_ أنتِ عايزة ترجعي له يا أهله؟
بصت لي وعيونها كان فيهم كلام ومشاعر كتير جدًا.
أخذت نفس عميق وقالت بصوت واطي أوي:
_ مش عارفة يا يونس... مش عارفة والله.
سكتت ثانيتين، بصيت على الماية وهي بتقول:
_ أوقات بحس إنه واحشني، نفسي ياخدني في حضنه زي زمان أوي، كان نفسي هو اللي يهوّن عليا وفاة ماما وأهوّن عليه، مش...
صوتها كان فيه رعشة في آخر كلمتين، دمعت.
الهواء لف حوالينا، خصلة من شعرها نزلت على وشها، مدّيت إيدي أرفعها.
بصت لي وهي بتقول:
_ أنا مش ضعيفة يا يونس... أنا بس بتلخبط لما بفكر في إنه ممكن يطلبني في يوم.
أخذت نفس عميق وبصيت قدامي على الماية وأنا بقولها:
_ السؤال هنا أنتِ عايزة إيه... عايزاه ولا لأ؟
سكتت شوية وبعدين قالت بصوت أهدى من الأول، بس مليان وجع:
_ يونس بعد ما ماما ماتت... أنا حاسة إن حياتي وقفت.
وقفت مكاني وبصيت لها، أدركت إنها مش قادرة تجاوب على السؤال.
هي كانت بتبص قدامها على الماية وبتكمل كلامها كأنها بتكلم نفسها:
_ حاسة إن حياتي باظت من بعدها، بابا رماني، وكبرت فجأة... كان عندي أحلام كتير أوي، كان نفسي أحب وأتحب وأعيش حياة هادية وجميلة... بس مين هيحب واحدة جواها كم الحزن ده؟
قربت منها خطوة وقلت لها بهدوء:
_ أنتِ فاكرة إن موتها خد منك مستقبلك بس يمكن اللي حصل خلاكي أقوى مما تتخيلي.
بصت لي والدموع في عينيها:
_ أقوى؟ أنا حاسة إني ضايعة.
_ الضايع مش بيعترف إنه ضايع يا أهله، أنتِ بس موجوعة.
كملت كلامي:
_ ومين قال إن واحدة اتكسرت شوية ما تستاهلش تتحب؟ بالعكس دي أكتر واحدة تستاهل حد يحبها ويحتويها.
سكتت ثواني وبعدين قالت بصوت هادي:
_ ساعات بحس إني مش هتتجوز أصلًا... إن نصيبي وقف معاها.
ضحكت بخفة رغم جدية الموضوع:
_ لاحظي إن كلامك جارح... نصيبك ده لو سمعك دلوقتي هيزعل منك.
رفعت حاجبها وهي بتقول:
_ ليه؟
_ يمكن عشان مستني اللحظة اللي تبطلي تقنعي نفسك إن حياتك انتهت... عشان ييجي ويظهر لك فيها.
سألتني فجأة:
_ لو بابا طلبني أرجع وأنت شايف إني مش عايزة... هتسيبني أرجع؟
السؤال كان مباشر أكتر من اللازم، بصيت لها بثبات وقلت:
_ لو رجوعك هيكسر حاجة جواكي مش هسمح لك تعملي كده في نفسك.
_ مش هتسمح لي؟
ابتسمت بخفة:
_ أيوه مش هسمح لك تختاري وأنتِ موجوعة.
قالت بصوت أوضح من كل اللي فات:
_ أنا مش عايزة أرجع له دلوقتي، مش عشان بكرهه، بس عشان أنا لسه بلملم نفسي ومش قادرة أواجهه بعد اللي عمله معايا.
هزيت راسي بهدوء وتفهم وقلت لها:
_ وده حقك يا أهله محدش هيقدر يضغطك تعملي حاجة أنتِ مش جاهزة لها.
بصيت في ساعتي وأنا بقولها بضحك:
_ يلا بسرعة... الساعة خلصت.
ضحكت وقالت:
_ ربنا يستر وخالتو ما تكونش صحيت.
مشينا جنب بعض تجاه العربية، الهواء كان بارد شوية.
لفيت إيديها حوالين دراعي تلقائي... كانت أول مرة تمسكني بالشكل ده من غير ما تكون بتهزر أو بتتخانق معايا.
جسمي شد للحظة، بصيت قدامي وكأني مش واخد بالي، بس قلبي كان سعيد جدًا.
إيدها كانت دافية رغم إن الجو ساقع.
حسيت بحاجة غريبة تجاهها... حماية مثلًا؟ أو مسؤولية!
إحساس إنها اختارت تمسك فيا من غير ما أطلب، وإنها وسط كل خوفها وكلامها عن الضياع اللي هي فيه... لسه شايفة في دراعي أمان.
شدّيت على إيديها بخفة جدًا، كأني بقولها من غير كلام:
_ أنا هنا.
بصت لي بطرف عينها وقالت:
_ هو أنت ليه سكت فجأة كده؟
_ مشاعر.
ضيقت عينيها وقالت:
_ مشاعر إيه يا عم أنت؟
ضحكت وأنا بقولها:
_ لا ولا حاجة الجو مأثر عليا بس.
قربنا من العربية ولسه كانت ماسكة دراعي، وقفت قدام الباب.
_ هتفضل واقف كده؟
قلت لها بتريقة:
_ مستني إذن أفك دراعي.
خبطتني بخفة وهي بتقول:
_ بارد.
فتحت لها الباب وهي ركبت، وقبل ما أقفل قالت فجأة:
_ على فكرة أنا مسكت فيك عشان الجو بس.
ميلت على الباب وقلت بتريقة وأنا بضحك:
_ طبعًا طبعًا... ما أنا اترقيت رسمي وبقيت دفاية متنقلة.
ضحكت وهي بتلف وشها وبتقول:
_ بجد أنت رخم أوي.
ركبت وسوقت، بعد دقيقة قالت:
_ ما تسوقش بسرعة يا يونس.
بصيت لها وقلت:
_ ليه؟ أوعي تكوني خايفة!
_ لأ بس عايزة أرجع البيت سليمة عشان أقدر أتخانق معاك كل يوم.
وقفت عند إشارة، بصيت لها فجأة وأنا بقول:
_ طب قولي لي بقي.
_ إيه؟
_ لو نصيبك جه وطلع طويل، هادي، وبيستفزك عشان يضحكك تعملي إيه؟
بصت لي باستغراب وهي بتقول:
_ هو في حد بالمواصفات الغريبة دي؟
رفعت حاجبي وقلت لها:
_ جدًا.
ابتسمت وهي بتقول:
_ أرفضه طبعًا.
شهقت بتمثيل وقلت:
_ ليه بس؟
_ عشان بيبقى فاكر نفسه محور الكون.
ضحكت وقلت وأنا ببدأ أسوق مرة تانية:
_ طب الحمد لله إن المواصفات مش كاملة.
وصلنا تحت العمارة، طلعنا السلم سوا، ولما وصلنا قدام الباب همست لي فجأة:
_ يونس؟
_ همم؟
_ متشكرة إنك جيت تاخدني بجد.
ابتسمت برخامة وأنا بقولها:
_ يا رب تكوني اتعلمتي حاجة بس.
ابتسمت وقالت:
_ بس يا بارد.
قربت أفتح الباب وقلت بخفة:
_ نامي بقي وياريت ما اسمعش صوتك في الشقة قبل الضهر.
قالت وهي بتضحك:
_ طب لو حلمت حلم وحش؟
بصيت لها بطرف عيني وأنا بقول:
_ الحلم الوحش يخاف يجي لك يا أهله.
ضحكت بصوت واضح لأول مرة من غير وجع.
دخلت أوضتها، وأنا فضلت واقف لحظة في الصالة.
كنت مبتسم، بس مش عشان هزارنا، لكن عشان هي ضحكت بجد، والضحكة دي كانت بمثابة مكافأة ليا الليلة دي.
دخلت أوضتي أغيّر عشان أنام بقي.
كنت بقلع الجاكيت، لقيت حاجة وقعت على الأرض فنَزلت أشيلها، لقيتها... أسورة.
أكيد بتاعت أهله... اتفكت منها وهي ماسكة إيدي مثلًا.
مسكت الأسورة بإيدي وقعدت على السرير، أفتكر كلامنا كله واحدة واحدة...
_ بتحبها!؟
_ بحبها جدًا.
_ طب ابدأ خد خطوة.
بصيت في الأرض وأنا بقول بخنقة:
_ بس هي شايفاني عيل صغير بالنسبة ليها وممكن ترفض.
مسك إيدي الاتنين وبعدين قال:
_ بتحبك وهتوافق بس الحق نفسك.