تحميل رواية «شفرة أوڤاميندرا (2)، عالم الخيال " كالثيرا "» PDF
بقلم م/ مُصطَفَى النَّجَّار
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
كانت الشمس تغيب خلف أسوار غرناطة.. وقف عامر على ربوةٍ عالية تطل على ميدان المعركة، وثيابه ممزقة، وسيفه يقطر بدماء أعدائه، وعيناه تشتعلان بنار لا تخمد. خلفه كانت الرايات الإسلامية ترفرف وقد عاد لها المجد بعد شهورٍ ومعاركٍ طاحنة استعاد فيها أكثر أراضي الأندلس ولم يبق للصليبيين الأسبان إلا بقعة واحدة يجتمعون ويتحصنون فيها وهي" قطلونية "، وأمامه كان جنود فرديناند يتساقطون واحدًا تلو الآخر، يفرّون ويركضون أمام عامر وجنوده كالفئران. لم يكتفِ عامر بالنصر، بل أرسل إلى معسكر العدو صندوقًا كبيرًا، وحين فُ...
رواية شفرة أوڤاميندرا (2)، عالم الخيال " كالثيرا " الفصل الأول 1 - بقلم م/ مُصطَفَى النَّجَّار
كانت الشمس تغيب خلف أسوار غرناطة..
وقف عامر على ربوةٍ عالية تطل على ميدان المعركة، وثيابه ممزقة، وسيفه يقطر بدماء أعدائه، وعيناه تشتعلان بنار لا تخمد.
خلفه كانت الرايات الإسلامية ترفرف وقد عاد لها المجد بعد شهورٍ ومعاركٍ طاحنة استعاد فيها أكثر أراضي الأندلس ولم يبق للصليبيين الأسبان إلا بقعة واحدة يجتمعون ويتحصنون فيها وهي" قطلونية "، وأمامه كان جنود فرديناند يتساقطون واحدًا تلو الآخر، يفرّون ويركضون أمام عامر وجنوده كالفئران.
لم يكتفِ عامر بالنصر، بل أرسل إلى معسكر العدو صندوقًا كبيرًا، وحين فُتح، كانت رأس فرديناند داخله،
ومكتوب على الغطاء بخطٍ صارمٍ:
> «سآمر رجالي بصنع ما يكفي من الصناديق لكم جميعًا.»
اهتزّ معسكر الصليبيين غضبًا وجنونًا، واندفعوا في هجومٍ عشوائيٍّ يائسٍ، لا يطلبون فيه إلا الثأر.
لكنّ عامر كان لهم بالمرصاد؛
فقد توقع هجومهم العشوائي نتيجة استفزازهم وقلتهم،
فجعل الأرض تشتعل تحت أقدامهم، والسهام تمطرهم من فوق الجبال، حتى فني أغلب جيشهم وتحوّل صراخهم إلى نواحٍ ونحيب.
تقدّم عامر على جواده، وصوته يعلو في الميدان:
> «من أراد النجاة فليلقِ سلاحه.
أعلنوا استسلامكم غير المشروط، وسلّموا إليَّ قادتكم وما تبقّى من عتادكم، وغادروا أرض الأندلس إلى مملكة الفرنجة وإلى الأبد.
فمن اليوم لن يبقى لكم في أرض الإسلام موطئ قدم.»
تبادل القادة نظراتٍ يائسة، ثم أومأوا برؤوسهم صاغرين، وألقوا سيوفهم أرضًا وسلموا أنفسهم إلى جنود عامر.
وهنا علت صيحات التكبير بين الجنود،
وارتسمت على وجه عامر ابتسامة حزينة، وهمس بصوتٍ متقطع وهو يرفع بصره نحو السماء:
> «الآن...
أعدنا أرضنا وأعزنا الله بعد ضعفٍ ومذلة، وغيرنا التاريخ كما أردتِ يا سارة، لقد انتصرنا، ولكن أي نصر لست فيه هو نصرٌ حزين، نصرٌ بطعم الهزيمة، اللهم أجر قلبي في مصيبته.»
---
في اليوم التالي، جلس عامر مع خولة في قاعة القصر وقد خفت ضجيج الحرب وسكنت النفوس.
نظر إليها وقال بهدوء:
- «يا خولة، أفكّر أن أتنازل عن الملك لعبد الرحمن. لقد أدّيت دوري، وأشعر أن وقتي هنا انتهى.»
ابتسمت خولة ابتسامة دافئة، واقتربت منه وهي تضع يدها على يده:
- «أنا معك في أيّ قرار تتخذه.
أحبّك وأنت سراج الدين، وأحبّك وأنت عامر.
أحبّك وأنت ابن القاهرة، وأحبّك وأنت ملك الأندلس.
في كل الأحوال... سأحبك وسأكون معك أينما كنت، وسأدعمك في أيّ طريقٍ تختاره.»
سكت عامر قليلًا، ثم نهض وخرج إلى ساحة القصر الكبرى، حيث احتشد الناس والفرسان والأعيان.
وقف فيهم وقال بصوتٍ جهوريٍّ هزّ القلوب:
> «أيّها الناس،
أنا لم أكن يومًا ملكًا، ولم أحلم أن أكون ملكًا،
لكنّ القدَر ساقني إلى هذا الموضع، فقبلتُه حين كانت الحاجة إليه.
واليوم، بعد أن استعدنا مجد أجدادنا وعادت الأندلس إلى حظيرة الإسلام حرّةً كاملة،
أعلن أمامكم تنازلي عن الملك للملك عبد الرحمن بن عبد الله، فهو أحقّ به مني.
أمّا أنا... فسأعود مجاهدًا في صفوف أهل الأندلس متى ما نادى المنادي إلى الجهاد.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.»
ارتفعت الأصوات بالبكاء ومناشدة سراج الدين بعدم ترك الملك، بينما تقدّم عبد الرحمن وقال لعامر يا سيدي، أنا لم أُرد أن....
فنظر إليه عامر بابتسامة لطيفة، وقال:
ــ وأنا حين صرت ملكًا لم أكن أريد أيضًا، ولكنِّي اضطرت، وها أنت ذا أصبحت مضطرًا مثلي وعليك أن تقبل ما كلفتك به حتى لا يتفرق الشمل، أنت رجلٌ أمينٌ وصادقٌ ومخلصٌ يا عبد الرحمن، ولا أعرف من هو أحق بالملك منك، وفقك الله...
عبد الرحمن:
ــ أين ستذهب يا سيدي؟
عامر: لقد اشتريت دارًا بعيدة في أطرف المدينة حتى أنسى أمر هذا القصر وكل ما حدث فيه.
السلام عليكم يا صاحبي.
---
وفي المساء ترك عامر القصر مع خولة، وانتقلا إلى بيتٍ بسيطٍ في ضواحي الأندلس، تحيط به أشجار الزيتون والهواء العليل.
كانت الحياة هناك هادئة، لكنها لم تخمد اضطراب روحه.
وفي ليلةٍ من ليالي الشتاء، استيقظ عامر مذعورًا، والعرق يتصبّب من جبينه، فنهضت خولة بجانبه وقالت بخوف:
- «ما بك يا عامر؟»
فأجاب بصوتٍ خافتٍ كأنه يسمع شيئًا من بعيد:
- «سارة... لم تمت.»
ضمّته خولة إلى صدرها وهمست وهي تربّت على كتفيه:
- «اهدأ... أنا معك، لن يقترب منك شيء.»
صمتت لحظة ثم نظرت في عينيه وقالت بحنان:
- «ما رأيك أن نعود إلى القاهرة؟،
نترك الأندلس وهذا العالم كله، ونعيش بين أهلك، نبدأ من جديد... بعيدًا عن الدماء والذكريات؟».
نظر إليها طويلاً، ثم أومأ برأسه موافقًا.
ابتسمت خولة وقالت:
- «إذًا فلنرحل الليلة.»
عامر:
- «الليلة؟ والليل حالك؟»
خولة:
- «نعم الليلة، فكل لحظةٍ تمكثها هنا ستبقى تطاردك الأحلام ذاتها، والذكريات ذاتها. فلنغادر قبل أن يحبسنا الماضي من جديد.»
---
ذهب عامر إلى حازم وجاء به،
وغادروا مع الفجر وخرجوا من البوابة،
وحين وصلا، فتحت أمّ عامر باب الدار،
فهرعت إليه، واحتضنته باكية:
- «عامر حبيبي»
لكنّ وجه أبيه كان متجهّمًا، ولم يتفوه بكلمة.
التفت عامر إلى أمّه وقال بقلق:
- «هو فيه اي؟ ليه بابا مش بيكلمني؟»
قالت بصوتٍ مضطرب:
- «أبوك عرف الحقيقة .»
- «أيّ حقيقة؟»
تقدّمت تسنيم بخطواتٍ بطيئة، وقالت وعيناها تدمعان:
- «آسفة أنا قلتلهم.
الكدب مش بيدوم، هم اكتشفوا إن الصوت اللي كنت بكلّمهم بيه مش صوتك الحقيقي.
وبعدها ضغطوا عليا وكل حاجة انكشفت... وطبعًا هما مش مصدقين الهبل اللي بقوله بالنسبالهم، قولهم الحقيقة يا عامر وخلص نفسك، دا أنسب وقت ليها.»
ظلّ عامر صامتًا، ثم دخل إلى والده في الغرفة الداخلية، وأغلق الباب خلفه.
جلس أمامه وقال:
- «هقولك الحقيقة كلها يا بابا... من البداية للنهاية.»
---
جلس عامر أمام والده، يحكي له كل ما جرى، منذ تلك اللحظة التي وصله فيها الجواب الغامض مع ساعي البريد، حتى اليوم الذي عاد فيه من عالمٍ لم يصدّق أحد أنه موجود.
كلمات عامر كانت تخرج متقطّعة، مثقلة بالذكريات والمشاعر، ووجه والده يزداد تصلّبًا كلما تحدّث.
وحين أنهى عامر حديثه، ساد صمت طويل، لم يقطعه سوى صوت والده، بنبرة حازمة:
- "عامر... انت عمرك ما كنت بتكدب علينا، ولا احنا ربيناك على الكدب. مالك يا ابني؟ جرالك إيه؟ قولي دلوقتي بصدق، كنت فين وبتعمل إيه؟"
رفع عامر رأسه، وعيناه مملوءتان بالصدق والتعب:
- "والله يا بابا، هي دي الحقيقة. وأكيد مش هتصدقوني غير لما تشوفوا بعنيكم."
وبالفعل، اصطحبهم جميعًا: أمه، أباه، تسنيم، وخالته. أما حازم فتركه في البيت مع طلحة.
وقفوا جميعًا أمام البوابة السحرية التي تخفي السر الأعظم، تنفّس عامر بعمق، ثم فتحها بيده، ودخلوا جميعًا، وخرجوا من جبال غرناطة.
-لكن قبل أن يعبروا، ألبسهم عامر ملابس من ملابس غرناطة كان قد احتفظ بها، حتى لا يثيروا انتباه أحد.-
وحين خطوا أولى خطواتهم في المدينة، تجمّد الجميع في أماكنهم.
كان المشهد مهيبًا... المآذن، والقصور، والبيوت القديمة، وأصوات السوق، كل شيء نابض بالحياة كما لو خرج من صفحات التاريخ.
أمه وضعت يدها على صدرها وقالت بارتباك:
- "يا ساتر يا رب... دا سحر ولا إيه؟!"
أما والده فتمتم:
- "دا جن! دا مش طبيعي!"
ابتسم عامر وقال بهدوء:
- "أنا عشت هنا سنين، وكنت ملك عليهم كمان."
خالته، كعادتها، لم تهتم بالرهبة قدر اهتمامها بشيء آخر:
- "خرمتلي الشقة يا عامر! هدفع أمك تمنها!"
أمه التفتت وقالت بسخرية:
- "وأنا مالي ياختي؟ دفّعي أبوه!"
الأب رفع حاجبه وقال:
- "هو إيه دا؟ وأنا مالي؟!"
عامر تنهد وقال وهو ينظر إليهم جميعًا:
- "يا نهار أبيض... إيه العيلة دي؟!"
تسنيم انفجرت ضاحكة وقالت:
- "الحق اهرب يا عامر، خالتك مش هتحلّك النهارده!"
ابتسم عامر لأول مرة منذ زمن، لكن أباه قاطعهم بنبرة قلقة:
- "احنا لازم نمشي من هنا فورًا، مش عايزين مشاكل."
وبالفعل، عادوا جميعًا من حيث أتوا.
وحين وصلوا إلى البيت، قال أبوه بجدية:
- "لسه فيه كلام كتير هنتكلم فيه لما ترتاح."
أمّا أمه فقد اقتربت منه وربتت على كتفه قائلة:
- "تعالوا يا حبايبي، كلوا وبعدها ارتاحوا.... هي فين التانية اللي كانت معاك آخر مرة؟".
نظرت خولة إليها باستغراب وقالت:
- "التانية؟! سارة؟!".
فقال عامر متنهّدًا:
- "يعني سبتي كل الكلام وجاية تفهمي الجملة دي بالتحديد؟! يلّا بينا نغير ونرتاح لحد ما الأكل يجهز، هفهمك بعدين."
جلسوا جميعًا على المائدة، تناولوا الطعام في صمت، ثم انسحب عامر وخولة إلى غرفتهم.
بعد لحظات، طرقت تسنيم الباب برفق، ودخلت مبتسمة:
- "إزيك يا سكر؟! وحشتينا يا خولة!"
احتضنتها خولة بابتسامة حنونة، بينما اقتربت تسنيم من عامر وهمست مازحة:
- "هو أنا لو اتكلمت عن سارة هعملك مشكلة ولا تمام؟"
ابتسم بمرارة وقال:
- "اتكلمي عادي يا تسنيم."
رفعت حاجبيها باستغراب:
- "أنا مش فاهمة حاجة! هي سارة فين؟! مرة سارة، ومرة خولة!"
نظرت خولة لعامر وسألت بقلق:
- "هل أتيت بسارة إلى هنا؟ متى حدث ذلك؟!".
قال عامر بصوتٍ خافت:
- "سأشرح لكِ، ولكن ليس الآن."
ثم جلس على حافة السرير، ألقى رأسه بين يديه، وبدأ يبكي في صمتٍ مؤلم.
أسرعت تسنيم وخولة نحوه، جلستا بجانبه، تسنيم تمسح على كتفه قائلة:
- "أنا آسفة والله... مكنتش أعرف إني هعملك مشكلة، انت قلتلي اتكلمي عادي."
رفع عامر رأسه وقال بصوتٍ مكسور:
- "سارة ماتت."
ساد الصمت، ثم غمرتهما دموع تسنيم وخولة. احتضنتاه من الجانبين، بينما كانت تسنيم تهمس محاولةً تهدئته:
- "خلاص يا حبيبي... ربنا يرحمها. دلوقتي هي إن شاء الله في مكان أحسن، وربنا يباركلك في خولة وابنك. خلاص بقى، مفيش راجل بيعيط! أنا عمري ما شوفتك بتعيط يا عمّورة... عمّورة خلاص بقى."
أومأ عامر برأسه وهو يمسح دموعه بصمت.
ابتسمت تسنيم بخفة وقالت:
- "أكيد دلوقتي انتوا تعبانين. ارتاحوا وأنا هاخد الواد العسول دا ألعب بيه شوية، قصدي ألاعبه شوية!"
ثم نظرت إلى طلحة وقالت بلطفٍ:
- "تعالى يا لولو، عمتك تسنيمة هتديك شوكولاتة حلوة!"
فقال طلحة بجدية طفولية:
- "ماذا؟!"
ضحكت تسنيم وقالت:
- "آااااه، انت لسه أبيض... ما تقلقش، أنا هعلّمك كل حاجة. أمك أول مرة كانت زيك كده هبلة... وعلّمتها!"
نظرت خولة إليها مبتسمة بخجل، فقالت تسنيم بسرعة:
- "اوعي تكوني فهمتيني!"
ضحكت خولة وقالت بخفة:
- "لا ."
تنفست تسنيم الصعداء وقالت:
- "الحمد لله... مش بقولك يا طلحة، أمك هبلة!"
ضحك الطفل، فمدت يدها إليه وقالت:
- "يلا بينا يا عسل!"
وأخذته وغادرت الغرفة، تاركة عامر وخولة في صمتٍ مريح، يلفّهما الحنين والسكينة بعد رحلةٍ طويلة من الفقد والألم.
---
كانت شمس الصباح تتسلّل بخفة عبر نافذة الغرفة، حين طرق حازم الباب ودخل مبتسمًا ابتسامة واسعة، كعادته كلما قرّر إخراج عامر من عزلته.
- "يلا يا عم روح البس، خارجين."
رفع عامر رأسه بفتور وقال:
- " ومين قالك إني هخرج النهارده يا حازم."
ضحك حازم وهو يربّت على كتفه:
- "لأ، هو مش بمزاجك للأسف. يلا البس بدل ما تيجي بالعافية بلبسك دا."
عامر رفع حاجبه مستغربًا:
- "بالعافية؟"
ابتسم حازم بخفة:
- "مش بالعافية أوي يعني، بس يلا علشاني. لازم تخرج من المود الكئيب اللي انت فيه دا. البس وهات طلحة وتعالى."
تنهد عامر وقال بصوتٍ منخفض:
- "مش خارج... مليش نفس، وبعدين هنروح فين أصلًا؟"
رد حازم وهو يلوّح بيده:
- "هنشتري للواد لبس ونفسّحه شوية، وبعدها نقعد في كافيه. لازم الولد يندمج بسرعة في المجتمع هنا علشان لما يروح المدرسة مايحسش بغربة، ولا الناس تستغربه. خُد، أنا جبتله التيشيرت والبنطلون دول، خليه يلبسهم."
- "حاضر." قالها عامر أخيرًا باستسلام وضجر.
وبعد قليل، خرجوا جميعًا. تجوّلوا في شوارع القاهرة، اشتروا لطلحة ملابس جديدة، وتجمدت على وجهه ابتسامة براءة وهو ينظر إلى المارة في فضول. ثم جلسوا في مقهًى صغيرٍ على ضفاف النيل، حاول فيه حازم أن يُضحك عامر بشتى الطرق.
ابتسم عامر قليلًا، لكن ملامحه ما زالت يلفّها الحزن. وفي طريق العودة، قال حازم بنبرة جادة:
- "انسى يا عامر، وبلاش تنكد على مراتك وابنك وأهلك."
تنهد عامر بعمقٍ وقال:
- "كنت بحبها أوي يا حازم... ومقدرتش أدافع عنها. إحساس إني مكنتش راجل قادر يحمي مراته وابنه قاهرني. يا ترى كان إحساسها إيه وهي بتموت وبتفكر فيا، ومستنياني آجي أنقذها؟"
هزّ حازم رأسه قائلًا:
- "بلاش الكلام دا. هو انت بتعرف الغيب؟، أستغفر الله. يعني كنت هتعرف منين إن دا هيحصل؟، دا قضاء ربنا يا عامر، ولازم نرضى بيه. وانت سيد العارفين يا شيخ عامر، ولا إيه؟"
خفض عامر صوته وقال:
- "بس أنا مقدرتش أحمي كل اللي حبيتهم في غرناطة... كلهم اتقتلوا."
ابتسم حازم بمكرٍ:
- "كل اللي حبيتهم؟ تماااام، يعني أروح أقول لأم طلحة إنك مش بتحبها، ماشي!"
عامر نظر له بطرف عينه:
- "مش وقت هزارك يا حازم."
- "طيب، بس توعدني إنك تحاول تنسى، علشان خاطر أهلك ومراتك وابنك."
- "أوعدك... هحاول أخرج من المود دا، بس مقدرش أوعدك إني ممكن أنسى سارة أبدًا ولا أقتنع إنها ماتت."
ساد الصمت بينهما للحظات، ثم تابعا السير في طريق العودة.
---
حين عاد عامر إلى البيت، كان صوت الضحكات يتسرّب من غرفة المعيشة. كانت أسرته جميعًا مجتمعين: أمه، أبوه، تسنيم، وخولة.
طرق الباب ففتحت له تسنيم مسرعة، واحتضنته بقوة. في تلك اللحظة، جرى طلحة نحو أمه يحتضنها بشوقٍ طفولي.
قالت خولة مبتسمة وهي تمسح على شعره:
- "طلحة، بطلي الصغير، كيف كان يومك؟"
فرد الصغير بجدية:
- "أنا بطل كبير."
ضحكت خولة وقالت ممازحة:
- "أجل، أجل.. كنت أقصد أباك."
تسنيم رفعت حاجبيها وقالت وهي تبتسم بمكرٍ:
- "الله! دا كلام كبير بقى. تقريبًا والله أعلم هي قصدها عليك يا عامر!"
- "عارف." قال عامر بابتسامة خفيفة.
- "وهتسكت كده عادي؟! دا أنا سمعت إشاعات كده، والله أعلم برضو، إنك بتخاف من مراتك.".
- "آه، دي حقيقة فعلاً مش إشاعة."
ضحكت خولة وقالت بهدوء:
- "تسنيم تقوم بدور الكبريت الآن."
صرخت تسنيم بصوتٍ ساخر:
- "أعععععععع! انتي فاهماني إزاي؟! وعرفتي الكبريت منين؟!"
ابتسمت خولة وقالت بفخر:
- "تلميذتك يا دكتورة."
- "علشان كده مابحبش التلاميذ الشطار!"
ثم قالت ضاحكة. "شكلي بستنسخ مني نسخة رخمة جديدة."
ضحك عامر وقال:
- "اللي بتعمليه في الناس هيطلع عليكي."
فردت خولة مبتسمة وهي تنظر إلى تسنيم:
- "زوجي يحبني ولن يتشاجر معي."
ضحكت تسنيم وقالت:
- "أنا أمزح يا خوخة يا قمر. بالعكس، أنا أتمنى لكما السعادة وكل خير في الدنيا."
ابتسمت خولة وقالت بنعومة:
- "أعلم ذلك. أنتِ فتاة جميلة طيبة، وقلبك جميل مثلك. وأعلم أنكِ تحاولين إخراج عامر مما هو فيه."
ضحكت تسنيم بخفة وقالت:
- "دا انتي طلعتي ذكية فعلاً! بس ذكائك خطر على وجودي. أنا كده هفعّل وضع اصطياد العقارب، يا مرات أخويا يا عقربة!"
نظرت خولة باستغراب وقالت:
- "عامر، ماذا تعني عئربة؟ هل هي تمدحني مثلما مدحتها؟، ولماذا تضحك؟، ولماذا أمك وأباك يضحكان أيضًا؟"
قالت تسنيم وهي تمسك بيدها بحركة درامية:
- "أجل، إنها مدح! ولما أسألك عن اسمك، قولي: أنا خولة العقربة، اتفقنا؟"
ابتسمت خولة ببراءة وقالت:
- "اتفقنا."
- "يلا نجرب بقى، انتي اسمك إيه؟"
- "خولة العئربة."
انفجر الجميع ضاحكين، فسألت بخجل:
- "لماذا تضحكون؟ عامر، ماذا تعني هذه الكلمة؟"
ضحك عامر وقال:
- "هقولك بعدين، بس أوعي تقوليها تاني. وبلاش تآمني للبنت الشريرة دي، مايغركيش وجهها البريء."
خولة:
- "حسنًا."
تسنيم:
- "إيه حسنًا دي؟".
"انتي هتصدقيه ولا إيه؟"
- "أجل يا مخادعة." قالتها خولة وهي تضحك.
- "ربنا يسامحك!".
"الظلم ظلمات، خلّوا بالكم!، وأنا مش مسامحة".
ضحك الجميع، واستمر الحديث بينهم في جوٍ من الدفء والمرح، حتى قالت والدة عامر بفخرٍ وابتسامة:
- "بالمناسبة، تسنيم اتقدملها عريس الأسبوع اللي فات. شاب محترم وملتزم وخلوق."
قال عامر بفضول:
- "بيشتغل إيه؟"
أجابت تسنيم بكسل:
- "الست اللي جابته قالت مهندس."
قال عامر بسرعة:
- "ارفضوه."
نظر إليه أبوه بدهشة:
- "ليه يا بني؟"
- "علشان مهندس."
ضحكت تسنيم وقالت:
- "أحسن برضو، أنا مش عايزة أتجوز."
قالت أمه بحنان:
- "ليه يا حبيبي؟ دا حتى شكله في الصورة غلبان ومسكين."
- "مفيش مهندس غلبان ومسكين يا أمي، دول فاكرين نفسهم محور الكون ومعقدين."
ابتسمت أمه وهزت رأسها وقالت:
- "عامر، أختك ما بقتش صغيرة. لازم تتخطب على الأقل، علشان بعدين ما نقولش يا ريتنا."
رد عامر بثقة:
- "لأ، تسنيم لسه صغيرة. تسنيم دي بنتي مش أختي وعمري ما هكره ليها الخير. وأي حد يتمناها حتى لو عندها مية سنة. وبعدين، شايف إن ماينفعش نتكلم في جواز قبل ما تتخرج.".
نظر الأب إلى ابنته وقال بهدوء:
- "رأيك إيه يا تسنيم؟"
ابتسمت تسنيم وقالت:
- "آسفة يا بابا، بس أنا مع رأي عامر. أنا هركّز في دراستي الأول، ولما أتخرج يحلّها ربنا. أكيد نصيبي مش هيروح لحد تاني."
ابتسم عامر لها فخراً، ثم استأذن من الجميع وذهب إلى غرفته، ولحقت به خولة بعد لحظات، تاركة خلفها جوًّا من الضحك والمودة، يُعيد للحياة في بيتهم معناها من جديد.
---
دخلت خولة إلى الغرفة بخطواتٍ خفيفة وابتسامةٍ واسعة تملأ وجهها، وقالت بصوتٍ مفعمٍ بالمرح:
ــ عندي لك مفاجأة يا جميل.
ابتسم عامر وهو ينظر إليها بعطفٍ وقال بهدوءٍ ولطف:
ــ أراكِ سعيدة اليوم، هيا أخبريني، ما المفاجأة؟ فأنا في حاجةٍ لأي شيءٍ يسعدني.
اقتربت منه بخفةٍ وقالت:
ــ أغلق عينيك.
أطاعها عامر وهو يبتسم، فأغلقت المسافة بينهما حتى صار صوتها يهمس في أذنه قائلة:
ــ أتذكر عندما كنا في غرناطة، قبل أن نأتي إلى هنا بشهر، حين كنتُ مريضةً وظننا أن الأمر مجرد إعياءٍ بسيط؟.
فتح عامر عينيه قليلًا وقال:
ــ نعم، أذكر ذلك جيدًا.
ابتسمت خولة بخفةٍ وقالت:
ــ لم يكن كذلك.
تغيّر وجه عامر وقال متعجبًا:
ــ ماذا تعنين؟
قالت وهي تضع يدها على بطنها برفق:
ــ أنا حُبلى باثنتين في آنٍ واحد.
أشرق وجه عامر بالدهشة والسعادة وقال:
ــ بنتان؟.
هزّت رأسها بابتسامةٍ رقيقة وقالت:
ــ أجل، سيكون عندي ولدٌ وبنتان من حبيبي عامر.
عامر:
ــ ولكن كيف عرفتِ؟.
خولة:
ــ الطبيبة لم تخبرنا، ولكني أشعر أنهما بنتان، ورأيت رؤية كانتا فيها إلى جانب طلحة.
ضحك عامر ضحكةً صافية واحتضنها بقوةٍ وقال:
ــ إذن هيا بنا نذهب إلى الطبيبة غدًا لنتأكد ونطمئن عليكِ.
ابتسمت خولة وقالت برقةٍ:
ــ أخبرتك أن الطبيبة لم تخبرنا، وهذا يعني أننا قد ذهبنا إليها بالفعل. عندما خرجتَ في الصباح، أخذتني تسنيم إليها وطمأنتنا.
تقدّم عامر منها وجلس بجوارها وقال مبتسمًا:
ــ الحمد لله، بشرك الله بالخير يا نور قلبي وضماد روحي، أحبك يا خولة.
ثم أمال رأسه قليلًا وسألها:
ــ والآن، ماذا سنسميهما؟
أجابت بخفةٍ:
ــ كنا نريد اسم عائشة، أتذكر؟
قال عامر بابتسامةٍ متأملة:
ــ جميل، أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.
ثم قالت:
ــ والأخرى؟
ساد الصمت لحظة، ثم نظر عامر بعيدًا، وبدت في عينيه لمعة حزنٍ قديم، وقال بصوتٍ متهدّج:
ــ سارة.
خفضت خولة نظرها وهمست:
ــ أعلم أنك ما زلت تحبها، ولكني أريدك أن تنسى ما حدث، وتعترف أن سارة...
قاطَعها عامر سريعًا، ونظر إليها بعينين فيهما مزيجٌ من الألم واليقين وقال:
ــ لا تقولي "ماتت"، سارة لم تمت.
تنهّدت خولة بصوتٍ يملؤه بالحزن وقالت:
ــ حسنًا، كما تريد، سأخلد إلى النوم.
أمسك عامر كتفها برفقٍ وقال وهو ينظر في عينيها:
ــ لمَ كل هذا الحزن؟ إنه مجرد اسمٍ، لا أكثر.
التفتت إليه بعينين دامعتين وقالت:
ــ ما زلتَ تثبت لي في كل لحظةٍ أن قلبك قد رحل مع سارة، ولم يبقَ لي منه شيءٌ يَسَعني.
حاول عامر أن يتكلم، لكن صوته اختنق وقال بخفوتٍ:
ــ خولة، أنا...
قاطعته وهي تبتعد نحو السرير:
ــ يجب أن ننام الآن، أنا متعبة.
ظل عامر واقفًا في مكانه ينظر إليها، وقد انطفأت بداخل عينيه كل محاولات الكلام، وبقي الصمت بينهما أبلغ من أي اعتذار.
---
في صباحٍ جديدٍ من شتاءٍ دافئٍ، استيقظ عامر ولم يجد خولة بجواره، فنهض يبحث عنها في أرجاء البيت حتى سمع أصوات الأواني من المطبخ. اقترب بخفةٍ من الباب، فرآها منشغلةً بإعداد الإفطار، وجهها هادئٌ لكن ملامحها لا تزال تحمل أثر ما جرى بينهما بالأمس.
تقدّم منها بخطواتٍ هادئة وقال بلطف:
ــ ماذا تريدين يا خولة؟.
أجابته ببرودٍ دون أن ترفع نظرها:
ــ لا أريد شيئًا.
ابتسم عامر وقال مازحًا:
ــ حسنًا، لن أخبرك بما كنت أنوي قوله.
نظرت إليه بنصف ابتسامة وقالت:
ــ انتظر، تكلّم.
عامر: أريدها بأسلوبٍ أفضل.
خولة ـــ وهي تتنهد بغيظٍ:
ــ حسنًا يا سيدي عامر، تكلّم.
عامر مبتسمًا:
ــ مع ابتسامةٍ أكبر.
خولة: إذًا، اصمت للأبد.
ضحك عامر وقال بخفةٍ:
ــ إذًا لا تريدين تغيير اسم سارة، كنتُ أعلم أنه يعجبكِ، حسنًا اتفقنا، سأذهب الآن.
خولة بسرعة:
ــ انتظر، أنا آسفة.
اقترب منها عامر وقال بلطفٍ بالغ:
ــ لا عليكِ يا حلوتي، أنا فقط أريد إرضاءكِ، والاعتذار عمّا بدر مني بالأمس. ثم أضاف مبتسمًا:
ــ سنسمي إحداهما عائشة، أما الأخرى فسميها كما تريدين.
نظرت خولة إليه بعينين دامعتين وقالت بصوتٍ لطيف:
ــ أنا لا أكره سارة، بل أحبها، وحزنت لموتها كما لو أنهم قتلوا أمي وأبي، ولكني أردتُ فقط أن تترك حزنك وتنسى ماضيك المؤلم. ولهذا عارضت الاسم، ليس من أجلي، بل من أجلك.
عامر ـــ بابتسامةٍ دافئة:
ــ أعلم ذلك، ولكنك كنتِ مخطئة حينما قلتِ إن قلبي لم يعد فيه متسعًا لكِ، ومن يسكن قلبي ويملأه إذن أيتها الكاذبة؟.
ابتسمت خولة ابتسامةً مشاكسة وقالت:
ــ خولة هي من تملأه، وهي من ستظل تملأه، وإذا التفت قلبك لغيرها، ستخرجه من صدك وتأكله.
ضحك عامر وقال:
ــ يمّااا، أنا متجوز آكلة لحوم البشر؟!
خولة: بل أنا أسوأ منهم عندما يتعلق الأمر بك.
عامر مبتسمًا:
ــ حسنًا يا ليلى، لن أفعل هذا أبدًا.
توقفت خولة فجأة وحدّقت فيه وقالت بحدةٍ:
ــ ليلى!! من ليلى هذه؟!.
قال عامر ضاحكًا:
ــ فتاة جميلة.
تسمرت عينا خولة، وامتدت يدها نحو السكين الموضوعة على الطاولة، فرفع عامر يديه سريعًا وقال مازحًا وهو يتراجع للخلف:
ــ لأ، اوعي تتهوري، دا هزار!
ثم استدار وركض خارج المطبخ وهو يضحك، بينما صاحت خلفه:
ــ مهما ركضت، سأمسك بك أيها الخائن!.
دخل عامر غرفته مسرعًا وأغلق الباب خلفه، وفي تلك اللحظة ظهرت أم عامر عند باب المطبخ وقالت بدهشة:
ــ بتعملي إيه بالسكينة دي يا خولة؟ وبتجري ورا عامر ليه؟.
ردّت خولة بجديةٍ طفولية:
ــ إنه يريد أن يتزوج ليلى.
ضحكت أم عامر وهي تأخذ منها السكين:
ــ يا بنتي، عامر بيحب يهزر، احنا أسرة رخمة، كلنا زي تسنيم، اتعودي علينا بقى.
ابتسمت خولة ابتسامةً صغيرة وقالت وهي تنظر نحو الغرفة:
ــ لن تختبئ مني طويلًا يا عامر، ولن تنجو في المرة القادمة... أنا أعدك.
ثم عادت إلى المطبخ وهي تضحك وتهز رأسها.
مرت 6 أعوامٍ بعدها، كانت الحياة فيها مليئةً بالحب، والدفء، والضحك، ومشاعرٍ من السعادة العائلية التي لم يعرفها عامر منذ زمنٍ طويل. كان يرى في كل صباح وجه خولة، وصوت ضحكات الأطفال يملأ البيت، فشكر الله في نفسه على نعمة السلام بعد أعوامٍ قد قضاها في قلب العاصفة.
لكن في إحدى ليالي الشتاء الباردة، استيقظ عامر على رنين هاتفه الموضوع قرب السرير. مدّ يده بتثاقلٍ وأجاب بصوتٍ خافتٍ متعب:
ــ ألوو...وعليكم السلام.
جاءه صوت حازم مضطربًا على الطرف الآخر:
ــ الحق يا عامر...
جلس عامر فجأة وقال بقلق:
ــ في إيه يا ابني؟ أنا لسه بحاول أرفع راسي من المصايب، حصل إيه تاني؟
ردّ حازم بصوتٍ مرتجفٍ يحمل بين طياته نذر الخطر:
ــ أوڤاميندرا...
عامر ـــ وقد اتسعت عيناه:
ــ ماله؟ حلمت بيه ولا إيه؟
حازم:
ــ لأ... عندي في البيت....
أمسكت الجملة لسان عامر فجأة، وبقي ممسكًا بالهاتف، وعيناه معلّقتان بالفراغ كأن الزمن توقف للحظة.
يتبع....
رواية شفرة أوڤاميندرا (2)، عالم الخيال " كالثيرا " الفصل الثاني 2 - بقلم م/ مُصطَفَى النَّجَّار
ارتفع حاجباه بدهشةٍ وقال بصوت مرتفع:
- أوڤاميندرا؟! إيه اللي جابه ورانا تاني؟
نهض مسرعًا وهو يلتقط سترته:
- طيب أنا هلبس وجايلك حالًا.
استوقفته خولة عند الباب، وقالت بقلق:
- رايح فين؟، هتروح الشغل قبل ماتفطر!!
عامر:
- مش رايح الشغل، أنا خارج ومش هتأخر، هشوف حازم عايز إيه وهرجع أحكيلك.
خولة:
- لأ، مش هقدر أستنى لما ترجع، كلّمني في الهاتف وقولي فيه إيه.
ابتسم عامر لها وقبل رأسها:
- تمام ماشي.
ثم خرج بخطوات سريعة متوجهًا نحو بيت حازم.
حين وصل، وجد أوڤاميندرا واقفًا في منتصف الغرفة، مهيب الطلعة كعادته، يرتدي عباءته الغريبة وغطاءَ رأسٍ يخفي ملامحه.
أخرج أوڤاميندرا قلادتين من حقيبته الصغيرة، وقال بصوتٍ حازم:
- ارتدوهما، ستجعلاننا نفهم بعضنا.
تبادل عامر وحازم نظرات سريعة، ثم وضعا القلادتين في أعناقهما، وأحسّا بوخزة خفيفة.
ابتسم عامر وقال:
- أهلًا يا أوڤاميندرا... إيه اللي جابك تاني لعالمنا؟
أجابه أوڤاميندرا بنبرة جادة:
- الأمر خطير، جئت أبحث عن ورقة هامة سُرقت من كتابي. من دونها، لا يمكن فتح
بوابة عالم الخيال مجددًا.
عامر:
- ورقة؟! مين اللي سرقها؟
أوڤاميندرا:
- السيد طلعت.
تبادل عامر وحازم النظرات مندهشين، فقال عامر بسرعة:
- والسيد طلعت هيعمل كده ليه؟
أوڤاميندرا:
- لا أعلم، لكني وجدت الكتاب ناقصًا، وهذه الورقة إن وقعت في يد شرير، قد تفتح أبوابًا من الكوارث لا تُغلق.
عامر:
- يعني دلوقتي اِنت عايز السيد طلعت علشان تجيب الورقة دي منه، صح؟
أوڤاميندرا:
- نعم، بالضبط.
ابتسم عامر وقال بثقة:
- بسيطة! السيد طلعت جار حازم، ما تقلقش. ثواني وهنجيبه عندك. روح يا حازم هاته وتعالى.
خرج حازم مسرعًا، ولم تمر دقائق حتى عاد ومعه السيد طلعت، الذي بدا مضطربًا وهو يردد:
- اي اللي جاب أوڤاميندرا تاني!
اقترب منه أوڤاميندرا، وعيناه تلمعان بصرامة، وأخرج خنجرًا ذا نصلٍ فضي:
- سأقتلك إن لم تعد إليّ الورقة الآن.
تحرك عامر بخطوة سريعة ووقف بينهما، وصرخ:
- مش هتلمسه، أوعدك ورقتك هترجعلك بس مش هتقرب منه ولا تؤذيه إلا على جثتي!.
تراجع أوڤاميندرا قليلًا، وظل ينظر له بنظرة غاضبة.
أمسك عامر بذراع السيد طلعت وسحبه إلى زاوية بعيدة وقال له بصوت منخفض:
- انت فعلاً أخدت الورقة دي؟
السيد طلعت:
- مستحيل! والله ما أخدتها ولا أعرف عنها حاجة.
عامر:
- طيب احكيلي باختصار، من أول ما أوڤاميندرا جه لعالمنا بالصدفة وقابلك وأخدت منه الكتاب... احكي كل حاجة.
بدأ السيد طلعت يسرد ما حدث، حتى قاطعه عامر فجأة:
- استنى، انت قلت إنك قبل ما تدخل لعالم الماضي وتروح غرناطة كنت سايب الكتاب عند صاحبك راجح؟.
ارتبك طلعت قليلًا:
- آه... بس لأ، راجح مستحيل يعمل كده.
عامر:
- خلينا نحسن الظن، ونقول الصفحة اتقطعت منه من غير ما ياخد باله.
السيد طلعت:
- وحتى لو صح كلامك، تفتكر هيكون لسه محتفظ بيها؟.
عامر:
- معرفش، بس فيه احتمال... يمكن.
عاد عامر إلى أوڤاميندرا وأخبره بما دار بينهما، ثم قال بثقة:
- أنا خدت عنوان راجح من السيد طلعت، وهروحله دلوقتي.
قال أوڤاميندرا بحذر:
- لكن سيبقى هذا الرجل معي، لن أدعه يهرب. ربما هي خطة منه ليلوذ بالفرار.
عامر:
- خلاص، خليه معاك. ما تقلقش يا سيد طلعت، أوعدك هعمل كل اللي أقدر عليه.
ثم نظر إلى أوڤاميندرا بعينين ثابتتين وقال بحدة:
- لو مسيته بسوء، مش هتشوف ورقتك تاني أبدًا.
قال حازم وهو يربط حذاءه:
- وأنا جاي معاك يا صاحبي.
عامر:
- يلا بينا، لحظة هرن على خولة أفهمها علشان قلقانة.
وبينما كانا يستعدان للمغادرة، قال حازم ضاحكًا:
- استنى كده، هو ليه يا أوڤاميندرا شكيت في السيد طلعت وما شكيتش في عامر؟ ما هو قعد معاه الكتاب فترة برضو! الواد دا مش سهل، خلي بالك!.
تحولت نظرات أوڤاميندرا نحو عامر ببطء، فتجمدتا عيناه لحظة قصيرة.
قال عامر بلهجة دفاعية سريعة:
- استهدى بالله يا أوڤا، دا عيل متخلف، ماتخدش على كلامه. أنا مستحيل أعمل كده، دا انت ساعدتني وبعدين أنا أصلا تركت مُلك غرناطة وتركت العالم كله وجيت هنا. ومش ناوي أروح لأي مكان تاني.
تراجع أوڤاميندرا قليلًا، وظل صامتًا، بينما قال عامر وهو يمضي نحو الباب:
- يلا بقى، خلي بالك منه يا سيد طلعت... سلام.
---
انصرفا وسارا كثيرًا...
تلفّت عامر إلى حازم فجأةً، وقال له بحدةٍ ممزوجةٍ بالغضب:
- "أنت عيل غبي ومتخلف وحيوان."
توقف حازم عن المشي مذهولًا للحظة ثم رد بسرعة محاولًا التبرير:
- "ليه كل ده؟! أنا كنت بهزر والله مقصدتش."
قال له عامر وهو يردّ بصوتٍ أخف قليلًا:
- "الحاجات دي مفيهاش هزار يا حازم. انت كنت هتطلع السيد طلعت منها وتعكني أنا."
تنهد حازم، وألقى اعتذارًا خفيفًا:
- "أنا آسف."
هزّ عامر رأسه وقال:
- "محصلش حاجة خلاص. صحيح هكلم أم طلحة، كنت هنسى."
اتصل بزوجته، وأجرى معها مكالمةً قصيرةً؛ ليطمئنها، ثم واصلا سيرهما في الشارع، يتبادلان أطراف الحديث.
بعد لحظةٍ من الصمت، دار حديثٌ أعمق، فقال عامر وهو يرمق صديقه بنبرةٍ أخوية:
- "هو أنت ليه مش عايز تتجوز دلوقتي؟ أمك بتشتكيلي منك."
ردّ حازم متلعثمًا:
- "مفيش حد مش عايز يتجوز."
قال عامر مستفسرًا:
- "أمال مالك طيب؟"
أجاب حازم بصوتٍ يملؤه الهمّ:
- "مليش."
سكتا قليلًا، ثم خاطبه عامر بحنّيةٍ رقيقةٍ:
- "حازم انت بتحب واحدة معينة وخايف تتجوزها علشان أمك مش هتوافق عليها صح؟"
ابتلع حازم أنفاسه ثم قال:
- "الجزء الأول صح، التاني لأ."
ضحك عامر ودفعه قائلاً:
- "ما تنجز ياد وتقول مالك؟ هو احنا فيه بينا أسرار؟ مين هي وإيه المشكلة ونحلها سوا؟"
تنهد حازم وقال بنبرة تعبٍ:
- "ما بقيتش فاضيلي زي زمان يا صاحبي."
تدارك عامر الأمر بسرعة وقال بصدقٍ واضح:
- "آسف يا زوما، أنا من النهاردة هرجع أسمعلك زي زمان معلش بقا اتلهيت ما أنت عارف."
قال حازم بجديةٍ أكثر:
- "عموماً مش هينفع أقول مين هي. كده كده عمري ما هطولها أبدًا، ولا هي هتوافق عليّا أصلاً. هو أنا مين يعني؟ مجرد مدرس فاشل بيدي شوية دروس، مستحيل تقبل بيه."
شدّ عامر كتفيه وقال بحزمٍ ودعمٍ:
- "إيه دا... كل دا حزن في قلبك يا بني ومخبيه عني؟ عايز تتجوز مين؟ قول وأنا هساعدك."
تلعثم حازم للحظة ثم قال بخجلٍ:
- "مش هقدِر أقولك دلوقتي، بعدين بعدين."
تقدم عامر ووضع يده على كتف حازم قائلاً بصوتٍ دافئ:
- "طيب براحتك. بس أنا عايزك تتأكد من حاجة مهمة قوي يا حازم: انت مش قليل ومش فاشل. انت إنسان مكافح وجميل وتستاهل كل الخير اللي في الدنيا، وأي واحدة تتمناك يا عم."
قَبِلَ حازم الكلام وقال بصوتٍ محمّلٍ بالامتنان:
- "شكراً يا صاحبي... كنت محتاج الكلام دا قوي."
رد عليه عامر بجديةٍ أخويةٍ:
- " انت أخويا يا حازم. انت مش لوحدك ولا عمري هسيبك في يوم لوحدك."
نظر حازم إلى السماء ثم قال بابتسامةٍ حقيقيةٍ:
- "عارف يا صاحبي، مفيش حاجة مطمناني في الدنيا غير إنك معايا مهما حصل."
ابتسم عامر ابتسامةٍ ماكرة:
- "حلو... مش هتقولي بقى مين هي؟"
ضحك حازم وأجاب بتهكمٍ خفيفٍ:
- "أنت شجعتني أقول بس بلاش دلوقتي."
قال عامر متملّقًا:
- "ماشي براحتك. بس أقولك حاجة: مفيش واحدة هتعمر مع أمك عمومًا."
ضحك حازم منهمكًا وقال:
- "عارف... وعشان كده لازم تكون واحدة أمّي موافقة عليها مسبقًا علشان ماتعملش مشاكل."
تبادلا مزحةً خفيفةً ووصلا أخيرًا إلى موقف الميكروباص. ركباه وامتدَّ الحديث بينهما بلا تعقيدات حتى وصلا إلى عنوان راجح. نزلَا، وخطوا نحو الباب وطرقا، لكن ما إن انفتح الباب حتى وقعت أعينهما على مشهدٍ لم يكونا يتوقعانه: رجلٌ مقيدٌ على كرسي، وحوله عددٌ من الرجال ذوي العضلات والوجوه الخشنة، يشبهون بلطجية الشوارع.
تجمد عامر للحظة ثم قال بتعجبٍ شديد:
- "مش ده بيت راجح؟"
لم يردّ أحدٌ، فتابع:
- "اه، شكلنا جِينا في وقت غير مناسب."
قال حازم بذوقٍ مُعتذرٍ للحراس:
- "طيب يا شباب، آسفين على الإزعاج... نستأذن احنا بقى."
همّا أن يبتعدا فإذا باثنين منهم يقفان أمامهما ويغلقان الباب. حاول عامر وحازم أن يدافعا عن نفسيهما، لكن الرجال ضربوهما وخارت قواهما قبل أن يُكبَّلا ويُلقيَا على الأرض في آخر الغرفة، مقيدين بالأحزمة والشرائط.
اقترب واحد منهم واقتلع نظره هنا وهناك ثم قال بوقاحةٍ:
- "احنا نقتلهم ونتخلص منهم، عشان شافونا."
قال آخر متحَفِّظًا:
- "مش هينفع غير لما 'البُص' ييجي ونعرف رأيه. يمكن يكونوا عارفين مكان الفلوس، وكده كده هما شافونا ولازم نتقتلهم بس لما ناخد تعليمات من 'البُص'."
همَسَ حازم في أذن عامر مرتعشًا:
- "يعني إيه؟ يعني احنا هنموت خلاص؟"
ردّ عليه عامر بهدوءٍ محاولًا أن يترك مساحة هادئة للتفكير:
- "اهدا وخلّيني أعرف أفكر... هنعمل إيه"
همس حازم وهو يحدق في القيود:
- "يعني هنعمل إيه وإحنا مضروبين ومربوطين؟".
قال عامر بنبرةٍ واثقةٍ رغم القيود:
- " قلتلك اهدا... لو لاحظونا بنتكلم هيبعدونا عن بعض."
سكتا لحظة، ثم أدار عامر وجهه نحو حازم وقال بصوتٍ منخفضٍ وحازم:
- "بص، أنا عندي فكرة..."
---
كانت الخطة محفوفة بالمخاطر، لكن عامر لم يكن يملك خيارًا آخر. فكان مع حازم في زاوية الغرفة، يتحدثان بصوتٍ منخفض، بينما أفراد العصابة يراقبونهما عن بُعد بين الحين والآخر.
قال عامر وهو يرمق الباب بنظرة حذرة:
- بص يا حازم، هنقولهم إننا عارفين مكان الفلوس، وهنودّيهم على مكان السيد طلعت وأوڤاميندرا، وساعتها أوڤاميندرا هيخلّص عليهم واحد واحد.
ابتسم حازم بسخرية وقال:
- اتعلّمت الكدب يا عامر، بس حابب أفكرك إنهم معاهم سلاح ناري، وهيعملونا مصافي قبل ما نوصل للمكان، وأوڤاميندرا بتاعك مش هيلحق ينقذك.
أجابه عامر وهو يضغط على أسنانه:
- لأ، أنا هقولهم إن فيه كمين في الطريق، والتفتيش شديد، ولازم نروح من غير سلاح. نجيب الفلوس بهدوء ونرجع.
هز حازم رأسه وقال:
- ماشي، جرب حظك واتكلم، كدا كدا ميتين.
رفع عامر بصره نحو أفراد العصابة، ثم قال بصوت واثق:
- تخيّلوا البُص ييجي يلاقيكم رجعتوا بالفلوس بنفسكم... هيبقى مبسوط منكم جدًا، ومش بعيدة يكافئكم.
اقترب أحد الرجال منه بخطواتٍ بطيئةٍ وقال بغلظة:
- إنت تعرف مكان الفلوس؟.
ابتسم عامر بخفة وقال:
- على حسب.
وقبل أن يُكمل كلمته، جاءته لكمة قوية على وجهه، سال منها الدم من فمه.
ومع ذلك، ظلّ عامر ينظر إليه بثبات وقال:
- لو قتلتونا، مش هتوصلوا للفلوس أبدًا.
صرخ الرجل:
- اتكلم!
قال عامر بهدوء:
- هاخد عشرة آلاف جنيه من الفلوس، والباقي ليكم.
صاح حازم بغضب:
- يا عامر! لأ، ماينفعش! دول هياخدوها ويقتلونا بعدين!.
توجّه الرجل نحو حازم بعينين مشتعلتين وقال:
- لو فتحت بوقك تاني، هقتلك.
ثم أشار لعامر بيده:
- كمل.
أخبرهم عامر بالخطة، وشرح لهم أن المنطقة فيها كمين، وأن الشرطة تفتّش العربيات، والأفضل أن يذهبوا بدون سلاح. وطلب منهم أن يتحركوا بسرعة قبل أن يصل "البُص" حتى يفرح بالإنجاز عندما يعود.
اقتنعوا بكلامه، وقيدوا عامر وحازم، وساروا بهما نحو المكان الذي يوجد فيه أوڤاميندرا والسيد طلعت.
---
عندما دخلوا المكان، كان الظلام يلفّ الأرجاء، ولمع بريق عيني أوڤاميندرا في الخلفية. أشار عامر له بنظرة واحدة، ففهمها الساحر على الفور.
وفي لحظة، انقضّ أوڤاميندرا كالبرق، وضرباته كانت قاطعة وسريعة.
صرخات، ودماء، وفوضى.
لم تمر دقائق حتى سكنت الأصوات، وسقطت الجثث أرضًا.
نجا واحد فقط، فرّ هاربًا.
تنفّس عامر بعمق وقال وهو يمسح الدم عن وجهه:
- خلصنا منهم، بس واحد هرب، وده خطر.
ثم حكى عامر كل ما حدث معهما..
أوڤاميندرا نظر إليه وقال بصوتٍ حازم:
- هذه المرة، سأذهب معكما.
تحركوا سويًّا نحو الشقة القديمة، لكنهم عندما دخلوا، فوجئوا....
الشقة كانت فارغة، وراجح لم يكن موجودًا.
اقترب عامر من الكرسي الذي كان راجح مقيدًا عليه، ولاحظ أن الحبال مقطوعة، وليست منحلّة.
فقال بقلق:
- حد ساعده يهرب.
ثم التفت إلى السيد طلعت وسأله:
- مين يعرفه؟ عنده أصحاب هنا؟.
أجابه طلعت وهو يهز رأسه:
- معرفش.
قال عامر بسرعة:
- وجودنا هنا خطر، البُص ورجالته ممكن ييجوا في أي لحظة. لازم نتحرك فورًا.
---
نزلوا من العمارة السكنية على عجل.
قال عامر بصوت منخفض:
- اخرجوا من الباب، وماشوا وماتبصوش وراكم.
خرج الثلاثة، وبعد أن ابتعدوا قليلًا، توقّف عامر لحظة خلفهم، فلاحظ شابًا يقف بعيدًا يراقبهم.
وعندما التقت عيناه بعيني عامر، ركض بأقصى سرعته.
وركض عامر وراءه، وأمسكه من كتفه بعنف، وقال:
- راجح فين؟
الشاب ارتبك وقال بخوف:
- معرفش حد بالاسم ده!
تقدم أوڤاميندرا وأخرج سيفه اللامع وقال بصوتٍ هادئٍ مخيف:
- هل ستهدر حياتك من أجل لصٍّ هارب؟
ارتعد الشاب وقال بسرعة:
- في واحد اسمه صيصا، هو اللي هربه، أكيد خده عنده!
لكن قبل أن يسأله عامر عن العنوان، دوّى صوت إطلاق نار قوي.
رصاص في كل اتجاه، البُص ورجاله كانوا قد وصلوا بالفعل.
صرخ عامر وهو يجري:
- أوڤاميندرا! اخفّينا يا عم! اعمل أي حاجة، فين السحر بتاعك دلوقتي.
رد أوڤاميندرا بثبات:
- يجب أن نتوقف لتعمل الشفرة.
حازم صاح وهو يلهث:
- لو وقفنا هنموت!
عامر صرخ وهو يلتفت إليهم:
- بتعرفوا تعوموا؟! وراياااا!.
قفز من فوق الكوبري مباشرة إلى الماء، وتبعه الآخرون.
غطسوا تحت سطح النهر، والطلقات النارية تتبعهم.
ولكنهم خرجوا للضفة الأخرى، ثم ركضوا دون توقف حتى وصلوا إلى بيت صغير دلّهم عليه الشاب.
طرقوا الباب وفتح لها هاني-صاحب البيت-
دخلوا يلهثون، ووجوههم مبللة، والهلع يملأ وجوههم.
وبعد لحظات...
دقّ الباب بعنف.
تجمّد الجميع في أماكنهم، وتبادلوا النظرات الصامتة.
عامر تمتم بصوتٍ خافت:
- يا ترى... مين اللي على الباب؟...
اِنت مستني حد يا هاني؟.
هاني: لأ.
---
حازم: مين ع الباب؟
-عَرَنْدَس..
حازم: هو بيشتم؟
عامر: هو قال اي؟
حازم: عرسمس
عامر: مش دا ملك فرعوني؟.
حازم: لا يا عم التاني تحسمس
عامر: لحظة طيب هسأله تاني، مييين؟
- عرندس
حازم: قال اي؟
عامر: حرنكش
حازم: عرسمس قلتلك
في هذه الأثناء صاح السيد طلعت من خلفهم:
ـــ خلونا نقعد نتخانق على اسمه لحد ما البُص وعصابته ييجوا يموتونا ولسه معرفناش مكان راجح فين.
حازم:
ـــ طيب ما يمكن دي خدعة والبص برة مستنينا نفتح الباب.
عامر:
ـــ تفتكر البص محتاج يخبط على الباب أصلا؟
حازم: معاك حق، افتح وربنا يستر....
---
فتحوا الباب فدخل عرندس.
حازم: اي دا انت إنسان عادي زينا؟
عرندس: أومال هكون اي يعني يا أستاذ؟
حازم: أصل مفيش إنسان في الدنيا اسمه عرسمس.
عرندس: عرندس يا أستاذ، عرندس
عامر (مقتربًا): سيبك منه وركز معايا
- انت مين وجاي ليه؟
عرندس:
ـــ انتوا اللي مين؟ أنا جاي هنا لهاني. يا هاني، مين الناس اللي في بيتك دول؟
هاني: ضيوفي يا عرندس، اتفضل
- انت محتاج حاجة؟
عرندس: كنت جاي أحكيلك عن اللي حصل لراجح؛ البُص مسكه وكان وهيموته.
اقترب عامر من عرندس وقال له: انت تعرف راجح؟
عرندس: آه، عز المعرفة. ومعرفة سودا مِش بتيجي من وراها غير المشاكل.
عامر: طيب إحنا عايزين نعرف مكانه
- محتاجين نسأله على حاجة.
عرندس: عبيط أنا يعني علشان أقولكم على مكانه؟ ما يمكن تكونوا تبع البُص.
عامر (بحدة): بص في وشنا كدا، هل دا شكل ناس تبع البُص؟.
عرندس: لأ، لحظة بس
- هو الراجل دا متغطي ومغطي وشه كدا ليه بلبسه الغريب دا؟.
حازم (يضحك): لا ملكش دعوة بدا
- علشان لو مسكك هيخليك حرنكش على رأي عامر.
عامر: فين راجح؟
عرندس: معرفش، دوروا يمكن تلاقوه.
عامر: كدا يعني؟ تمااام
- اقفل الباب يا حازم. أوڤاميندرا، شوف شغلك معاه.
أخرج أوڤاميندرا خنجره وكشف عن وجهه. ففزع عرندس وقال: أعوذ بالله
- هتعمل اي يا عم انت؟
عامر: قدامك ثواني قبل ما الراجل الطيب دا يعملك شاورما، لو مش عايز تتكلم براحتك عمومًا.
اقترب أوڤاميندرا من عرندس فصاح بصوتٍ عالٍ: لا لا، هتكلم هتكلم!
عامر: استنى يا أوڤاميندرا
- انجز علشان مستعجلين.
عرندس: راجح دلوقتي في عزا ابن عمه اللي مات في حادثة هو وولاده النهارده.
عامر: طيب يلا بينا، وانت هتيجي معانا.
انطلقوا وذهبوا إلى العزاء. جلسوا قليلًا، ثم أشار لهم عرندس إلى راجح واقفًا. قام عامر والسيد طلعت وقابلاه وأخذاه إلى جانب الطريق ثم تكلما معه عن الكتاب والورقة.
بكى راجح وقال لهم: آه، الورقة المقطوعة من الكتاب
- أنا فاكرها. الولا الصغير ابني قطعها وأنا لقيتها بعد ما السيد طلعت أخد الكتاب واحتفظت بيها.
السيد طلعت: فين؟
راجح: في الشقة.
عامر: اللي فيها البُص حاليًا؟
حازم: لا بقا، أنا مش راجع هناك تاني. العمر مش بعزقة
- كله منك يا عامر. لو كان جالك الجواب من ساعي البريد قطعته ونمت مكنش كل دا حصل.
عامر: استنى يا حازم.
راجح: مراتي وأمي الست الكبيرة مريضة السكر وولادي...
عامر: مالهم؟
راجح: البُص حابسهم في الشقة ولو مسلّمتش ليه نفسي والفلوس هيقتلهم.
في تلك اللحظة دخل رجلٌ عليهم وقال لراجح: الحق، أشرف فرحان.
حازم: فرحان ازاي في المصايب دي كلها؟
عامر: مين؟
حازم: أشرف.
عامر: تقريبا دا اسم واحد، وتقريبا كمان اسم حد تبع البص، وتقريبا كمان كمان هتشلني قبل البُص ما يقتلنا يا حازم.
راجح: إحنا لازم نهرب من هنا حالًا
- أشرف فرحان لو مسكنا هقتلنا.
حازم: وأنا مالي يا عم؟ يقتلجكم انتوا؟ أنا معملتش حاجة.
عامر: عارف مكان نهرب منه؟
راجح: آه تعالوا ورايا.
هربوا وذهبوا لمكان بعيد جلسوا فيه، ولكن راجح جلس صامتًا.
حازم (صارخًا له): ماتتكلم يا عم
- احنا عايزين الورقة، اتصرف!
راجحوهو يبكي بصوتٍ مكسور: أمي ومراتي وولادي هيموتوا وتقولي الورقة؟.
حازم: ما انت اللي ماشي غلط
- أكيد الفلوس دي بتاعة بضاعة مخدرات يا فاجر.
راجح: لأ، أنا عمري ما عملت الغلط
حازم: كلكم بتقولوا كدا.
عامر: اسكت يا حازم.
حازم: بالله عليك بلاش تطلع عامر الحنين من جوك ظلوقتي وتقولي هنروح ننقذهم
- احنا مش في غرناطة هنا، أنا مش عايز أموت بسبب تهورك.
عامر: خلاص ارجع بيتك يا حازم.
حازم: آه هرجع بيتي
- أنا أمي ملهاش غيري. كفاية بعدت عنها كتير وجريت ورا جنانك كتير، سلام.
سار حازم قليلاً ثم عاد وجلَس معهم.
عامر: ما مشيتش ليه؟
حازم: هديك فرصة تاني، معلش.
- بس لو هنموت المرادي انجز واختارلنا مصيبة تخلص علينا علطول.
ضحك عامر: للأسف أنا مش بختار المصايب هي اللي بتختارني.
راجح: هنعمل اي دلوقتي؟
عامر: أوڤاميندرا، فاكر لما دخلتنا جوة أوضة فرديناند في لحظات وكنا مختفين وخطفناه؟ تقدر تعمل كدا تاني وتخلينا نروح نجيب أهل راجح والورقة من غير ما يشوفونا؟
أوڤاميندرا: نعم، يمكنني فعل هذا.
عامر: طيب يلا جهز شفرتك
- هنروح أنا وانت والباقيين هيفضلوا هنا. خلينا ننجز ونخلص من الحوار دا علشان بوّخ أوي.
عندما رأى راجح أوڤاميندرا وعامر قد اختفيا فقد وعيه.
وبالفعل بعد لحظات وصلوا إلى بيت راجح وأخرجوا أهله وأحضروا الورقة من المكان الذي أخبرهم عنه، ثم عادوا إليهم.
عندما أفاق راجح وجد أهله أمامه. جرى على عامر واحتضنه وشكره وهو يبكي وسأله: ازاي دا حصل؟ انتوا مين ودا حصل ازاي؟.
فأجابه عامر: أهم حاجة أهلك معاك دلوقتي في أمان
- حافظ عليهم وماتعرضهمش للخطر تاني - وروح بيهم في مكان آمن بعيد عن عيون البُص ورجعله الفلوس. حياة أحبابك أهم من فلوس الدنيا كلها.
ودعوهم ثم مشوا، وعادوا بالقرب من منزل السيد طلعت.
عامر (موجِّهًا الكلام لأوڤاميندرا): أوڤاميندرا، وفيت بوعدي ليك
- اتفضل ورقتك، ويا رب ما تكونش ناسي حاجة تاني عندنا.
حازم (مازحًا مهددًا): لم أشياءك بقا ومش عايزين صداع تاني، عارف لو شوفت وشك في بيتنا تاني هفلقك نصين.
عامر: على فكرة هو فاهمك دلوقتي.
حازم: متهزرش.
عامر: والله.
حازم: أوڤاميندرا عم السحرة كلهم
- هتوحشنا يا نجم.
أوڤاميندرا: لك يا عامر عندي خدمة كما خدمتني، سأقدم لك أي شيء تريده.
عامر: لا شكرًا،
- أنا مش عايز حاجة غير أعيش مع أهلي وأربي أولادي في سلام.
أوڤاميندرا: كنتُ سأعرض عليك زيارة عالمٍ آخر من العوالم السبع.
حازم: لا يا عم شكرًا
- شبعنا جنان كفاية اللي شوفناه.
عامر: عالم تاني!! هو ممكن نروح عالم الخيال؟.
أوڤاميندرا: أجل، ولكن...
قاطعه حازم: مفيش ولكن
- انت مش هتروح مكان يا عامر، اتلم واقعد بقا علشان عيالك حتى ياخي.
عامر: حاضر.
أوڤاميندرا: خذ.
عامر: اي دا؟
أوڤاميندرا: هذه القلادة سأتركها معك. عندما تحتاجني البسها ونادني وسأكون هنا في لحظات.
عامر: تمام
- اتفقنا.
ودعهم أوڤاميندرا ورحل، وعاد السيد طلعت إلى بيته.
ثم سار عامر وحازم في طريقهما إلى البيت، فقال عامر: يا نهار أبيض
- خولة رنت عليا 73 مرة وتسنيم رنت كتير أوي.
ضحك حازم: عمومًا لو ملقتش مكان تبات فيه انهارده، بيت أخوك مفتوح.
عامر: عيب ياد
- أنا راجل في بيتي.
حازم: الحق خولة ورانا.
عامر: فين؟
حازم ضاحكًا: ماتخافش بس أوي كدا، بهزر.
عامر (متأملًا): لما تتجوز هتعرف إن الخوف أنواع
- مش كل الخوف جبن ومش كل الخوف وحش. لما تخاف من اللي بتحبه غير لما تخاف على اللي بتحبه، لما تخاف من رد فعله غير لما تخاف على زعله منك. الخوف المخلوط بالحب هو جزء لا يتجزأ من الحب يا حازم.
حازم: ممكن معاك حق،
- نفسي أتجوز وأعيش الإحساس دا.
عامر: ما انت مش راضي تقولي مين اللي عايز تتجوزها.
حازم: بسم الله
- أنا هكون شجاع وهتكلم: تسنيم.
عامر: اي ورانا هي كمان؟ بطل مقالب وهزار وهبل بقا.
حازم: لا قصدي بنت خالتي، تسنيم أختك.
عامر: مالها؟
حازم: لأ مفيش
- أنا كنت بهزر فعلا.
عامر: طيب اسرع شوية علشان اتأخرنا جدًا.
عاد عامر إلى المنزل وفتح الباب فتفاجأ بأن أوڤاميندرا ينتظره داخل البيت.
عامر: أوڤاميندرا!! فيه اي تاني؟ مش انت أخدت ورقتك وودعتنا ومشيت؟!.
أوڤاميندرا متعجبًا: الورقة، لقد أتيتُ للتوّ للبحث عن الورقة الناقصة بالفعل، ولكنّي لم أكن معكم كما تقول ولم آخذ منك شيئًا، ولم أرك إلا الآن.
عامر: يا عم هو انت فاقد الذاكرة ولا بتهزر ولا اي؟
أم عامر: مين دا يا عامر؟
عامر: دا يا ماما واحد من الناس بتوع العالم التاني.
أوڤاميندرا: أنا لم أرك إلا الآن كما أخبرتك.
عامر: وأنا بقولك إنك كنت معانا وأخدت ورقتك
- حتى بالأمارة اديتني القلادة دي وقلتلي لما تحتاجني البسها ونادي عليا هجيلك.
أوڤاميندرا: أرني القلادة.
عامر: أهي.
أوڤاميندرا (ينظر إليها بدقة):
لم أكن أنا، لقد سبقني إلى هنا....
عامر: من هو؟.....
رواية شفرة أوڤاميندرا (2)، عالم الخيال " كالثيرا " الفصل الثالث 3 - بقلم م/ مُصطَفَى النَّجَّار
رد أوڤاميندرا بوجهه الهاديء:
«هناك في عالمي ساحرٌ قويّ يُدعى دوبين؛ لا يبتغي ورقةً فحسب، بل يريد كتابَ العوالم السبع بأسرهِ، ليقفَ إلى جانبِ الشرِّ في كلِّ العوالم، وسيفعل أي شيء من أجل الكتاب.»
تلاشى الصمتُ لحظاتٍ ثم قال عامر بلهجةٍ مضطربة:
- طيب هو إزاي...
قاطعته خولة وهي تصرخ والذعر يكسو صوتها:
- عامر الحق! ابنك طلحة مش موجود برة، بندور عليه ومش لاقيينه!.
قام عامر واندفعَ كالمجنون يبحث في الشوارعِ والأزقَّة أمام بيتهم، والناسُ من حوله يهرولون معه ومع أهلِه، لا أثرَ لِطلحة في كلِّ مكان. عاد إلى خولة بنظرةٍ غاضبةٍ ظاهرةٍ على وجهه وقال لها:
- هو خرج إمتى؟
وهي تبكي وهي تردُّ:
- قبل ما تيجي
- خرج كان بيلعب برة وكنت ببص عليه كل شوية، وقلتله مايروحش بعيد ولا يسمع كلام حد، زي ما انت فهمتني.
جلس عامر على درج البيت، رأسه منكفئٌ إلى الأرض يفكِّر بهدوءه الذي يعقبه ارتطامٌ بالواقع، وأصواتُ أهله وجيرانه تملأ المكانُ بحثًا واستغاثةً.
أوڤاميندرا واقفٌ بجواره وهو يراقب، وبنتا عامرٍ الصغيرتان تقفان وتبكيان على أخيِّهما المفقود.
التفت عامر إلى أوڤاميندرا بعينين متهالكتين وسألَهُ بصوتٍ بملؤه الاتهام:
- ابني اختفى لما انت جيت.
أجاب أوڤاميندرا بفصاحةٍ واضحةٍ ورزانةٍ لا تكاد تُخفيها الكلمات:
«أعلم أنك ستشكُّ بي، لكنّي لم أُؤذِ طفلًا أبدًا في حياتي. أنت رجلٌ طيّبٌ، ولم أفكر في أذيتك أو أذيت أهلك أبدًّا.»
سمعوا صوتَ تسنيم ينادي من بعيد:
«طلحة هنا!»
فركض الجميعُ نحو الصوت، فإذا طلحة ساقطٌ على الأرض فاقدُ الوعي. حملوه إلى المشفى، وحازمُ وأبو عامر وصلا مسرعين من أعمالِهما.
وبعد دقائقٍ خرج الطبيب وقال بحيرةٍ:
بعد فحصٍ سريعٍ: «هو في غيبوبة، ومش عارفين السبب ولا نعرف هيفوق إمتى، لسه هنعمله إشعات تحاليل علشان نعرف اي السبب.»
بكت خولة بغزارةٍ وقالت لِعامر بنبرةٍ محمّلةٍ بالذنب:
- أنا مش فاهمة بيقول اي...
نظر إليها عامر بغضبٍ دفينٍ إذ رأى إهمالًا منها فيما بدا له.
اقترب أوڤاميندرا من طلحة بهدوءٍ، ثمّ كشف الملابس عن رقبته، ورأى علامةً غريبةً منحوتةً على الجلد؛ رمزٌ مألوفٌ له. رفع بصره إلى عامر وقال:
«لقد تركَ ختمه عليه.»
صرخ عامر عاجبًا ومندهشًا:
- مين؟
أجاب أوڤاميندرا: «دوبين؛ هذا الرمزُ خاصٌّ به.»
انفجر عامر بغضبٍ:
- بس أنا ساعدته وكنت هموت علشان أجيبله الورقة!.
رد أوڤاميندرا:
«هو لا يريد الورقة فحسب، بل يريد الكتابَ كله. لقد أصبحتَ مرئيًا في بلورته بمجرد حملك للكتاب، وأصبحتَ عدوًّا له، وسيجذبك إليه بمِكائدٍ على ابنك وكل عزيزٍ لديك لتسرق له الكتاب وتُقدِّمهُ له.»
هتف عامر ضاحرًا بالتهديدِ والوجع:
- مايهمنيش دوبين ولا أنت ولا كتابك القذر؛ كل اللي يهمني هو ابني. أقسم بالله لو ابني مارجعش زي ما كان هقتلك وهقتل دوبين وكل شخص هيحاول يقرب من أهلي هيقطعه وهشرب من دمه.
نصح أوڤاميندرا عامر بالهدوء مرةً أخرى: «اهدأ، هناك حل، دوبين سيتبعك عن طريق القلادة التي أعطاك إياها، لا تتركها أبدًا نحن نريد أن يتبعك.»
كان سؤالُ عامر مباشرًا وحادًا:
- قول الحل بسرعة.
قال أوڤاميندرا:
«سنذهب إليه.»
قال عامر راغبًا في الفعل فورًا:
- دلوقتي، يلا بينا.
قال أوڤاميندرا:
«تمهل، ليس الأمر بهذه السهولة. أنت رجل ذكي، ولطالما حينما حلت بك المصائب جلست تفكِّر فيما يمكنك أن تفعل.»
قال عامر مجددًا:
- بس دا ابني، فاهم يعني اي ابني؟!.
رد أوڤاميندرا بصوتٍ خافت:
«ولذا يجب أن تهدأ وتتريث أكثر من أي وقت مضى.»
ثم كشف عن الخطةِ التي لا بدّ أن تُنفَّذ:
«لا يمكننا أن نذهبَ إلى دوبين في عالمه؛ فهو يملك قومًا وخدمًا من الجنِّ وقُوًّا عظيمةً ستجعلهُ رابحًا في أرضه. ولكننا سنجعلُه يأتي إلينا، ليس هنا، بل نريده في عالمٍ نتحكّم فيه، نضعف فيه قواه.»
سأل عامر بسرعةٍ:
- فين؟
أوضح أوڤاميندرا:
«عالمُ الخيال؛ عالمٌ تَضعُهُ أنتَ على الورق. اكتب تفاصيلَه بدقّةٍ، وأعطنيها، وبطريقةٍ ما من خلال شفرات كتابي سأدخلك إلى هناك.»
تعالت الأصواتٌ، ثم قال حازم بحزمٍ:
- وأنا هروح معاك، مش هسيبك.
أما أبو عامر فكان مذهولًا ومتمثلاً بمخاوف الأبوة:
- أنا مش فاهم حاجة، إيه اللي دخلك يا بني في سكة الجن والسحر من الأول؟ كنا عايشين في أمان وبعيد عن الهم دا كله، أنا هاجي معاكم.
طمأنهم عامر:
- لا يا بابا خليك هنا، أوعدكم محدش هيقدر يضر ابني طول ما أنا لسه على وش الدنيا؛ ابني هيرجع كويس إن شاء الله. أنا هكتب النهارده تفاصيل العالم كله وبالليل هيكون بين إيديك يا أوڤاميندرا.
قال أوڤاميندرا:
«حسنًا، اتفقنا.»
جلست خولة بجانب عامر طوال النهار، تربّت على كتفه وهو يكتب، تحاول أن تسأله لكنه لم يُجبها، وأبت ألا تتركه لحظة. أخذ الليل كلهُ حتى طلع الصباح وقد أنهى كتابة عالمه الخاصّ؛ كان يكتب بتأنٍّ: أماكنٌ، أسماءٌ، قوانينُ ذلك العالم، تفاصيلُ الحواجز والمواقع، وحوادثٌ يمكن استدعاؤها داخل الخيالِ كي تُضعفَ دوبين.
جلس حازم مع أبو عامر في انتظارٍ متقلبٍ، ثم أخذ الكتابَ من عامر وذهب به إلى شقته السكنية، حيث ترك أوڤاميندرا يبيت فيها بمفرده.
وعندما وصل أعطى أوڤاميندرا الكتاب ثم دخل إلى غرفته ليحضر قلمًا له كما طلب منه، وفي هذه اللحظة تجلّى في عينيه على حين غرّة روايةٌ قديمةٌ من تأليف عامر لعالمٍ اسمهُ «كالثيرا»؛ لَبِسَ الشغفُ قلبَهُ وقال في نفسه بعفويةٍ: أنا بحب الرواية دي وعايز أشوف عالمها والحاجات اللي فيها.
باغتته نفسه فأخذ الرواية القديمة بفضولٍ وقال لأوڤاميندرا مُناديًا:
- أعطني الكتاب وخد الكتاب دا بداله وشوف شغلك...
لم يجد أوڤاميندرا غضاضةً في الأمر فقال بفصاحةٍ: «أعطني»، فأخذه سريعًا ولم يقرأه، ثم فتح بوابةً إلى عالمِ الخيال.
في تلك اللحظات كان عامر يودِّع أهله في المشفى؛ الوجوهُ مرهقةٌ، القلقُ ينهشُ القلوب: تسنيم تقف وتمسك يده وتنهمر دموعها، وخولة تحتضنه وتقول له بلهجةٍ تغزلها الخوفُ والحبُ:
- أنا كنت دايمًا معاك، أرجوك ما تتركنيش لوحدي
- أحب أموت معاك ولا إني أعيش من غيرك.
همس لها عامر مطمئنًا وهو يقبّل بنتيهِ الصغيرتين(هاجر وعائشة)- ويُمسح شعرَيهما:
- حصل خير يا خولة، بس مش هينفع تيجي معايا، لازم تقعدي تربي بناتنا، خلي بالك منهم، وعرفيهم إني بحبهم جدًّا.
بعد الوداع ودعهم وتوجّه إلى شقةِ حازم حيث كان أوڤاميندرا وحازم في انتظاره. نظر عامر لهما وهو يسأل بصوتٍ هشّ:
- هل كل حاجة جاهزة؟.
أومأ أوڤاميندرا ثم قال بفصاحةٍ حاسمةٍ: «دوبين لا يملكُ سوى ورقةِ عالمِ الخيال؛ بمجرّد أن يرانا قد دخلنا إلى هناك سيأتي خلفنا. وهناك سنسعى لأن نأخذ منه الترياق الذي يعيدُ وعيَ ابنك، ثم نقتله.»
رد عامر بلهجةِ تحدٍّ:
- لن نحاول، بل نقتله، وأنا من سأقتلُه بيدي.
قال أوڤاميندرا بهدوءٍ: «حسناً، ولكن قبل أن نقتله، سنأخذ منه ما نحتاجه من ترياقٍ ليَفِيقَ بهِ طلحة.»
عامر:
« أخبرني دوبين أنَّ لن تفتح إلا باكتمال الكتاب».
أوڤاميندرا:
«البوابة قد تُفتَحُ دون الورقة، لكننا لن نخرجَ منها دونها.»
تحرّك الهواء حولهم وكأنَّ العالمَ كله يحبسُ أنفاسَه؛ أخذوا مواقعهم، شدّ عامر قميصه،
ثم جاءت مكالمة من خولة وقالت له جملة واحدة قبل أن يطمئنها ويغلق الهاتف، همست له:
- اعتن بنفسك من أجلنا، رجاءً.
ابتسمَ ابتسامةً مؤلمةً، ثم جهز الثلاثة سيوفهم-التي أحضروها منذ سنوات من غرناطة-
خطا الثلاثةُ نحو البوابة. الضوءُ تلاشى، ورائحةُ حبرٍ قديمٍ تبعثرت في الجو، وإحساسٌ غريبٌ بالتحوُّلِ اجتاحهم.
قال أوڤاميندرا أخيرًا : «كونوا مستعدّين، فالعالمُ الذي كتبتموهُ سيكونُ ساحةً لاختبارِ عزمكم. إنَّ قوة دوبين تنقُص هناك، لكنّه ليس صيدًا سهلاً. وإن كان عليه أن يختار بين الفريسة وصائدها، فلن يختار دور الفريسة أبدًا حتى الموت، فاحذروا خِداعَه وشِبَاكَه.»
ثم تخطّوا الضوءَ، ودخلوا عالمَ الخيالِ
- عالمٌ حُفِرَتْ تفاصيلهُ بحبر رجلٍ واحدٍ
- هناك حيث ينتظرهم دوبين، وحيث ستبدأ معركةٌ لا تعرفُ الشفقةَ، وفيها سيتبارى الشر والانتقام.
---
«خرجوا جميعًا من البوابة، فتلقَّفهم عالمٌ لا يشبه ما كتبَهُ قلمُ عامر تمامًا. لم تكن الدروب كما رسمها؛ الأبنية كانت على هيئةٍ غير مألوفة، والأشجارُ تفترشُ جذوعًا معقّدةً، والسحبُ في السماءِ كانت تتلوّى كشرائطِ دخانٍ جامدةٍ فوق أرضٍ لا تُسمّى أرضًا. كلُّ شيءٍ هنا يهمسُ بلغةٍ غريبةٍ، لا تقبلُ الاستقرارَ في ذهن رجلٍ باحثٍ عن انتظامٍ يستطيعُ فهمَه.
جلس عامر للحظاتٍ يتأملُ التغيرات، ويحاولُ استدعاء ما تبقّى من ذاكرتهِ عن العالم الذي كتبَه، ثم وقعت عيناه على شيءٍ يتحرك، فلاحظَ من بعيد جسمًا يقترب. أخذوا يختبئون خلف شجرةٍ ضخمةٍ ذات لحاءٍ شائِك، لا يكادون يَظهرون منها.
رأوا المخلوقَ يتجلّى بوضوحٍ كلما اقترب أكثر: جلده كالتمساح، رأسه ضخمٌ بالنسبة لبقية جسده، لا ملامح له إلا عينانِ وحيدتانِ في منتصف وجهه، ويداه طويلتان جدًا تكادان تُلامِسان قدميه. وقبل أن يُكمِلوا صدمتَهُم، خرجَ صوتٌ من شفاهِ عامر على الفور، فقد تذكر شيئًا:
المخلوق دا شبه مخلوق اسمه الهادرون.
قال حازم بنبرة مفاجِئة:
«اه اللي كنت كاتبه في روايتك قبل كدا، فاكر»
عامر: «اه زيه بالظبط، بس أنا مكتبتوش تاني في الكتاب، اي اللي جابه هنا؟!»
أوڤاميندرا :
«ربّما كتبته وأنت لا تدري.»
عامر:
«مستحيل، أنا مكتبتش حاجة زي كدا إلا في رواية....»
حازم:
«كالثيرا، دا لسه كمان فيه بلاوي، مملكة الموتى، وأم الرماد، وغابة النُّذُر، دا أنا هموت وأشوفهم.»
ارتعد الهواء حولهم قليلاً، فتنهد عامر وقال بتثاقلٍ ومحاولةِ طمأنة:
« لو قابلناهم هتموت بس مش هتلحق تشوفهم، بطّل هبل يا حازم، إن شاء الله مفيش الكلام دا.»
ثم همس مخاطبًا الجميعِ بصوتٍ هادئ: «اصمتوا، إذا كان هذا هو الكائن الذي أعرفه، فهو يتغذى على أصوات من حوله؛ إذا تحدّثنا وهو على مقربةٍ منا سيختفي صوتنا لمدة يومٍ كاملٍ.»
سكتَ الجميعُ حتى مرَّ الوحشُ من أمامهم وابتعد. ثم واصلوا السيرَ بحذرٍ شديدٍ، لا يَبدؤونُ الكلامَ إلا بالضرورة؛ فالفضاءُ هنا يتوقّف عن منحِهم تَذوُّقَ الأمانِ. وفجأةً سادَ أجواءَهم صوتٌ عربيٌّ فصيحٌ قادمٌ من الهواءِ، فنظروا إلى السماء فلم يجدوا إلا غرابين يطيران.
أوڤاميندرا بدهشةٍ وحيرة:
«طيورٌ تتكلم.»
كذّب عامر ما سمعه وقال باستهجانٍ:
«ربما نتوهم ذلك؛ لأننا لم ننم جيدًا.»
حازم مبتسمًا ابتسامةٍ ماكرة:
«لأ مش بتتوهموا، دي حقيقة، مش دا شبه اللي انت كاتبه في عالم كالثيرا؟!»
لم يجبه عامر، وظلَّ يسيرُ وهو يفكّرُ ويترقَّب كلَّ مشهدٍ كأنَّه يُمسك بخيطٍ يسقطُ من بين أنامله على الأرض. بحثوا حتى وجدوا مكانًا متواريًا يجلسون فيه لبرهةٍ يلتقطون فيها أنفاسَهم.
اقترب أوڤاميندرا منهم وقال بنبرةٍ تحذيرية: «يجب أن تعلموا أنَّ كلَّ دقيقةٍ هنا تساوي دقيقتين من عمركما البشري. فكلما بقيتما أطول ستدفعان من عمركما الضعف.»
قال عامر بحزمٍ:
«إذن يجب أن نسرع ونجد دوبين.»
قال أوڤاميندرا: «القلادة معك؛ فهو من سيجدنا.»
قال حازم مازحًا ومستثيرًا:
«ما تيجوا ناخد لفة كدا ونستكشف المكان.»
ردَّ عامر بقلقٍ:
«مفيش حاجة من اللي كتبتها موجودة وبتظهر حاجات من كتابات قديمة ليا، حاسس كتباتي دخلت على بعض، الوضع خطر. أنا فاكر كل حاجة بشوفها، أنا وصفت الحاجات دي بتفصيلها قبل كدا في عالم كالثيرا.»
لم تمر لحظةٌ حتى لمح حازم طفلًا صغيرًا واقفًا ويدير وجهه إلى الناحية الأخرى، فاندفع نحوه بنيةٍ بريئة، فناداه عامر وطلب منه أن يتوقف، وفي اللحظة التي التفت فيها، انقلب وجهه إلى قناعٍ لا ملامحَ فيه، ثم قفزَ على حازم كوحشٍ لا يرحم.
حاول حازم أن يهرب، فإذا بقدماه تُمسَكان وكأنَّ الأرضَ صارت لزجةً من تحته.
اندفع أوڤاميندرا وعامر نحوهما بسرعةٍ حادةٍ؛ وضربا الطفلَ المتوحشَ، فأصاباه في مقتلٍ سقط ميتًا.
التفت عامر إليه وهو يقلبه على ظهره، ومرّت في ذهنه لحظةُ إدراكٍ حادة أخرى: تذكَّر أنه قد صوّر مثلَ هذا في روايةٍ كالثيرا. فقال بصوتٍ مضطرب: «عرفت الآن أين نحن، ومن نواجه؛ نحن في عالمِ كالثيرا...»
أجاب أوڤاميندرا:
«وما الخطورة في ذلك؟»
قال عامر وقد علت وجهُه شحوبُ القلق:
«كل شيء هنا خطر؛ كلُّ شيءٍ هنا كتبته من أجل الموت.
عالمٌ لا يصلحُ إلا للقراءةِ فقط. وإذا بقينا هنا سنموت حتمًا.»
قال أوڤاميندرا مُعيدًا تذكيرَهُ بصوتٍ هادئٍ: «قلتُ لك قبل أن نأتي: سندخل، ولكن لن نستطيعَ الخروج دون الورقة.»
تساءل عامر بصوتٍ متهالكٍ:
«لماذا لم يَأتِ دوبين حتى الآن؟»
رد حازم بنبرةٍ ساخرةٍ كعادته:
«تلاقيه دخل على مملكة الموتى وماسكينه بيعجنوه دلوقتي.»
نظرة عامر لحازم كانت مزيجًا من الاستهجانِ والسخريةِ:
«حازم هو انت مبسوط كدا ليه، احنا في مصايب سودا.»
حازم:
«يا صاحبي ليه مكبرين الموضوع كدا احنا أول ما ييجي دوبين الزفت دا هنمسكه كلنا ومعانا أوڤاميندرا السفاح دا هيخلص عليه وهنرجع كلنا وطلحة هيرجع كويس إن شاء الله.»
ردَّ عامر بثقلٍ: «تفتكر هتخلص بالبساطة دي.»
قال حازم واثقًا: «اه طبعًا، انت اللي عيل متشائم ومزودها.»
عامر: «طب ولو دوبين قتلنا احنا التلاتة.»
تلكَ الجملةُ جعلت حازم يَقِفُ للحظةٍ مندهشًا: «لحظة بس، هو ممكن...؟»
أجاب عامر بحدةٍ:
«اه، عادي جدًا ماسمعتش أوڤاميندرا السفاح بتاعك بجلالة قدره قال عنه اي.»
ثم اتخذ نبرةً أكثر جدّيةً وأضاف: «وكله كوم وأهل العالم دا كوم تاني خالص. احنا ممكن نموت لو حاجة منهم لمحتنا أو عرفوا إن فيه بشر في عالمهم.»
قال حازم وقد بدا عليهُ الارتجافُ قليلًا:
«انت بتهزر صح؟، هما دول مش كائنات كرتون زي الروايات.»
قاطعَه عامر بغضب: «كرتون!!، اسكت يا حازم علشان كلامك بيعصبني»
وأضاف مهدّدًا: «والموتى دول بقا كوم تالت لوحدهم.»
تكلم حازم مرتعشًا: «عامر، الموتى...»
رد عامر بصرامةٍ: « مش بهزر يا حازم، اه الموتى عددهم كبير وخطر جدًّا ولو مسكونا...»
ثم نطَقَ حازم بصوتٍ لا يخفي الرعبَ:
«عامر، الموتى وراك!»
التفت عامر لأوڤاميندرا الذي ردد هو الآخر كلمة حازم: «الموتى».
التفت عامر ببطءٍ وابتلع ريقهُ وهو يحدّق في الموقفِ ويتهيّأ لتجهيزِ سيفه. كان المشهدُ أمامهم يكفي ليقتلَ القلوب خوفًا: خمسةٌ من الموتى يقفون أمامهم، يحملون سيوفًا صدِئة، مخلوقاتٌ بدت كأنها عادت من الموت لتوِّها - عظامٌ يكسوها لحمٌ ميتٌ، وجلدٌ أزرقٌ منخورٌ، ووجهٌ مسلوخٌ ينثر في النفوس خوفًا.
هتف حازم بارتباكٍ:
«احنا هنعمل اي؟»
قال عامر بلا ترددٍ:
«هنموتهم.»
تلعثمَ حازم وهو يبتلع ريقه: «الميتين؟!»
عامر:
«اه، أو هما يموتونا»
حازم:
«نموت والناس في جنازتي يقولوا اي، واحد ميت موت حازم، دي هتبقى نكتة مش عزا»
عامر:
«طيب ركز، حاولوا تقطع الراس علطول وهما هيموتوا.»
تردّدَ حازم فصرخَ:
«لحظة بس هو فيه ميت بيموت؟!»
فأنكرَ عامر بسخطٍ:
«انت يلا ماتصدعنيش، مش وقت غباء دلوقتي.»
قال حازم مستجمعًا ما تبقى من جرأةٍ: «حاضر، بسم الله، يا رب أعنا على الكفار دول.»
اندلعت المعركةُ في لحظةٍ، لتندلع شرارةُ حربٍ بين الحياة والموت. تراشقت السيوفُ، وصدىَ ضرباتٍ على عظامٍ قديمةٍ.
كان عامر وأوڤاميندرا يبارزان أربعةً من الموتى، فيما شُدَّ حازم من قِبلِ واحدٍ آخرٍ فجرَّهُ من قدمه كأنه لعبة؛ وظل يجرّه الميت من قدمه وهو يئنُّ حتى سقط سيفه، فبدأ يصرخ في نبرة استغاثة لا تخلو من الهزل: «طب سيبني طيب وأنا هوريك هعمل فيك اي،
- يا كفرة يا ولاد الكلب،
الحقني يا عامر، الميت بيلعب بيا...
يا ربي يعني هدعي عليك بايه أكتر ما أنت ميت!»
ولكن هيهات فلم يترك حازم نفسه فريسةً سهلةً؛ أمسك حجرًا من الأرض ورماه في رأس الميت من الخلف. لوهلةٍ بدا أنَّ الميت يتوقفُ، ثم أفلتَ قدم حازم ونظر إليه.
قال حازم مازحًا:
«هه، اي يا صاحبي ايدك وجعتك ولا اي»
ثم رفع له قدمه وقال:
«خد كمل جر فيا، اوعى تكون فهمتني غلط، كان فيه دبانة على راسك بس.»
اقترب الميت من حازم بسيفٍ مرفوعٍ في بطءٍ دراميٍّ، فأغلق حازم عينيه وهمس بصوتٍ مكسورٍ:
«أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، ثم صرخ أعععععع».
وبعد لحظات فتح حازم عينيه ليجد الميت واقفًا فجأةً،
فقال بصدمةٍ:
«اي يسطا السيف علّق ولا اي؟»
ثم لمسه بيده فانهار الميت وسقط على ظهره.
وقف حازم يلتقط أنفاسه، ونظر إلى عامر وأوڤاميندرا اللذان أنهيا وهقتلا الموتى الأربعة الآخرين:
«شوفتوا الحركة دي، موتّه بلمسة واحدة.»
قال عامر متهكمًا:
«اه، اللي كان عاملك مكنسة من شوية دا؟!»
رد حازم بفخرٍ مصطنعٍ:
«دي كانت خطة، أنا سبته يعمل كل اللي عايزه علشان يتعب، أرهقته.»
تعجب عامر:
«أرهقته!»
فأشار حازم إلى عقله قائلاً: «اعمل بذكاء حتى تعمل ما تحب.»
عامر:
«بفكّر أقتلك معاهم وأرتاح وأريح البشر منك.»
رد حازم بلا مبالاةٍ:
«استنى بس لما أتجوز وأجيب حزازيم صغيرين.»
عامر:
«حزازيم!؟»
ـــ انت يا حبيبي نسلك لازم يقف عندك، ماينفعش يكون فيه اتنين منك في الكوكب، هيولع بينا.»
قال حازم ساخراً: «دا بدل ما تشكرني، أنا قتلتلكم أَمْوَت ميت فيهم، لولايا كان زمانكم ضايعين.»
عامر:
«على فكرة أنا اللي قتلته بالسيف ولما انت فتحت عينك وقع، شكله كان ممثل قبل ما يموت، وبعدين اي أموت ميت دي.»
حازم: «بطّل صفار وحقد بقا شوية.»
عامر: «حاضر.»
ثم عاد الصمتُ لبرهةٍ، إلى أن سأل عامر أوڤاميندرا:
«أين سنذهب الآن؟ لم يأت دوبين إلى الآن.»
"- ومن قال ذلك؟...
صوتٌ من خلفهم، عميقٌ، قريبٌ، لا يُدرَكُ مصدرُه، لكن يبدو أنه يعرفهم جيدًا
حازم:
«هو الصوت دا جاي مين؟»
أوڤاميندرا:
«لا أدري»
حازم:
«لا تدري ازاي، مش انت ساحر، كل حاجة لا تدري، انت أكيد كنت بتغش السحر من زمايلك».
وهنا تحدث الصوت مرة أخرى:
«أوڤاميندرا، كنت أنتظرك...»....
رواية شفرة أوڤاميندرا (2)، عالم الخيال " كالثيرا " الفصل الرابع 4 - بقلم م/ مُصطَفَى النَّجَّار
ظهر دوبين، يتقدّم بخطواتٍ ثقيلة، جسده العملاق يقارب حجم أوڤاميندرا، إلا أنّ وجهه كان حالكًا، وعيونه غائرة مسوّدة تشعّ شرًّا خالصًا. كان شكله وحده كافيًا ليبث الرعب في قلب من يراه.
قال عامر بصوتٍ مرتجفٍ غاضب:
«دوبين، أقسم بالله إن لم تعدابني كما كان، سأق...»
قاطعه العملاق في ازدراء:
«أنت لستَ في موضعٍ يسمح لك بتهديدي.»
ثم حوّل نظره إلى أوڤاميندرا، وقال بصوت متغطرس:
«هل أحضرتَ الكتاب... أم ستتخلّى عن صديقك وابنه؟»
لمّا التقتا عينا عامر بأوڤاميندرا قال بحزمٍ:
«أعطِه كتابه.».
لكن أوڤاميندرا هزّ رأسه، وقال:
«إن أخذه... لن يتركنا أحياء، وسيترك ابنك يعاني حتى الموت.»
تقدّم عامر خطوة، وصوته يتصدّع:
«ابني ليس له ذنب فيما يجري... أعده كما كان يا دوبين، واجعلني مكانه إن شئت، وافعل بي كل ما تريد.»
نظر دوبين إليه باستغرابٍ ممزوج بالسخرية، ثم قال:
«إن أعطيتني الكتاب... ستعود أنت وصديقك بالترياق إلى ابنك، وسأنهي ما بيني وبين أوڤاميندرا من حسابات.»
رد أوڤاميندرا باستهزاء:
«كفى خداعًا. أنت تخطّط لقتلنا جميعًا، حتى لا يطاردك أحد منّا بعد أن تأخذ الكتاب.»
لكن عامر أدار رأسه بسرعة نحو دوبين، وصاح:
«دوبيييين... انتهى الكلام! أعطِنا الترياق، وإلا سنقتلك.»
ضحك دوبين ضحكةً طويلة مجلجلة:
«تقتلونني... أنتم؟!»
قال أوڤاميندرا:
«لا حاجة للقتال. أعطِنا الترياق، ودعنا نرحل جميعًا في سلام.»
ابتسم دوبين ابتسامة سوداء:
«لن نرحل جميعًا... إلا بالموت.»
وفجأة، رفع يده الضخمة، فانطلقت من كفّه أفاعٍ سوداء، متجهة إلى الثلاثة.
صرخ عامر:
«دعني أذهب إلى ابني!»
قال دوبين بازدراء:
«كلّكم بلا قيمة... إن لم أحصل على الكتاب.»
وبينما كانت الأفاعي تقترب، تقدّم أوڤاميندرا فجأة وبسط ذراعيه أمام عامر وحازم.
ثم قال:
«عامر... أنت لا تدرك ما يعنيه الكتاب بالنسبة له. إن أعطيناه إياه... لن يبقى شيء في العوالم السبع قادرًا على ردعه.»
قال عامر وهو يصرخ:
«ولكن، ابني!»
قاطعه أوڤاميندرا:
«سأحميه كأنه ابني... ولكن ليس بالاستسلام.»
وبحركةٍ واحدة، صنع أوڤاميندرا أمامهم مرآةً حمراء، تظهر كجحيمٍ مستعر.
ارتعد وجه دوبين لأول مرة.
ثم قال بصوت متحشرج:
«مرآة الظلام!»
أوڤاميندرا:
«أعطِنا الترياق... وإلا سأحبسك فيها للأبد.»
زمجر دوبين قائلًا:
«أنت تلعب بالنار يا أوڤاميندرا.»
أجابه:
«قواك تضعف هنا... ولا تستطيع مجاراتي، ولا حتى إنقاذ نفسك. خيارك واضح: الترياق... أو السجن الأبدي.»
صرخ دوبين أخيرًا:
«خُذ الترياق.»
أوڤاميندرا:
«عامر... اذهب وأحضر منه الترياق... والورقة.»
زمَّ دوبين حاجبيه:
«اتفقنا على الترياق فقط.»
أوڤاميندرا بصرامة:
«بل سنتفق على كلّ ما أطلبه... وستفعله وأنت صاغر ذليل.»
دوبين:
«وكيف أضمن... أنك لن تسجنني بعد أن تأخذهما؟»
أوڤاميندرا:
«أنا لا أغدر ولا أخون كلمة أعطيها.»
ثم حرك رأسه نحو عامر:
«هيا.»
اقترب عامر من دوبين، وأخذ الترياق والورقة، وعاد.
فأغلق أوڤاميندرا مرآة الظلام، وقال لدوبين بصوتٍ هادئ:
«اذهب.»
دوبين:
«ألن تُخرجني من هذا العالم معكم؟!»
قال أوڤاميندرا:
«ذلك لم يكن جزءًا من الاتفاق...ثم إنني لم أدخلك لأخرجك. اخرج كما دخلت.»
ارتعشت ملامح دوبين في غضب:
«لن أظلّ هنا لأموت في هذا العالم وحدي.»
أوڤاميندرا:
«ليس لديك خيار.»
قال دوبين بصوتٍ مظلمٍ يحمل وعيدًا:
«بل لديّ...يا أوڤاميندرا.»
وفي لحظة، انفجرت عيناه بسوادٍ كثيف، خرج منه ظلامٌ تجسّد في هيئة وحشٍ عملاق، صرخ صرخةً مدوّية اخترقت السماء.
قال عامر مذعورًا:
«ماذا يفعل هذا الوغد؟!».
قال أوڤاميندرا:
«إنه يستدعي جيش مملكة الموتى.»
قال حازم وهو يرتجف:
«جيش الموتى؟!...لا يا عم مش لاعب! أنا عايز أروح لأمي»
قال عامر:
«لماذا لا نفتح البوابة ونهرب قبل أن يأتوا؟».
قال أوڤاميندرا:
«سأحاول.».
وبعد محاولاتٍ طويلة...
قال عامر:
«لماذا لم تُفتح؟!»
أجاب أوڤاميندرا بقلق حقيقي:
«إنها...لا تستجيب.»
قال عامر:
«دوبين...لن تنجح خطتك.»
قال دوبين:
«في كل الأحوال لن أموت وحدي...ننجو جميعًا...أو نموت جميعًا.»
صرخ حازم في ذعر:
«يعني إيه مش عارفين نخرج؟! يعني خلاص هنموت؟!»
قال عامر بغضب:
«لا! مش هسمح بكده!»
أوڤاميندرا:
«وماذا سنفعل الآن؟».
عامر:
«سنركض ونختبئ في أي مكان قبل أن يصلوا. هيا!».
لكن ما إن تحركوا حتى أطلق دوبين قيودًا شجرية ضخمة قيدت ذراعي وقدمي أوڤاميندرا بغتة.
التفت عامر وحازم، فرأوه مقيدًا.
فألقى أوڤاميندرا الكتاب إلى عامر وصاح:
«اركضا! ولا تتركا الكتاب له أبدًا!»
قال عامر:
«لا! لن أتركك!»
صرخ أوڤاميندرا بجنونٍ لأول مرة:
«ابنك يحتاجك!! وإذا بقيتما هنا... سنُقتل جميعًا! اذهبااا!»
ركضا، يجريان بلا هوادة، حتى وصلا إلى كوخٍ حجريٍّ مهجور، فدخلاه.
جلس حازم لاهثًا، ثم صرخ:
«هنعمل إيه دلوقتي؟!».
قال عامر وهو يضرب الجدار بقبضته:
«مكنش ينفع نسيب أوڤاميندرا ونجري...»
صرخ حازم، وقد انفجر غضبًا:
«بس كان ينفع نموت معاه! وابنك كمان يموت! صح؟!»
رد عامر وقد اشتعل صدره ألمًا:
«إحنا من غيره أصلاً مكنّاش هنقدر نيجي هنا! هو ساعدني علشان ابني... وأنا سبته وجريت! أنا أندل وأجبن إنسان في الدنيا!»
صرخ حازم في وجهه:
«يا ريتك كنت ندل وجبان بجد! مكنش كل دا حصل فينا من الأول!»
قال عامر بحدّة:
«يعني كنت عايزني أعمل إيه؟! أسيب ابني يموت قدّام عينيّ؟! كنت هتبقى مبسوط؟!».
صفق حازم بيديه قائلًا:
«لو من البداية ما مشيتش ورا حتّة ورقة! ولا رحنا العالم الزفت بتاع غرناطة! ولا الحروب ولا الموت!... احنا ضيّعنا عمرنا علشان حبيبة القلب سارة!... وفي الآخر اتقتلت بسببك أِنت!!، وكل اللي ماتوا بسببك أِنت».
تجمّد عامر، كأن الكلمات اخترقت صدره.
وقال بصوتٍ منكسر:
«أنا... قتلت سارة؟... أنا قتلتهم؟»
صرخ حازم:
«أيوة! وأِنت اللي هتقتلنا احنا كمان! وهتقتل طلحة! ومش بعيد تقتل مراتك وبناتك وأهلنا كلهم!»
كان الكلام أثقل من أن يُحتمل.
سقط عامر على ركبتيه كأن الأرض انزلقت تحته، وارتخت يداه، ونزل رأسه، وتفجّرت دموعه كالسيل.
لكنها لم تكن مجرّد دموع... كان انهيارًا كاملًا لرجلٍ تحطّم داخله كل شيء.
قال وهو يبكي بحرقة:
«قتلتهم... قتلت سارة... وابني اللي ما شافش الدنيا... وسعيد... وأم سراج الدين...! وأنا اللي هقتل الباقيين... أنا السبب...»
نظر حازم إليه، فشعر بثقل ما قاله يصفعه بقسوة.
اقترب منه، وجلس بجانبه يحاول تهدئته، لكن عامر كان قد تجاوز قدرة الاحتمال...
وفجأة...
مال جسده إلى الأمام، وارتطم بالأرض بلا حراك.
صرخ حازم:
«عامر!!»
لكن عامر... كان قد سقط مغشيًّا عليه.
---
في عالمٍ آخر، وفي مكانٍ لا يمتُّ بصلةٍ لما يجري في كالثيرا، كانت امرأةٌ ترقد في هدوء الليل، تحتضن طفلها الصغير وكأن حضنه الدافئ هو آخر ما يربطها بالحياة. وبينما ينساب السكون على المنزل، ارتجفت فجأةً من كابوسٍ جثم على صدرها، ثم استيقظت مفزوعة وهي تصرخ:
«سراجُ الدين!».
انتفض الطفل من نومه، فضمّته بقوةٍ وربّتت على ظهره حتى عاد إلى غفوته، أمّا هي فظلّ جفنها معلقًا بالباب، لا تعرف سبب ذلك الرعب الذي نهش قلبها.
ثم سمعت خطواتٍ بطيئة تقترب...
خطوة... ثم أخرى...
حتى صارت عند باب غرفتها تمامًا.
شدّت طفلها إلى صدرها وقالت في سرّها:
«يا الله...»
بحثت عن أي أداةٍ للدفاع، وقعت يدها على سكينٍ. أمسكته، ووجهته نحو الباب.
وفجأة... انفتح الباب بقوة، وظهرت في إطاره امرأةٌ ملثمة، لا يبدو من وجهها إلا عينان محمّلتان بالشر.
قالت الأمُّ بصوت مرتجف:
ـــ من أنتِ؟!
قالت الملثمة ببرودٍ:
ـــ أنا من ظللت أبحث عنكِ لسنوات...لأقتلك.
ـــ تقتلينني؟ لماذا؟!.
ـــ هذا ثأرٌ... وقصاص.
ـــ لم أقتل أحدًا في حياتي، لستُ أنا مَن تبحثين عنه.
صرخت الملثمة:
ـــ بل أنتِ! أحفظ وجهك جيّدًا... وجهك الذي يلاحقني في أحلامي، ويشعل في قلبي نار الوحدة والغيظ... لقد قُتِل زوجي بسببكِ، وقُتلت أختي بسببكِ، ثم تقولين بكل بساطة: لم أقتل أحدًا؟!.
رفعت المرأة سكينها وقالت بلهجةٍ حادة:
ـــ إن اقتربتِ سأقتلكِ.
ولكن الملثمة تقدمت بخطواتٍ بطيئة وهي تبتسم:
ـــ سأقترب... وسأقتلكِ أنتِ وهذا الأمير الصغير... ومن حسن الحظ أبوه ليس هنا لينقذكما.
انقضت على المرأة وألقتْها أرضًا، وضعت السكين على رقبتها، وقالت:
ـــ سأسمح لكِ بجملةٍ أخيرة يا سيدتي.
فهمست الأمّ والدموع تتساقط من عينيها وصوتها يختنق:
ـــ لا تقتلي ابني من بعدي... اتركيه عند السيدة العجوز في البيت المجاور... أرجوكِ.
قالت الملثمة وهي تبتسم ابتسامةً ساخرة:
ـــ حسنًا... ثأري عندكِ أنتِ وحدكِ، لا عند طفلٍ صغير... اطمئني، أريدكِ أن تطمئني بينما أنحرُ عنقك.
وفي تلك اللحظة...
استيقظ الطفل الصغير، ورأى السكين فوق عنق أمّه، فصار يصرخ ويبكي...
---
كان حازم يهزّ عامر بعنفٍ وهو يقول:
حازم: عامر، فوق يا صاحبي، فوق أبوس إيدك... دوبين أو الموتى ممكن يلاقونا في أي وقت وهيقتلونا!.
فتحت عينا عامر ببطء، ونظر إلى حازم نظرةً طويلة، كأنه لم يعد يملك في جوفه سوى الصمت.
حازم: الحمد لله...خضّيتني عليك يا عم.
جلس عامر وأسند ظهره إلى الحائط، دون أن يتفوه بكلمة، دون تنفّسٍ يكاد يُسمع.
حازم: حقك عليّا... أنا قلت كلام مكنش ينفع يتقال... بس أنا كنت متعصب... وأِنت عارف وأنا متعصب بقول أي كلام.
نهض عامر فجأةً وخرج من الكوخ. تطلّع إليه حازم بتعجبٍ، ثم لحقه.
حازم: طب احنا رايحين فين؟، رد عليا يا عامر، أنا مش عيل بيكلمك.
لم يرد عامر، وظلّ يمشي بين الأشجار، وحازم يلتفت يمينًا ويسارًا خوفًا من أي مخلوقٍ قد ينقضّ عليهما.
وصل الاثنان إلى هضبةٍ عالية، ثم توقف عامر ونظر إلى جبلٍ شاهق على مد البصر.
حازم: عامر، رد بقا...أنا مش بهزر!.
عامر (بصوتٍ هش): الجبل.
حازم: ليه؟.
عامر: مش هنعرف نفتح البوابة ونرجع لعالمنا... قبل ما نقتل ملك الموتى الأول.
حازم: إزاي؟ عرفت منين؟.
عامر: أنا اللي كاتب العالم دا بإيدي... مش عارف إزاي دخلناه بدل العالم التاني... بس كل حاجة بتقول إن دا عالم كالثيرا. ولو هو... يبقى النجاة في الجبل. لازم نوصل للجبل... وهفهمك كل حاجة هناك.
سارا معًا بين الأشجار، يتسللان في صمت.
حازم: بص... هناك في حاجات بتتحرك.
اقتربا، حتى رأيا كائناتٍ غريبة تتحرك ببطءٍ حول بعضها.
عامر: دول أبناء الليل...خُدّام المرأة الحمراء.
حازم: دول زي الطفل اللي هاجمني وقتلناه... صح هو العالم دا مفيهوش نهار ولا اي؟
عامر: لا... ليل بس.
حازم: طيب ليه نقتل ملك الموتى؟.
عامر: علشان البوابة اللي أوڤاميندرا كان بيحاول يفتحها... ظهرت عند عرش ملك الموتى. فس مكان اسمه المرجاز. قاعة عرش الملك... كل حاجة غريبة بتحصل في كالثيرا لأول مرة بتظهر قدّامه في المرجاز.
حازم: يعني لازم نقتل ملك الموتى؟ وبس كدا؟! وطبعا لازم نقتل الموتى كلهم اللي بيحرسوه... لأ بقى، بلاش جنان يا عامر!.
عامر: في الجبل أسلحة من أيام بشر كالثيرا... اتعملت مخصوص لقتل الموتى... ومن مسافات بعيدة.
حازم: طب وبشر كالثيرا دول... راحوا فين؟.
عامر: ماتوا... قتلوهم الموتى.
حازم: طيب ما هما عملوا السلاح الخطير ده... وفي الآخر ماتوا برضو!.
عامر: لو عندك خطة تانية قول... ولو معندكش... اسكت.
سكت حازم على مضض.
حازم: طيب...هنعدي إزاي من أبناء الليل دول؟.
عامر: مش هنعدّيهم...احنا هنروحلهم... ويساعدونا.
حازم: يا سلام! يعني ببساطة كدا هنقولهم ساعدونا احنا مش من هنا يا ولاد خالتي؟، وهيساعدونا.
عامر: لأ...لو شافوني مش هيؤذوني. أنا كنت كاتب نفسي بطل في العالم دا... إني هنتقم للبشر... وأقضي على الموتى علشان باقي الممالك تعيش في سلام.
حازم: قصدك تقول إنك جزء من العالم دا؟
عامر: دلوقتي...اه.
حازم: متأكد؟.
عامر: إن شاء الرحمن.
خرج عامر من خلف الأشجار ونادى عليهم. توقفت حركة أبناء الليل، ثم استداروا إليه... عشرات الأوجه المطموسة بلا أي ملامح تذكر.
حازم: يلا نهرب... شكلهم ناويين على شر!
عامر: اثبت... مفيش اختيار تاني لو رجعنا لورا تاني هنكون في اتجاه الموتى.
بدأوا يحيطون بهما...
حازم: الحق! دول بيلفّوا حوالينا! اعمل أي حاجة!
رفع عامر صوته:
ـــ أنا عامر... من عالمكم... جئت لأخلّصكم من الموتى، وهذا صديقي.
حازم (همسًا):
طيب هما معندهمش وش ليه؟ أنا مش عارف وشهم من قفاهم!
عامر: اصبر...بيشمّونا.
حازم: بيشمّونا إزاي؟ أنا مش شايف غير قفا وقفا!
عامر: بجلدهم.
حازم: وبيتكلموا منين؟
عامر: بطنهم.
حازم: يا ربي! يعني يوم ما أدخل رواية... تطلع من كتابة الأهبل دا؟!
عامر: اسكت بالله عليك، مش وقت الكلام دا.
فجأة ضرب أحدهم حازم على ركبتيه فسقط على الأرض.
عامر: لماذا ضربتموه؟ أخبرتكم أنه صديقي!.
أحد أبناء الليل: إنه غريب...ويجب أن نأخذه أسيرًا للمرأة الحمراء.
عامر: حسنًا... خذوه إليها.
حازم: يا عامر يا غدار!، يا غدار.
قيّدوه، وحملوه، وظلّ يصرخ:
حازم: سيب يلا... سيبوني وأنا هوريكم... طب تعالولي راجل لراجل!، طب سيبوني وأنا مش هعمل كدا تاني.
رفع عامر يده:
ـــ وخذوني أنا أيضًا إليها.
---
المرأة الحمراء
دخلوا أرضًا واسعة يغمرها الضوء الأحمر المنبعث من وهجٍ مجهول. كانت هناك امرأةٌ عجوز ذات شعرٍ أحمر، محاطةٍ بمئاتٍ من أبناء الليل.
وقفت أمامهم وقالت:
ـــ من أنتما؟ ولماذا عبرتما حدودي؟.
عامر: أنا عامر من بشر كالثيرا... وهذا صديقي حازم.
رفعت حاجبها وقالت بحدة:
ـــ بشر كالثيرا؟! أنا آخر من تبقّى منهم... أمي هربت إلى الجبال خوفًا من الموتى، ولم يكن معها غيري... حتى عثروا علينا... و... رأيتهم يقتلونها أمام عيني.
خفض عامر رأسه قليلًا:
ـــ آسفٌ لما حدث، ولكن إن كنتِ آخر البشر... فمن أين جئنا نحن؟ هل أسقطتنا السماء؟.
قالت المرأة الحمراء:
ـــ لماذا جئتما؟، وما الذي تريدانه؟.
عامر: جئت لأعرض عليكِ عرضًا.
ـــ أي عرض؟.
عامر: الموتى استولوا على كل الممالك... والكلّ مشرّد... وكل يوم يقتلون المزيد. إن لم نتحد جميعًا... سنفنى جميعًا.
حازم: ماتتحمسش أوي كدا يسطا... أكيد مش هنحاربهم بشوية الأطفال دول.
تجاهله عامر وقال:
ـــ كل من تضرّر من الموتى... هو عدوّ للموتى.
قالت المرأة الحمراء بمرارة:
ـــ إنهم جبناء... يخافون الموتى لأنهم أقوى وأكثر عددًا.
رفع عامر صوته قائلاً:
ـــ إذا توحّدنا... سنكون أكثر... وأقوى.
---
ساد الصمت في قاعة الحمراء حين أطلقت كلماتها الأخيرة، ثم حدّقَت في عامر بعينين تقدّحان شررًا وقالت بحدة:
«أنت تطلب المستحيل أيُّها الأحمق.»
رفع عامر رأسه بعزةٍ:
«لستُ أحمق... أنا عامر.»
حازم :
«أيوة اديها.»
ثم صرخ متألمًا:
«ــــ بتضربوني أنا ليه، هو اللي قال يا ولاد الجزمة؟!».
لم تلتفت إليهما الحمراء، بل تابعت حديثها:
«الحمقُ وصفٌ أقل مما يجب وصفك به. أنت بكل بساطة تريدني أن أجمع أبناء الليل مع الهادرون مع النِيَالة مع الأسافير مع القباطبة. أنت مجنون.»
همس حازم بعينين متسعتين: «هما مين اللي قالتهم دول يا عامر؟»
فأجابه: «أجناس كالثيرا.»
عامر موجّهًا كلامه للحمراء:
«سنَجمعهم... كلّهم. إن وجدونا قادرين على الاجتماع سيأتون، ولن يرفضوا الاجتماع ضد عدوٍّ واحد. نحتاج فقط خطوة أولى... ودعوة رسمية لهم.»
هزّت المرأة الحمراء رأسها بسخرية:
«فكرة جيدة... ولكنك نسيت شيئًا صغيرًا.»
«وما هو؟» سألها عامر بحدة.
«لن يوافقوا على المجيء إلى هنا أصلًا.»
«لِمَ؟»
«لأننا... كلنا... في حالة حرب. كلُّ جنسٍ يقتل الآخر منذ عقود.»
أجاب عامر بنبرة تحدٍّ:
«إذن نحتاج طريقةً تجبرهم على المجيء.»
ردّت بصرامة: «لن يحدث هذا أبدًا.»
«بل سيحدث.» قالها عامر وملامحه تمتزج بالغضب واليأس.
صرخت المرأة: «إن لم تذهبا من هنا سأقتلكما الآن!»
اقترب عامر خطوة وقال بصوتٍ مختنق:
«ابني يموت... وسأقاتل الموتى... وسأقتلهم جميعًا ولو قاتلتهم وحدي.»
قال حازم هامسًا: «اهدا يا عامر... فضحتنا.»
هنا تغيّر وجه الحمراء حين سمعت كلمة "ابني":
«ابنُـك؟ ألديكَ ابنٌ أيضًا؟ لِمَ تبكي؟»
لكن عامر لم يجبها.
أدار ظهره وسار مبتعدًا وهو يمسح دموعه بكمّه.
نادته الحمراء بصوتٍ لم يسمعه منها من قبل... صوت هادئ رقيق:
«انتظر...»
توقف عامر، فتابعت:
«سأمنحك فرصة. أثبت لي أنك قادرٌ على جمعهم.»
التفت إليها وقال بامتنان:
«شكرًا. أريد كتابة رسائل إليهم.»
قالت: «لك ذلك. أحضروا له الأوراق.»
جاؤوا بأوراقٍ قديمة، وما إن أمسك بها عامر حتى نطق بكلمات الرسائل، فتحرك الحبر وحده فوق الصفحات، كأن قوة خفية تكتب نيابة عنه. وحين انتهى منها، رفرفت الأوراق ثم انكمشت وتحوّلت إلى طيورٍ سوداء بأجنحةٍ تتلألأ بشررٍ أزرق، وانطلقت كلُّ واحدةٍ منها في اتجاه جنسٍ من الأجناس.
نظر حازم إلى السماء وهو يتابع الطيور وقال:
«رسايل على شكل طيور؟ أنا تقريبًا مقرأتش غير أول فصل في روايتك... فمش عارف فيها إيه تاني. هو فيها إيه تاني يا عامر؟، أنا بدأت أخاف.»
فقال عامر وهو يمسح عرقه:
«اجمد... لسه الخوف الحقيقي مجاش.»
حازم: «المفروض كده يطمني؟ حسبي الله ونعم الوكيل.»
قالت الحمراء وهي تقف:
«لقد أخبرتهم في الرسائل أن الموتى يخططون للهجوم عليهم جميعًا... وهذا لم يحدث.»
عامر: «كان سيحدث يومًا ما.»
الحمراء: «هل تتوقع مجيئهم؟».
عامر: «أتوقع مجيئهم... لا شيء يحرك القلوب أكثر من تخييرها بين الموت... والموت.»
ثم نظرت إلى عامر نظرة فاحصة:
«يبدو أنك ذكي وماكر يا عامر... ألن تخبرني قصة ابنك؟ كيف لك ابنٌ؟ وكيف ظهرتم في هذا العالم بعد سنواتٍ من فناء البشر؟».
عامر تنفّس ببطء:
«لاحقًا... سأخبرك.»
الحمراء: «حسنًا... سأكرمكما كضيفين. لكن إن شممت منكما رائحة غدر... سأجعل موتكما عبرة.»
عامر: «أعدك... كما جئنا في سلام... سنتمّم مهمتنا ونرحل في سلام.»
ثم تابع متسائلاً: «متى سيأتي الردّ؟، ومتى يصلون إلينا؟»
أجابت:
«إن نجحت خطتك... فربما بعد أيامٍ قليلة تعثر الرسائل على هدفها. أما قرارهم... فهذا سؤال إجابتهم عندهم فقط.»
---
أمرت الحمراء خُدّامها بتجهيز كوخٍ وفرش للنوم للضيفين.
ومضت الأيام ثقيلةً حتى جاء اليوم الثالث... فعادت الرسائل واحدةً تلو الأخرى، وكلُّ واحدةٍ تحمل رد الموافقة.
وبعد سبعة أيام، ظهر ممثّلو الأجناس كلها عند حدود أراضي الحمراء... للمرة الأولى في تاريخ كالثيرا.
وقفوا في الساحة الواسعة، وكل جنسٍ منهم بدا كأنه صفحة من كتاب أسطوري:
١- "النِيَالة"
مخلوقات طويلة الأجساد، شفافة الجلود، تُرى عروقها بوضوح بلونٍ أزرق، وعيونها واسعة تشبه عيون الغزلان، لكن بلا جفن.
يعيشون في المستنقعات القديمة، ولهم قدرة على السير فوق الماء.
٢- "الأسافير"
كيانات رشيقة لها أجنحةٌ تشبه أجنحة الخفافيش ولكنها من ضوءٍ أبيض مختلطٍ بالصفرة.
وجوههم ذات ملامح حادة، وعيونهم تشعّ كالجمر إذا غضبوا.
يُعرفون بسرعة هجومهم وقدرتهم على الانقضاض من ارتفاعات شاهقة.
٣- "القباطبة"
أضخم مخلوقات كالثيرا حجمًا، قصار القامة لكن عضلاتهم تفوق الحجم، بنيتهم كأنها نُحتت من صخور البازلت.
لهم قرون مقوسة ووجوه غير بشرية أشبه بالأقنعة الحجرية.
سلاحهم المفضل هو المطارق العملاقة.
أما الهادرون وأبناء الليل فقط سبق ذكرهم وتوصيفهم.
---
وبين وسط هذه الأجناس كلها... وقف عامر وحازم والحمراء.
كان الجمعُ كله ينظر إلى عامر... الرجل الذي لم يكن قبل أيامٍ سوى غريب.
ولكن اليوم هو الرجل الذي جمع ما لم يجتمع منذ ولادة كالثيرا.
---
وُضِعَت الخطة المحكمة، وكان قائدها ومنسّق خطواتها عامر. اتّفقت جميع الأجناس على جمع الأسلحة أولًا من الجبال لتوزيعها على جنود الجيش المشترك؛ تلك السيوف المصنوعة من أحجارٍ تُطلق ضوءًا حارقًا يكفي لتفتيت أجساد الموتى في لحظة. وتعاهد القادة على أن يعود كلُّ جنسٍ إلى مملكته القديمة دون تعدٍّ أو طمعٍ في مُلكِ غيره، ليضمنوا أن يعيش الجميع في سلامٍ إن هم انتصروا.
بناءً على الخطة، سيُطوّقون الحصن من كل الجهات ليُباغِتوا الموتى بهجومٍ خاطف لا يتركون له فرصةً للرد. أبناء الليل والهادرون سيغيرون من الخلف، والنيالة من الجانب الشمالي، والقباطبة من الجنوب، بينما يقود عامر وحازم مجموعة الأسافير لاقتحام بوابة الحصن الرئيسية.
وبعد أن انتهى الاجتماع، مضى الجميع للراحة قبيل الهجوم بساعات قليلة، وعاد عامر وحازم إلى كوخهما.
داخل الكوخ، جلسا على فراشهما.
حازم: عامر.
عامر: نعم.
حازم: أنا زهقت من الأعشاب اللي بناكلها، والأعشاب اللي بنعصرها في بوقنا بدل الماية.
عامر: عندك حل تاني؟
حازم: اه عندي، يعني أكيد الناس هنا فيه حاجات بيتغذوا عليها، أكيد مش عايشين كدا.
عامر: أولًا دول مش ناس، ثانيًا آه... عايشين كدا، وحتى الست اللي فيهم زينا عايشة كدا عادي.
حازم: طيب هما بيتغذوا على اي؟
عامر: الصوت، الدم، الهواء، النار.
حازم: يعني خلاص ضاقت بيك الدنيا مجاش في دماغك تكتب حد بيتغذى على بطاطا ولا موز حتى؟.
عامر: لأ... كنت كاتب عالم جميل يا حازم، أنا لحد دلوقتي مش مستوعب احنا ازاي جينا هنا.
حازم: عامر، هو انت لسه زعلان مني لما قلتلك انت قتلت سارة والناس اتقتلوا بسببك؟
عامر: لا عادي ولا يهمك، حصل خير.
حازم: أنا أول مرة أعمل حاجة زي كدا أو أعلي صوتي عليك... سامحني. وعلى فكرة انت أنقذت غرناطة وحررت الأندلس... انت قائد عظيم. معرفش هو عالمهم دا هيتطور زي عالمنا وهتتذكر في التاريخ ولا هما العالمين داخلين في بعض ولا مين تبع مين... أنا معدتش فاهم حاجة. المهم انت إنسان طيب وجميل... آسف.
ــــ واطمن، ابنك هيكون بخير وأهلنا كلهم.
ابتسم عامر ابتسامة خفيفة وقال:
عامر: حصل خير يا حزوم، بس لو عملتها تاني هفلقك نصين.
ضحك حازم: حاضر... حقك تقول كدا، ما انت بقيت سوابق.
ثم تمددا على الفراش.
عامر: يلا بينا ننام شوية، بعد ساعات هيكون عندنا يوم طويل وحرب.
حازم: تفتكر ممكن نموت؟.
عامر: لسه بتخاف من الموت؟.
حازم: بقيت بقول لأ، بس لما بيكون خلاص مقرب مني... بخاف.
ــــ هو أنا ممكن أقولك سر؟ حاسس إن دا وقته... يمكن أموت بكرة وملحقش أقول... كنت هزعل أوي.
عامر: حازم يا حبيبي... انت هتموت يعني مش هتلحق تزعل.
حازم: هو اي دا؟ يا عم انت طمّني وقولي لأ هتعيش.
عامر: معتقدش... وشك شكله كدا ميت بكرة.
حازم: أستغفر الله العظيم... المهم اسمعني.
عامر: سامع.
حازم: أنا... أناااا... أنا يعني... بص هو أنا كنت... انت عارف لما تبقى عايز تقول بس خايف؟.
عامر: خف تهتهة واتكلم... ماتخافش من حاجة.
حازم: تفتكر لو اتقدمت لدكتورة هتقبلني؟.
عامر: على حسب.
حازم: يعني اي؟.
عامر: يعني الجواز أمر نسبي ومتغير من شخص للتاني... مفيش قاعدة ولا مقياس للكل.
حازم: معاك حق. طيب هو أنا حلو؟.
عامر: حلو بس؟!، انت سكر... انت عسل... انت فاقع مرارتي ومرارة اللي خلفوني.
حازم: لأ بجد.
عامر: شكلاً كويس، وراجل ومحترم، وتعرف ربنا... أعتقد دي أساسيات كويسة عندك تقدر تبني عليها احتمال إنك ممكن تتقبل بنسبة اتنين في المية.
حازم: تصدق أنا غلطان أصلًا إني بكلمك؟ انت عيل فقر، ومايجيش من وشك خير.
عامر: وقليل أدب ولسانك طويل... كدا الاتنين في المية راحوا.
فجأة وقف حازم وقال بجديةٍ وجرأة:
حازم: اسمع ياد... أنا لو مُتّ بكرة، ابقى قول لتسنيم أختك إني بحبها من واحنا صغيرين وكنت بحلم أتجوزها... وكلمة تاني وهغير رأيي.
عامر: ما تغير رأيك يا عم، يعني هو احنا هنموت عليك، طيب ولو عشت؟.
حازم: يا وقعة سودا... تصدق ما فكرتش في كدا؟ هبص في وشها ازاي بعد كدا؟، عامر اوعا تقول... علشان خاطري.
عامر: انت مهزوز كدا ليه؟، انت مش بتطلب حاجة غلط! ... ولما نرجع على خير بإذن الله... ابقا اتقدم.
حازم: بجد يعني عادي؟
عامر: فيه اي يابني... هو انت جربان؟، خليك واثق في نفسك.
حازم: خايف من حاجات كتيرة.
عامر: خايف؟ ماينفعش أبدًا في الحب تكون خايف.
ـــ مفيش في قاموس الحب كلمة خوف... الحب للشجعان فقط... صحيح ممكن تحاول وتحارب وتخسر، بس على الأقل مش هتشوف في مرايتك في يوم من الأيام راجل جبان هرب في أول الحرب.
حازم: انت حمستني... يلا نروح نموت ملك الموتى دلوقتي.
ضحك عامر: نام الله يهديك يا مجنون.
---
ناما حتى أيقظتهما أصوات الجنود يتجمعون في الخارج، ثم خرجا ليجدا القادة في انتظارهم.
المرأة الحمراء: الآن نبدأ الزحف باتجاه الحصن.
عامر: على الله توكّلنا.
زحف الجيش المشترك نحو الحصن بعد دقائق في كتائب منظمة، وعندما وصلوا بدأ تنفيذ الخطة كما وُضعت. وكانت المفاجأة ساحقة؛ الموتى يتساقطون كأوراق الشجر تحت ضربات السيوف المتوهجة.
وخلال تقدّمهما، لمح عامر مشهدًا غريبًا في أحد الأركان.
عامر: بص اللي قاعد هناك دا... ميت براس معزة، قاعد يكتب والحرب شغالة عادي.
حازم: دا أكيد كاتب بير سلم واتسخط معزة.
عامر: فيه واحد زيه تاني أهو بس بشعر.
حازم: اه دي كاتبة بير سلم برضو أنا عارفها.
ضحك عامر: ملناش دعوة يا عم... دي قفوشة أحسن تحبسنا.
حازم: ومالهم يعني كتاب بير السلم... ناس بيكتبوا عن قضايا مجتمعية... بطلوا صفار وحقد عليهم بقا... ولا علشان نجحوا وضلّوا وأضلّوا الناس؟، يا أعداء حرية الرأي والتعبير... يا أعداء قلة الأدب.
عامر:
«على رأيك فين زمن قلة الأدب الجميل، ولا الحلال مخلوش لولاد الحرام حاجة».
واصلوا التقدم حتى دخلوا إلى غرف الحصن. وما إن فتح عامر إحدى الغرف حتى وقف مذهولًا.
عامر: أستغفر الله العظيم... حتى انتوا؟
جاء حازم ونظر فقال:
لأ بقا... أنا شوفت ميت بيجرجرني ماشي... طيور بتتكلم معلش.... رسايل بتطير وماله.
إنما ميتة رقاصة؟ لأ كدا كتير.
سيبولي أنا الطلعة دي.
ــــ فيه اي يا ولية؟
انتي ميتة يا بنت العبيطة... توبي! هيحصل فيكي اي تاني علشان تتوبي؟.
كان القضاء على الموتى داخل الحصن الأول أيسر مما توقع الجميع، ولم يدرك أحدٌ أن هذا الانتصار السهل سيفتح عليهم أبواب الجحيم.
وقفت المرأة الحمراء وسط الجنود وقالت:
المرأة الحمراء: أهدي انتصارنا إلى هذين السيدين، وإلى كل فردٍ من جيشنا. سنحرّر كالثيرا من الموتى... ومعًا سنقضي على الشرور... ومعًا سنعيش في سلام.
هتف الجميع وعلت الأصوات، أمّا عامر فتنحّى جانبًا وقد علت وجهه غمامة من القلق.
اقترب منه حازم وربت على كتفه.
حازم: البومة بتاعتنا اللي مش بيعرف يفرح أبدًا.
عامر: بفكر في الخطوة الجاية.
حازم: اي هي؟.
عامر: الموتى في مملكة الموتى... وملك الموتى نفسه.
حازم: ودي فين؟.
عامر: خلف غابة النذر.
حازم: مالها يعني غابة النذر دي؟
عامر: هحكيلك...
رواية شفرة أوڤاميندرا (2)، عالم الخيال " كالثيرا " الفصل الخامس 5 - بقلم م/ مُصطَفَى النَّجَّار
تصبيرة حتى نزول البارت الجديد 🤝🤎
كنتُ طفلًا،
يحب المطرَ، والخُضرةَ ورؤيةَ الماءِ الجاري،
يحب الاستيقاظ مبكرًا قبل الجميع، ربما لا شيء لديَّ لأفعله،
ولكن عذرًا فجدول يومي مزدحمٌ جدًا وأودُّ ألا أهدر دقيقةً فيه،
كنتُ هكذا دائما،
أكره النومَ وإراحةَ عقلي وقلبي السعيد،
كنتُ الطفلَ الذي لم ينم ليلةً واحدةً من ليالِي العيد،
كنت دائمًا أحبُّ اللحظات الأولى من كل شيء، وأخشى من ضياعِ لحظةٍ جميلةٍ واحدة،
كنت ومازلت أحب أشيائي بكل قسوةٍ وتَمَلُّك،
مازلت أذكر أولَ درَّاجة اشتراها لي أبي ومازلت محتفظًا بها، بل وأُحَرِّمُ على أبناء إخوتي لمسها،
أتذكر أول فانوسٍ وأولَ لعبةٍ تمامًا كما أتذكر آخرها،
مازلت أحتفظ بكل شيء من طفولتي،
دراجتي، كرتي، فانوسي، لعبتي، وأوراق دراستي،
كل شيء ما زال في خِزانتي،
أذهب إليهم كلما أثقلتني الدنيا وأعطتني لكمةً مؤلمة، أحملهم بين يديَّ وأشردُ بهم في عالمٍ آخر،
عالمٍ لا يمكن أن يعود، تمامًا كقلبٍ وأحلامٍ لن تعود،
والآن،
انتهى كل شيء من ذلك الطفل تقريبًا،
ولكنِّي..،
مازلت أنا كما كنت أنا دائمًا،
أبالغُ في أحلامي وأحلمُ بالنجوم،
أحبُّها وأعلم أني لن أنالها،
أحبُّ كل شيءٍ في يدي وأخاف عليه كأُمٍّ تقبضُ في الزحام على يدِ صغيرها،
ما زلتُ يا أمي كما أنا،
أبالغ في الخوف والعناية بأشيائي ولطالما كنتِ تحبين وتفخرين بهذا الشيء بي،
ولكنِّي يا أمي،
أصبحتُ أبالغ في كل شيء،
في الخوف والقلق،
وفي الأحلام والأمل،
في الشيء الذي لن يأتي، وفي الشيء الذي لن يعود،
أنا الطفل الذي دفعه فضوله الأحمق يومًا إلى تمني حياة الكِبَار،
والآن..،
هأنذا أبكي على طفولتي،
وأبالغ في الاحتفاظ بكل ورقةٍ وقشَّةٍ منها،
تلك أشيائي التي أحببتها، والتي سأظل أحبها،
أما عن حياة الكبار هذهِ،
فلم أنل فيها أي شيء أحببته ولم أحتفظ منها بأي شيء،
لا شيء في حياة الكبار يدعو للفرح ولا شيء يدعو للتعلق بالبقاء فيها،
قد كنتُ يا أمي، وأيُّ طفلٍ كنت،
قد كنت طفلًا سعيدًا والآن كما تمنيتيني كبرت،
والآن أحتضن بين ذراعيَّ كما اعتدتُ طفولتي،
وها أنا أقرأ أول أوراقٍ وأحرفٍ كتبتها حينئذٍ بيدٍ ضاحكةٍ آمِلَة،
كتبتُ في دفتري جملةً حمقاءَ مثلي،
"نفسي أكبر زيهم"،
والآن أكتب أسفلها بيدٍ خائفة مرتجفة،
هذه حياةٌ لا تناسبني،
ولا أناسبها..(("
•|عامر السيد|•
---------
ستظلُّ تختارُ الكتمانَ،
وستجاهدُ كي لا تُفشي ألمَك،
حتى يُطفئَ ملامحَك، ويُخفِتَ الأمل في عينيك،
حتى يسلبَك عقلكَ المُتزن ويهبَك عقلًا متصدعًا مكسورًا.
ثمَّ ستزعمُ القوة،
وستبدو في كل الأحوال بخير،
حتى إذا سُئلتَ عن حالِك مرةً، يضيقُ صدرُك ولا ينطلقُ لسانُك ويخرجُ ما كنتَ تُخفيه!.
يا جميلَ السترِ.. وملجأَ الحَيارَى،
آوِنَا، واجبرنا، واهدنا...
...(("
•|عامر السيد|•
-------
إلَى التِي طالَ غِيابُها..(("
إلَى التِي لا أعرفُ
أينَ ومتَى وكيفَ سَنلتقِي!.
ليتكِ هنَا،
أَو ليتَنِي هُنَاك،
أَو ليتَنا معًا،
لنذبحَ الغِيَاب، ونقتُلَ المَسافَات.
ليتكِ هنَا،
كَي تسكنَ روحِي،
كَي يتكِئَ قلبِي علَى وُجُودكِ،
فكلُّ الأمَاكنِ والأَزمنةِ مِن دُونكِ باهتَة.
ليتَنا معًا،
نَحكِي للخَوفِ أنّنَا انتصَرنَا علَيه،
فَالحيَاةُ، يا حُلوَتي
لَن تحلوَ إلّا عِندمَا نَكُونُ سَويًا ..❤️
•|عامر السيد|•
--------
طوال حياتي...
حلمت بأشياء كثيرة،
كثيرة جدًا،
أحببتها من كل قلبي، وفعلت من أجلها كل شيء، وكل شيء لم يكن كافيًا،
ثمَّ خسرتها،
وذُبِحَت أمام عيني بسكينٍ بارد...،
وفي كل مرة،
كان يُذبح معها جزءٌ من قلبي،
وكأن قلبي يأباني من دونها،
والآن..
كلما أفقد شيئًا..
أجلس على حافة الجَلَدِ وأضحك،
ربما..
لم يقس قلبي، ولم أترك ساحات القتال،
ولكنِّي بتُّ أتوقع خسارة أي شيء، وأن أفلت من يدي أي شيء،
وهذه رسالتي لأي شخصٍ ولأي شيء،
يا عزيزي..
معي، أنت على حافة الإفلات دائمًا،
فإياك أن تقدم رجلًا وتؤخر أخرى،
وإياك أن تظن يدي ستراك بعدما تفلتها،
بل سألقيك بطول ذراعي، ثم أقيم على قبر رحيلك فرحًا،
هذه يدي التي تمنت أشياء كنت أتمنى لو أدفع عمري وأحظى بها،
هذه التي تركت آثار الجراح بها خرائطًا، ستدلك كل خريطة فيها عن حلمٍ أمسكت به حتى أدماها،
هذه يدي، وهذا أنا،
يا عزيزي..
أنا الرجل الذي هزمته أحلامه،
وأنا الذي أحسب كل مملوك مفقود.
...(("
•|عامر السيد|•
-------
إِلَى الشَّخصِ الذِي هُوَ أنَا...(("
أرَاكَ فِي متَاهةٍ لا تَنتهِي!
لا تَعرفُ كيفَ دخلتَها،
ولا كيفَ تَخرجُ منهَا!،
أرَاكَ
تعبتَ مِن وَعثَاءِ الطَريقِ ومِن طُولِ السَّفَر
تُريدُ أن تَصِل،
ولَكِن...
إلَى أَين؟! '))
•|عامر السيد|•
-------
وَيَظَلُّ الْمَرْءُ بِدُونِ أُنْثَاهُ
يَنْظُرُ إِلَى الدُّنْيَا بِعَيْنَيْنِ خَائِفَتَيْن،
فَكَمْ يُقَاتِلُ، وَيُقَاتِل،
فَيُغْلَبُ حِينَ يَغْلِبُ، وَيُهْزَمُ حِينَ يَنْتَصِرُ،
وَكَأَنَّ النَّصْرَ هَزِيمَةُ مَنْ فَازَ بِمُفْرَدِهِ،
وَالْحُزْنَ غَنِيمَةَ كُلِّ الْحُرُوبِ،
حَتَّى تَأْتِيَ،
تَأْتِيَ هِيَ،
هِيَ دُونَ غَيْرِهَا،
فَتُشْرِقُ دُنْيَاهُ بِشَمْسِ بَسْمَتِهَا، وَتُضِيءُ بِنُورِهَا بُؤْسَ قَلْبِهِ.
تُقَاتِلُهُ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: أَهْلًا، وَأَهْلٌ أَنَا لَهَا.
فَيَفُوزُ بِسَيْفٍ مِنْ خَشَبٍ، وَيُخِيفُ الْخَوْفَ إِذَا مَسَّهَا.
ثُمَّ يَسْقُطُ مُسْتَسْلِمًا أَمَامَ عَيْنَيْهَا الْبَرِيئَتَيْنِ،
فَلَا حِسَابَ لِقُوَّتِهِ أَمَامَ رِقَّتِهَا.
وَلَا عَمَلَ لِبَطْشِهِ إِذَا احْتَضَنَ وَهْنَهَا.
حِينَئِذٍ...
يَعرِفُ للمَرَّةِ الأُولَى مَعنَى السَّكِينَةِ والأَمَان،
ثُمَّ يَمْشِيَ فَرِحًا يَقْبِضُ عَلَى يَدِهَا قَبْضَةَ طِفْلٍ يَخْشَى مِنْ إِفْلَاتِ يَدِ أُمِّهِ.
يُحِيطُهَا بِحُبِّهِ، وَيَغَارُ عَلَيْهَا مِنْ نَسَمَاتِ الْهَوَاءِ وَأَوْرَاقِ الشَّجَرِ.
وَهَا هُوَ ذا يُدْرِكُ بَيْنَ يَدَيْهَا أَخِيرًا وَطَنَهُ بَعْدَ أَعْوَامٍ مِنَ الْغُرْبَةِ وَالتِّيهِ،
كَطَرِيقٍ طَالَ بِدُونِ أَنِيسٍ، وَكَأَعْمَى عَاشَ سِنينًا يَحلُمُ بعَصَاهُ.
فَمَنْ لِلْقَلْبِ إِذَا مِنْ أَعْلَى حَافَّةِ الْوَحْشَةِ هَوَى؟،
وَمَنْ يَشْفِي الْجِرَاحَ إِذَا لَمْ تَلْقَ دَوَاءَهَا؟،
هُوَ الْحُبُّ،
وَمَا أَدْرَاكَ مَا هُو،
هُوَ حَبْلُ نَجَاةٍ فِي مَوْجِ بَحْرٍ غَادِرٍ،
وَأَمَلٌ فِي قَلْبِ حَظٍّ عَاثِرٍ.
هُوَ الْحُبُّ،
وَمَا دُونَهُ العَدَم،
وَمَا دُونَهُ اللَّا شَيْءَ.
هُوَ كُلُّ جَمِيلٍ، وَكُلُّ جَمِيلٍ هُوَ.
فَيَا رَبِّ آنِسْ وَحْشَةَ كُلِّ وَحِيدٍ،
وَاجْبُرْ بِالْحُبِّ الذي يُرضِيكَ قُلُوبَنَا...(("
•|عامر السيد|•
رواية شفرة أوڤاميندرا (2)، عالم الخيال " كالثيرا " الفصل السادس 6 - بقلم م/ مُصطَفَى النَّجَّار
وقف عامر أمام حافة الغابة، والظلام يكتسح الأشجار التي اسودّت جذوعها وأوراقها حتى بدت كأنها تنبت من الرماد. كانت الأرض تحت أقدام الجيش موحلة بوحلٍ أسود، لزجٍ، يلتصق بالأحذية ويتشبّث بمن يجرؤ على التقدّم.
قال عامر بصوتٍ خافت:
«غابة النذر أو غابة الموت، لا تخضع إلا للأموات. أيّ كائنٍ حيّ يحاول عبورها...حتمًا يموت فيها.»
رفع حازم حاجبيه وقال:
«طيب ما فيش طريق تاني؟»
عامر:
«لا... أنا كاتب كدا، مفيش غير طريق غابة النذر.»
حازم وقد انتفض فجأة:
«لحظة، بمناسبة الكتابة، هو اللي حصل في حصن الموتى... كان مكتوب؟»
عامر:
«لا.»
حدّق فيه حازم وقال بصوت مرتاب:
«عارف دا معناه إيه؟»
عامر وهو ينظر للغابة كمن أدرك الحقيقة منذ زمن:
«إن العالم بعد ما دخلنا جواه... بقى بيرتجل الأحداث. انت لسه واخد بالك؟».
ابتلع حازم ريقه:
«يعني انت مش عارف هيحصل إيه في غابة النذر... ولا في مملكة الموتى؟».
قال عامر بثباتٍ:
«لا. أنا مكنتش كاتب أي حاجة من اللي حصلت من ساعة ما دخلنا كالثيرا. صحيح الأماكن والكائنات زي ما هي... لكن الأحداث كلها جديدة.»
سأله حازم: «ليه؟».
قال عامر:
«لأننا كسرنا التطابق. لو ركّزت... هتلاقي إنك انت وأوڤاميندرا ودوبين... مش من العالم دا أصلاً.».
تراجع حازم قليلًا:
«يعني... إحنا ممكن نموت عادي في مملكة الموتى؟»
أجابه عامر بصوتٍ مطمئن:
«إن شاء الله لأ... ربنا معانا.»
---
الاستعداد للعبور...
جمع عامر الجيش وقسّمهم إلى كتائب متعددة، ثم وقف أمامهم وشرح تفاصيل غابة النذر: أماكن الأرض المتحركة، الكائنات الخفية، مناطق الظلال القاتلة، والطريقة الوحيدة للبقاء على قيد الحياة.
كان في مقدمة الجيش عامر، وإلى جانبه حازم، والمرأة الحمراء، وقادة الأجناس.
قالت المرأة الحمراء وهي تنظر للظلام الممتد:
«هل سننجو من هذه الغابة؟».
أجابها عامر بصوت لا يُظهر ما في صدره من قلق:
«إن فعلتم ما أخبرتكم به... سننجوا جميعًا.»
دخل الجيش الغابة، وتصاعد الضباب الأسود من بين جذور الأشجار.
عامر:
«أول ما ستواجهونه... مكانٌ يبتلع كل من يسير فوقه. إن شعرتم بأن الأرض تتحرك... اركضوا فورًا.»
تقدّم الجيش بحذر، وكل خطوة تترك أثرًا... ولكن شيئًا لم يحدث.
---
الهدوء المريب...
بعد ساعة من السير، قال حازم وهو يتأفف:
«انت بتشتغلنا يا عامر؟ ما الغابة هادية وزي العسل أهي...»
قال عامر فجأة:
«اشششش.»
حازم:
«إيه؟».
عامر:
«سامع الصوت؟...»
نظر حازم حوله:
«صوت إيه؟ أنا مش سامع حاجة.»
قال عامر وهو يحدق بين الأشجار:
«فيه حاجة بتتحرك حوالينا... أنا حاسس بيها.»
قال حازم بعصبية:
«انت إيه اللي كاتبه طيب؟ قولي... مش عايز مفاجآت تاني.»
قال عامر:
«اللاشيء.»
حازم: «يعني إيه؟»
ولم يُمهله شيءٌ ليكمل.
صرخ الجنود في الخلف...
ركض عامر بأقصى سرعته، وحين وصل وجد أربعة منهم صرعى، بلا جروح، بلا دماء...
ميتة صامتة كأن الحياة توقفت فجأة داخلهم.
سأل أحد الجنود المرتجفين:
«ماذا حدث؟!»
فقال أحدهم:
«لم نرَ شيئًا! كانوا يسيرون بيننا... ثم ماتوا دفعة واحدة!».
ومن بعيد... جاء صوت حازم صارخًا:
«الحقني يا عامر!!!».
التفت عامر فورًا، لكنه لم يرَ حازم.
حازم اختفى....
---
ركض عامر في كل الاتجاهات وهو ينادي:
«حااااااازم!!!».
ولكن لم يجبه إلا صدى صوته.
تحجّر جسده لحظة... ثم عاد يسمع صوت حازم يأتي من جهة ما داخل الغابة. أمر الجيش بالتوقّف، وأخذ معه بعض الأسافير وانطلق خلف الصوت.
كان الصوت يقترب كلما اقترب...وينادي كلما توقف عامر... كأن شيئًا يقوده عمدًا إلى مكانٍ ما.
حتى وصلوا إلى منطقة خالية من الأشجار.
وفجأة...
سكت الصوت.
حاول عامر الإنصات... ولكن لا شيء.
ثم... اهتزّت الأرض تحتهم.
صرخ أحد الأسافير:
«تتحرك! اركضوا!»
لكن الوقت كان قد فات.
انشقت الأرض كفمٍ أسود... وابتلعتهم جميعًا.
سقطوا في ظلامٍ لا ينتهي، قبل أن يستقروا في قاعةٍ عميقة لا ينيرها سوى الضوء الخافت الخارج من رؤوس الأسافير، التي أضاءت تلقائيًا.
---
مسكن اللاشيء
قال أحد الأسافير بصوتٍ مذعور:
«أين نحن؟!»
عامر وهو يتأمل الجدران السوداء التي تتحرك كأنها لحم حيّ:
«في باطن الأرض... مسكن اللاشيء.»
ارتجف الأسافير:
«اللاشيء؟!».
«أجل... خفاء يقتل دون أن يُرى أو يُلمس. أعلم جيدًا أين نحن... لكن لماذا لم يقتلنا؟، ولماذا أحضرنا هنا؟، هذا ما لا أعرفه...»
وفجأة... سُمع صوت خطوات... ضخمة... ثقيلة... تقترب.
تجمّع الأسافير حول عامر، ورفعوا رماحهم.
ومن الظلام... ظهر ميتٌ يمتطي عنكبوتًا هائلًا، حجمه كحجم بيت، عيونه حمراء مرعبة.
قال الميت بصوتٍ أجوف:
«الأسافير.».
فتح العنكبوت فكيه... وأطلق شبكة سوداء هائلة غطّت الأسافير جميعًا، وخنقتهم حتى انقطع صراخهم.
ثم نظر الميت إلى عامر وقال بهدوء:
«أحسنت يا عامر... لم تترك صاحبك. تعال معي.»
قال عامر بغضبٍ:
«إلى أين؟، لن أذهب إلى أي مكان... حتى أرى صديقي سالمًا.»
أجابه الميت:
«ستراه.».
ثم أشار إلى العنكبوت فأطلق شبكة أخرى قيدت عامر بالكامل، وسحبته إلى ظهره، وسار به في الظلام.
---
"مملكة الموتى..
سار العنكبوت يومين كاملين، لا يتوقف إلا لحظات قصيرة، وعامر عاجز عن الحركة، عاجز حتى عن شدّ أنفاسه بحرية.
ثم ظهرت أمامه قلعة سوداء عظيمة، تقوم على قمّة جبلٍ ضخمٍ، وعلى أطرافها ينتشر آلاف العناكب الضخمة، وجيش هائل من الموتى يحرسون الأسوار.
عند البوابة، نزل الميت وجرّ عامر على الأرض حتى أوصله إلى قاعةٍ واسعة تتدلّى من سقفها سلاسل طويلة، وتحت قدمي عامر أرضية زجاجية.
أزيلت الشبكة عنه... لكنه ظلّ عاجزًا عن الحركة.
رفع رأسه... فرأى شيئًا جعله يصرخ:
«المرجاااز!!»
وحين أدار وجهه... رأى ملك الموتى على عرشه.
مهيبًا... يرتدي بنطالًا أسود، وعلى رأسه تاجٌ ذهبي، وعرشه مصنوعٌ من جماجمٍ وعظام مصقولة.
وإلى جواره...
كان دوبين.
قهقه دوبين وقال:
«أجل أنا... كنت تظن أنك ستفلت مني؟».
عامر:
«قتلت أوڤاميندرا؟»
دوبين:
«للأسف لا... طعنني وهرب قبل أن أقتله.».
اقترب ملك الموتى ولمس وجه عامر بيده الباردة ثم نظر إلى جنوده، وقال:
«بشريٌّ حيّ؟! ألم تخبروني أن البشر قد انتهوا؟!»
قال دوبين:
«لا يا سيدي، هذا من عالمٍ آخر... عالمٍ مليءٍ بالأحياء، يخططون لغزو عالمكم وقتل جميع الأموات.»
نظر ملك الموتى نحو المرجاز، حيث ظهرت بوابة عالم عامر بالفعل، ثم قال بغصبٍ:
«أنتم!، تقتلون الأموات؟»
عامر صاح:
«إنه يكذب!»
دوبين:
«بل أنت.»
عامر:
«هم لا يخططون لغزو أحد... ولا يعرفون بوجودكم أصلاً.»
دوبين:
«إذًا... افتح البوابة. أثبت لهم أنك لست كاذبًا.»
عامر:
«لا أستطيع...المفتاح مع أوڤاميندرا.»
دوبين:
«إذن أعطني الكتاب لنحضره.»
عامر:
«لن أعطيك الكتاب.»
---
فكّر عامر بسرعة... وابتسم ابتسامة صغيرة.
قال:
«سيدي ملك الموتى... سأعقد معك صفقة.»
قال الملك ساخرًا:
«صفقة؟، بشريٌّ حيٌّ حقير يريد أن يملي علينا شروطه، افتح البوابة وإلا سأقتلك بيدي؟».
قال عامر:
«ليست شروطًا... بل اتفاقًا.»
صرخ دوبين:
«إنه ماكر! يريد خداعك!»
فأشار الملك له بحدة:
«اصمت. كلمة أخرى وسأقتلك أنت أيضًا.»
ثم نظر لعامر:
«تابع... لكن لا تختبر صبري.»
عامر:
«سأجعلك تدخل عالمي من هذه البوابة.»
الملك:
«الآن؟»
عامر:
«لا... المفتاح مع أوڤاميندرا. سأجده في كالثيرا.»
الملك:
«أريد المفتاح بسرعة.»
عامر:
«لكن... أريد أن أرى صديقي.»
أشار الملك لجنوده.
فجاؤوا بحازم مقيدًا بالسلاسل ورموه أمامهما.
قال حازم بانفجارٍ غاضب:
«الله يخربيتك ويخربيت رواياتك وبيت اليوم اللي اديت فيه الرواية الزفت دي لأوڤاميندرا!!»
عامر:
«يعني انت اللي عملت كدا... قاصد؟!»
حازم:
«آه... سامحني. كنت عايز أعملك مفاجأة... وبعد كدا الموضوع قلب جد... خفت أقولك.»
صرخ عامر:
«يعني اي؟، وحياة ابني وحياتنا من امتا بقت ضحك وهزار بالنسبالك؟! انت إنسان غبي... وهتفضل طول عمرك غبي!»
نظر حازم إلى الأرض وقال بصوتٍ مختنق:
«أنا فعلاً غبي... علشان مرضيتش أسيبك. غبي... علشان ضيّعت سنين عمري علشانك... وكنت فاكرك صاحبي وأخويا... وفي الآخر تقولّي إني غبي.»
قال عامر بغضبٍ مرير:
«الزفت اللي إحنا فيه دا... آخر ما بيني وبينك.».
لم يردّ حازم... وظلت عيناه معلّقتين بالأرض.
قال ملك الموتى ببرود:
«هل انتهيتم؟، أريد المفتاح... وإلا قتلتكم قبل أن أقتل بقية الأحياء في عالمكم.»
عامر:
«سنحضره لك... لكن سيأتي حازم معي.»
الملك:
«وما الذي يضمن عودتكما؟»
عامر:
«بوابة عالمي هنا... لن نعود إلا عالمنا إلا من خلالها.»
الملك:
«لا.»
فقال عامر بذكاءٍ:
«إذن... خذ هذا الكتاب. ولكن لا تعطه لهذا الوغد... سيخدعك.»
حدّق ملك الموتى في دوبين طويلًا... ثم قال:
«سأصدّقك مؤقتًا... لكن إن خالفتني... سأجعلكما تتمنيان الموت ولا تجدانه.»
عامر:
«طريق خروجنا بين يديك... سنعود بالمفتاح. الآن يجب أن نرحل.»
قال الملك لجنوده:
«رافِقوهما.»
فقال عامر بسرعة:
«بمفردنا.»
توقف الملك... ثم قال:
«حسنًا... ولكن إن رأيتك تلهو، أظنك تعلم ما سأفعله بكما.»
---
خرج عامر من قلعة الموتى، وخلفه يسير حازم، يرافقهما جنديٌّ في غابة النذر ليخرجهما سالمين. سار الاثنان في صمت متوتر، الخصام واضح بينهما، والهواء المحيط بهم يثقل أنفاسهما.
عامر كسر الصمت أخيرًا:
«أنا آسف إني قلت كدا وعليت صوتي.»
حازم: «تمام.»
عامر عبّر عن استيائه:
«يعني إيه تمام؟ ما انت برضه يا حازم دخلتنا في العالم الأسود دا، وانت عارف إن حياة ابني في خطر، ومفيش رفاهية للهزار.».
حازم أجاب بصدق: «ابنك زي ابني يا عامر، أنا مستعد أموت علشانه. أنا مكنتش أعرف إن كل دا هيحصل، أنا آسف.»
ابتسم عامر بخفّة:
«حصل خير يا حزوم، المهم خلينا نشوف هنعمل إيه في المصيبة اللي احنا فيها.»
حازم توقف لحظة وفكر: «لحظة، أنا لسه مستوعب، هو عايز مفتاح البوابة ليه؟».
عامر:
«علشان يدخل ويقتل كل الأحياء في عالمنا.»
حازم:
«الأحياء!!، عالمنا!!»
عامر:
«اه، دوبين أقنعه بكدا.».
حازم:
«وانت هتديه المفتاح بكل سهولة كدا؟»
عامر: «أكيد لأ.»
حازم: «طيب، إيه خطتك؟»
عامر: «لازم نلاقي أوڤاميندرا، الخطة مش هتحصل من غيره.».
حازم:
«وده هنلاقيه فين؟»
عامر:
«هنرجع للمكان اللي كنا فيه.».
حازم:
«طيب والجيش اللي سايبينه في الغابة؟».
عامر:
«لو رحنالهم ولاقونا لسه عايشين مش هيصدقونا وهيقتلونا.»
حازم:
«وطيب ولو هما لاقونا؟»
عامر:
«هيقتلونا برضو.»
حازم:
«ولو مرجعناش بالمفتاح للرجل الميت هيموتنا برضو.»
عامر:
«مظبوط.»
حازم بصوت خافت:
«ممكن أسألك سؤال؟»
عامر: «إيه؟»
حازم:
«برودك وانت بتتكلم عن موتنا كدا بكل سهولة دا.. جايبه منين؟»
عامر بابتسامة هادئة:
«علشان يا حازم، احنا مش في الهوا، احنا معانا ربنا. أموات بقا مش أموات مش هتفرق.».
حازم:
«معاك حق، يا رب استرها معانا.»
تابعا طريقهما، وبعد أكثر من يومين، خرجا من غابة النذر وسارا بمفردهما، يتركان أثر خطواتهما على أرضها، متجهين نحو الأمل الأخير.
حازم بتردد:
«تفتكر هنلاقي أوڤاميندرا في نفس المكان؟».
عامر:
«هنحاول، مفيش أمل غيره.»
وبعد السير في الاتجاه المرغوب لبضعة ساعات..
توقف عامر فجأة:
«كنا هنا بالظبط...»
حازم:
«تمام، أوڤاميندرا بقا هرب في أي اتجاه.».
عامر:
«دوبين كان واقف هنا وهو مقيد أوڤاميندرا في الاتجاه اللي هناك، وأوڤاميندرا طعن دوبين زي ما قال... وبالتالي أعتقد إن أوڤاميندرا مزق قيوده وركض باتجاه دوبين هنا، وطعنه وبعدين جري من الاتجاه اللي كان ورا ضهر دوبين... يعني المفروض نمشي كدا...»
حازم:
«مفهمتش حاجة، بس تمام يلا بينا...»
عامر متألمًا:
«بسرعة، ابني بيموت... أنا قلبي واجعني على طلحة، يا رب احفظه بحفظك ونخرج من هنا على خير...»
طمئن حازم عامر:
«اتطمن يا صاحبي، ابنك هيكون بخير، ولو على موتي... بس تجوزني أختك.»
عامر ضاحكًا:
«اتلم ياد، ماتجيبش سيرتها غير لما تتجوزوا.»
حازم:
«حاضر ماشي يعني هتجوزني أختك؟»
عامر مبتسمًا:
«مفيش فايدة.»
أكملا الطريق على عجلة، يتلفتان في كل مكان بحثًا عن أوڤاميندرا، وعندما لم يجداه توقفا.
عامر:
«محتاج أقعد أفكر، تعالى نقعد هنا.»
حازم:
«ماشي.»
عامر:
«يا ترى رحت فين يا أوڤاميندرا؟، يا ترى لسه عايش ولا ميت»
حازم:
«ماتيجي نقعد هناك علشان الدنيا برد.»
عامر:
«هناك فين؟»
حازم:
«في البيت اللي هناك دا.»
التفت عامر بحذر: «بيت!، تعالى ورايا. أكيد أوڤاميندرا هنا.».
ذهبا إلى البيت، نادى عامر بحذر: «أوڤاميندرا... أنا عامر، إذا كنت بالداخل اخرج إلينا.»
صمت المكان، لم يجب أحد، لكن بعد لحظة، ظهر أوڤاميندرا، وتبادلوا النظرات.
عامر:
«الحمد لله.»
أوڤاميندرا:
«أين كنتما؟، بحثت عنكما كثيرا».
حازم:
«واضح يا عم بروسلي، أومال لو مكنتش مستخبي»
عامر: «اتلم يا حازم مش وقته»
ثم وجه كلامه لأوڤاميندرا:
«سأحكي لك كل ما حدث، وما سيحدث.»
أوڤاميندرا:
«ما سيحدث؟!»
عامر:
«نعم، نحن في ورطة كبرى...»
أوڤاميندرا:
«أخبرني.»
حكى عامر له عن دوبين والمفتاح وتهديد عالمهم، وكيف أن أي خطأ قد يكون قاتلًا.
أوڤاميندرا:
«إذًا هو يريد المفتاح مقابل أن نعبر من البوابة، ويعبر بجيشه معنا.»
عامر:
«بالظبط.»
حازم ساخرًا:
«اه ويقتلنا ويدخل من البوابة ويروح يقتل أهلنا والناس كلهم. براڤو عليك خطة جميلة.»
أوڤاميندرا:
«لا أعتقد أن عامر يقصد هذا.»
عامر:
«شايف الراجل اللي بيفهم.»
حازم:
«طيب احكي، إيه الخطة؟»
عامر:
«سنخرج من بوابة عالمنا برفقة ملك الموتى وجيشه، ولكن قبل أن يخرج جيشه خلفه، سنفتح بوابة لعالم آخر ندخلهم فيه، ثم نغلق البوابة الأولى في وجه بقية الجيش، وهكذا نرسلهم إلى عالم آخر للأبد.»
أوڤاميندرا:
«جيد، ولكن دوبين يعرف أمر العوالم، سيكشف خطتنا.»
عامر:
«هذا دورك، عندما نذهب إلى ملك الموتى يجب أن تنقض على دوبين وتتشاجر معه، وأنا سأخبر ملك الموتى أن البوابة لن تُفتح حتى يقتل دوبين أولًا.»
حازم:
«وطيب، لو دوبين مامتش؟»
عامر:
«لازم يموت، لو مامتش هقتله أنا، يا أنا يا هو.»
انطلقوا جميعًا نحو غابة النذر، وكان الجنديُّ بانتظارهم، عبروا الغابة، حتى وصلوا إلى قلعة الموتى، ووقفوا جميعًا أمام ملك الموتى.
عامر:
«لم أتأخر كما أردت، وأوفيت لك بعهدي.»
ملك الموتى:
«أحضرت المفتاح؟»
عامر:
«أجل، ولكن يجب أن يموت دوبين حتى تفتح البوابة لنا...»
في هذه اللحظة، انقض أوڤاميندرا على دوبين، ودار بينهما شجار عنيف. احتدم القتال حتى تمكن أوڤاميندرا من تقييد دوبين بقواه السحرية وأجبره على الموت كما خططوا.
عامر إلى ملك الموتى:
«الآن سنفتح البوابة، ولكن لن يدخل الجيش مرة واحدة، سننظم خروجهم عبر البوابتين.»
تم تنفيذ الخطة بدقة، فبعد أن دخل ملك الموتى وبعض جنوده أغلق عليهم البوابة، ثم أغلقوا البوابة الأولى في وجه بقية جنوده، أغلقت البوابات تمامًا، واختفت عن الأنظار كما طلب عامر من أوڤاميندرا.
عامر نظر إلى أوڤاميندرا وعانقه، شاكرًا له شجاعته وتفانيه، والذي رفض الرحيل قبل الاطمئنان على سلامة طلحة.
توجهوا إلى المستشفى، حيث ركضت خولة لتحتضنه، وعانقته أمه وأخته تسنيم، وقد عاد طلحة إلى وعيه بعد إعطائه الترياق. الفرح ملأ الغرفة، والابتسامات عادت إلى وجوه الجميع.
عامر لاحظ خولة، عيناها ذابلتان من البكاء وجسدها نحيل من قلة الطعام والشراب، فاحتضنها وقال:
«أنا آسف، أنا السبب في كل دا.»
خولة بنظرة حب:
«أنت بطل... غامرت بحياتك لتنقذ ابننا، أنت كل شيء جميل، وكل شيء جميل بوجودك.»
---
على الجانب الآخر كان حازم واقفًا يحدّق في تسنيم بنظرة يملؤها الرجاء والتوتر، يحاول جمع شجاعته قبل أن ينطق أخيرًا:
«ازيك يا تسنيم، أخبارك اي، وأخبار شغلك في المستشفى».
فابتسمت له ابتسامة خفيفة، وقالت بلهجتها الهادئة التي فاجأته:
«الحمد لله يا حازم، شكرا ليك...عارفة عامر ممرمطك معاه وانت أصيل عمرك ما سبته لوحده لحظة».
تجمد حازم في مكانه، وكأن الزمن توقف. لم يتوقع منها كلمة الشكر، ولا ذلك اللطف الذي طالما حلم أن يسمعه منها، فبدا مذهولًا غير قادر على الرد.
وقطعت أمه شروده وهي تناديه بنبرة ضيق واضحة:
«حازم!»
ظل واقفًا في عالم آخر، لا يسمع إلا صدى صوت تسنيم في رأسه، فارتفعت نبرة أمه أكثر: «حاااازم! مالك؟... انت يا زفت يا آخرة صبري!»
انتفض من شروده قائلًا:
«نعم يا ماما... دايمًا كدا تبوّظي لحظاتي السعيدة».
نظرت إليه بنفاد صبر، مشيرة بيديها نحو عامر وأسرته: «انت ياد ماعندكش دم؟ مش شايف قدامك أب وأم وأطفال؟ عايزة أشوف ولادك قبل ما أموت».
أطلق حازم جملة ارتجالية دون تفكير:
«ما تقلقيش... هتشوفيهم قبل ما تموتي إن شاء الله».
ثم أدرك فجأة ما قاله، ونظر حوله ليجد الجميع يحدّق فيه، فقال وهو يحاول إصلاح عبارته: «لأ... مش قصدي تموتي إن شاء الله... هي ركبت غلط بس قصدي صح... قصدي قبل ما تموتي إن شاء الله هتشوفيهم».
أمسكت أمه رأسها بتأفف: «انت ياد هتجلطني! أصحابك اللي زيك اتجوزوا وبقى عندهم عيل واتنين وتلاتة طولك».
فقال مستسلمًا:
«حاضر يا ماما».
سألته فجأة:
«إيه رأيك في فوزية بنت عمك؟»
اتسعت عيناه رعبًا:
«فوزية!!! فوزية إيه يا ماما... انتي عارفة فوزية دي كنا مسمينها إيه وإحنا صغيرين».
تدخل عامر بسرعة وهو يشير إلى الأطفال: «خلاص يا حازم... فيه أطفال».
لوّح حازم بيده:
«ماشي مش هقول... بس لو كانت آخر واحدة في الدنيا... أنا مستحيل أتجوز فوزية بربورة».
همس عامر بضيق:
«غبي... الله يخربيتك».
حاولت أم حازم تجميل صورة فورزية:
«يا ابني دي كبرت ونضفت وبقت عروسة... الناس بتموت بعض عليها».
أجابها بلا تفكير:
«يموتوا بعض على فوزية!! دي بربورة».
كرّر عامر زجره: «يا ابني خلاص».
وفي هذه اللحظة اقتربت هاجر، ابنة عامر، وسألت ببراءة أربكت الجميع: «يعني إيه مرمورة يا بابا؟».
انحنى عامر نحوها:
«دي كلمة عيب ماينفعش نقولها يا حبيبتي».
ردّت بلطف:
«حاضر يا بابا... وحشتني أوي... جبتلي معاك آيس كريم؟».
لم يتمالك نفسه من ابتسامة حنان:
«وانتي كمان وحشتيني أوي... وإحنا ماشيين هجيبلك آيس كريم إنتي وعائشتي حبيبتي... هو بابا عنده مين يجيبله حاجات حلوة غيركم يا روحي؟».
فجأة صدر صوت غيرة خافتة خلفه: «صحيح».
التفت ليجد خولة تحدّق فيه، فابتسم واقترب منها يعانقها ويقبّل رأسها قائلاً:
«أما انتي بقا، فانتي عمري يا خوختي... وكل حاجة في الدنيا دي... ربنا يخليكي ليا».
همست بنبرة فرحة:
«مش هتتركنا وتذهب لأي مكان تاني... صح؟»
فأجاب بلا تردد:
«أوعدك مش هعمل كدا أبدًا».
وبينما كانت أجواء الأسرة تمتلئ بالدفء، قطع حازم الصمت وهو يتقدم بخطوات مرتبكة قائلًا:
«يا جماعة... بالمناسبة السعيدة واللحظة العائلية الجميلة دي... أنا كنت عايز أقول حاجة... بعد إذنك يا عم السيد».
نظر إليه أبو عامر بهدوء الأب:
«اتفضل يا ابني».
ابتلع حازم ريقه وقال دفعة واحدة:
«أنا بطلب منك إيد بنتك... تسنيم».
اتجهت الأنظار كلها نحو تسنيم، لكنها ظلت واقفة، لا تجيب ولا تنظر إليهم، مما زاد توتر الموقف.
ردّ أبو عامر أخيرًا بنبرة عقلانية:
«طيب يا ابني... الحاجات دي ما بتجيش كدا. نرجع ونرتاح الأول... إحنا بقالنا أيام هنا».
خفض حازم رأسه:
«أكيد طبعا يا عمي... فاهمك... أنا اخترت وقت غير مناسب... آسف».
وبعد فترة قصيرة خرج الجميع من المشفى، ورحل أوڤاميندرا إلى عالمه وذهبت كل أسرة إلى بيتها، بينما بقي عامر مع حازم قليلًا في الخارج.
قال عامر وهو يراقب صديقه:
«إيه الابتسامة اللي على وشك دي؟»
توهّج وجه حازم فرحًا: «قالتلي شكرا... قالتلي شكرا... أعععععععععع!»
نظر إليه عامر بلا اكتراث:
«عادي على فكرة».
صرخ حازم قلقًا:
«يعني دا مش معناه إنها...؟»
قاطعه عامر:
«حازم يا حبيبي... تفتكر فيه أنثى دماغها بالبساطة دي؟، تفهمها من كلمة شكرا؟»
اقترب حازم أكثر:
«طيب... هي أختك وقريبة منك... أكيد فاهمها... قولي... هتوافق ولا... هترفض؟»
أجابه عامر منهكًا:
«بص يا حازم... أنا تعبان ومش مركز... نرتاح زي ما قال بابا ونشوف الحاجات دي على مهلنا».
تنهد حازم مستسلمًا:
«حاضر».
عاد كل منهما إلى بيته، ودخل عامر مع خولة غرفتهما بينما توجه الأطفال لغرفتهم. جلست خولة، ومد عامر رأسه في حجرها، فمررت أصابعها بلطف بين خصلات شعره قائلة: «اشتقت إليك».
رفع رأسه قليلًا وقال مبتسمًا:
«كنتي بتتكلمي مصري حلو أوي... رجعتي للفصحى».
سألته بخفة:
«وهل الفصحى سيئة؟»
ضحك وهو يجيب:
«بالطبع لا... أنا أحب لغتنا العربية الفصحى... بس بحب أسمع الكلمة دي بلهجتنا المصرية».
غمرتها الدهشة: «كلمة إيه؟».
نظر إليها بنصف ابتسامة: «والله!... بقيتي مكّارة... تسنيم بوظت أخلاقك».
ازداد احمرار وجهها:
«تقصد... وحشتني؟»
فقال وهو يضم وجهها بين يديه: «وإنتي وحشتيني أوي... بحبك يا خولة».
فأجابته بصدق:
«وأنا بحبك أوي يا عامر... ما تبعدش تاني».
ضمّها أكثر وقال:
«أنا عمري ما تعمدت أبعد عنك... ولا بقدر أصلا... الحياة من غيرك باهتة... عديمة القيمة... ملهاش أي لون ولا طعم... ربنا ما يحرمنيش منك أبدا يا خولة».
ومع كل كلمة كانت دموعها تقترب، حتى قالت بصوت يفيض عشقًا:
«آمين... أنا معاك لحد الموت».
تجهم وجه عامر:
«بلاش موضوع الموت دا».
اعتذرت بهدوء:
«حسنًا... آسفة».
عامر:
« على فكرة بابا وماما بيحبوا طلحة أوي... كانوا هيموتوا من الخوف عليه...».
ثم انتبه لصمتها فجأة:
«سكتي ليه؟».
لم ترد. وعندما التفت إليها وجد الدموع تتجمع في عينيها.
اقترب منها بسرعة، ورفع وجهها بيديه ثم ضمّها إلى صدره:
«مالك؟ قولي بتبكي ليه؟».
انطلقت الكلمات من قلبها، محملة بكل ما أخفته طويلًا:
«اشتقت لأمي... تركتها وتركت عالمي كله من أجلك... ولن أندم على ذلك أبدًا... وحرمت نفسي من رؤيتها حتى لا نعود إلى ذكريات سارة وغرناطة وأحلامك المزعجة،... ولكن... أشتاق إليها كثيرًا... كنت كل يوم بعد نومك أظل مستيقظة... أتذكرها وأبكي».
ضم عامر رأسها أكثر، وهمس بلطفٍ يمسح الألم عن قلبها:
«حقك عليّا يا روحي... أنا السبب في كل دا... أوعدك هنروح ونشوفها... البوابة لسه موجودة... ومعايا مفتاح من مفاتيح عالم الماضي... نقدر نروح ونرجع في أي وقت... حتى لو كل يوم... تروّحي تطمني عليها... هعملك كدا».
رفعت عينيها إليه:
«حقًا؟»
ابتسم لها وهو يمسح دمعتها: «أه طبعا... بس بلاش تبكي علشان خاطري... وكل اللي نفسك فيه هعمله... هو أنا عندي كام لولو في حياتي يعني؟»
ألقت نفسها في حضنه:
«أحبك... أحبك... أحبكككك».
ثم تساءلت بقلق:
«وماذا عن أمك وأبيك؟ لن يوافقوا».
قال بثقة: «لن نخبرهم».
سألته بفضول: «هل سنأخذ أطفالنا معنا؟»
هز رأسه رفضًا: «لأ... مش عايز عقولهم تتشتت... لسه صغيرين على الكلام دا».
وافقت: «معك حق».
ثم نظر إليها وقال: «والآن؟»
خولة: «والآن ماذا؟، انتظر، أنا أعرف هذه الابتسامة الماكرة جيدًا... حسنًا ولكن أولاً... أريد سماع كلامك الجميل... أشعر أنك لم تعد تحبني».
ضحك وقال:
«مش بقولك... تسنيم علمتك المكر».
ثم اعتدل قليلًا وأضاف: «طيب... هقولك شعر أنا كتبته ليكي... وكنت ناوي أقوله... بس حصل اللي حصل».
تهللت ملامح خولة: «أجل... أحب الشعر... هيا أسرع... لكن... تعانقني الأول».
ضمها عامر برفق، وبدأ يلقي شعره:
إِنِّي أُحِبُّكِ عامِدًا مُتَعَمِّدًا
مُتَحَذِّرًا مِنْ كُلِّهِمْ إِلَّاكِ
وَأَنا المُتَيَّمُ في جَوَى مَحبوبَتي
وَالقَلْبُ غادَرَ أَضلُعِي وَأَتاكِ
قَد كُنْتُ صَدًّا في الهَوَى مُتَمَرِّدًا
وَأَراهُ مَحضَ مُصيبَةٍ وَهَلاكِ
أَقْسَمْتُ أَنِّي هاجِرٌ سُبُلَ الهَوَى
وَحَنِثْتُ في قَسَمِي وَذُقْتُ هَواكِ
سَيفِي الَّذي قَصَمَ الظُّهُورَ بِنَصلِهِ!
يَبكِي وَيُعلِنُ أَنَّهُ يَخْشاكِ؟!.
عَيْناكِ حَربٌ لَمْ تَضَع أَوْزارَها
وَيْحِي إذا حَلَّت بنَا عَيناكِ.
مُستَسلِمٌ وَبِلا شُروطٍ هَا أَنا
أنا فَارسٌ قَد صَارَ مِن أسرَاكِ
إِنِّي أُحِبُّكِ طِفْلَةً وَحَبيبَةً
فَتَدَلَّلي في قَلْبِ مَن يَهْواكِ
وَصَفَعتُ وَجهَ المُستَحيلِ بِعَهْدِنا
لا مُستَحيلَ وَوِجهَتي إِيَّاكِ
سُبْحانَ مَنْ قَسَمَ الجَمالَ بِعَدلِهِ!
وَبِكُلِّ أَصْنافِ الجَمالِ كَساكِ!
عِ، يا زَمانُ، فَلا فِراقَ يُخيفُنا
وَاحذَرْ جَسارَةَ عِشْقِنا الفَتَّاكِ
وعندما انتهى، رفعت خولة رأسها نحوه بعيون تلمع من التأثر، وقالت بنبرة تذوب عشقًا:
«ماذا فعلت بي... أنا أضعف أمام كلماتك... من كان يتخيل يومًا... أن خولة الجاسوسة الصليبية التي جاءت لقتل عامر... تجلس الآن وتسكرها كلماته الساحرة... أعد ما قلته مرة أخرى يا حبيبي».
وهكذا، عادت الأسرة إلى بيتها، لتستقر في هدوءٍ وسكينة، يملؤهما الحب والدفء بعد رحلة مليئة بالمخاطر والصراعات. الضحكات ملأت الأرجاء، والألفة بين أفراد الأسرة أعادت الحياة إلى كل زاوية، مؤكدين أن الحب والوحدة والوفاء أقوى من أي تهديد، وأن السعادة الحقيقية تكمن في اللحظات البسيطة المشتركة مع من نحب.
---
ولكن القصة لم تنتهي بعد، بل ما زالت في أسطرها الأولى..
" أتمنى من حضراتكم إذا عجبتكم الرواية وشفتوا إنها تستحق سواء الجزء الأول أو الثاني دا إنكم تعرفوا الناس بيها أصحابكم مثلا أو الناس في الجروبات ... محدش يعرفني غير حضراتكم ودا كفاية عندي طبعًا، بس خليني أطمع في ريڤيو صغير قد كدا عنها للناس🤏😁❤
جُزيتم الفردوس 🤲❤
•|مُصْطَفَى النَّجَّار|•
رواية شفرة أوڤاميندرا (2)، عالم الخيال " كالثيرا " الفصل السابع 7 - بقلم م/ مُصطَفَى النَّجَّار
في مساء اليوم التالي، توجّه عامر إلى بيت صديقه حازم، ذلك البيت الذي طالما دخله مطمئنًّا، فصداقتهما لم تزل يومًا تهتزّ رغم تقلّبات الدنيا. وما إن طرق الباب حتى استقبله حازم بوجهه المألوف المُحب، وعلى الفور عاد داخل عامر شعور الألفة الذي اعتاده مع صاحبه منذ طفولتهما.
دخل عامر، وقبل أن ينطق بكلمة، ارتفع صوت حازم منفعلاً وهو يقول: «أهلا يا عمورة.»
فابتسم عامر وردّ: «حزوم، أخبارك يا صديقي.»
لكن حازم سرعان ما قاطعه بصوتٍ حادّ وهو يقول: «الحمد لله، استنااااااا»،
فتلفّت عامر بدهشة: «اي حصل اي؟، خضتني.»
فردّ حازم بنبرة تحذيرٍ: «اقلع الكوتش، أمي لسه ماسحة الأرض ولو لقيتها اتوسخت تاني هتمسحها بينا أنا وانت.»
ضحك عامر وهو ينحني لخلع حذائه: «لا يا عم وعلى اي.»
وبمجرد أن دخلا غرفة حازم، جلسا متقابلين كما اعتادا دائمًا، فأخذ حازم ينظر إليه نظرة فضول قائلاً:
«اي بقا سر الزيارة المفاجأة، يا رب يكون اللي في بالي، تسنيم وافقت صح؟!.»
لكن وجه عامر لم يحمل البشرى التي توقّعها.
اقترب منه عامر جادًّا وقال: «اه بص، انت يا حازم عارف إني بحبك، إحنا أصحاب من ساعة ولادتنا ولا أي حاجة قدرت تفرقنا عن بعض…»
وبدأ يذكّره بمواقفهما القديمة، بينما يزداد توتّر حازم انتظارًا للكلمة التي يُخفيها.
وفجأة سأله حازم بقلق:
«اومال اي؟، اوعا تكونوا زعلتوها…»
ورد عامر مختصرًا:
«لأ برضو.»
تنفّس عامر ببطء وقال:
«يا حازم اسمعني بقا… تسنيم رفضت.»
ساد الصمت لحظة، تلتها نظرة صدمة على وجه حازم وهو يقول:
«رفضت؟!، رفضتني أنا يعني؟!»
ثم ارتفع صوته وهو يكرر: «بتهزر… عامر والله مش وقت هزارك الرخم…»
عامر:
«حازم، انت أكيد عارف إن كل واحد بيكون عنده في دماغه مثلا شخص معين بتفاصيل معينة، فلما شخص تاني بيتقدم بيرفضه مش علشان هو وحش بس علشان مش هو دا يعني ال...»
رفع حازم رأسه بصدمة، وقد اتّسعت عيناه كأن ضربة أصابته في صدره:
«يعني تسنيم فعلا رفضت؟»
تنفّس عامر بعمق محاولًا تهدئته، لكنه شعر بأن كلماته تُسكب فوق جمر مشتعل:
«هي مش رفضت، بس يعني شايفة إنكم مش مناسبين لبعض، يعني انت هتكون أحسن مع حد غيرها، وهي كمان.».
ارتجفت شفتا حازم وهو يهمس، وصوته يرتهس كأن قلبه يُنتزع من صدره:
«بس أنا عمري ما تخيلت نفسي مع حد غيرها وعمري ما هقدر أعمل كدا.»
تقدّم عامر نحوه قليلًا، كأنه يحاول الإمساك بالشرخ قبل أن يتسع:
«يا حازم، الدنيا مش بتقف على حد معين، دي أقدار ونصيب وانتوا مش من نصيب بعض.»
لكن الجملة لم تزد الأمر إلا سوءًا.
ردّ حازم بجفاف:
«ماشي تمام.»
ضاقت ملامح عامر بالانزعاج، شعر بأن كلمة تمام تلك كانت أشبه بصفعة:
«يعني اي تمام، على فكرة بتعصبني كلمة تمام بتاعتك دي، اتكلم قول اللي في نفسك.»
وهنا انهار الصمت، وتفجّر الألم دفعة واحدة. اشتعل وجه حازم غضبًا وأطلق ما كان يحمله من سنين في صدره:
«عايزني يعني أقولك اي؟، ها؟، أقولك إن الإنسانة الوحيدة اللي حبيتها وكنت بحلم بيها كل يوم وكل ليلة بنام فيها وأقوم على حلم جوازي منها رفضتني؟، ولا أقولك إني إنسان فاشل وغبي ومعرفتش أكون الشخص المناسب ليها؟، ولا أقولك إني مش حلو زيك علشان توافق عليا؟، ولا أقولك إني مش عامر الذكي الحنين الوسيم اللي فيه كل حاجة تحلم بيها أي بنت؟، انت السبب إنها رفضتني يا عامر.»
تجمّد عامر في مكانه، لم يتوقع أن يسمع كلمات كهذه من أقرب الناس إلى قلبه:
«يا حازم الموضوع مش كدا انت تفكيرك غلط، أنا....»
قاطعَه حازم بصوت مكسور:
«بلا أنا بلا انت، انت أكيد قلتلها ماتوافقيش على حازم دا شخص غبي ومش مسؤول في تصرفاته ومش في مستواكِ يا حضرة الدكتورة.»
رفع عامر يديه في محاولة يائسة لوقف هذا السيل الجارف:
«لا والله، أنا مصدوم إني بسمع منك الكلام دا، بس هل تتخيل إني ممكن أعمل معاك كدا يا حازم، بالعكس أنا كنت...»
لكن حازم لم يعد يسمع شيئًا.
«أنا خلصت كلامي تقدر تتفضل..»
وقف عامر مذهولًا:
«بتطردني؟ يا حازم أنا مش هسيبك وانت كدا، لازم نقعد ونتكلم بالعقل، انت بس علشان متعصب، وأنا مراعي دا.»
هزّ حازم رأسه بعنف، والدمع يلمع في عينيه رغم محاولته إخفاءه:
«انت عمرك ما راعيت أي حد، انت إنسان أناني وطماع مابتحبش غير نفسك وبس، المهم تعمل اللي انت عايزه وتطلع على أكتاف الناس كلها وتوصله، هيموتوا، هتخسرهم، أيا كان مش مهم ولا يهمك هيحصلهم اي طالما عملت اللي يريحك.»
اقترب عامر خطوة، وصوته يترنح بين الخوف والحزن:
«يا حازم، اهدا بالله عليك.»
أشار له حازم نحو الباب بيد مرتعشة:
«امشي يا عامر، امشي، اللي بيني وبينك خلص.»
وفي تلك اللحظة… شعر عامر بأن أحد أعمق جذور حياته قد قُطع.
---
عاد عامر إلى بيته ودخل إلى غرفته دون أن يتحدث إلى أحد..
اقتربت منه خولة برقة وهي تقول:
«أعلم أنكما أعز أصدقاء وتحبه جدًّا، سامحه، وهو بالتأكيد لم يقصد ما قاله…»
لكن عامر لم يكن غاضبًا، بل كان ممزقًا من الداخل:
«أنا مش زعلان منه، أنا زعلان عليه.»
وبينما كانت خولة تحاول تهدئته، بدأ عامر يبوح بما يثقل قلبه منذ سنين، يتحدث عن حزنه المتوارث من طفولته، وعن ضياعه أمام ألم الآخرين وعجزه عن تغييره.
كانت الكلمات تتساقط منه كأنها تُشفى جرحًا داخليًا ظلّ طويلًا بلا دواء.
جلس عامر على حافة الفراش وقد أثقل الحزن كتفيه، بينما كانت خولة تقف قربه تنظر إليه بعينين يملؤهما القلق.
رفع وجهه إليها، محاولًا أن يزيح عن صدره الحمل الذي يخنقه منذ الأمس، ثم قال بصوت هش:
خولة:
«لم يكن بوسعك فعل شيء من أجله، لقد فعلت ما ينبغي عليك فعله.»
تنهد عامر طويلًا، كأن صدره قد عاد إليه جرح قديم:
عامر:
«أنا مخنوق أوي، طوال حياتي وأنا مش بعرف أشوف إنسان مكسور قدامي، أو أحلامه متحطمة، كنت بمشي في الطريق وأنا صغير كنت شاب يعني صغير، كل ما أشوف ست قاعدة على الأرض في عز الحر والشمس بتشحت قلبي بيوجعني عليها وبكون عايز أساعدها بس مش عارف، وفي البرد في الشتاء، تعرفي، أنا كنت بحب الشتاء جدا والمطر لحد ما شوفت في يوم راجل عجوز نايم على الأرض في البرد جسمه بيرتجف، أنا وقتها اديته الجاكت بتاعي واتأسفت ليه واحتقرت نفسي إني حبيت الشتاء في يوم من الأيام.
كنت بمشي ببقى نفسي أطبطب على كل حد زعلان وأقوله أنا آسف، سامحني مش عارف أعملك حاجة.
طول عمري كنت بكره أشوف حد عاجز أو مكسور قدام نفسه أو أهله أو قليل الحيلة، وعمري ماتخيلت إني ممكن أعمل في صاحبي في يوم من الأيام كدا بايدي.»
كانت خولة تنصت لكل كلمة، وعيناها تتحركان ما بين ألم زوجها وحنان قلبها عليه؛ ولما انتهى، اقتربت منه خطوة، محاولة أن تمنحه بعض السكينة:
«خولة: أنت إنسان طيبٌ ورقيق القلب يا حبيبي وهو أكثر ما يجعلني أعشقك، ولكن بالنسبة لحازم أنت لم تفعل شيء، أختك رفضته، وأنت نقلت له الأمر فقط.»
هزّ عامر رأسه ببطء، ثم تابع:
« بس شوفته مكسور قدامي ومعرفتش أعمله حاجة.»
استمعت خولة لكلماته حتى النهاية، ثم احتضنته وقبلت رأسه وقالت بأسلوبها اللطيف:
«اسمعني… سأعرض عليك شيئًا ويجب أن توافق… سأقتلك إن لم توافق.»
فنظر إليها عامر بدهشة وقال:
«اي.»
فأجابته:
«وعدتني أن نذهب إلى غرناطة؛ لأرى أمي صحيح؟.»
فقال عامر وهو يزفر زفرةً طويلة:
«تمام.»
لم يكد يفرغ من كلمته حتى أسدلت خولة حكمها وكأن الأمر قد تقرّر منذ زمن:
«سنذهب في الصباح، ونمكث هناك أسبوعين أو أكثر حتى تنسى ما حدث هنا.»
تغيّر وجه عامر قليلًا، ثم قال:
«مش هينفع أسبوعين، انتي عارفة عندي شغل أنا دلوقتي بقت عندي مدرسة القرآن الخاصة بتاعتي وحضانة تابعة ليها ودول بديرهم لوحدي، ولو غبت مين هيدير الحاجات دي.»
خولة:
«حسنًا أسبوع فقط ولن أتنازل.»
حاول عامر الاعتراض، لكنّها لم تُمهله:
«لا توجد مشكلة، ستمنحهم إجازة حتى تعود، هل سترفض لحبيبتك لولو طلبها الصغير، حسنًا كنت أعلم أنك لم تعد تحبني.»
اضطر عامر إلى الرضوخ، فتنهد مبتسمًا بشيءٍ من الاستسلام اللطيف:
«خلاص هعمل كدا، ماتزعليش، وهقول لأهلي رايحين نتفسح ونغير جو أسبوع رحلة وهنرجع.»
خولة:
«ولكن سنضطر هكذا إلى اصطحاب أبنائنا معنا، إن تركناهم سيشكون في أمرنا.»
فأجابها عامر بحرصٍ شديد:
«ماشي، هناخدهم معانا بس مش هنطول يا خولة، كام يوم ونرجع بسرعة علشان هناك خطر عليهم.»
فابتسمت وهي تغمض عينيها بلطفٍ ودلال:
«أمرك يا زوجي الجميل.»
ساد صمتٌ قصير، قبل أن يبوح عامر بمرارة:
«آسف يا خولة تاعبك معايا، ماشوفتيش يوم حلو من يوم ما اتجوزنا.»
فردّت عليه بلهجة مرحة خففت حدّة الكلام:
«أجل هذه حقيقة للأسف.»
ثم ضحكت بعد أن رأت صدمته:
«أنا أمزح وأنت تعلم، فقط أريدك أن تلقي هذا الحزن من على كتفيك.»
انحنى عامر قليلًا، وكأنه يسلّم لها بكل شيء، وقال بصوتٍ يفيض عشقًا:
«مش عارف أقولك اي، ولا أشكرك ازاي على كل اللي بتعمليه معايا يا خولة، جبتينا من غرناطة علشان أنسى سارة، وهتبعديني من هنا علشان أنسى حزني.».
اقتربت منه خولة ببطء، وقالت:
«لا تقل شيئا، أنت تستحق كل ما هذه الدنيا يا عامر، قلبي وروحي وجسدي، حتى عمري إن احتجته سأمنحه لك بلا تردد، أنا فقط أريدك سعيدًا دائمًا ولا يعكر صفوك شيء.»
رفع حاجبه مازحًا:
«ليه بقا؟.»
فأجابته مبتسمة:
«لأنك عندما تكون سعيدًا أكون سعيدة أيضًا وتصب عليَّ الحب صبًا، كل كلمة وكل فعل منك يغشاني بالحب.»
أطلق ضحكة صغيرة، وقال:
«اه فهمت انتي طلعتي مصلحجية.»
فانتفضت هي بغضبٍ مدهوش:
«مصلحجية!، أنا مصلحجية؟!»
ابتسم عامر بمكر:
«نعم.»
رفعت خولة إصبعها مهددة بطريقة أقرب للدلال:
«وما معنى هذه الكلمة يا سيد عامر، ولكن قبل أن تجيب تذكر، رقبتك على المحك.»
تراجع عامر قليلًا وهو يرفع يديه مستسلمًا، ويُظهر ملامح مصدومة مصطنعة:
«يمّا، اي الرعب دا، اي اللي خلاني أروح عالم تاني وأتجوز أنا، فيه واحدة تقول لجوزها هطير رقبتك؟٠»
ضحكت خولة بخفة، كما لو أن الأمر طبيعي تمامًا.
«خولة: أجل، بالطبع أنا.»
تنهد عامر وهو يتخذ وضع الفيلسوف الجاد، كأنه يستعد لشرح نظرية كونية:
«طيب بصي هشرحلك، انتي طبعًا عارفة إنه يجوز الكذب على الزوجة صح؟.»
اقتربت خولة أكثر وقالت:
«أجل، ولكنك لن تكذب.»
أشار عامر لنفسه بثقة مصطنعة:
« أكيد طبعًا، انتي تعرفي عني كدا؟، بصي يا ستي الشخص المصلحجي دا هو الشخص الذي يعطي بلا مقابل، ويضحي ويخلص من أجل من يحبهم.»
مالت خولة برأسها وهي تنظر إليه بعينين لامعتين، وكأنها وجدت ما كانت تبحث عنه:
«حقًا، جميل، إذًا أنت مصلحجي يا عامر.»
تجمد عامر بعد أن انقلب الأمر عليه:
« لأ طبعا أنا مش كدا.»
ضحكت خولة وهي تهز رأسها بثقة وكأنها تراه أوضح مما يرى هو نفسه:
«لا تتواضع، أنا أكثر من يعرف أنك مصلحجي.»
عامر:
«أصلا، خلاص مسكتي في الكلمة يعني، عموما أنا أستاهل، أنا اللي جبته لنفسي، شكرا، بس ماتقوليش لحد غيري كدا ماشي.»
ابتسمت خولة بمكر جميل:
«لا تقلق، لن أمدح غيرك أبدًا.»
عامر:
«شطورة.»
التفتت إليه خولة، تلوّح بيدها نحو السرير بإصرار لطيف:
«والآن، هيا يا قطتي حان وقت النوم.»
رفع عامر حاجبيه:
«قطتك!، عامر السيد ملك الأندلس بقا قطة على آخر الزمن.»
وضعت خولة يدها على خاصرته وقالت:
«وإذا تحدثت أكثر سأدعوك كتكوتًا، لقد علمتني تسنيم هذا الكلمة وأعرف معناها جيدًا.»
نظر عامر إليها بصدمة أكبر:
«اه دا ابن الفرخة الصغير»
قهقهت خولة وهي تشير إليه بإصبعها:
«مخادع، تظنني لا أعرف.»
عامر:
«ليه بتقولي كدا؟.»
ابتسمت خولة ابتسامة المنتصر.
«خولة: لأنه ليس كما تقول، الكتكوت هذا حشرة بقدر طول الإصبع هكذا وله ذيلٌ وأرجلٌ، كنَّا نسميه في عالمي وزغًا.»
تجمد عامر في مكانه:
«وبيمشي على الحيطة؟.»
أومأت بثقة.
خولة:
«أجل، لقد رأيته قبل أن يضربه أبوك بحذائه ويقتله، إنه ماهر في الرمي بالحذاء.»
فتح عامر عينيه بصدمة أكبر.
«عامر: لحظة بس، سيبك من حذاء بابا دلوقتي، تسنيم قالتلك على الوزغ اسمه كتكوت؟.»
أجابت كأن الأمر لا يحتمل النقاش:
«أجل.»
نظر عامر إليها ولا يدري أيضحك أم يشفق عليها:
«اه، هو انتي عملتي اي في حياتك علشان تيجي مصر، وتيجي البيت دا بالتحديد.»
ابتسمت خولة ابتسامة هادئة، صادقة أكثر من أي شيء:
«أحببتك.»
عامر:
«عملة سودا هتدفعي تمنها طول عمرك.»
ضحكت خولة، ثم أشارت إلى الباب:
«حسنًا، هيا يا طفلي المدلل، كفاك حديثًا واخرج وأخبر أهلك برحلتنا في الصباح، نريد أن ننام بضع ساعاتٍ قبل أن نذهب.»
---
في الصباح، حمل عامر طلحة صاحب الأعوام العشرة، ومعه هاجر وعائشة ابنتا الخامسة، وانطلقوا جميعًا نحو الأندلس، إلى عالم خولة القديم، وكان لا يزال مفتاح شقة حازم معه.
وبعدما دخلوا إلى عالم الماضي، كانت خولة طوال الطريق صامتة تتأمل الطرقات التي فارقتها منذ زمن، وحين بلغوا منزل أهلها توقف قلبها لحظة قبل أن تندفع خطواتها.
وما إن أبصرت أمّها حتى اندفعت الاثنتان نحو بعضهما، وامتزج بكاؤهما العميق. احتضنتها أمها بقوة، وسألتها خولة بلهفة:
«أين زوجك؟».
خفضت أمها رأسها بوجع وهمست:
«مات».
ساد صمت ثقيل، ثم احتضنتها خولة مجددًا، وقبّلت جبينها وهي تعتذر لأنها لم تكن بجانبها في أصعب لحظاتها.
لتردّ الأمّ بحنان: «كل ما يشغل بالي ويهمني هو أن تكوني سعيدة مع زوجك وأبنائك».
تقدّم عامر بخطوات هادئة، ووقف أمام أم زوجته معزّيًا، معتذرًا عن غيابهما الطويل عنها. جلسوا جميعًا في الدار طوال النهار، بينما كانت الأمّ تحكي لهما كيف أن ملك الأندلس عبد الرحمن يتكفّل بها شهريًا، ولا يتركها أبدًا، وتقول:
«إنه يكرمني من أجلك يا سراج الدين».
ابتسم عامر مطمئنًا وقال:
«رجل جميل لا يكفر بالمعروف. سأذهب لمقابلته وشكره قبل مغادرة غرناطة».
وبعد يوم طويل امتلأ بالحديث والذكريات، عاد عامر وزوجته إلى غرفتهما وناما واحتضنت الجدة في غرفتها أحفادها وناموا.
ولكن السكون لم يدم طويلًا؛ إذ فتح عامر عينيه فجأة زالتفت ناحية النافذة فارتجف قلبه… هناك، خلف الزجاج، كانت سارة تنظر إليه.
شهق مفزوعًا:
«سااارة؟ سااارة انتي حية؟!».
استيقظت خولة على صوته، واتكأت تبحث عن وجهه بقلق: «ما بك؟».
أشار نحو النافذة وهو يرتجف: «بصي… سارة».
نظرت خولة فلم تجد أحدًا، فعادت إليه: «أين؟».
رفع عامر يده بتوتر:
«والله كانت هنا… أنا شوفتها بعيوني».
تنهدت خولة بأسف:
«علشان كدا كنت خايفة نرجع غرناطة… كوابيسك عادت إليك مرة أخرى».
صرخ عامر بانفعال:
«بقولك شوفتها بعيوني! وكنت صاحي مش نايم… أنا هقوم ألحقها».
أمسكت به خولة تحاول جذبه إليها لاحتضانه، وتهدئة ارتجافه: «نام يا حبيبي…مفيش حاجة».
ابتعد عنها بعصبية:
«أنا مش مجنون! بقولك شوفتها بعيوني»، ثم اندفع خارج البيت يجري أمامه باحثًا عنها، لكن لم يكن هناك أثر لأحد.
لحقت به خولة، وما إن اقتربت منه حتى وضعت يدها على كتفه من الخلف برفق، فالتفت مفزوعًا وهو يقول:
«سارة؟!».
نظرت إليه خولة بعينين متعبتين:
«لا… أنا خولة. تعال معي يا عامر، الجو بارد جدًا».
لكنّه ظلّ متشبثًا بما رأى:
«أقسم لك أنني رأيتها تقف في الشباك وتنظر إلي… كأنها أتت لتطمئن عليَّ».
أجابته خولة بمرارة:
«سارة ماتت يا عامر».
قابلها بصوت مضطرب:
«قلت لك سارة لم تمت! ولن أصدق أنها ماتت مهما حاولتم إقناعي… أنتم تريدون موتها!».
رفعت خولة حاجبيها بدهشة موجوعة: «أنتم؟! ترى مع من وضعتني في كلمة أنتم يا عامر؟ مع أعدائك؟».
ارتبك، وانخفض صوته:
«خولة… أنا لم أقصد».
أدارت خولة ظهرها وقد جرحها قوله، وعادت إلى الداخل.
لحق بها عامر، يحاول تهدئتها ورأب الشرخ الذي أحدثه انفعاله. لكنّها وقفت أمامه بعينين دامعتين وقالت:
«كل مرة تثبت لي أنك ما زلت تحب سارة أكثر مني… لدرجة أنك لا تصدق موتها».
ارتبك وقال:
«خولة… الموضوع مش كدا».
هزّت رأسها بإحباط: «ما الذي فعلته سارة ولم أفعله أنا؟ طوال الوقت أحاول إسعادك ومحاربة الدنيا بأسرها من أجلك… من أجل ألا يصيب قلبك حزن أو أذى. وأنت كلما سنحت لك الفرصة تطعنني بسارة».
حاول الاقتراب منها:
«انتي عارفة أنا بحبك قد اي. انتي أول حد حبيته واختارته رغم إني عرفت سارة قبلك… دا أكبر دليل إني مش بحب حد قدك».
رفعت عينيها في وجهه، مستعيدة أوجاعها كلها:
«تحبني؟! لقد تركتني أسيرة في أيدي الصليبيين، يعذبونني ليلًا ونهارًا ويعاقبونني لأنني لم أقتلك كما أمروني… وعندما عدت إليك وجدتك في أحضان سارة زوجتك الجديدة. وخولة التي عُذّبت من أجلك… وضحّت بكل شيء تملكه من أجلك… نسيتها واتهمتها بالخيانة».
قال عامر بصوت منخفض:
«أنا وضحتلك وقتها دا حصل ازاي… كان غصب عني».
هزّت رأسها بوجع:
«لا يا عامر… أنت أحببت سارة أكثر مني، ومازلت تحبها. أنت تراها فيَّ… أنت لا ترى خولة. أنت لا تراني يا عامر».
---
في تلك اللحظة حاول عامر أن يقترب من خولة ليحتضنها ويمسح دموعها، لكنها أبت وأبعدته بوجه شاحب من الإرهاق والألم، ثم قالت بحدة متعبة:
«سأنام».
اقترب منها عامر خطوة، وكأن قلبه ينهار تحت قدميه، وقال بصوت منكسر، لا يجد فيه القدرة على الدفاع أو التبرير:
«مش هسيبك تنامي كدا، أنا آسف، أنا مش عارف أدافع عن نفسي ولا عايز أبرر ولا أدافع، أنا عارف إني مجرم وظالم وغلطان في حقك، بس عمري ما حبيت سارة ولا حد أكتر منك يا خولة، أنا حبيتها علشان كانت طيبة وزعلت عليها لما اختفت علشان كانت حامل بابني ومقدرتش أساعدها وهي بيحصل فيها كدا. أنا بحبك انتي يا خولة وهفضل طول عمري أحبك أكتر من أي حد في الدنيا دي كلها».
لكن خولة لم تجبه، واكتفت بقول:
«اخلد إلى النوم يا عامر».
ثم أدارت ظهرها، تُخفي دموعًا لم تستطع كبحها.
تظاهرت خولة بالنوم، بينما كانت دموعها تنساب بصمتٍ مرير، أمّا عامر فظلّ مستيقظًا بجوارها، عينيه معلّقتان بالسقف ونبضه يشتد كأنه يجلده على ما قال وما لم يقل. كان عقله على وشك الانفجار من قسوة أفكاره وتضارب مشاعره.
وبعد لحظات من الصمت الخانق، همس لها بصوت متحشرج:
«خولة، هديتي دلوقتي؟، علشان خاطري اسمعيني، أنا آسف على كل إحساس سيء حسيتيه بسببي، أنا آسف على كل حزن وهم وكل غصة أصابت قلبك بسببي، أنا يمكن مش الشخص اللي كنتي بتتمنيه يسعدك، بس أنا فعلا عمري ما كدبت عليكي في حبي ليكي، أنا ماحبتش سارة ولا أي حد في الدنيا قدك».
كان لصوته أثر على قلبها، فالتفتت إليه وعيناها لامعتان بالدموع، وقالت بنبرة مترددة تبحث عن يقين:
«حقًا».
فأجاب بلا تردد، كمن يعلن حقيقة لا شك فيها:
«اه والله، انتي بس شوفتي حزني على موت سارة حب زيادة ليها، مش مجرد حزن وشعور بالذنب لأنها حصل فيها كدا وأنا بعيد عنها، أنا حبيتها مش هكذب بس انتي حبيتك أكتر وانتي أغلى في قلبي وأثمن، وانتي حبيبتي الأولى والأخيرة يا خولة».
ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، ثم عادت لتعبس بنظرة معاتِبة وقالت:
«ولماذا لم تقل لي هذا من قبل؟».
ضحك عامر ضحكة قصيرة يائسة وقال:
«يعني كل الحب والكلام الحلو والشِعر مش كفاية هما بس الجملتين دول؟».
قالت وهي تمسح دموعها بظهر يدها:
«أجل، كنت دائمًا أريد سماعها منك، أنك لم تحب ولن تحب أحدًا مثلما تحبني».
فقال: «حسنًا، آسف».
ردت بابتسامة فيها شيء من الدلال:
«لا عليك، أنا فرحة الآن، لا لست فرحة».
قال عامر بدهشة ممزوجة بتوتر:
«يعني اي طيب، مسامحاني ولا لأ؟».
أجابته: «سأسامحك نصف مسامحة».
قال: «والنصف الآخر؟».
ابتسمت بخجل وقالت:
«عندما تضمني إلى حضنك الآن».
عندها انقشعت غيوم الغضب، وسكنت الأرواح، وتلاشت المرارة التي خنقت قلبيهما طوال الليل.
عاد الدفء بينهما، وساد الهدوء أخيرًا، ومضت الليلة في سلام يشبه ميلادًا جديدًا للحب الذي كاد أن ينكسر.
---
وبعد أسبوع، عاد عامر وزوجته وأبناؤه إلى عالمه الحقيقي، إلى بيته الذي يحنّ إليه في كل غياب. عادوا حاملين معهم ما تبقى من ذكريات الرحلة الماضية، وكأنّ الرحلة كانت فصلًا طويلًا انتهى أخيرًا.
ومضت أيام قليلة قبل أن يتقدّم شاب يُدعى أحمد لخطبة تسنيم؛ طبيب زميل لها، معروف بين أهله وجيرانه بحسن الخلق، وحفظ القرآن، ولينه مع الناس. فوافقت تسنيم ووافق أهلها، وكانت بدايات السعادة تلوح في الأفق.
وبعد عامٍ كاملٍ، حلّ يوم الزفاف.
كان الفرح بسيطًا، في قاعة جميلة خالية من الموسيقى والاختلاط والتصوير بالهواتف، تزيّنها الابتسامات الهادئة والوجوه المحبة، وتعلو فيها الأناشيد الإسلامية التي منحت الليلة جمالًا وروحًا نقيّة.
جلست تسنيم إلى جوار زوجها الذي أحبّته بصدق، يكسوها حياءُ العروس وفرحتها. وكان عامر ينظر إليها نظرة تجمع بين الفرح والحزن؛ لم يُصدق بعد أن تلك الطفلة التي كان يحملها بين ذراعيه، ويمازحها ويغضب منها ويضحك معها، أصبحت عروسًا تُساق إلى رجلٍ غيره، رجلٍ تحبه ويحبها.
وعلى جانب آخر من القاعة، وقف حازم متخفيًا في ركن بعيد، لا يراه أحد. كان ينظر إلى تسنيم من بعيدٍ كما ينظر طفلٌ حُرم شيئًا يحبه، وكانت عيناه تلمعان بدموع مكبوتة حاول إخفاءها ولكنه لم يفلح.
وفجأة…
انطفأت أنوار القاعة، فتعالى صراخٌ مباغت، كان صوت تسنيم.
أسرع عامر يشعل إضاءة هاتفه، وركض باتجاه تسنيم فوجدها تصرخ وهي ترتجف. قالت وهي تكاد تختنق بالبكاء:
«خطفوا أحمد من حضني!»
اقترب منها عامر سريعًا:
«مين هما؟»
ارتجفت أكثر وهي تقول:
«معرفش، حسيت بايدين بتبعد إيدي وتزقّني بعيد… وخطفوه! وهو مكنش راضي يسيب إيدي… الحق أحمد يا عامر!»
اندفع عامر ركضًا، وصرخ في الحضور يأمرهم بإضاءة الهواتف والبحث عنه. أما هو فاتجه إلى لوحة الكهرباء بحثًا عن السبب، ورفع المفتاح، لتعود أضواء القاعة مرة أخرى.
ولم تمضِ دقائق حتى دوّى صوت من خارج القاعة يناديه...
ركض عامر نحو مصدر الصوت، لكنه ما إن خرج حتى فوجئ بمشهدٍ تجمّد له الدم في عروقه...
أحمد، زوج تسنيم، ملقى على الأرض مذبوحًا… والدم ينزف حوله كمشهدٍ من كابوس. وفي الجانب الآخر، يقف حازم عند رأسه، ممسكًا بسكين يقطر دمًا.
تصلّب عامر في مكانه بلا حراك ولا كلمات.
نظر إليه حازم بخوف وهو يقول:
«انتوا بتبصولي كدا ليه؟ عامر… أنا ما قتلتوش. أنا كنت بحاول أنقذه!»
لكن عامر ظل واقفًا جامدًا.
سمع حازم صوتًا يعلو من الخلف:
«أهو… اقبضوا عليه!»
التفت ليجد الشرطة تقترب بسرعة.
صرخ محاولًا التماسك:
«انتوا هتقبضوا على مين؟ أنا ماقتلتوش! أنا بريء والله العظيم! أنا كنت بحاول أنقذه!»
فأمسكه الضابط بقوة، وقال بصوتٍ حازم:
«ششش… معانا من غير صوت.»
ثم التفت إلى رجاله:
«طوّقوا المكان… اقفلوا المداخل… وحُطّوا حواجز حوالين الجثة لحد ما ييجي الطب الشرعي.»
حازم، المصدوم، التفت بعينين دامعتين إلى عامر وقال:
«عامر… قولهم إني بريء. انت عارف أنا مستحيل أقتل حد… أنا مظلوم يا عامر.»
كانت تلك آخر كلمة خرجت من فمه قبل أن يُساق مكبّل اليدين إلى داخل سيارة الشرطة.
وصلت تسنيم في تلك اللحظة، وما إن رأت زوجها ممددًا على الأرض، مذبوحًا، حتى صرخت وسقطت مغشيًا عليها.
وقف والد عامر ووالدته في صدمة لا ملامح لها. وركضت أم حازم خلف ابنها وهي تبكي وتنتحب وتقول:
«ليه يا حازم؟ ليه يا ابني؟»
لكن حازم لم يعد يرى شيئًا، وكأن صدمته عزلته عن العالم.
وهكذا… انتهت ليلة الزفاف التي بدأت بفرحٍ نقي، بجريمةٍ غامضة قلبت كل شيء....
يتبع…
بارت تقطيع الشرايين.. 😁💔
تفتكروا حازم قتله فعلا؟..
جاوبوا بتوقعكم في تعليق🤌
شير وريڤيو للرواية يا حلوين
وممتن ليكم مقدمًا يا أشطر قراء🫰❤
رواية شفرة أوڤاميندرا (2)، عالم الخيال " كالثيرا " الفصل الثامن 8 - بقلم م/ مُصطَفَى النَّجَّار
تسنيم نُقلت إلى المشفى، وحين أفاقت بعد ساعاتٍ طويلةٍ حاول عامر تهوين الصدمة عنها، إلّا أنها ظلت صامتة لا تُجيب أحدًا، كأن الكلمات قد هربت من روحها. بقيت ساكنة تمامًا، تحدّق في سقف الغرفة دون أن تنطق بكلمة.
جلس عامر إلى جوارها، ممسكًا بيدها، غارقًا في بحرٍ من الأسئلة التي لا يجد لها جوابًا. وكلما اشتعل الغضب في صدره تجاه حازم، كان يتردد فجأة في ذهنه صوت حازم يستغيث:
«أنا مظلوم... أنا مقتلتوش... أنا كنت بحاول أنقذه».
مرّ يومان وهي في المشفى، لا تتناول شيئًا، بل تعيش على محلولٍ وحقنٍ مهدّئٍ تُعطيها إياه الممرضة لتستطيع النوم.
وفي هدوء الليل...
طرق أحدهم الباب.
دخلت أمّ حازم في صمتٍ ووجوم، تقابلها نظرات حادة من" أبو عامر وأمه"، نظرات ممتلئة بالغضب والمرارة.
قال أبو عامر بخشونة:
«انتي اي اللي جابك هنا؟»
وأضافت أم عامر بحدة أكبر:
«يمكن مكفهاش اللي عملوا الزفت ابنها وجاية تكمل علينا!»
رفعت أم حازم رأسها والدمع يلمع في عينيها قائلة:
«انتي بتقولي كدا؟ طيب أبوها بيقول كدا علشان مايعرفنيش زيّك، لكن انتي؟ احنا أخوات... أكلنا في يوم من الأيام من طبق واحد... ولعبنا سوا... وكنا بنلبس سوا... ونضحك سوا... ونخاف على بعض من الدنيا... انتي يا نجوى تقولي كدا؟»
تدخّل عامر بصوت هادئ وحاد:
«عايزة اي يا خالتي؟»
قالت وهي تكتم شهقتها:
«ابني برييء يا عامر... انت أكتر واحد حافظ حازم وعارفه كويس أوي... وعارف إنه مستحيل يفكر يعمل كدا».
ردّ عامر وهو ينظر في عينيها بغضبٍ:
«طيب يا خالتي... ابنك بريء... بس تخيّلي معايا لما تدخلي تلاقيني ماسك سكينة مليانة دم... وجنبي إنسان مدبوح... اي أول حاجة هتفكري فيها؟»
قالت دون لحظة تردد:
«أنا مش بفكر في حاجة غير إن ابني برييء... ولو شوفته وهو بيدبح حد قدامي مش هفكر غير إنه برييء».
ابتسم عامر بمرارة:
«علشان ابنك... مش علشان هو فعلاً كدا».
قالت وهي ترجوه:
«يا عامر... حازم صاحبك».
أجاب بجمودٍ موجع:
«كان صاحبي... بس مابقاش... لما خاصمني سنة كاملة مش بيكلمني... واليوم اللي جه صالحني فيه... قتل جوز أختي».
حاولت الرد:
«يا عامر انت...»
فقاطعها بصوتٍ مُثقل بالكراهية:
«امشي يا خالتي... امشي علشان وجودك هيتعب تسنيم أكتر... وهيغيظ قلوبنا أكتر».
---
خرجت خالته مذعورة القلب، وغادرت المشفى بخطوات متثاقلة، وبعد لحظات نهض عامر من جوار سرير العناية المركزة وخرج إلى الممر. جلس على مقعد مقابل للغرفة، متكئًا بظهره إلى الحائط، وقد بدا الإنهاك واضحًا على ملامحه. لحقت به خولة في هدوء وجلسَت إلى جواره، محاولة أن تمنحه بعض السكينة.
«اهدأ، سيكون كل شيء على ما يرام.»
عامر:
«تعبت يا خولة، شكلنا مش مكتوبلنا نفرح شوية.»
خولة:
«ما تقوله فيه شيء من السخط، استغفر الله.»
عامر: «أستغفر الله.»
كانت خولة تتأمله بعينين يختلط فيهما الحنان بالحذر، ثم قالت:
«أعلم أن الأمر صعب، وأنك تحب أختك جدا وما حدث لها يؤرقك، ولكن عندي لك سؤال.»
«ما هو؟»
«هل حقًا تصدق أن حازم قاتل؟»
رفع عامر بصره إليها، وتنهّد تنهيدة طويلة خرجت من أعماق صدره:
«لا.»
فوجئت خولة بالإجابة، وقالت بعجب:
«لا!!، ولكن لماذا طردت خالتك ولم توضح الأمر لعائلتك؟»
عامر:
«علشان تسنيم نفسيتها هتتعب أكتر لو حست إني مع حازم، هتحس إني واقف مع مجرم.»
خولة:
«حسنًا، أخبرني بما يدور في رأسك؟»
عامر:
«سأذهب وأبحث عن الحقيقة بنفسي.»
خولة:
«ولكن بعد أن تنام قليلا.»
عامر:
«لا أريد.»
خولة:
«هيا لا تتعبني، ادخل إلى تلك الاستراحة ونم بضع ساعات قبل أن تذهب إلى أي مكان.»
عامر:
«حسنًا، وأنتِ؟»
خولة:
«سأجلس إلى جانبك حتى تستيقظ وسأنام بعدها، لا تقلق، هيا لا تهدر الوقت، أنت متعب جدا.»
استسلم عامر أخيرًا، ودخل غرفة الاستراحة. لم يطل نومه، لكنه كان كافيًا ليعيد بعض صفائه، فنهض مغادرًا المشفى متجهًا نحو قاعة الزفاف. وعندما وصل، وجد المكان مغلقًا بالشمع الأحمر وتحت حراسة الشرطة. سأل المتواجدين عن منزل مدير القاعة، شعبان، وحين عرف مكانه توجّه إليه مباشرة.
طرق الباب ففتح له الرجل..
عامر:
«أنا أخو تسنيم اللي جوزها اتدبح في الفرح.»
شعبان:
«أهلا وسهلا، تشرب اي؟»
عامر:
«أنا مش جاي أتضايف.»
شعبان:
«اؤمرني، جاي ليه؟»
عامر:
«مين اللي قتل أحمد؟»
شعبان:
«أكيد حضرتك عارف إنه ابن خالتك.»
عامر:
«اه بالظبط دا اللي أنا أعرفه، اي بقا اللي ماعرفوش؟»
لمح عامر توترًا في ملامح شعبان، فاقترب منه قليلاً:
«أنا شايف في عيونك كدب وخوف.»
شعبان:
«انت شكلك مجنون.»
عامر:
«إنسان بريئ هيتعدم بسبب ناس المفروض يكونوا مكانه... أنا مش بتهمك، بس المهم اللي انت مخبيه من الأحسن ليك تقوله دلوقتي وإلا هتندم بعدين.»
شعبان:
«انت جاي تهددني في بيتي؟»
عامر:
«مش بهددك أنا...»
شعبان:
«انتهينا، اطلع برة.»
عامر:
«هطلع برة، بس أوعدك وشي دا هتشوفه في كوابيسك كتير الفترة الجاية.»
خرج عامر من منزل شعبان وقد تضاعفت شكوكه، ثم اتجه مباشرة إلى قسم الشرطة طالبًا مقابلة الضابط المسؤول عن القضية.
استقبله الضابط أدهم في مكتبه، وقد بدا غير مهتم:
«سمعت إنك طالب تقابلني علشان عندك معلومات عن القضية.»
عامر:
«هي مش بالظبط معلومات حضرتك.»
الضابط:
«أومال اي؟»
عامر:
«يعني تقدر تقول شكوك وحاجات مش مظبوطة نقدر نبني عليها.»
الضابط:
«وانت جاي وهازز طولك ومقعدني قدامك علشان شكوك؟ امشي يا عامر، اطمن، كدا كدا حازم القضية لابساه بالمللي.»
عامر:
«بس أنا مش عايز كدا.»
الضابط:
«نعم!!»
عامر:
«حازم بريئ، فيه حد ملبسه القضية دي عمدًا.»
الضابط:
«مين؟»
عامر:
«معرفش.»
الضابط:
«فين الأدلة طيب؟»
عامر:
«مفيش.»
ضرب الضابط المكتب بيده في عصبية:
«مفيش في القانون حاجة اسمها بريئ بدون دليل براءة.»
عامر:
«يا أدهم بيه...»
الضابط:
«امشي سيبنا نشوف شغلنا، يلااا.»
لم يستسلم عامر، وقال:
«طيب هقولك حاجة أخيرة هتقنعك إن فيه حاجة غلط في الموضوع ومش هو القاتل.
النور اتطفى في القاعة وأحمد اتخطف واتقتل... والشرطة جت... كل دا حصل في أقل من ربع ساعة.»
الضابط:
«عايز تقول اي؟»
عامر:
«مفتاح الكهربا العمومي للقاعة بعيد عن المكان اللي اتقتل فيه أحمد، يعني مستحيل يكون حازم نزل المفتاح وراح خطف أحمد وقتله كل دا في أقل من ربع ساعة.»
الضابط:
«عادي، ممكن يكون معاه حد بيساعده.»
عامر:
«طيب وهو كمان اللي بلغ الشرطة قبل ما يقتل أحمد علشان ييجوا يقبضوا عليه؟»
تغيّرت ملامح الضابط، وظهرت عليه دهشة:
«ازاي؟ احنا جالنا البلاغ بعد الجريمة بنص ساعة.»
عامر:
«يا أدهم بيه، بقولك انتوا جيتوا بعد أقل من ربع ساعة من الجريمة، أنا متأكد.»
توقّف الضابط لحظة يفكّر، ثم قال ببرود:
«لو كلامك مظبوط يبقى فيه حاجة غلط فعلا، بس مفيش عليها دليل، يبقى ملهاش لازمة.»
عامر:
«حضرتك أنا...»
الضابط:
«اسمع بقا... حازم اتقبض عليه متلبس في مسرح الجريمة، والسكينة عليها بصماته، يعني كل حاجة بتقول إنه القاتل. لما يبقى عندك دليل أقدر أمسكه بإيدي ابقى تعالى.»
غادر عامر مركز الشرطة بخطوات مثقلة، ينهش اليأس قلبه.
---
في تلك اللحظة، كانت سيارة تقف بعيدًا، يجلس بداخلها رجل يراقب خروج عامر من مركز الشرطة. وما إن رآه يغادر حتى رفع هاتفه قائلًا:
«أنا شايفه دلوقتي خارج قدامي.»
وجاءه الرد:
«ـــ خلي عيونك عليه واعرف بيته فين؟.»
وانتهت المكالمة...
---
وبعد دقائق قليلة، رنّ الهاتف من جديد.
«ألوووو، يا باشا...
...
مظبوط زي ما توقعنا، راح للشرطة.
...
اسمه عامر، الواد دا شكله مش سهل وهيتعبنا وهيفضل يدور ورانا.
...
أمرك يا باشا، هعرفلك كل حاجة عنه قريب...»
---
عاد عامر إلى المشفى، ثم غادروا جميعًا بعد خروج تسنيم، وعادوا إلى المنزل. وفي اليوم التالي جلس عامر إلى جوار أخته، يحاول مواساتها وإخراجها من حزنها، لكن كل محاولاته باءت بالفشل؛ فقد بقيت صامتة لا تجيب أحدًا ولا تنظر إلى أحد.
وفي تلك الأثناء وصلت إلى هاتفه رسالة من مجهول...
لم تحتوِ الرسالة سوى كلمات قليلة، لكنها أفزعت قلبه:
« خولة، طلحة، عائشة، هاجر، أسرة جميلة بس لو فضلت تمشي ورانا هيموتوا بطرق أبشع من موت أحمد...»
ألقى عامر الهاتف بعدما أدرك أنّ حياة أسرته أصبحت على المحك، وأن عليه الاختيار بين حياتهم أو حياة حازم...
---
توجّه عامر إلى غرفته بعدما نامت تسنيم، وجلست خولة تتأمله بعينٍ تقرأ ما يخفيه قبل أن ينطق.
وقالت:
«ماذا حدث؟، لم تحكِ لي حتى الآن.»
قال عامر وهو يتجنب النظر إليها:
«مفيش حاجة حصلت.»
خولة:
«ولكنك تخبئ شيئًا.»
عامر:
«لأ.»
خولة:
«لأ!!، يبدو أنني سأقتلك يا زوجي العزيز، هيا أخبرني...»
رفع عامر هاتفه وأعطاه لخولة:
«شوفي مكتوب اي...»
نظرت إلى الشاشة قائلة:
«تهديد؟، ممن؟.»
فأجابها:
«احنا كدا متراقبين، لأني بدور على الحقيقة، والرسالة دي بتأكد إن حازم ضحية.»
فقالت خولة:
«معك حق، ولكن لا يهمني ولا يعنيني حازم إن تعلق الأمر بأولادنا.»
فقال مطمئنًا:
«ماتقلقيش على ولادنا.»
فانفجرت قائلة وقد علا صوتها:
«لا، يجب أن أقلق لقد رأيت بعيني زوج تسنيم وهو مذبوح، فهل تظن أنهم سيرحمون أطفالنا إن غضبوا..»
قال عامر:
«إنهم أطفالي أيضًا وأخاف عليهم مثلك ولن أضرهم، اهدأي..»
خولة:
«حسنًا، ولكن ستخبرني وستشركني في كل خطوة تقوم بها.»
عامر:
«ماشي، بس لما أعرف هعمل اي الأول.»
خولة:
«سنخطط للأمر سويًّا.»
عامر:
«الخيار بين حازم وبينكم.»
خولة:
«حسنًا دعني أفكر.»
عامر:
«أنا عندي فكرة.»
خولة:
«ما هي؟.»
عامر:
«هقول للظابط على اللي حصل وهبعتله الرسالة.»
خولة:
«هل معك رقم هاتفه.»
عامر:
«لا.»
خولة:
«وكيف ستتواصل معه؟.»
عامر :
«مش أنا اللي هعمل كدا، أنا هتصل بصاحبي هشام يروح للظابط ويفهمه ويبعتلي رقمه فهتواصل معاه وأشرحله.»
وبالفعل هاتف عامر صديقه هشام، ففعل هشام ما طُلِب منه. جرت مكالمة بين الضابط وعامر، ثم أرسل عامر الرسالة للضابط، فكلّف الضابط بعض الجنود بحماية منزل عامر ومرافقة الأسرة أينما ذهبت.
ثم أمر الضابطُ عامرَ بالحضور مع بعض أفراد الشرطة.
غادر عامر منزله متجهًا إلى مركز الشرطة بعدما اطمأن لوجود الحراسة، وما إن وصل حتى أخذ الضابطُ عامر وذهبا إلى بيت شعبان، فلم يجداه هناك.
فقال الضابط مستاءً:
«وبعدين يا عامر، راح فين دا كمان هو وأهل بيته كلهم.»
فأجابه عامر:
«أكيد هرب علشان أنا هددته.»
فقال الضابط:
«والحل دلوقتي؟.»
عامر:
«هو حازم حكى تفاصيل اللي حصل معاه؟.»
الضابط:
«لأ، هو في صدمة نفسية ورافض يتكلم.»
عامر:
«طيب ممكن حضرتك نروحله دلوقتي وتخليني أقعد أتكلم معاه لوحدنا؟.»
الضابط:
«ماشي.»
---
في هدوء الليل داخل مركز الشرطة، ساد صمتٌ ثقيل بينما جلس حازم قبالة عامر، ووقف الضابط على مقربة منهما يراقب الموقف.
وبعد أن انتهى عامر من سرد ما توصّل إليه، تابع مخاطبًا حازم بصوتٍ حمل مزيجًا من الرجاء والصرامة:
«أنا عارف إنك بريئ يا حازم، بس انت لازم تحكي وتتكلم عن اللي شوفته وحسيت بيه وقت ما حصلت الجريمة وازاي كنت بتحاول تنقذه.»
رفع حازم رأسه، وفي عينيه غضب ووجع: «انت جيت ليه؟ ماتجاوبش... أقولك أنا انت هنا ليه.. انت جاي علشان لما أتعدم يبقى ضميرك مرتاح وتقول لأمي أنا حاولت أنقذه، براڤو يا عامر، طول عمرك بتلعبها صح.»
تجمد عامر قليلًا قبل أن يقول بهدوءٍ مؤلم: «أنا مش الصورة القذرة اللي انت شايفها دي، وعمري ما كنت كدا..»
ردّ حازم بازدراء واضح:
«انت أقذر من كدا يا عامر.»
لم يغضب عامر، بل انخفض صوته:
«أيا كان يا حازم، أنا مش هزعل منك دلوقتي وهقدر حالتك وصدمتك من اللي حصل، بس انت لازم تساعدنا علشان نعرف نساعدك.»
قال حازم بجمود:
«أنا مش محتاج مساعدة من حد.»
اقترب عامر بجسده قليلًا وحاول تمالك غضبه أكثر:
«يعني اي؟ انت هتتعدم، فاهم يعني اي؟، يعني هتموت ظلم، وهيفضل القصة الغلط والظلم العار ملازمين لاسمك لنهاية الحياة.»
هزّ حازم كتفيه بلا مبالاة:
«اللي يحصل يحصل، أنا مابقيتش عايز حاجة من الدنيا.»
حاول عامر للمرة الأخيرة:
«طيب بلاش علشانك انت، علشان خاطر أمك.»
لكن حازم أدار وجهه بعيدًا وقال:
«انتهت المقابلة يا عامر... أنا عايز أرجع الحبس يا بيه.»
تدخل الضابط بصوت حازم:
«فكر تاني يا حازم، انت هتتعدم، خلينا نساعدك.»
فأجاب حازم ببرود:
«هطلب طلب أخير.»
التفت إليه عامر سريعًا.
فتابع حازم:
«قول لماما إني بحبها.»
ثم وقف حازم وأخذه الشرطي إلى محبسه.
وقف عامر شاردًا، يتطلع إلى الأرض بعينين مثقلتين بالحزن، بينما قال الضابط محاولًا كسر الصمت:
«وبعدين طيب هنعمل معاه اي دا؟»
أجاب عامر بثقة حزينة:
«هساعده، مش هسيبه، هعمل كل اللي أقدر عليه.»
الضابط:
«طيب الخطوة الجاية اي؟»
عامر:
« رسالة من رقم برة مصر، وشعبان اختفى، الناس دول بيحطونا في دايرة ملهاش نهاية.»
الضابط:
«أنا اديت أوامر يدوروا على شعبان في كل مكان ويتمنع من السفر.»
تابع عامر:
«طيب الرقم اللي بلغكم بالحادثة تتبعتوه؟»
أجاب الضابط:
«أكيد، بس غالبًا اتكسر واترمى فموصلناش لأي حاجة.»
ظل عامر يفكر لثوانٍ ثم قال:
«طيب خلينا نفكر بدماغ العصابة.»
رفع الضابط حاجبيه:
«ازاي؟»
عامر:
«دلوقتي هما قفلوا كل الطرق اللي ممكن توصلنا ليهم واختفوا وبيراقبوا من بعيد، فاحنا لازم نستدرجهم ونجبرهم يظهروا.»
مال الضابط للأمام:
«ازاي برضو؟»
عامر:
«أكيد بيت شعبان متراقب من رجالتهم علشان يتابعوا اللي بيحصل ويشوفونا هنعمل اي.»
هزّ الضابط رأسه:
«تمام.»
عامر:
«أنا هروح بيت شعبان وهبات هناك وهفضل موجود فيه.»
فزع الضابط قليلًا:
«ماينفعش، احتمال يقتلوك.»
لكن عامر ابتسم ابتسامة هادئة:
«بالظبط، أنا عايزهم ياخدوا الخطوة دي.»
أدرك الضابط الخطة وقال:
«ونقبض على رجالتهم، ومنهم هنعرف معلومات عن العصابة ونمسك طرف الخيط.»
أجاب عامر:
«بالظبط.»
قال الضابط:
«طيب هبعت معاك...»
قاطعه عامر بسرعة:
«مش هتبعت حد، أنا هروح لوحدي.»
اعترض الضابط:
«بس دا خطر، احنا ممكن مانلحقش ننقذك أو نقبض عليهم.»
قال عامر بإصرار:
«ماينفعش حد يكون معايا، لازم يتأكدوا إني لوحدي.»
فكر الضابط لحظات ثم قال:
«طيب... هنكون في أقرب منطقة ليك بلبس عادي وهنستنى منك مكالمة.»
ضحك عامر بسخرية خفيفة:
«هرن عليك وأنا بتقتل ازاي يعني؟، أكيد فيه حل أسرع من كدا.»
الضابط:
«طيب بص خلي المكالمة من أول ما تدخل البيت هناك مفتوحة بيني وبينك، واحنا كدا كد.»
عامر:
«تمام، طيب عايز جهاز تتبع تخبوه في هدومي.»
الضابط:
«ليه؟»
رد عامر:
«علشان هما أكيد مش هيقتلوني في بيت شعبان، هما هيخطفوني وياخدوني لمكان بعيد أتقتل فيه.»
الضابط:
«تمام... اقلع التيشيرت ساعة زمن وهظبطلك الحوار دا.»
وبعد إعداد الخطة كاملة وتجهيز كل التفاصيل، اتصل عامر بأهله وطمأنهم بأنه يقضي أمرًا متعلقًا بالقضية وسيعود في اليوم التالي.
وبعد قليل تحرك نحو بيت شعبان، واستغرقت رحلته ساعتين، إلى أن وصل أخيرًا. وقف أمام الباب يتفحص المكان بحذر، ثم طرقه ودخل بخطوات حذرة، يقلب عينيه في كل زاوية، قبل أن يغلق الباب خلفه ويبدأ تفقد المنزل غرفةً بعد أخرى.
---
رنّ الهاتف...
- «ألووو، مش هتصدق يا فاروق بيه... الواد اللي اسمه عامر لسه حالًا داخل بيت شعبان... لوحده.»
جاء صوت فاروق بيه فرحًا:
- «الفار دخل المصيدة برجله، اتأكدوا إنه لوحده، ومفيش حد ماشي وراه... وادخلوا هاتوه. أنا عايز الواد دا حيّ.»
- «اعتبره حصل... النهارده هيكون مرمي تحت رجلك.»
انتهت المكالمة.
---
عامر كان قد فتح الخط بينه وبين الضابط أدهم، وظلّ الحوار مفتوحًا وهو يترقّب. وبعد نصف ساعة سمع طرقًا لطيفًا على الباب... طرقًا لا يشبه طرق العصابات.
نظر عامر إلى الهاتف وقال:
- «إيه التخبيط الرقيق دا ماتوقعتش كدا؟... عموماً يا أدهم بيه، لو مت... بلّغ أهلي إني عملت دا علشان حقّ تسنيم يرجع... وقول لخولة مراتي تسامحني.»
الضابط رد بسرعة وقلق:
- «ما تقولش كدا... ما تقلقش، هتكون بخير. أنا مش هسمح لهم يقربوا منك.»
ابتسم عامر ابتسامة ممتزجة بالغضب:
- «أنا هفتح الباب.»
- «لأ! استنّى... مش دا اللي اتفقنا عليه!»
- «دمي بيغلي... بيني وبين اللي دمّروا فرحة أختي باب.»
- «عامر... اعقل. التزم بالخطة.»
- «حاضر... هلتزم بالخطة. هفتح جزء صغير من الباب وأحاول أأخرهم.»
وهنا... انقطع الاتصال...
---
صرخ الضابط في الخط الذي أصبح صامتًا:
- «عاااامر!... رحت فين؟!»
ولكن دون جدوى.
---
فتح عامر جزءًا صغيرًا من الباب، وثبَّت السلسلة الحديدية التي تمنع فتحه كاملًا. وإذا به يتفاجأ بفتاة متبرّجة-والعياذ بالله-لكن جمالها كان لافتًا-دي نكرة ودي نكرة-🤷♂️
قالت بنبرة ناعمة:
- «الأستاذ شعبان موجود؟»
رد عامر بجفاف:
- «لأ... مش موجود.»
حاول أن يغلق الباب، لكنها صدّته بيدها، ونظرت إليه بنظرة واثقة:
- «طيب... عامر موجود؟»
تجمّد للحظة، ثم قال وقد بدأ يدرك أنها منهم:
- «انتي مين؟»
ابتسمت ابتسامة ساخرة:
- «أنا مروة.»
رفع حاجبيه وقال بسخرية:
- «ياااه... تصدقي كدا عرفتك.»
مروة:
- «طيب هتفتح الباب بالكامل وندخل نتكلم... ولا هنفضل كده؟»
عامر:
- «نتكلم في إيه؟»
مروة:
- «ذكي... واللي بتعمله دا محاولة علشان تكسب وقت. علشان اللي جايلك ينقذك.»
ثم أشارت بيدها لرجالها ضخامي الأجسام الواقفين خلفها:
- «اكسروا الباب.»
وفي لحظة... تحطّم الباب، وانقضّ الرجال على عامر بقوة...
---
كانوا ثلاثة رجالٍ ضخام يقفون أمام الباب المحطم، أكتافهم تعلو وتنخفض من شدة اندفاعهم.
لم يفرّ عامر، بل ثبت في مكانه، ووجه لأوّلهم لكمةً حادّة أصابت أنفه فسمع صوت العظم وهو ينكسر، ثم استدار بسرعة وركل الثاني في بطنه ركلةً قوية جعلته يتراجع للخلف.
لكن الهجمة التالية كانت أعنف؛ التفّ اثنان منهم حوله وأمسكا بذراعيه بقوة تكاد تخلع كتفيه، بينما تقدّم الثالث وبدأ ينهال عليه ضربًا في بطنه وصفعاتٍ على وجهه حتى خارت قواه وسال الدم من فمه وأنفه.
رفعت مروة يدها إشارةً للتوقف.
انصاع الرجال فورًا، بينما تقدّمت هي وقالت:
- «البُص عايزه حيّ.»
توقفت لحظة، ثم نظرت إليه باستخفاف:
- «كان هيجرى إيه لو جيت معانا بكرامتك؟ لازم تتهان يعني؟»
كان عامر بالكاد يستطيع رفع رأسه، لكنه رفعها رغم النزف، ونظر لها نظرة غاضبة... ثم بصق في وجهها.
حدّقت فيه لحظة، ثم مسحت البصقة بإصبعها ببطء، واقتربت من أذنه هامسة:
- «أوعدك... هخليك تتمنّى الموت مليون مرة... ومش هنوّلهولك.»
ثم تراجعت خطوة وأشارت لرجالها:
- «خدوه للعربية... بسرعة.»
سحبوه بجسده المنهك ووضعوه في المقعد الخلفي، وقُيّدَت يداه بإحكام.
بعد لحظات انطلقت سيارات العصابة، وفي نفس اللحظة كانت سيارة الضابط أدهم ورجاله تصل إلى المكان وهم يلتقطون إشارات تتبع عامر. لمحوا السيارات تنطلق بسرعة، فاندفعوا خلفها وبدأ سباق مطاردة عنيف، تبادل خلاله الطرفان إطلاق النار عبر الطريق.
انحرفت سيارات العصابة فجأة نحو طريقٍ صحراويّ معزول، فتابعهم الضابط دون أن يدرك أنهم يستدرجونه.
توقفت سيارات العصابة فجأة، فتوقفت الشرطة خلفهم.
فتح الضابط باب سيارته وأطلق صوته بقوة:
- «سلّموا نفسكم... مش هتعرفوا تهربوا!»
ابتسمت مروة بثقة وقالت:
- «ومين قال إننا هنهرب؟»
وقبل أن يستوعب الضابط الكلمة، ظهر رجال مسلّحون من خلف سيارات الشرطة، مختبئين في الرمال والصخور، حتى وجد الضابط نفسه ورجاله محاصرين من الأمام والخلف... أعدادهم تفوقهم بثلاثة أضعاف.
صاحت مروة:
- «ارموا سلاحكم... وسلّموا نفسكم بهدوء.»
رفع الضابط رأسه وقال بصلابة:
- «مفيش ظابط بيرمي سلاحه.»
ابتسمت مروة بسخرية:
- «صح... معاك حق. بس في ظابط بيتقتل... عادي.»
ورفعت مسدسها وأطلقت أول رصاصة.
تلتها عشرات الطلقات من رجالها، فسقط الضابط ورجاله واحدًا تلو الآخر في ثوانٍ معدودة.
كان عامر يشاهد المشهد من داخل السيارة، عاجزًا، يدفع رأسه نحو النافذة كلما اهتزّت الضربة...
رأى الضابط يسقط...
ورأى الدم يغطي الرمال...
فأغمض عينيه وانفجرت دموعه في صمتٍ موجع.
عاد رجال العصابة إلى سياراتهم. ركبت مروة جوار عامر، وهي تضحك بشراهة وقالت:
- «بتعيّط يا قطة؟ شكلك كنت بتحبه قوي... خلاص، خد الشر وراح.»
رفع عامر رأسه ببطء وقال بصوتٍ مخنوق بالغضب:
- «هقتلكم...»
ضحكت وهي تضع رجلًا فوق الأخرى:
- «أوكي... لو فضلت عايش.»
ثم أمرت رجالها بدفن الضابط ومن معه في الرمال، وفعلوا ذلك...
وبعد دفن الأجساد، تابعت السيارات طريقها في عمق الصحراء... تاركة خلفها رائحة الدم، وموتًا بلا شاهد.
---
بعد ساعاتٍ طويلة، وصلت السيارات أخيرًا إلى مخزنٍ ضخمٍ معزول، مبنيٍّ من الخرسانة القديمة، تحيط به أضواءٌ خافتة تزيده رهبةً ووحشة.
أنزل الرجال عامر، وسحبوه إلى الداخل، ثم رفعوه بقسوةٍ وقيدوا يديه داخل حلقتين حديديتين تتدليان من السقف، بحيث يقف شبه معلق، لا يستطيع الحركة إلا بقدر ضئيل يؤلمه أكثر مما يفيده.
دخلت مروة ببطء، وسمع عامر كعب حذائها.
قالت بلهجةٍ آمرة:
- «اخلعوا هدومه الخارجية... وهاتوا الكهرباء، والنار، والمقصّات.»
امتثل الرجال، بينما كانت تنظر إليه بوقاحةٍ؛ فوجدته لا يطرف ولا يرتجف.
رفعت حاجبها ساخرة:
- «مش خايف؟ أكيد خايف. تعرف كام واحد قبلك... عملها على نفسه هنا من الرعب؟»
رفع عامر رأسه قدر استطاعته وقال بوضوح:
- «لا أخاف إلا الله. سبحانه الملك ملكه ونحن عباده، وكل شيء يجري في ملكه بأمره.»
قهقهت مروة باستهزاء:
- «الله؟!»
عامر:
- «الله، مالك الملك... القوي المتين.»
ضحكت مروة باستهزاء أكبر:
- «طلعت مؤمن وشيخ كمان! دا أنا هقطع من لحمك... وأخلي الرجّالة دول ياكلوه قدّامك. اي رأيك؟»
عامر:
- «لن تفعلوا إلا ما قدّره ربي.»
مروة:
- «أنا ملحدة.»
عامر:
- «آه... ملحدة. ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾.،
وعموماً... حلوة الصدفة اللي قدرتِ تجيبيني بيها لحد هنا.»
رفعت رأسها باستهزاء:
- «صدفة؟! كل اللي حصل... والكمين اللي عملته للشرطة... وأنت واقف قدّامي مربوط ومتهان... دا كله صدفة؟».
ابتسم عامر ابتسامة باهتة رغم ألمه:
- «عادي... زي الكون اللي مليان مجرّات ونجوم وكواكب صدفة...
زي إن كل شيء مظبوط بالملّي صدفة...
زي إن ليكِ شكل وملامح وهيئة وتفاصيل دقيقة مختلف عني تمامًا...صدفة برضو.»
صمتت مروة ونظرت إليه نظرة مترددة، كأن جملةً ما أصابتها في عمقٍ لم تعترف به. ثم هزت رأسها بعنف:
- «اسمع... ما تلعبش في دماغي. أنا هعذبك... وهخلي الإلحاد يدخل قلبك غصب عنك. هخليك تكره اليوم اللي اتولدت فيه.»
عامر بصوت هادئ قاطع:
- «مستحيل.
عارفة الفرق بيني وبينك؟»
مروة بحِدّة:
- «إيه؟»
عامر:
- «أنا عارف إن الدنيا دي ما تساويش حاجة... وبعدها جنة أو نار.
أما انتي... فماشية في طريق عتمة... لا انتي شايفة ولا انتي عارفة رايحة على فين.»
صرخت مروة:
- «اسكت! قلت اسكت!!»
ثم استدارت بعنف وقالت لرجالها:
- «ابدأوا بالكهربا... وأنا هرجع بعد شوية.»
بدأ الرجال في تعذيب عامر...
صعقاتٌ متتابعة تهزّ جسده المعلّق.
كانت الدقائق تمرّ عليه كدهورٍ طويلة لا تنتهي.
عادت مروة بعد فترة، ووقفت أمامه تبتسم ابتسامةً باردة:
- «ها... لسه مؤمن إن ربّك هينقذك مني؟»
عامر بصوتٍ ممزق، بالكاد يخرج من حلقه، لكنه لا يزال ثابت النبرة:
- «سبحانه... الملكُ ملكه.
ونحن عباده... يتصرّف فينا كيف يشاء.
إن شاء موتي فبحكمةٍ لا أعلمها...
وإن شاء حياتي فبرحمته وفضله.
ووالله... لو قطعتموني إربًا إربًا... لرجوتُ رحمته.
إن لم يكن هنا... فهناك.»
اقتربت مروة خطوة وقالت:
- «هناك فين؟»
عامر:
- «الآخرة... جنةٌ أو نار... وربٌّ حقٌّ لا يظلم مثقال ذرة.»
ابتسمت مروة ابتسامةً ملتوية وقالت:
- «بمناسبة النار... احرقوا ضهره بالجمر.»
تقدم أحد الرجال بوعاءٍ من الفحم المتّقد...
وقبل أن يلمسه:
انفتح باب المخزن فجأة، ودوى صوتٌ غاضب:
- «مروة!
ابعدوا عنه... حالًا!»
دخل رجلٌ مهيب، طويل، عابس الوجه، تكاد الأرض تهتز مع خطواته.
---
مروة:
- «إي يا دادي؟»
الرجل:
- «هو ده اللي قلتلك عليه؟... قلت عايزه حيّ.»
مروة:
- «ما هو حيّ أهو... أنا بس كنت هكهربه شوية، وأكويه شوية، وأقطع شوية لحم... الكلاب بتاعتنا جعانة.»
تبدلت ملامح الرجل للحظة، وقال:
- «مفيش حد اتجرأ يخالف أوامري قبلك... لو ده اتكرر تاني...
هعمل فيك كل اللي قلتيه من شوية... بالحرف.
فاهمة؟»
انخفض رأس مروة كطفلةٍ، وغادرت المكان بصمتٍ مطأطئ، حزينة لكنها عاجزة عن الرد.
الرجل للرجال:
- «لبّسوه هدومه... وهاتوه على العربية.»
---
في قصر البُص..
أجلسوا عامر على مقعدٍ جلدي، منهكًا، محطّم الجسد، والدماء ما تزال على أطراف فمه.
جلس الرجل أمامه وقال بصوت هادئ يناقض قسوته السابقة:
- «أنا آسف ليك يا شيخ عامر...
ماكنتش عايز دا يحصلك أبدًا...
مروة اتصرفت من دماغها.»
اكتفى عامر بنظرة طويلةٍ صامتة... ثم غاب عن الوعي.
---
بعد دقائق...
استفاق عامر على رائحة الليمون الدافئ.
الرجل:
- «اشرب... وهتبقى كويس.
وأكيد جعان... الأكل جاي.»
عامر بصوت متعب:
- «انت مين؟»
الرجل ابتسم ابتسامة ثقيلة:
- «أنا... البُص.»
تجمد وجه عامر.
هذا الاسم... وجد طريقه إلى ذاكرته.
البُص مال للأمام:
- «أكيد سمعته قبل كده... فاكر راجح؟»
تجمعت الخيوط في عقل عامر دفعة واحدة.
عامر بصوت مذهول:
- «يعني... أنت اللي قتلت جوز أختي؟! علشان فلوس راجح؟»
البُص:
- «لأ... جوز أختك كان من رجّالتي.
بيشتغل معانا في تجارة الأعضاء البشرية.
بس من ساعة ما خطَب... قرر يعمل نفسه شريف.
وهددنا يا نبعد عنه... يا يبلغ.
وانت عارف الباقي.»
عامر شهق:
- «أحمد؟!... مش ممكن... مش... معقول!»
البُص بلا مبالاة:
- «صدق... أو ماتصدقش.
أنا جبتك هنا... بعد ما شوفت صورتك وعرفت إنك أخو عروسة أحمد.
وكمان... أنت نفس الشخص اللي هرب راجح... وأنقذه من إيديا، أنا كنت بدور عليك في كل مكان»
عامر:
- «عايز مني إيه؟»
البُص ابتسم لأول مرة:
- «كده أنا بدأت أحبك.
أنا عايز فلوسي من راجح.»
عامر:
- «كام؟»
البُص:
- «خمسة مليون دولار.»
عامر:
- «ولو جِبتهم؟... المقابل؟»
البُص:
- «حياتك... وحياة عيلتك.»
عامر رفع إصبعه:
- «وحاجة كمان.»
البُص:
- «قول.»
عامر:
- «رجالتك اللي دبحوا أحمد... يروحوا يعترفوا.
وحازم يطلع براءة.»
تأمل البُص وجه عامر، ثم قال بثقة رجلٍ يملك أعناق البشر:
- «موافق.»
عامر:
- «وأنا أضمن منين إنك هتعمل كده؟
وإنك مش هتقتلني بعد ما أجيبلك فلوسك... وتسيب حازم يتعدم؟»
البُص بهدوءٍ مرعب:
- «مفيش عندك اختيار... غير إنك تصدّقني.
كلمة البُص عهد.»
عامر بعد صمت:
- «ماشي.
هجيبلك فلوسك.»
البُص اقترب أكثر، وصوته انخفض وبدأ في تهديد عامر:
- «تمام...
بس لما تفكر تغدر بيا...
اتذكر مشهد أحمد وهو مدبوح...
وتخيل مراتك وولادك مكانه.
دا بعد ما أسيبهم لمروة طبعًا.»
---
خرج عامر من القصر بخطوات متمايلة.
كانت مروة تقف بالخارج، عيناها تقدحان شررًا؛ لا تصدّق أن والدها سمح له بالمغادرة.
اقترب عامر منها...بوجهه المتورم.
قال بهدوء إنسانٍ عاد من الموت:
- « قلتُ لكِ، الكون كله يسير بإرادة الله، توبي يا مروة، فالله توابٌ رحيم...
ويفرح بتوبة عباده.
فكّري... وتوبي.»
مروة جمدت مكانها.
لم تتوقع منه جملةً كهذه...
ولا تلك النظرة التي كسرت شيئًا في داخلها دون أن تفهم كيف.
---
عاد عامر إلى بيته يجرّ جسده المنهك، ووجهه متورّم عليه آثار الضرب والصعق، وما إن فتح الباب حتى اندفع إليه أهله، التفّوا حوله، تتزاحم الأسئلة وتختلط الأصوات والخوف في العيون.
قال عامر بصوت مبحوح:
- أريد أن أرتاح قليلًا... سأُخبركم بما جرى حين أستعيد قواي.
انسحب من بينهم ودخل غرفته، وحاق به صداع ثقيل، ولم تمضِ لحظات حتى لحقت به خولة، وقلبها يكاد يسقط من بين أضلاعها. أسرعت إليه تحمل قطعة قماش وماءً باردًا، وجلست أمامه تمسح وجهه برفق، كأنّ يدها تحاول نزع الألم عن جلده.
قالت وهي تتأمل جروحه بعين تضطرب غضبًا وشفقة:
- ماذا حدث؟!
أدار وجهه قليلًا وقال محاولًا إخفاء الألم:
- لم يحدث شيء.
رفعت رأسها بسرعة، وقد ضاق صدرها من حجمه الذي يحاول حمله وحده:
- منذ متى وأنت تكذب يا عامر؟
تنهد، وظهرت زفرة صغيرة من عمق صدره:
- لست أكذب... سأحدّثك لاحقًا.
قالت بصرامة:
- لا، ستخبرني الآن... وهذا ما اتفقنا عليه.
سكت برهة، ثم قال وهو يشيح بوجهه كمن يستسلم:
- حسنًا... سأخبرك.
وسرد عامر عليها ما جرى، كل لحظة من التعذيب، وكل كلمة قالها البُص، وكل تهديد سمعه، حتى احمرّ وجه خولة غضبًا، وارتجفت أناملها وهي تقاوم رغبة جارفة في الصراخ.
قالت بصوت مكتوم من الغضب:
-« أنت لن تفعل ما طلبه منك ذلك الرجل... أليس كذلك؟»
قال عامر وهو ينظر إلى الأرض:
- يجب أن أفعل يا خولة... من أجل حياتكم... ومن أجل حازم.
قالت بانفعال:
- سنذهب إلى غرناطة... سنكون هناك بأمان!
هزّ عامر رأسه:
- هل سنقضي أعمارنا في غرناطة؟ في عالم لا يشبه عالمنا؟
- وماذا بعد؟! - قالتها خولة بصوتٍ عالٍ
- إذا ذهبت إليه وفعلت ما طلبه سيقتلك!، ماذا تظنني سأفعل بعد أن عرفت ما فعلوه بك؟! وتلك الوقحة التي آذتك... أقسم أنني لو رأيتها سأقتلها بيدي.
قال عامر محاولًا تهدئتها:
- اهدئي يا خولة... الأمر ليس كما تظنين. سأعيد إليه أمواله... وستنتهي كل الأمور.
نظرت إليه نظرة وجلٍ:
- لا أشعر بذلك...
وبينما كانت الجملة ما تزال عالقة في الهواء، طرق على الباب طرقٌ خفيفٌ ثم ظهرت أم عامر، ويعلو القلق علر وجهها:
- عامر... فيه راجل مستنيك برة.
التفت عامر بحدة:
- مين؟.....
.... يتبع
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
آسف على التأخر في رفع البارت
بسبب إني مريض شوية الفترة دي
دعواتكم ولكم بالمثل 🫰❤✨
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مستني رأيكم في الكومنتات بقا 👀❤