عاد من عمله متعباً. مجرد أن دلف إلى شقته، شاهد منظر زوجته معلقة في منتصف الشقة، ويلتف حول عنقها حزام، ويبدو أنها فارقت الحياة. سراج بصرخة: ليييييييين! التف الجيران على صوته، وأتت والدته. وعندما رأت المنظر جلست تصرخ وتلطم على وجهها، والطفل الصغير يبكي بشدة. اتجاهت شروق إلى غرفة النوم وهي تبكي، وحملت الطفل. لم يعلم سراج كيف يتصرف، اتصل سريعاً بجابر.
سرعان ما انتشر الخبر في كل مكان، وأتت الشرطة تحقق بتلك الحادثة، وقاموا باحتجاز الشقة مؤقتاً حتى انتهاء التحقيق. وتم أخذ جابر وسراج وفتحية للتحقيق ومعرفة دوافع الحادثة. كما تم أخذ جثة لين إلى المشرحة لمعرفة إن كان انتحار أم قتل. مر يوم كامل، وصوت النياح والصياح يعم بيت أهل لين وبيت زوجها. بعد وقت طويل، عادت فتحية بوجهها الشاحب ودموعها وشكلها الباهت.
فتحية ببكاء: اااه يبنتييي راحت راحت البنت مني ااااه يحرقة قلبي عليكى يا بنتي. ألاء بدموع: ربنا يرحمها، ما تعمليش بنفسك كدا يطنط. فتحية: أنا السبب، أنااا السبب ااااه يقلبي انا الي ظلمتها ااااه يارب انا عايزة بنتي خودني عندها يا رب. كان الجميع ينظر لها، منهم من ينظر بشفقة، ومنهم من ينظر بلوم، وآخرين ينظرون بشماتة، والبعض أصيب بالرعب من تلك الحادثة. فتحية بغضب ودموع وصياح: هي.. هي انشراح الى قتلت بنتي؟
ايوه اه كانت بتحرمها الاكل انا عارفة، كانت عايزة تجوز ابنها على بنتي، ووقعتها. و قتلت ابنها هي أكيد. إحدى النساء: كفاية يفتحية، ما ترميش اللوم على حد، الناس مش هترحمك. فتحية بجنون: بنتييي راحت بنتي راحت يا ام صابر. أما في غرفة وتين، فقد كان مغمى عليها، والحزن والوجع يظهر في ملامحها. وبنات عمها وصديقاتها حولها يحاولن إيقاظها ومواساتها. مر الوقت حزيناً.
وقاموا بإحضار جثة لين المكفنة. خسرت حياتها وآخرتها، وأغضبت ربها بفعلتها تلك. فمهما كانت ظروفها قاسية، لا يحق لها أن تفعل هذا بنفسها، فهي أمانة بين يديها ليوم الحساب. حملوها إخوتها ودموعهم على وجوههم. فمجرد أن خسروها شعروا بظلمهم لها. كان سعد يبكي كالطفل الصغير ويعض أصابعه ندماً. فليت الندم ينفع بعد فوات الأوان. وضعوها في الداخل كي تودعها أمها وأختها وأقاربها.
ارتمت وتين تبكي بحرقة وألم، فقد خسرت رفيقة أحزانها، أختها وصديقتها. أما فتحية، فجلست تلطم وتبكي وتقبل ابنتها المتوفية وتلوم نفسها. جلس سعد على الأرض يشد شعره ويبكي بحرقة. وأحمد يضرب رأسه في الحائط ويبكي بجنون. أما يزن، فكان منكسراً مهموماً ويبكي بصمت، فهو لا يزال تحت الصدمة. بينما جابر يقف في الخارج بعيداً عنهم، ينظر أمامه بسرحان شديد. يخشى أن يظهر حزنه أمام أحدهم. انتهت مراسم الدفن، وانتهى العزاء.
ومرت الأيام سريعاً، حيث مر شهر كامل على وفاتها. فتـحية طوال الوقت تجلس على قبر ابنتها تبكي بشدة. وقررت أن تأخذ حضانة الطفل لها، رغم معرفتها بأن الأمر ليس سهلاً، وستخوض حرباً مع سراج وانشراح. وتين أخذت كرم ابن لين واهتمت به طوال ذلك الشهر، كونه لم يتقبل انشراح وشروق أبداً. تجلس وتنظر للطفل ببكاء وشرود.
وتين بدموع: ربنا يسامحك يا لين، قولتلك نهاية الغلط وحشة، اهو انتي اللي رحتي فيها. ربنا يرحمك يا حببتي. هتقابلي ربنا ازاي يا لين؟ انتي ذنبك كبير أوي. ربنا يرحمك. وأجهشت تبكي بعمق، والطفل الصغير ينظر لها ببراءة وكأنه يواسيها. "طب هي بنتك انتحرت ليه؟ فتـحية
بكذب: هم السبب، انشراح وأولادها. دول ناس زبالة فقيرين وحارمينها الحياة. هي مش متعودة على طبعهم، وهم حرموها كل حاجة. تخيلي روحت مرة عليها وفتحت التلاجة ما لاقيتش فيها أكل خالص ولا حتى عيش. دول كانوا بيحسبوا عليها اللقمة. "يا انهار اسود، يمـصيبتي البت غلبانة أوي، أكيد من القهر عملت بروحها كدة." فتـحية ببكاء وصياح: أنا هربيهم. والله لاخد الواد منهم وأفضحهم في كل حتة. سمع جابر تلك الكلمات
وتقدم منها وقال بغضب: متخرسي يا ولية، بنتك ماتت عاصية ربها، بنتك هتروح النار بعملتها دي. متكدبيش على العالم، بنتك هي الغلطانة من الأول. جوزها ملوش ذنب. فتـحية بدموع: انت السبب، ايوه انت. البت جاتلك وقالتلك عايزة أطلق. انت غصبتها ترجع لجوزها وهي مش طايقاه. جابر بحزن: أنا فعلاً خليتها ترجعله عشان الواد مستقبله ما يضيعش وعشان مش ناقصين فضايح. بس بالمقابل بنتك عملت إيه؟ بنتك فضحتنا فضيحة أكبر وماتت عاصية ربها.
كانت وتين تستمع لكلامهم وتبكي بحرقة. رن هاتفها، أمسكت به وردته. شام بلهفة: وتين ازيك، عاملة إيه؟ وتين بدموع: مش قادرة أتكلم يا هشام، ارجوك ما تتصلش بيا تاني. شام: ليه بس يا وتين، أنا بحبك وعايز أطمن عليكي. وتين بغضب: ما تخليك بحالك وتسيبني في اللي أنا فيه. أنا في إيه وأنت في إيه؟ ما تخليك في مراتك الحامل. من الآخر كده أنت كبير أوي عليا. ما تتصلش تاني فاهم. وأغلقت الخط في وجهه وجلست تبكي وهي في حالة نفسية سيئة جداً.
مرت خمس شهور سريعاً جداً. جميعهم عادت حياتهم طبيعية جداً، إلا أن هناك شيئاً قد انكسر. فقدت الحياة نكهتها لبعضهم، فلم يتوقع أحد تلك الفاجعة. فتـحية أخذت حضانة كرم ورمته على وتين لتربيه، كما فعلت عندما أنجبت يزيد ورمته على لين كي تعود هي لطبيعتها. ولكنها تزور قبر ابنتها أسبوعياً. وتين أصبح كرم محور حياتها وتهتم به، وأصبح كرم متعلقاً بها وكأنها هي والدته. انشغلت في تربيته ودراستها.
أما سراج، عاد لعمله رغم كسرة نفسه وحزنه الشديد. وضغط أمه عليه بأن يتزوج ويأخذ ابنه من عائلة جابر كي يرفع شأنه ويعيد عزه. الشيء المختلف هو إخوة لين أصبحوا أكثر مسؤولية وليونة في أسلوبهم مع وتين. فهم لا يريدون خسارتها كأختها. إلا أن يزن أصبح أكثر انطوائية وعزلة، لم يعد يخرج من المنزل إلا للضرورة ولوقت قصير. فأصبح يعاني من النحافة المفرطة وفقر الدم نظراً لعدم تناوله الطعام. يجلس سراج مع جابر.
سراج بجمود: عمي، أنا مقدر موقفكم، بس مش جدعة إن مراتك تتكلم علينا وتخلي سمعتنا زفت قدام العالم. وأنت عارف أنا لو اتكلمت كلمة هقدر أسكتها بسهولة، بس مش أنا اللي أعمل كده. مهما كان لين كانت مراتي ومش هشوه سمعتها بعد ما ماتت. جابر: عندك حق يبني بكل كلمة. أنت راجل وجدع أوي يا سراج. صدقني فتحية بتعمل كده من حرقة قلبها.
سراج: كلنا قلوبنا اتحرقت. وأهي مراتك كل يومين بالسوق أو بنادي من النوادي. إحنا بيطلع علينا كلام بطال يا عمي. كده سمعة عيلتي هتدمر. أنت عارف إحنا ناس أهم حاجة عندنا هو شرفنا وسمعتنا. وعشان ما نتفضحش أنا سكت على اللي عملته بنتك، مع إنك عارف إنه مفيش حد بيقبل كده على نفسه. ده غير تقصيرها معايا في كل حاجة، حتى أقل حقوقي أنا مكنتش بطلبها منها. وفوق كل ده حاولت تصلح الغلط بغلط أكبر منه. وأهي النتيجة هي اللي خسرت كل حاجة.
جابر أخذ نفس عميق: أنا عندي اقتراح، نقدر نسكت فيه كل الناس ونرد اعتبارك أنت وعيلتك. وكمان هنثبت للناس إننا لسا حبايب، والغلط كان فردي من لين عشان هي مش حابة حياتها. سراج باستغراب: إيه هو؟ جابر: تتجوز وتين بنتي…
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!