الفصل 29 | من 31 فصل

الفصل التاسع والعشرون

المشاهدات
7
كلمة
1,963
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 94%
حجم الخط: 18

رواية شاهد بلا ذاكرة الجزء التاسع والعشرون 29 بقلم رباب حسين شاهد بلا ذاكرةرواية شاهد بلا ذاكرة الحلقة التاسعة والعشرون فارس الذي استعاد حبه وعائلته الصغيرة لم يعد يخشى على نفسه بقدر ما يخشى أن يُنتزع منهم قبل أن يعوضهم عن كل ما فات، ويارا التي عادت لتستند إلى قلبه من جديد بدأت تدرك أن أصعب المعارك ليست تلك التي نخوضها ضد الأعداء… بل التي نخوضها خوفًا من فقدان من نحب.

وبين الحب والخوف، وبين التوبة والحساب اقترب الموعد الذي انتظره الجميع… الموعد الذي سيحدد من سيخرج من هذا الكابوس حيًا، ومن سيُدفن داخله إلى الأبد. غفي وهو يتأمل ملامحها لتعود ملامحها ترتسم داخل أحلامه مرة أخرى، وكأن عقله يرفض أن يبتعد عنها حتى وهو نائم. وفي الصباح، استيقظت ورأته ينام بهدوء بجوارها، نظرت إليه بابتسامة وقلبها يرتعد من فقدانه، مررت يدها داخل لحيته بحنان وفتح فارس عينيه ببطء، حتى ارتسمت ابتسامته داخلها

قبل شفتيه فقالت يارا: كنت واحشني بجد أوي. فارس: وإنتي أكتر، بس خلاص هانت، مفيش حاجة تبعدنا تاني. يارا: بطمني؟ فارس: بطمن بيكي. يارا: ربنا يخليك ليا يا حبيبي. فارس: ويخليكي ليا، بس خلي بالك مش عايزين نتعامل قدام حد إن إحنا كويسين، أنا مش ضامن عدنان زارع حد تاني جنبي ولا لأ. يارا: حاضر، بس قولي بقى عملت إيه مع عيلتك؟

قص لها فارس ما حدث بالأمس، وفي هذه الأثناء كان يونس يحاول الاتصال بنيرة وهو يبدو عليه القلق، لاحظت ذلك سهير، فوضعت الصحون أمامه لتتناول الطعام معه وقالت: مالك قلقان كده ليه؟ فيه حاجة حصلت؟ تنهد يونس وقال: اه، عمي كمال وجلال وأم جلال اتقبض عليهم امبارح، فارس عرف كل حاجة وبلغ البوليس. سهير بدهشة: معقول! صحيح الحرام عمره قصير، بس إنت عرفت منين؟

يونس: فارس جالي المحل امبارح وصالحني على نيرة وبعدين قالنا بعد ما رجعنا لبعض. سهير: يا واد إنت بتديني الأخبار كده بالقطارة! مش تفرح قلبي؟ يونس: ما هو كان نفسي أفرح وأفرحها وأفرحكم كلكم بس موضوع عيلتها ده عكنن علينا. سهير بحزن: يا عيني عليها، تلاقيها يا حبيبتي مش مصدقة اللي بيحصل معاها ده كله.

يونس: المحامي قالنا إنه لو فارس إتنازل ممكن أبوها يخرج هو وجلال لكن ناهد لأ طبعًا بس المشكلة إن نيرة مش قادرة تطلب من فارس ده، فا أنا بتصل بيها عشان أروحلهم البيت واتكلم مع فارس في الموضوع. سهير: هي قاعدة عنده ولا إيه؟ يونس: اه قاعدة في الفيلا عنده، الصراحة الرجال طلع في منتهى الاحترام، برغم اللي عملوه ده كله لكن وكلهم محامي برده. سهير: يشكر بجد، واحد غيره كان زمانه داس عليهم بضمير مرتاح.

قاطع حديثهما اتصال نيرة، فتلقى يونس المكالمة على الفور وقال: إيه يا نيرة قلقتيني، كل ده نوم؟ نيرة بنعاس: نمت بالعافية امبارح يا يونس، ودماغي مصدعة أوي، بحلم أحلام مش حلوة خالص. يونس: ماتخافيش يا نيرة أنا جنبك ومش هسيبك، أنا هاجي دلوقتي اتكلم مع فارس. نيرة: مافتكرش هيوافق، اللي عملوه كتير فعلًا. يونس: من نظرتي كده حاسس إنه هيوافق، خليني أجرب، يلا فوقي وأنا جاي. أنهى المكالمة والتفت إلى سهير وقال: أنا هروحلهم.

دعت له بالتوفيق ثم غادر يونس المنزل. أخذ فارس حمام دافئ وخرج من المرحاض ينظر إلى يارا التي تجلس بالفراش ثم اقترب منها وقبل وجنتها بحنان وقال: هروح الشغل وأجي على طول. أومأت له بابتسامة ثم ذهب ليرتدي حلته وغادر الغرفة، نزل إلى الطابق السفلي فوجد نيرة تجلس بالبهو ووجهها يبدو عليه الحزن فقال: يعني قلت لو يونس رجع هلاقيكي مبسوطة، شكلك دلوقتي زعلان برده. صمتت نيرة

ولم تجيب فتنهد فارس وقال: كان لازم يدفعوا التمن، كان لازم يعرفوا إن اللي عملوه ده كان منتهى الوحشية والطمع. نيرة: أنا مش بلومك أبدًا، أنا بس… زعلانة عليهم. فارس: حقك طبعًا، هما عيلتك وهتزعلي لو حصلهم حاجة. نيرة: وإنت كمان عيلتي، إنت الوحيد اللي وقف جنبي برغم اللي عملته فيه، أنا كنت معاهم وشريكة ليهم في أذيتك ومع ذلك سامحتني، إنت مش بس فرد من عيلتي، إنت أخويا وربنا يعلم معزتك عندي.

ابتسم فارس، بل شعر بسعادة لم يتوقعها، أن يكون لك عائلة هو أكبر داعم بالحياة. ثم طُرِق الباب وفتحت الخادمة ودخل يونس الذي نظر إلى نيرة بابتسامة ثم نظر إلى فارس وقال: صباح الخير. فارس: صباح النور. إيه مش قادر تبعد عن خطيبتك خالص كده! ضحك يونس وقال: الحياة صعبة من غيرها بقى. ضحك فارس وقال: فاهمك بجد. طيب هسيبكم مع بعض وأروح الشغل. يونس: ينفع اتكلم معاك شوية قبل ما تمشي؟ فارس: اه طبعًا.

يونس: إنت عرفت أخبار عمي كمال وجلال؟ فارس: اه المحامي قالي. عايزني أتنازل يا يونس؟ يونس: في الأول والآخر إنتوا عيلة واحدة، ممكن تتخانقوا تزعلوا من بعض يحصل مشاكل، لكن مش لدرجة إنك تدمر مستقبل جلال وتبهدل عمك في السن ده، عارف إن غلطهم كبير بس من نظرتي ليك شايف إنك مش الشخص اللي يعمل كده فيهم.

تنهد فارس وقال: برغم إن زعلي منهم كبير بس برده جوايا نفس الكلام اللي إنت بتقوله، ويمكن السبب الأكبر اللي خلاني متردد في الموضوع هو نيرة، أنا ممكن أسامح في سرقة الفلوس لكن اللي عملوه فيا مش هسامح فيه، حتى لما عرفوا موضوع حضري والاتفاق بينه وبين ناهد ماصعبتش عليهم. ثم التفت إلى نيرة وقال: لو عايزاني أخرج أبوكي عشان مايتبهدلش وهو في السن ده أنا موافق، بس عمري ما هعتبرهم عيلتي أبدًا، إنتي بس اللي من دمي.

نظر إلى يونس وأردف: المحامي هيخلص إجراءات التنازل. نيرة ببكاء: أنا مش عارفة أقولك إيه غير إن اللي عملته معاك هيفضل أكبر ندم في حياتي وذنب هفضل اطلب المغفرة ليه طول العمر، شكرًا يا فارس. فارس: أنا سامحتك خلاص ومفيش داعي للندم، كلنا بنغلط وأنا أكبر الخطائين. همشي أنا بقى عشان عندي شغل كتير.

غادر فارس وبكت نيرة بحزن فاقترب منها يونس وربت على كتفها حتى تهدأ، أما فارس فنزلت دمعة حارقة من عينيه، يسامح لأنه يتمنى السماح ويطلب العفو من جميع من ظلمهم لكن لايزال هناك ألم بصدره حزنًا مما فعلوه معه وهذا ما منعه عن مسامحتهم.

مر ثلاثة أيام، عاد كمال وجلال إلى منزلهما بعد أن تبدل شيئًا بداخلهم، كان حزن جلال على والدته شديد، عدا تلك النظرات التي كانت تحيط به من كل مكان خاصة بعد القبض على حضري أمام جميع سكان الحارة، وبالتالي انتشر خبر القبض عليهما وعلى ناهد التي حاول قتل ابن أخيها طمعًا بأمواله.

أما كمال فعلم أن كل ما فعله لأجل المال لم يجني له شيء، بل لحق به العار والنظرات التي لعنته من كل اتجاه، لا ينسى ما سمعه داخل غرفة الحجز عندما تحدث العسكري معه باشمئزاز أمام المسجونين، ليشعر بدنو أخلاقه والخجل مما فعل حين استغل مرض شاب بعمر ولده فقط ليسرقه. في زمن اختفى فيه القيم والمبادئ وحل الطمع والجشع قلوب الجميع.

عادت نيرة إلى منزلها، وكانت دائمًا ما تسأل على فارس ولم تتركه، ويونس قد بدأ بإنهاء منزلهما الصغير ليجتمع بحبيبته بعد طول انتظار، بعد أن تنازل كمال عن الطلبات التي كان يطلبها فقط ليعيق ذلك الزواج، فبعد ما فعله يونس معهم ومساندته لنيرة وهي وحيدة تأكد من جوهر يونس الثمين وأن الرجال لا تُقيم بالمال. _حل اليوم المنتظر، اليوم الذي سيذهب فارس به ليقابل زافر وعدنان ليتم صفقة التبادل.

كان يقف بغرفته يرتدي حلته ويشعر بنظرات يارا التي تجلس على الفراش خلفه وتخترق نظراتها الحزينة قلبه قبل عينيه، تنهد بضيق والتفت إليها وقال: ممكن يا حبيبتي ماتقلقيش، زين مرتب كل حاجة وعامل خطة ممتازة، وبعدين هيبقى واقف جنبي طول الوقت لإنه هيعمل نفسه الدكتور علي، والقوة هتبقى مستنية قريب مستعدة للهجوم في أي وقت، وأنا لابس قميص واقي كمان؛ قلقانة ليه بقى؟!

يارا: قلبي مقبوض وخايفة، حاسة إن هيحصل حاجة، بلاش يا فارس تروح عشان خاطري. فارس: لو ماروحتش مش هتم العملية ولا هيتقبض عليهم، يا حبيبتي أنا بعمل كل ده عشان أخلص من الكابوس اللي إحنا عايشين فيه، ونعيش مطمنين ومعتز يتربى وسطنا، أنا مش عايز أخسر ابني أكتر من كده، والولد وحشني جدًا وعايز أشوفه حتى مش عارف. بكت يارا وقالت: طيب ندور على طريقة تانية، خليك عشان خاطري، أنا مليش غيرك يا فارس.

جذبها ليضمها بين أحضانه، دفنت وجهها داخل صدره تستنشق عطره بقوة وكأنها تخاف أن تُحرم من تلك اللحظة، أغمض فارس عينيه بضيق، بكائها يكسر قوته فتخور بين يديها، ضمها بقوة علها تطمئن قليلًا، ثم أبعدها عنه ورفع وجهها الباكي أمامه لينظر بعمق عينيها، ثم اقترب منها ليطبع قبلة صغيرة على وجهها وقال: هرجع، أوعدك إني هرجع.

أومأت له وتركها وغادر الغرفة ثم المنزل بالكامل، وهي ركضت نحو الشرفة تتابعه وهو يصعد داخل سيارته وسعد يقف بجوارها منتظرًا أن يدخل السيارة ليقودها إلى المكان المحدد، وقبل أن يدخل السيارة رفع وجهه ونظر إلى يارا، ابتسم لها بحب وطمئنها بعينيه ثم دخل السيارة وأغلق سعد الباب، وحين صعد بالسيارة سأله فارس قبل أن يقودها: لبست الواقي يا سعد؟ سعد: اه يا باشا متقلقش.

انطلق سعد وغادرت السيارة المنزل عبر بوابته الكبيرة، تحت نظرات يارا التي تودعه بقلبها وكأنها تعلم أن هذه هي النهاية، ثم لحق به سيارة الشركة التي تحمل علب الأدوية التي تحتوي على مادة المخدر. بعد وقت وصل سعد إلى المكان المحدد، وجد زين ينتظر عند بوابة ذلك المصنع القديم، فترجل من السيارة واقترب من زين وقال: كويس إنك جيت بدري. فارس: عشان أجيب البضاعة وإنت خليك جنب العربية كأنك إنت اللي جايب البضاعة معاك زي ما اتفقنا.

زين: تمام، إوعى تغلط وتنده باسمي يا فارس. فارس: لا متقلقش يا علي. وقفا بانتظار عدنان وزافر. مر الوقت ببطء حتى حل الموعد ولكن لم يظهر أحد، لم يأتي عدنان ولا يوجد أي إشارة لحركة داخل المكان، مضى أكثر من نص ساعة ولم يظهر أحد. زفر زين وقال: لا مش كده، ده مش طبيعي، كلم عدنان شوفه فين. اتصل فارس به ولكن وجد الهاتف مغلق، فقال: مغلق، أنا مش فاهم فيه إيه! نظر له زين بشك وقال: إنت بتضحك عليا يا فارس ولا إيه؟

ولا بتثبتني هنا وتنيم الأدارة عشان تعمل العملية من غير ما حد يقبض عليك. فارس بغضب: إنت بتقول إيه! لأ طبعًا ماعملتش كده. زين بحدة: طيب هما فين؟ يعني ازاي محدش فيهم يظهر في وقت زي ده؟ إيه يكونوا شكوا فيك مثلًا! فارس: معرفش، أنا واقف زيي زيك مش فاهم حاجة. زين بغضب: ما لو حد فيهم شك كنا عرفنا، مكالمات عدنان وزافر كلها عندي ومفيش كلمة واحدة بتدل إنهم كشفوك.

فارس: وأنا كمان مكالماتي كلها عندك، تصرفاتي كلها قدامك وبيتقدم بيها تقرير يومي، أكيد مش متفق معاهم خصوصًا إن البضاعة قدامك أهي. زفر زين بضيق ولكن توقفا هما الأثنان عندما سمعا صوت رنين هاتف فارس، ساد الصمت لثواني ثم نظر فارس بهاتفه فوجد رقم مجهول يتصل به ولا تظهر أرقامه، ابتلع ريقه بتوتر وشعر بالخوف داخل قلبه لا يعلم السبب، فقال زين: رد يمكن حد منهم. تلقى فارس المكالمة وفتح السماعة الخارجية بيد مرتعشة ثم قال: ألو.

سمع صوت صخب وحراك، هناك ضوضاء شديدة ولا يعلم من المتصل، ثم قطع كل ذلك صرخة مدوية، وأصوات رجال يتحدثون بصوت مرعب وأنثى تصرخ بصوت مرتفع حتى دوى اسمه بالهاتف: فاااااارس. نعم صوتها، تستغيث بخوف، إنها يارا! فتح فارس عينيه مشدوهًا وتجمدت الدماء داخل جسده، فاقترب زين من الهاتف ينظر إليه بصدمة، ثم صاح فارس: يارااا. يارا ردي عليا فيه إيه؟

كانت تنظر إلى عدنان بخوف وهو يرمقها بنظرات مبغضة، عينيه يكسوها الاحمرار وقد جحظت من بين مقلتيها لتسير داخل جسد يارا رعشة وانتفض جسدها خوفًا، ثم ظهر من خلفه زافر، رمقها بنظرة حارقة ثم قال: راح ندم فارس على كل ياللي عمله. جذبها من شعرها ليرتفع صراخها فركض فارس على الفور نحو السيارة التي قادها سعد مسرعًا وطلب زين من القوة أن تلحق به بعد أن صعد زين بأحد السيارات التي لحقت بفارس، الذي

يصرخ داخل السيارة ويقول: لو لمستها يا زافر هتشوف اللي عمرك ماشفته، ماتتحدنيش عشان مش هتخلص مني. أخذ زافر الهاتف من يد عدنان وقال بهدوء: لهون لحد ما تفكر في اللي راح تعمله فيا راح تكون مرتك ميتة بين إيديا مشان تعرف إن زافر ما بينضحك عليه. أنهى المكالمة وصرخ فارس بقوة وسعد فقد سيطرته على أعصابه وهو يسمع صرخات يارا ويرى حالة فارس المزرية، حتى صرخ بصوت يقطع صمت الصدمة ليسود الألم الذي كسر القلوب وهو يقول: يااارا لاااااا.

وفي لحظة انقلب كل شيء، ووقف الجميع بحيرة؛ كيف انقلبت الدفة لصالحهما ومن أفشى بسر فارس؟! ولأول مرة منذ أن استعاد ذاكرته… شعر فارس بالعجز. لم يعد يخشى السجن، ولا الموت، ولا حتى الماضي الذي يطارده…كان يخشى شيئًا واحدًا فقط: أن يصل متأخرًا إلى يارا.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...