مدّ أوڤاميندرا يده وأخرج قلادةً فضية من جيبه، تتدلّى منها قطعة حجرية منقوشة برموزٍ دقيقة لا تشبه أي كتابةٍ عرفها عامر من قبل.
ودون أن ينطق بكلمة، وضعها حول عنق عامر.
وفجأة شعر عامر بدفءٍ غريب يسري في جسده، كأن شيئًا خفيًّا يجري في دمه، ثم سمع صوت أوڤاميندرا بوضوحٍ في عقله وكأنه يتحدث بلغته ذاتها.
قال عامر مذهولًا:
ــ كيف جئتَ إلى هنا؟ وكيف علمتَ أني في القدس؟ لقد جعلتُ رحلتي سرًّا حتى عن أقرب الناس إليّ!.
ابتسم أوڤاميندرا ابتسامةً خفيفة، وقال بصوتٍ عميق:
ــ علمتُ بخطف زوجتك، فتوقّعتُ أنك خرجتَ تبحث عنها. ثمَّ دخلتُ القصر وأخذتُ الكتاب.
قطّب عامر حاجبيه وقال في دهشةٍ وحزم:
ــ دخلتَ القصر؟! وكيف ذلك وأنا شدّدتُ الحراسة في كل موضع؟.
قال أوڤاميندرا بهدوءٍ وثقةٍ:
ــ تلك هي شفرة أوڤاميندرا، إن كان الكتابُ ربع قوتي... فالشفرةُ ثلاثة أرباعها.
قال عامر مستغربًا:
ــ ماذا تعني بهذا؟.
أجابه وهو ينظر نحو الأفق:
ــ ليس هذا وقت التفصيل، ستعلم لاحقًا.
سكت عامر قليلًا، ثم قال:
ــ لماذا لم تعد إلى عالمك بعد أن أخذتَ الكتاب؟، لماذا بقيتَ هنا؟.
قال أوڤاميندرا بثبات:
ــ لأن بيننا عهد رجال، وأنا لا أخون عهدي. عرفتُ قصتك من السيد طلعت، وعلمتُ أنك في مأزقٍ كبير، فجئتُ إليك.
أطرق عامر برهةً ثم قال:
ــ لديّ أسئلة كثيرة، لكن الوقت لا يسمح... علينا أن نعود إلى غرناطة قبل أن يفوت الأوان. هل يمكن لكتابك أن يعيدنا إليها؟.
ابتسم أوڤاميندرا بثقةٍ تامة وقال:
ــ بالطبع، سنعود في لمح البصر.
---
لم تمضِ لحظة حتى كان عامر، ومحمد، وأوڤاميندرا يقفون على مرتفعات غرناطة.
تراجع محمد إلى الخلف وقد اتّسعت عيناه رعبًا وذهولًا. كان لا يصدّق ما رأى.
اقترب منه عامر وقال بلهجةٍ حادة:
ــ إياك أن تنطق بما رأيتَ، السرّ بيننا نحن الثلاثة. إن علم أحدٌ هذا الأمر، سأعلم أنك أنت من أفشيت أمرنا.
أجاب محمد متلعثمًا:
ــ أمرك يا سيدي، أقسم لك أني لن أتكلم.
ربت عامر على كتفه شاكرًا إياه على مساعدته وما تحمّله في الرحلة، ثم أذن له بالانصراف.
عاد عامر إلى القصر برفقة أوڤاميندرا وجلسا في ساحةٍ مضاءةٍ بمشاعل الزيت، وحكي له ما جرى في رحلته إلى القدس حتى لحظة ظهوره وإنقاذه لهما.
استمع أوڤاميندرا صامتًا، وحين انتهى عامر قال بوجهٍ متجهّم:
ــ ما ذكرته عن فرديناند يدل على أنه رجل ماكرٌ خبيث، لا عهد له ولا أمان.
قال عامر والقلق يملأ صوته:
ــ لا أستطيع الانتظار أكثر، قلبي يتمزق على سارة. ساعدني أن أذهب إلى قصر طليطلة، كما جئت بنا من القدس إلى هنا.
سأله أوڤاميندرا بجدّ:
ــ وتذهب وحدك؟
قال عامر بعزمٍ لا يتزعزع:
ــ نعم، لن أخاف من فرديناند. سأسلّم نفسي مقابل أن يُطلق سراح سارة وتعود إلى غرناطة سالمة.
ابتسم أوڤاميندرا بسخريةٍ حزينة وقال:
ــ وما يدريك أنه سيفي بوعده؟ ربما يقتلكما معًا، أو يساوم غرناطة عليكما. أنت تقدم له أغلى ورقةٍ بيديك.
خفض عامر رأسه وقال:
ــ لا أرى حلًّا غير ذلك.
نهض أوڤاميندرا فجأة وقال:
ــ بل هناك حلّ آخر.
رفع عامر رأسه بسرعة وقال:
ــ ما هو؟
قال أوڤاميندرا:
ــ سنذهب إلى قصر طليطلة، إلى غرفة فرديناند نفسها. سنخطفه ونعود به إلى هنا في لحظة واحدة.
تسارعت أنفاس عامر وقال بحماس:
ــ افعلها الآن!
قال أوڤاميندرا:
ــ سأكون معك.
هزّ عامر رأسه رافضًا:
ــ هذا خطر عليك، لستَ مضطرًّا للمخاطرة بحياتك من أجلي.
قال أوڤاميندرا بابتسامةٍ هادئة:
ــ لا أستطيع أن أرى رجلًا في مأزقٍ وأتركه، تلك ليست طبيعتي.
ثم مدّ يده اليمنى، وردّد كلماتٍ بلغةٍ غريبةٍ.
وفي لحظةٍ خاطفة، اختفى كل ما حولهما.
شعر عامر بضغطٍ شديد في رأسه، ثم فتح عينيه فإذا هو يقف وسط قاعةٍ فخمةٍ مضاءةٍ بالشموع في قصر طليطلة.
كان فرديناند نائمًا على سريرٍ مرتفعٍ تحيط به ستائرُ حريرية، والحرس واقفون عند الأبواب.
لكن أوڤاميندرا قال بهدوءٍ:
ــ لا تقلق، إنهم لا يروننا، الشفرة تخفي وجودنا عن الأبصار.
اقترب عامر بخطواتٍ هادئة، وسحب سيفه من غمده، ووضعه على عنق الملك.
فتح فرديناند عينيه مذعورًا، وحاول أن يصرخ، لكن عامر قال بصوتٍ غليظٍ يعلوه الغضب والتهديد بالقشتالية(الأسبانية القديمة):
(Si respiras, te cortaré el cuello. ¡No tengo nada que perder!)
(ــ إن تنفست، سأقطع عنقك، فليس عندي ما أخسره!)
**(عامر أصبح يجيد التحدث باللغة الإسبانية لأنه يرتدي القلادة)
وفي هذه الأثناء ارتجف فرديناند صامتًا، لا يقوى حتى على الحركة.
عامر:
-¿Dónde está Sara? ¿Está en tu palacio? Respóndeme, no tienes tiempo. Tu vida está en juego.
- أين سارة؟ هل هي في قصرِك؟ أجبْ، فليس لديك الوقت الكافي حياتك على المحك.
ابتسم فرديناند بسخريةٍ قاسيةٍ، ثم ردّ بصوتٍ مستهزئٍ:
-¿Sarah? No está aquí... ni en ningún lado.
- سارة؟ ليست هنا... ولا هي في أيّ مكان.
ارتعش صوت عامر وكاد أن ينفعل، فداس عامر بنصل سيفه على عنق فرديناند قائلاً:
-Habla si quieres vivir.
- تحدّثْ، إن شئتَ أن تعيش.
انفرجت شفتا فرديناند في ضحكةٍ باردةٍ ثم قال بلا اكتراثٍ:
-Sara ha muerto. Te mostraré dónde está su cuerpo. Nuestros espías la mataron y la enterraron en Granada.
- لقد ماتَت سارة. سأدلّك على مكان جثّتها. قتلها جواسيسنا ودفنوها في غرناطة.
انفجر عامر في وجه فرديناند:
- ¿Cómo murió? ¿Cómo murió? Un grito fuerte resonó en la sala, como si le hubiera arrancado algo del pecho.
- ¡Eres un mentiroso! ¡Sarah no murió! Te haré pagar por jugar con mi corazón.
- كيف ماتت؟ كيف ماتت!؟ صرخةٌ عاليةٌ اخترقت جوّ القاعة، كأنّها أخرجت شيئاً من صدره.
- أنت كاذب!، وسارة لم تمت!، سأجعلك تدفع ثمن تلاعبك بقلبي.
وفي نفس اللحظة كانت كلمات فرديناند قد اخترقت قلب عامر، وسقط السيف من يده بلا وعي. ركبتهُ ارتجفت، ويده القوية لم تعد قادرة على حمل السيف، وسقط على أرض القاعة بجوار السرير، وغلبه البكاءُ، فارتشحت الدموع بغزارةٍ من عينيه.
لم يبرح أوڤاميندرا هدوءَه، لكنه رأى الألمَ في عيني عامر، فالتقط السيف بإحكامٍ، ووجَّه حدّ نصلِه صوب فرديناند. أقبل الجنودُ على صوت الصخب، لكن الملك قد تظاهر بالهدوء وقال للحرس:
- Leer más, volver a estas publicaciones.
- لا شيء هنا، عودوا إلى أماكنكم.
تراجع الحرس متردّدين، لكنّ أوڤاميندرا وقف متأمِّلاً المشهد، لم يفهم ما قاله الملك، فسأل بصوتٍ عامر رقيقٍ:
- ما شأنك؟ ماذا يبكيك هكذا؟.
لم يجب عامر؛ بقي يبكي بكاءً مريراً، وعلامات الهلع والغضب تسبح في وجهه كأنها نارٌ تحت رماد. حين أدرك أوڤاميندرا معنى البكاء ومضمونه، مالَ نحوه وقال بطمأنينة:
- لا تبكِ، قد يكون ما قاله كذِباً، وما زال هناك أمل. أنا أشعرُ أنه يكذب.
انتفض عامر، ونظر إلى فرديناند، ثم قال:
Sara es mi esposa, y el niño que lleva en su vientre es más preciado para mí que cualquier cosa en la tierra. Si no me dices dónde está, haré que te arrepientas. Nunca morirás ni conocerás la paz.
- سارة زوجتي، وطفلي الذي في بطنها، أغلى عندي من كل ما في الأرض. إن لم تخبرني أين هي، سأجعلك تندم، لن تموتَ ولن تعرف راحةً أبدًا.
ثم التفت إلى أوڤاميندرا وأمسك بيديه:
- أعدنا الآن إلى غرناطة.
هز أوڤاميندرا رأسه، وردّد كلماتٍ بالشفرة التي تذيب المسافات، فانطفأت آثار المكان فتحوّل المشهد في رمشة إلى زوايا غرناطة، وكانت السماء فوقهم تنتظرُ مصيراً غامضًا.
قاد عامرُ فرديناند مجروراً، ضربه وجرّه، والملك يتلوَّى في قبضته. وعلى باب القصر كانوا: عبد الرحمن، حازم، وبقية القادة قد وقفوا ينتظرون عودة عامر بعد أن عرفوا من الحراس أنَّه قد عاد قبل أن يذهب إلى طليطلة.
قال عبد الرحمن بدهشةٍ وتعجب:
- ما هذا؟!، فرديناند؟!، هل ذهبت إلى القدس أم إلى طليطلة؟، وكيف أمسكتَه؟ ومَنْ ذلك الذي يرافقك بهيئته الغريبة؟.
أجابهم عامر وهو يجرّ الملك:
- سأروي لكم التفاصيل لاحقًا. الآن اصنعوا غرفةً، ضعوا فيها هذا القذر. فسيجري بيننا بعد قليل حساب خاص. سأجعله يتمنى الموت ألف مرةٍ، ولن يجده.
---
وبعد قليل عاد عامر إلى القاعة بخطًى سريعةٍ يغلّفها الغضب، ودموعه لم تجفّ بعد، عيناه حمراوان تشتعلان شررًا، كأنما تحوّل الحزن فيه إلى لهبٍ لا سيحرق العالم بما فيه. كان الشرّ يلوح من نظراته، والانتقام يقطر من بين أنفاسه، حتى إنّ الهواء نفسه بدا متثاقلاً من هيبته. خلفه وقف عبد الرحمن وحازم صامتين، تتقدمهما رهبة المشهد، وفي وسط الغرفة كان فرديناند معلّقًا من يديه إلى السقف، جسده متدلٍّ، ووجهه مطليٌّ بالمهانة.
اقترب عامر حتى صار أمامه مباشرة، ثم أمسك بأداةٍ حادّةٍ كانت بين يديه، وقال بصوتٍ خافتٍ خالٍ من الرحمة:
"¿Cuál es la verdad, Fernando?" ¿Quién es Sarah? »
«أين الحقيقة يا فرديناند؟ أين سارة؟»
لم يجبه الملك المقيّد، فاكتفى عامر بأن أهوى عليه بأداةٍ حديديةٍ، فشقّت صرخةٌ حادّةٌ سكون القاعة. كرّر الضربة مرّةً بعد أخرى، وكلُّ ضربةٍ كانت أشبه بنداءٍ من نارٍ ينتزع الحقيقة من اللحم والدم.
ارتجّ صوت فرديناند وهو يقول متأوّهًا:
"No te diré nada... ¡hasta que me dejes!"
«لن أخبرك بشيءٍ... حتى تتركني!»
تجمّدت ملامح عامر، ثم همس بصوتٍ خافتٍ كمن يُخاطب نفسه:
¿De qué me servirá la verdad si Sarah está muerta? Te mataré aunque no me lo digas.
«وبماذا ستفيدني الحقيقة إن كانت سارة قد ماتت؟، أنا سأقتلك حتى إن لم تخبرني»
ضحك فرديناند ضحكةً ساخرةً وقال:
"Al menos... sabrás dónde está su cuerpo."
«على الأقل... ستعرف مكان جثتها.»
تجمّد عامر لثوانٍ، ثم انطلقت منه صرخةٌ مدوّية، وتقدّم نحوه بعنفٍ وطعنه بالخنجر في كتفه. اخترق الخنجر اللحم حتى غاص في العظم، ثم بدأ عامر ينخر بنصل خنجره ببطءٍ وهو يقول بصوتٍ يقطر نارًا:
"¡Habla, perro!"
«تكلّم أيها الكلب!»
صرخ فرديناند بألمٍ مروّع:
"Lo confesaré... ¡Lo confesaré!"
«سأعترف... سأعترف!»
تراجع عامر خطوتين، فأخذ فرديناند يلهث قائلًا:
"La esposa de Abdul Rahman... llevó a cabo la misión... con la ayuda de uno de nuestros hombres... que se disfrazó de uno de los guardias del palacio".
«زوجةُ عبد الرحمن... هي من قامت بالمهمّة... بمساعدة رجلٍ من رجالنا... تَخفّى في زيّ أحد حُرّاس القصر.»
تقدّم عبد الرحمن بخطًى ثقيلةٍ وقال:
«حدّثنا بما جرى بالتفصيل.»
لم يفهم فرديناند ما قاله عبد الرحمن، فأعاد عامر نفس الجملة ولكن بسحر القلادة:
"Cuéntanos qué pasó en detalle."
«حدّثنا بما جرى بالتفصيل.»
بدأ فرديناند يسرد القصة، وذكر اسم الرجل الجاسوس الذي شارك زوجة عبد الرحمن في تنفيذ الخطة. أمر عامر بإحضاره فورًا، وبحثوا عنه حتى أحضروه، وما إن حضر حتى دلّهم على مكان اختباء المرأة.
قال عبد الرحمن بصوتٍ يغلي غضبًا:
«سأقتلها بيدي!»
فأجابه عامر بصرامةٍ لا تقبل جدالًا:
«لا تمسّها بسوء، أريدها أمامي حيّةً، لن تموت قبل أن تبوح بكلّ ما تعرف.»
وبعد أقلّ من ساعة، كانت زوجة عبد الرحمن مقيّدة بالحبال أمام عامر. تقدّم نحوها، وقال بصوتٍ يملؤه القهر:
«لا يرحمكِ منّي إلا أنّني لا يحقّ لي لمسُك، لكنّي سأترك أمركِ لزوجك. وإن لم ينتزع منك اعترافًا يدلّنا على مكان سارة... فوالذي خلق الروح، لأجعلنّك تتمنّين الموت مراتٍ ومراتٍ قبل أن تناليه.»
أشار عامر لعبد الرحمن وقال:
«خُذها إلى إحدى الغرف... واستجوبها.»
وبينما كانت تُقاد، توقّفت فجأة، واستدارت نحوه وقالت بصوتٍ مرتعشٍ ممزوجٍ بالحقد:
«لم يكن من حقّك أن تكون ملكَ غرناطة! كنّا نعيش في سلامٍ وأمان، ومنذ أن جلست على العرش فتحت علينا نيران الحرب. قُتل أبي وإخوتي في معاركك الفاجرة... أنت مجردُ مخنّثٍ حقير!»
ساد الصمت لحظةً، ثم احمرَّ وجه عبد الرحمن غضبًا، فاندفع نحوها وصفعها بقوةٍ فهوت على الأرض، وارتطم خدّها بالأرض. ظلّت ساكنةً، وعامر يراقبها بعينٍ صارمةٍ.
أمر عامر الحراس:
«احملوها إلى الغرفة... أريد اعترافًا سريعًا يا عبد الرحمن.»
ثم التفت إلى حازم قائلاً:
«احرس الباب بنفسك، لا يدخل أحدٌ قبل أن أعود.»
غادر الجميع، وبقي عامر في القاعة وحده، ينظر إلى بقعة الدم على الأرض حيث سقطت المرأة، فابتلع ريقه ببطءٍ وقال في نفسه:
«كلُّ طريقٍ إلى سارة يمرّ فوق الجمر... وسأمشيه حتى النهاية.»
وفي هذه اللخظة فُتح باب القصر الكبير، ودخلت خولة تحمل طفلها على ذراعيها، تتسارع أنفاسها، تتلهّف لأن ترى وجه زوجها الذي غاب عنها طويلًا. وما إن وقعت عيناها على عامر حتى جرت نحوه، وضعت طلحة أرضًا برفقٍ، وألقت بنفسها بين ذراعيه، وهي تقول بصوتٍ يرتجف شوقًا:
> - اشتقت إليك وتمزق قلبي خوفًا عليك يا عامر... اشتقت إليك كثيرًا... قل لي، ماذا حدث؟! هل عرفت شيئًا عن سارة؟.
لكن عامر لم يُجبها. ظلّ صامتًا، كأنّ صوته قد اختنق في صدره. كانت عيناه غارقتين في بحرٍ من الألم، وليس فيهما إلا انعاكسُ الحيرة والخوف.
في تلك اللحظة، كان في أحد أركان القاعة عبد الرحمن، يقف متجهم الوجه، بينما زوجته ملقاة على الأرض أمامه بعد أن قبضوا عليها بتهمة الخيانة. رفعت رأسها بصعوبة وقالت بسخريةٍ:
> - تضرب زوجتك من أجل أن تُرضي سيدك؟، يا لك من خادمٍ مطيعٍ يا عبد الرحمن!.
اشتعل الغضب في عينيه، فتقدم نحوها وأمسكها من مجامع ثيابها، يجرّها نحو غرفةٍ خالية. وبعد لحظاتٍ قليلة، صار صوت صراخها يملأ أرجاء القصر.
كان عبد الرحمن يضربها بعنفٍ، وصوته يعلو:
> - تكلّمي قبل أن أقتلكِ!
لكنها كانت تضحك وسط دموعها وتقول:
> - اقتلني إن شئت!، أهذا ثمن ولائك لسيدك؟، أتظنه سيجعلك ملكًا بعده؟!، لا يا عبد الرحمن... سيجعل ابنه طلحة سيدك وسيدهسك تحت قدميه كما يفعل ملكك!، أنت عبدٌ ذليل، تطيعه مقابل ثمنٍ بخس!، أتقتل من أجله زوجتك وتُترك ابنتك بلا أمٍّ؟!.
توقف عبد الرحمن لحظة، وبدت في عينيه شرارة عضبٍ وفي حلقه مرارة مما يسمع، ثم قال بصوتٍ مبحوحٍ من الغضب:
> - أجل، سأجعلها بلا أمٍّ... وسيكون أشرف لها من أن تكبر وتعلم أن أمها خائنةٌ قاتلة!، خانت دينها وأرضها وقتلت نفسًا بريئة!.
بكت زوجته بحرقة وقالت:
> - أنا لم أقتلها يا عبد الرحمن... لم أقتل سارة!
تراجع خطوة، ثم صاح فيها:
> - ماذا تقولين؟! أهي حية؟!
- سأحكي لك كل شيء.
نادى عبد الرحمن عامر، فدخل ومعه خولة. جلست المرأة على الأرض، وقالت بصوتٍ خافتٍ:
> - لقد كلفني الصليبيون بخطف طلحة... أرادوه ميتًا أو أسيرًا لديهم ليساوموك به. ووضعتُ خطةً محممةً لذلك ولكن الخادمة الحمقاء لم تضع السائل في شراب سارة كما أمرتها، فظلت سارة مستيقظة. وحين دخلت لأخذ الطفل من بين يديها، قاومتني وركضت خلفي... ولو لم تفعل ذلك لما حدث شيء.
تعثرت وأنا أركض وسقطتُ أرضًا، فأمسكتني سارة من ذراعي ومن شعري، وكان مساعدي يراقبني من بعيد بعد أن أبعدنا الحراس بحيلةٍ ذكية. فجاء وضربها بمؤخرة سيفه على رأسها ضربةً قوية، لكنها لم تتركني، فطعنتها بخنجري في صدرها لتفلتني. نزفت كثيرًا لكنها كانت لا تزال حيّة... ثم اتفقنا أن يأخذها مساعدي بمفرده إلى نهر درّاو وتحديدًا في أعمق منطقة فيه، ثم يربطها بحجرٍ كبيرٍ ويلقيها هناك.
وقع عامر على الأرض وكأنّ السماء سقطت عليه. غطّى وجهه بكفّيه، وبكى بكاءً يخلع القلوب، ثم صرخ:
> - ماذا فعلتِ؟! ماذا فعلتِ بها؟! ما الذي فعلته لكِ لتفعلي كل هذا بها؟!، لقد كانت طيبةً لا تؤذي أحدًا.
لا... لا، أنتِ كاذبة... سارة لم تمت! سارة حيّة! وسأثبت لكِ ذلك!.
ثم التفت إلى عبد الرحمن وهو يصرخ:
> - أحضرها معنا هي ومساعدها، ليدلّونا على المكان! واستدعِ كل السباحين ليغوصوا في أعماق النهر... أريد انكشاف الحقيقة الآن!.
تحرك الجميع نحو النهر، وكانت خولة تسير إلى جوار عامر، تمسك بيده محاولةً أن تثبّت خطاه التي تتعثر تحت وطأة الأمل والجنون.
وبعد ساعتين من الغوص والبحث، كان عامر ما يزال يصرخ:
> - قلت لكِ إنك تكذبين! سارة لم تمت!
لكن صوته انكسر حين سمع أحد الجنود يصيح:
> - وجدناها! وجدناها!
أُخرج الجسد مربوطًا بحبلٍ ثقيل، وجهها مشوَّه، لا تكاد تُعرف ملامحه، لكنها كانت ترتدي ثوب سارة ذاته، ولها نفس شعرها الطويل الذي التصق بالطين والماء.
اقترب عامر يرتجف، نظر إليها طويلاً، ثم نظر إلى خولة، وقال بصوتٍ منكسر:
> - ليست هي أليس كذلك؟... ليست هي يا خولة! سارة لم تمت... سارة لم تمت!.
احتضنته خولة وهي تبكي، وربتت على كتفه، وهمست:
> - قل لا إله إلا الله، يا عامر... سارة في الجنة إن شاء الله.
لكن عامر انتفض من بين ذراعيها وصرخ:
> - لاااااا! سارة لم تمت! ومن سيقول أنها ماتت سأقتله!
ثم التفت إلى زوجة عبد الرحمن بنظرةٍ مشتعلةٍ بالانتقام.
أمسكت خولة بكتفه، ثم أخذت سيفه وقالت بغضبٍ:
> - دعها لي.
أمسكت خولة شعر المرأة وسحبتها ثم جعلتها تجثو على الأرض، وضربتها على رأسها بمؤخرة السيف مرتين حتى سقطت فاقدة التوازن، ثم قلبت جسدها وجلست فوقها، وأمسكتها من عنقها، وهمست بصوتٍ غاضبٍ منخفض:
> - هكذا كانت سارة تتألم، أليس كذلك؟!
هاتِ خنجرك يا عبد الرحمن.
ناولها الخنجر، فرفعته خولة وقالت بحدة:
> - سأقتلكِ بخنجر زوجك، أمام عينيه، وأحرمه منك كما حرمتِ زوجي من زوجته!.
وحينما رفعت خولة يدها لتضربها بالخنجر،
رفعت المرأة يديها باكية وقالت بصوتٍ مختنق:
> - ابنتي صغيرة كطلحة!
توقفت خولة، واهتزت يدها، ثم غرست الخنجر في الأرض قرب رأسها، وصرخت باكية، غير قادرةٍ على إتمام ما بدأت، ثم قامت عنها واحتضنت طلحة وهي تبكي.
اقترب عبد الرحمن ببطء، نظر إلى زوجته التي ارتجفت خوفًا وقالت:
> - لا تقتلني، أرجوك!، أنا زوجتك التي تحبك، وأم ابنتك الجميلة، وكنت سأعطيك المال الذي أعطاني إياه الصليبيون!. كنت أريدك أن تصير من أغنياء غرناطة.
اغرورقت عينا عبد الرحمن بالدموع، وقال بصوتٍ مرتجفٍ:
> - وأنا كنت أحبك... ويؤسفني أنني ما زلت. ولكنَّ الحبَّ وحده لا يكفي.
ثم طعنها في قلبها، وتركها تموت أمام عينيه، وقام يمشي بخطواتٍ متثاقلة، يبحث عن مكانٍ ليبكي فيه وحده.
أما عامر فما زال يجلس عند حافة النهر، ينظر إلى الجسد الغارق في الطين والماء، وقد تجمّد عقله عن الفهم، وهو يهمس:
> - سارة لم تمت... سارة لم تمت...
اقتربت خولة وجلست بجانبه، وضعت رأسه على كتفها وربّتت عليه بصمتٍ طويل.
وفي تلك الأثناء عاد عبد الرحمن، يحمل في يده خنجره الملطخ بالدم، ليقطع عنق مساعد زوجته الذي كان مقيّدًا. صرخت خولة:
> - توقف!
تقدمت نحوه وقالت للرجل:
> - أعدك، وأنا زوجة ملك غرناطة، أنني سأجعلك حرًّا إن أخبرتني الحقيقة، أيًّا كانت، وأثبتَّها لي.
نظر الرجل إليها طويلًا بعينين منهارتين، ثم قال بصوتٍ مبحوح:
> - بل حياةُ زوجتي وأبنائي...
قالت خولة في حيرة:
> - ماذا تعني؟!
فأخرج خنجرًا كان يخبئه وطعن نفسه في عنقه، فسقط ميتًا في الحال.
حاولت خولة أن تجعله يتكلم ولكن أمره قد انتهى.
تمتم عبد الرحمن بمرارة:
> - هكذا هم الجواسيس... حين يتكلمون، يقتلون زوجاتهم وأبناءهم أولاً. وهذا الرجل آثر حياتهم على موته.
تقدمت خولة نحو عامر، أمسكته من كتفيه وقالت بحزمٍ ممزوجٍ بالحزن:
> - قف يا عامر، لا يليق بملكٍ شجاعٍ أن يبكي كالنساء. عد إلى قصرك، وانتقم لزوجتك.
فصرخ في وجهها:
> - سارة لم تمت!!!
شدّته خولة بعنف وقالت:
> - بل ماتت! ماتت يا عامر! وهذا قدر الله، فاقبل وقل الحمد لله!.
في تلك اللحظة كان طلحة يبكي مما رآه، فحملته بين ذراعيها، وضمّته إلى صدرها، وقالت له برقةٍ وهي تنظر نحو عامر:
> - لا تخف يا صغيري، انظر إلى أبيك يا طلحة... إنه بطلنا المحتسب الجميل. سيحمد الله على قضائه، وسينتقم لأمك سارة بعقله وبتقبله للواقع، لا ببكائه وصراخه، أريدك أن تكون مثله عندما تكبر... هذا هو بطلي، وأنت أيضًا بطلي الصغير.
لكن عامر ظل واقفًا عند حافة النهر، ودموعه تتساقط في صمتٍ مرير، يردد بصوتٍ خافتٍ كالمسحور:
> - سارة لم تمت... سارة لم تمت...
---
إلى اللقاء في الجزء الثاني...
(نكمل عالم الماضي ونغوص في أعماق عوالم أخرى عجيبة وأحداث أعجب)
---
الحمد لله واسعِ الفضلِ وعظيمِ المنَّةِ
---
تم بحمد الله
6/10/2025
م. مصطفى النجار
---
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!