لفرنسا. تأفف “جمال” بضيق شديد من هذه الصور وشعر بأنه كل هذه الفترة كان دمية تحت مراقبة “مختار” يفعل به ما يشاء. فنظر إلى “شريف” الواقف هناك يتابعهم بصمت بقلق شديد، وما تمنى أن يحدث وسعادته لخلق الحب داخل قلب “جمال” دمرت للتو. و”مختار” ظهوره اليوم لا يبشر بالخير نهائيًا. فتابع “مختار” بنبرة غليظة:
-طلبت منك تساعدها تكمل تعليم، لكن أنت متأخرتش عليها، ومش بس خليتها تكمل تعليمها، لا كمان قررت تتجوزها… تتجوز مراتي. كز “جمال” على أسنانه بغيظ شديد من كلمته وكأن “مختار” يتهمه بالخيانة ويلحق به قذرته ليكون مثله، فقال بنبرة حادة: -أرملتك!! أنت ميت. توقف “مختار” من مكانه ليقف أمام “جمال” وجهًا لوجه ثم قال:
-أنت اللي موتني، أنا طلع لي شهادة وفاة بفضلك، لأنك قررت تدفن جثة متأكد أنها مش أنا، وزورت تحليل الـ DNA عشان تأكد موتي، أنت اللي زورت موتي… لكن ليه؟ ليه يا جمال؟ حدق “جمال” بوجه أخاه بغضب سافر. لتابع “مختار” بنبرة قوية يهدم الباقي من حصون “جمال” أمامه: -آآآآه يمكن عشان تتجوز مراتي، وترد لي الخيانة وتسرق مراتي. -أنا مسميش مختار.
قالها “جمال” بنبرة غاضبة بعد أن رفع سبابته في وجه “مختار”. قهقه “مختار” ضاحكًا على هذه الكلمات وقال بتهكم شديد ونبرة استفزازية: -هههه أه صح، عشان كده حتى لما روحت المزرعة وملاقتش جثة برضو عملت الفرح وقررت تتجوزها حتى وأنت بينك وبين نفسك مش واثق من موتي. مسكه “جمال” من لياقته بأنفعال شديد وقد نفدت كل طاقته وصبره في تحمل هذا الأخ العاق وقال بتهديد واضح:
-أنا مش زيك، متحاولش مجرد محاولة تشبهني بيك، فكر تكررها مرة تانية وأنا هقتلك بإيدي. رمقه “مختار” بعينيه الثاقبة كالصقر وقال: -زي ما قتلت ليلي كده، وحتى مشفقتش عليها وهي حامل في ابنك. دفعه “جمال” باشمئزاز من هذا الرجل وقال بسخرية: -ابني ولا ابنك؟ صمت “مختار” قليلًا ثم قال: -هتفرق؟ أه صحيح، ممكن تفرق مع مريم لما تعرف أنها بتحب قاتلك. لكمه “جمال” لكمة قوية على وجهه بقوة ثم مسكه من لياقته بأنفعال وقال:
-جرب تنطق اسمها مرة تانية وأنا هخليك جثة حقيقية المرة دي. هرع “شريف” إليه بقلق وحاول أن يبعده عن “مختار” الذي قهقه ضاحكًا بطريقة استفزازية أكثر وقال: -قولت أنك مش زيي، وحتى بعد ما شايفني قصادك لسه بدافع عن مراتي، دا على أي أساس؟ ابتعد “جمال” عنه بضيق وهو عاجزًا عن فعل شيء. للتو هندم “مختار” ملابسه بغرور بعد أن أعطاه “جمال” ظهره من الغضب ونظر إلى “شريف” الذي يحدق بهما بهدوء وقال:
-إذا أعتقد أننا اتفقنا، ومريم مراتي وأنت ومش بقذارتي. خرج “مختار” من المكتب. فلم يتحمل “جمال” أكثر من ذلك، أخرج مسدسه من درج مكتبه وهرع للخارج وخلفه “شريف” مذعورًا مما يراه وما على وشك فعله هذا الرجل العاشق رغم تحجر عقله الصارم وهو مدركًا الآن أنه عاشق لمرآة متزوجة.
كانت “مريم” جالسة مع “حنان” التي تضمها إليها بصدمة ألجمتها من هذا الميت الذي عاد حيًا. ترمقها “سارة” بنظرة باردة تمامًا كأنها لم تدهش من معرفتها بعودة زوجها حي. فقالت “ولاء” بغضب سافر وترمق “سارة” بأستفزاز: -وأنتِ مش كنتي اتجوزتي؟ تبسمت “سارة” بطريقة مستفزة ثم وضعت قدم على الأخرى وقالت: -واتطلقت. ولما عرفت أن جوزي عايش مماتش زي ما ابنك قال وطلع له شهادة وفاة، قال فرحت زي أي واحدة طبيعية لازم تفرح برجوع جوزها.
قالتها وعينيها تلتهم “مريم” ثم قالت بلطف: -وأهو مختار قرر يتجوزني. ولحد ما عدتي تخلص حلف عليا والله يا طنط أقعد معاه وتحت عينه، أصله بيغير عليا موت. ضحكت “ولاء” بسخرية من هذه المرأة ونظرت إلى “مريم” التي تبكي في صمت شديد وقالت: -اختلاف شاسع. فتح باب المكتب وخرج “مختار” من المكتب لتتشبث “مريم” بخوف في يد “حنان” من خروجه ولا تعلم ماذا سيفعل معها؟ هل سيأخذها من هنا؟
أقترب “مختار” منها ليأخذ يدها من “حنان” بغضب فصرخت بخوف منه وعقلها لا يتوقف عن النظر في الماضي بذعر: -أبعد عني! أنا مستحيل أجي معاك غير على موتي. يجذبها بقوة من بين ذراعي “حنان” وأستدار بينما “مريم” تصرخ بهلع شديد وتضربه على يده بقوتها حتى يترك أسرها. وقبل أن يتحرك خطوة أخرى ظهر “جمال” أمامه بعينين تتطاير منها الشر والحقد، نيران الغضب تأكله والغيرة تلتهم قلبه وغير خوفه عليها لتقول: -جمال متخليش ياخدني، أنا مش عايزك.
حدق “مختار” بوجه أخاه وترك أسر يدها لتعود إلى “حنان” خائفة وترتجف ثم قال بجدية رغم خوفه من نظرات “جمال”: -أنت عارف أنها مراتي، شرعًا ودينًا مريم مراتي وأنا لسه حي. وإذا عاد المفقود يرد له ماله وزوجته يا جمال بيه.
لم يتمالك “جمال” غضبه أكثر أمام هذا الرجل الذي سلبه زوجته سابقًا وعاد اليوم حتى يسرق حبيبته كأنه يعيد الماضي من جديد. وضع المسدس في رأس “مختار” بغضب سافر ثم قال بنبرة مخيفة وعينيه تحدق في عيني “مختار” بغضب كأنه لا يبالي لشيء سوى خسارته لـ “مريم”: -طلقها بدل قسمًا بربي ما أطلقك أنا من الدنيا كلها برصاصة متساويش.
صرخ الجميع بهلع وحاول “شريف” أخذ المسدس منه، لكنه يحكم قبضته على لياقة قميصه ولا يتحرك له ساكنًا. تبسم “مختار” بسخرية وقال بلا مبالاة كأنه لا يبالي بهذا التهديد: -لو طلقتها تحت التهديد والمسدس في رأسي هيكون الطلاق صح ولا هيكون شرعًا باطل؟ وقصاد ربنا هتفضل مريم مراتي. تأفف “جمال” بعجز من عودة هذا الرجل الميت حيًا أمامه. أبعده “شريف” عن أخاه ليتابع “مختار” بطريقة استفزازية قائلًا:
-أنتِ يا مريم زي سارة بالظبط، معندكيش خيار ولازم تقبلي بواقع أنك مراتي. تنهد “جمال” بعجز حتى سمع صراخها فألتف ليراه يأخذها من يدها بقوة فذعرت وهى تصرخ ويعد لها الماضي كأن ظهور “مختار” دمر كل شيء بها وكل ما فعله طبيبها النفسي في معالجتها. سقطت من يده وهو يجذبها فاقدة للوعي. أنحنى “مختار” كي يحملها فشعر بالمسدس في رأسه و”جمال” فقد عقله تمامًا عندما رآها فاقدة للوعي أمامه من وهل الصدمة وقال:
-حتى لو مراتك مؤقتًا، جرب تلمسها وأنا اللي هقتلك بإيدي ومش محدش هيلاقي جثتك، لأن قصاد الحكومة والعالم كله أنت ميت. ابتلع “مختار” لعابه بصدمة ألجمته من الخوف من نبرة غضب أخاه التي أرعبته وأبتعد عن “مريم” بخوف قبل أن يلمسها. حدق “جمال” به بغضب مكبوح ثم قال بتهديد: -خديها يا حنان على أوضتي.
وضعوها بالفراش ثم غادروا ليرمقها “جمال” بنظرة حزينة وإشفاق. يخاف أن يفقدها ويقتلها خوفها فالخوف إذا تمكن من عقل صاحبه سيأخذه للهلاك. لا يعلم ما تصارع الآن في أحلامها بسبب عودة “مختار”. هل ترى كوابيسها أم ليلتها المؤلمة التي فعلها “مختار” بها. مسح على وجهها بيده بلطف لتفتح عينيها وهي تصرخ بذعر حتى مسكها “جمال” من أكتافها وهو يقول: -أهدئي يا مريم… أهدي. نظرت إليه وتساقطت الدموع من عينيها بانهيار تام وتمتمت
بتلثم شديد لجم لسانها: -هيأخدني، لا مستحيل، أنا مستحيل أعيش معاه حتى لو حكم الأمر وموت نفسي. يمسح على رأسها بدفئه وهو يشعر بنفضتها ورجفة كل أنش بها من رأسها لأخمص القدم. تألم قلبه كثيرًا على ما يحدث معها. قال بحنان ونبرة هامسة تحدث إليها ناظرًا إليها: -مريم… مريم أهدي وبصي ليا… بصي ليا يا مريم.
نظرت إليه بخوف وشفتيها ترتجف من رجفتها وخوفها تخشى أن يأخذها “مختار” ويفعل ما فعله سابقًا بها ويسرقها من حبيبها بعد أن دمر زفافها وكسر قلبها بلا رحمة. تحدث “جمال” بنبرة هادئة: -أنا هنا!! ومستحيل لو انطبقت السماء على الأرض أخليـه يلمس منك شعرة. لو الطلاق بالإجبار مش حل يبقى الخلع حل ولو لازم الأمر، والله لأقتله عشانك بس أهدي وثقي فيا.
أومأت إليه بنعم فتبسم إليها بسمة خافتة يطمئنها وأقترب لكي يقبل جبينها لكنه توقف محله بقلق وتردد من فعل هذا الأمر. غادر الغرفة وأوصد أبوابها كليًا بنظام أمن “جين” حتى يطمئن على وجودها في غيابه. “شركة الجمال جي أند أم” وصل “راغب” على مكتب “جمال” بقلق شديد مما سمعه عن ظهور “مختار” وقال بنبرة هادئة: -اهدأ يا جمال بيه وكله له حل. تحدث “جمال” بنبرة هادئة مرعبة أكثر من صراخه قائلًا: -أنا عايزك ترفع قضية طلاق لمريم.
نظر “راغب” إليه بقلق فهو لا يهتم لشيء سوى هذه الفتاة فقال بهدوء: -حضر بس قضايا الطلاق والخلع في المحاكم بالها طويل. تأفف “جمال” بعجز عما يحدث ويشعر بيديه مقيدتين تمامًا وهو عاجزًا عن فعل شيء لأجلها والآن ستعيش أيامها تحت رحمة هذا الرجل. قال بلهجة هادئة:
-معنديش حل غيره. إجباره على الطلاق مش حل شرعي، يبقى نرفع قضية ومريم تعيش في مكان تاني تحت حمايتي لحد ما تكسب القضية. لكن يا راغب لازم تكسب القضية مهما حصل ومن غير احتمال واحد في المليون أنها تخسر القضية. أومأ إليه بنعم وخرج من المكتب هادئًا لكي يلبي طلبه ويرفع قضية الطلاق لأجلها. كان “عاشور” واقفًا أمام المكتب في انتظار أن ينتهي من الحديث مع “جمال” ليدخل. ولج للمكتب وكان “جمال” مستشاطًا غضبًا من الذي
حدث ليقول بنبرة هادئة: -ممكن أتكلم مع جنابك في موضوع مهم. تأفف “جمال” باختناق وهو ينهي سيجارته ويشعل الأخرى وقال: -أنا مش فايق لأي مواضيع يا عاشور، أجلها. تنحنح “عاشور” بنبرة خافتة وقال معارضًا أمره: -المستشفى اتصلت وبتقول أن حمزة حالته حرجة جدًا ومحتاج نقل نخاع. قاطع حديثه نظرة “جمال” الذي رفع رأسه للأعلى ناظرًا إليه بدهشة وقد فهم ما سيأتي تاليًا فتابع “عاشور”:
-لما ودينا المستشفى الدكتور رجح ده وأنا تغاضيت عن الأمر لكن النهار ده حالته ساءت أكثر ولازم نعمل العملية وطبعًا حسب كلام الدكتور، مدام مريم هي الوحيدة اللي بتقدر… بتر حديثه تنهيدة من “جمال” الذي تسقط الكوارث على رأسه رويدًا رويدًا وقال: -مش كفاية إن جوزها رجع، لا كمان عايزني أقولها روحي اتبرعي وأنقذي حياة الرجل اللي عذبك عمرك كله وكان متعته الوحيدة في الحياة هي وجعك. ابتلع “عاشور” لعابه بخوف من هذا الرجل ثم قال:
-القرار في النهاية يرجع لحضرتك وليها، لكن أنا عبد المأمور. وصلت الرسالة عشان متصرفش في حاجة من دماغي. أومأ “جمال” له بنعم وغادر من أمامه فتمتم بضيق شديد: -يا ربي المصايب بتقع عليها زي المطر، أعمل إيه؟ من مين ولا مين أحميه؟
نفث دخان سيجارته ثم نظر إلى هاتفه وصورتهما التي وضعتها خلفية لهاتفه وظل يحدق بها، لا يصدق أن بسمتها الجميلة تلاشت وقد دمر “مختار” ليلة عمرها التي انتظرتها طويلًا. يؤلمه قلبه على فراقها والآن علاقتهما أصبحت حساسة جدًا بسبب زواجها. كيف سيعشقها وهو يشعر بأنه بهذا العشق سيحولها لخائنة. دلفت “أصالة” للمكتب بحزن وعلى وجهها العبوس بعد أن رأت “مختار” أمامها في الزفاف وقالت: -الشركة الصينية بعتت الرد.
لم يجيب عليها بظل عينيه لا تفارق هاتفه أو تحديدًا لا تفارق وجهها وبسمتها الجميلة ليقول بتمتمة خافتة: -أعمل إيه يا أصالة، أبعدها عني لحد ما تكسب القضية ولا أخليها في حضني ومعايا وتبقي في نظر الكل ست خاينة؟
نظرت “أصالة” إليه بصمت وحيرة لا تعرف أتحكم عقلها أم قلبها الذي يرفض تفرقة هذان الاثنين وهما يعشقان بعضهما وحتى هذا الرجل الذي يصطنع الصمود والقوة لا يقوى على فراقها أو البعد عنها. لا يتحمل رؤيتها باكية وحزينة فماذا عن حالتها الآن؟ “قصر جمال المصري”
جلست “سارة” قرب “مختار” بهدوء وما زالت تلتهب كرهًا وغيظًا من “مريم” خصيصًا بعد أن رأت حب “جمال” لها وهي الآن تملك رجل يصوب المسدس في وجه أخاه وزوجها من أجلها. تحدثت بهدوء تنشر غلها وسواد قلبها في عقل “مختار”: -هتسيباله كده يا مختار، هتسيب مراتك في أوضة راجل غريب، لا وبتحبه كمان. نظر “مختار” لها بنظرة غاضبة ثم قال: -اهدئي يا سارة، أنتِ مش شيخة، انتوا الاتنين أزبل من بعض وكل واحدة هتحاسب على عمايلها. نظرت
إليه ببراءة مصطنعة وقالت: -ليه خونتك ولا خونتك؟ أنا واحدة جوزها مات وفضلت على ذكره أربع سنين واتجوزت عادي حقي، لكن الدور والباقي على أخوك اللي كان عارف إنك عايش ولف على مراتك عشان يتجوزها ويرد لك اللي عملته قبل كده.
تأفف “مختار” بغضب سافر من هذا الحديث ثم وقف من مكانه مشتعلًا من الغضب كأنه يفعل ما يريد ويسرق زوجة أخاه كما يريد لكن هو لا يجب أن ينال هذا العقاب. وصل إلى جناح نوم “جمال” وحاول فتح الباب ليتحدث الصوت الآلي لـ “جين”: -لقد تم تفعيل نظام الحماية، أدخل كلمة السر. تأفف بضيق شديد من هذا الصوت وركل الباب بقدمه بينما أنتفضت “مريم” ذعرًا مما يحدث في الخارج وذهبت إلى زاوية الغرفة تختبي منه. ألتف “مختار” على صوت “جمال”
الذي يقول: -حذرتك تقرب منها. نظر “مختار” إليه بغضب سافر وقال بنبرة هادئة: -اللي بتعمله ده مش لصالحك يا جمال. أخذ “جمال” خطوة نحوه ببرود ووضع يديه في جيوبه بغرور ثم قال: -ولا لصالحك! ربت له على قميصه بسخرية شديدة ليتابع “جمال” بنبرة مخيفة: -أنا لو مكانك ألحق أشوف ليا محامي دا لو عايزها تفضل على ذمتك. نظر “مختار” إليه بصدمة ألجمته وعينيه تحدق بعيني “جمال” فتبسم إليه ببرود وجحود ثم قال:
-فكرت في الموضوع فعلًا واكتشفت أن واحد بقذارتك ووساختك ميجيش بالطلاق الإجباري، لا أنت اللي يليق عليك الخلع تتخلع زي المسمار الصدي. قالها بسخرية ومر من جابه ليفتح الباب ويدخل الغرفة بينما أستشاط “مختار” غيظًا مما سمعه ولا يصدق بأن “مريم” تلك الطفلة الصغيرة البريئة الآن تصبو للخلع. دلف “جمال” إلى الغرفة وأندهش عندما رآها تقف في زاوية الغرفة منكمشة في ذاتها وتبكي بخوف لكن فور رؤيتها لوجه “جمال” ركضت إليه مسرعة واختبأت
بين ذراعيه بذعر ثم قالت: -أنا خايفة، مشيني من هنا يا جمال، أنا مش هعرف أعيش هنا معه تحت سقف واحد. ابتلع لعابه بتوتر شديد ثم ضم ذراعيه ليطوقها بحنان رغم صرخ عقله الذي يقتله من الداخل فقال “جمال”: -أهدي يا مريم أنتِ هنا في أمان ومستحيل يأذيكي. ابتعدت عنه بانهيار تام وعقلها لا يتوقف عن رؤية الماضي لتقول بأرتجاف شديد: -لا مش أمان، مفيش أمان هنا، مختار موجود في كل مكان وحمزة مسابنيش طويل الليل، المكان هنا مرعب.
نظر “جمال” إليها بقلق وحالتها النفسية تسوء أكثر والخوف يتمكن من عقلها وقلبها حتى يأخذها للموت. أخذها معه إلى الخارج إلى عيادة طبيبها النفسية وأخبرته بما حدث وكانت حالتها أسوأ من قبل ولأول مرة يراها هكذا. جلس مع “جمال” وحده ثم قال: -مريم حالتها بتسوق وبدأت تشوف هلاوس وخيالات ودا مش حاجة كويسة لحالتها، حاول تخليها تمشي على العلاج بانتظام وتكون تحت الرقابة كويس لأن ممكن تأذي نفسها.
لا يعلم ماذا يفعل أيقتل “مختار” حقًا لأجلها هذه المرة. ظل ينظر إليها وهي هادئة تمامًا وتنظر إلى الطرقات، لا تشعر بشيء ولا ما يحدث حولها في هذا العالم. أوقف سيارته وترجل منها ثم فتح باب السيارة لأجلها وقال: -انزلي. أنزلها قهرًا للأسفل وسار قرب النيل ينظر إليها ونسمات الهواء تداعب وجهها ويتطاير شعرها معه. ظلت تسير صامتة ليقطع “جمال” صمتها بحديثه يقول: -أنا خليت راغب يجهز نفسه عشان يرفع قضية طلاق.
-أنا استكتفيت وجع يا جمال، لو بأيدي أختار هختار الموت لأني تعبت، كلهم بيأذوني وأنا لوحدي اللي بتوجع وهم عايشين براحتهم ومستمتعين بحياتهم، روح شوف مختار وسارة فين ولا حمزة فين. أجابها بنبرة هادئة ناظرًا إليها بجدية: -حمزة خد عقابه يا مريم وقريب مختار.
نظرت إليه باندهاش لحدق بعينيها في صمت شديد لا يعرف أيخبرها بحالة “حمزة” أم يلتزم الصمت حتى تفارق روحه جسده. ليستسلم في نهاية الأمر بأخذها إلى المستشفى حتى تقابل هذا الرجل وصدمت “مريم” عندما دخلت للغرفة ورأته على فراش المرض يقاوم المرض مع كل نفس يدخل ويخرج منه والأجهزة تحيط بجسده. نظرت “مريم” بعينيها المفتوحتين على مصراعيها لتقول: -حمزة!! دا انت فعلًا.
جلب “عاشور” ورجاله عامل المزرعة وألقي به في الغرفة حتى يأتي “جمال” ويقرر ماذا يفعل بها. قال “عاشور” بنبرة خافتة: -ادعي أن ربنا يطول في عمرك لكن نصيحة مني اتعاون معانا عشان تعيش وتسلم من شرك. نظر العامل له بخوف شديد ثم قال: -أنا من إيدك دي لأيدك دي يا بيه. تبسم “عاشور” إليه بسعادة وسار معه للداخل وهو يقول: -جدع! أنا أحب الرجل العاقل اللي يحسبها صح، قولي بقي إيه اللي حصل يومها.
أزدرد العامل لعابه بقلق شديد وعينيه تحدق بوجه “عاشور” ونظرته الخبيثة رغم هدوئها وأومأ إليه بنعم موافقًا على التحدث إليه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!