الفصل 29 | من 32 فصل

رواية شِفرة أوڤاميندرا "سر العوالم السبعة" (الجزء الأول) الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم م/ مُصطَفَى النَّجَّار

المشاهدات
12
كلمة
2,931
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 91%
حجم الخط: 18

سار عامر ومحمد مع القافلة على الساحل الشرقي، والبحر عن يسارهم كأنه يراقب خطواتهم، والصحراء عن يمينهم تمتد بلا نهاية. كانت الشمس ترسل لهيبها الحارق نهاراً، فإذا جاء الليل هبّت نسائم باردة تحمل شيئاً من الرحمة، وارتسمت على صفحة السماء آلاف النجوم تهدي السائرين.

على طول الطريق، كانوا يبيتون أحياناً عند آبار قديمة، وأحياناً عند مضارب البدو الذين تعوّدوا على إكرام الضيف ولو باليسير. كانوا يحكون لهم عن طرق التجارة، وعن الحاميات المملوكية التي تراقب الحدود، وعن القوافل التي تسلك هذا المسار نحو الشام.

وبعد رحلة معاناة من السير المضني، بدأت تلوح أمامهم أسوار مرتفعة وأبراج منيعة، وازدحم الطريق بالداخلين والخارجين، تجاراً وفقراء وجنوداً. أشار محمد إلى الأفق وهو يقول:
- ها نحن نقترب من غزة، مدينة عامرة بالأسواق والجنود، وهي من أهم مدن الساحل تحت حكم المماليك.

دخلوا المدينة مع القافلة، فإذا بالأسواق تضج بالحركة: باعة ينادون على سلعهم، أصوات الموازين، وصهيل الخيل في ساحات الجنود. رائحة التوابل تختلط بروائح الخبز الطازج، والناس يمضون في حياتهم بين ضجيج التجارة والعبادة.

وقف عامر وسط السوق، ينظر حوله كأنه يبحث عن شيء غائب. كان قلبه يخفق بقوة، وفي داخله غصّة لا يعرفها أحد غيره. لقد رأى بعينيه المستقبل، وها هو الآن يقف في الماضي. تذكر في سره ما سيفعله اليهود في هذه الأرض المباركة بعد قرون، وكيف سيضيّقون على أهلها، ويقتلون أطفالها، ويحاصرونها بالنار والجوع. لم يتمالك نفسه، فانحدرت دموعٌ حارّةٌ على خديه، فأدار وجهه لئلا يلحظ محمد ذلك.

قال في أعماقه مخاطباً غزة:
يا جريحة المستقبل... يا صابرة، ما أقسى أن أراك الآن عامرة مطمئنة، ثم أعلم ما سيؤول إليه حالك. ليتني أستطيع أن أصرخ لأهلك: اثبتوا، فإن البلاء قادم، ولكن العاقبة للمتقين.

انتبه محمد إلى شروده، فسأله وهو يظن أن التعب أنهكه:
- ما بك يا سيدي؟ أترى التعب غلبك؟

ابتسم عامر ابتسامة باهتة وأجاب:
- لا يا محمد، إنما هو الشوق... الشوق إلى ما بعد غزة.

باتا تلك الليلة في بيت أحد تجار القماش الذي تعرّف إليهما وأكرمهما، إذ لمست عيناه البضاعة التي يحملانها من غرناطة. جلس الرجل يحدثهما عن طريقهم، ثم قال:
- إذا أردتما الوصول إلى القدس، فالطريق يمرّ أولاً بـ الرملة، ثم تتجهون شمالاً حتى تصلوا إلى المدينة المباركة. الطريق آمن، لكن لا تخلو منه العيون ولا الدوريات المملوكية، فكونوا حذرين.

دخلا وصليا صلاة العشاء في أحد مساجد غزة، ثم جلس عامر بعد العشاء، وهو يستمع إلى أصوات الغزيين وهم يردّدون القرآن في حلقات التعلم، فشعر أن الأرض كلها تتزين ببركة هذه الأصوات، وزاد قلبه عزماً على المضي حتى يصل إلى مقصده.

---

سار عامر ومحمد مع القافلة في الطريق الصاعد من الرملة نحو القدس، وكان الطريق يتلوى بين التلال والوديان. بدت الكروم على السفوح، وأشجار الزيتون ممتدة كأنها جيوش من الفضة الخضراء. كلما ارتفعوا، ازداد الهواء نقاءً، ورائحة الأعشاب البرية تفوح في الأفق.

وبعد يومين من المسير، بدت من بعيد قباب جميلة ومآذن شامخة فوق مدينة عظيمة محصنة بالأسوار. توقّف عامر، وأخذ يحدّق في الأفق وقد انعقد صوته بالبكاء:
- القدس... ها هي القدس!

كان قلبه يخفق بعنف، ودموعه تتساقط على وجنتيه. أحسّ كأن الأرض التي تحت قدميه تهتزّ شوقًا، وأن السماء أرسلت بشائرها له. لم يشأ أن يُظهر لهفته لمحمد، لكن عينيه فضحتاه.

دخل الاثنان من أحد أبواب المدينة، فإذا بالأسواق مكتظة بالناس: تجار من الشام، حجاج من اليمن، ورهبان مسيحيون، ويهود، والجنود المماليك ينتشرون في الطرقات يحفظون الأمن. كان في قلب عامر شعور مزدوج: هيبة وخشوع، وفرحة ممزوجة بالحزن.

لم يتمالك نفسه، فالتفت إلى محمد وقال:
- خذني إلى المسجد الأقصى.

قاد محمد سيده إلى داخل الحرم القدسي الشريف. وحين وطئت قدما عامر أرض المسجد الأقصى، لم يتمالك نفسه، فخرّ ساجدًا على أرضه الطاهرة، يبكي بكاءً مرًّا. بقي ساجدًا طويلًا حتى بلّل التراب بدموعه. ثم نهض وتوجه إلى موضع الوضوء، وغسل وجهه بيدين مرتعشتين، وشعر كأنه يغتسل من أوزار الدنيا. دخل المسجد، وصلّى ركعتين طويلتين، وكل دمعة تسقط من عينيه كانت تنطق بآلاف الكلمات التي لم يجد لها لسانًا.

جلس بعدها على أرض المسجد، وأسند ظهره إلى عمود حجري، وانهمرت دموعه مجددًا. كان يبكي بحرقة رجل يعرف أن قلبه عالق في هذا المكان منذ مئات السنين، حتى وإن وُلد في زمن بعيد. أمّا محمد، فظلّ يراقبه في حيرة، لا يفهم سرّ هذا الانفعال الشديد، ولا سبب هذه الدموع التي لا تنقطع.

وبعد أن هدأ عامر قليلًا، خرج مع محمد من المسجد الأقصى. جلسا في ظلّ شجرة زيتون قرب أسواره، والنسيم يداعب وجهيهما. قال محمد وهو يتأمل عامر:
- سيدي، قد بلغنا مقصدنا، ولكن كيف نعرف موضع زوجتك بين هذه الأزقة والأسواق؟ القدس مدينة واسعة، وفيها من الغرباء من لا يحصون.

رفع عامر رأسه وعينيه لا تزالان محمرتين من البكاء، وقال بصوت يقطر عزيمة:
- لا بد أن نكتشف من اختطف سارة... ولا بد أن نجد من يساعدنا من أهل القدس، من يعرف أخبارها وأسرار طرقها.

سكت لحظة ثم تابع:
- لن أعود من دونها، يا محمد. ولو تطلب الأمر أن أفتش كل بيت في القدس، سأفعل.

فأطرق محمد برأسه، ثم قال في هدوء:
- إذن، فلنبدأ من الأسواق... هناك دائمًا من يعرف، ودائمًا من يتكلم.

فابتسم عامر ابتسامة حزينة وقال:
- نعم... من الأسواق تبدأ الأسرار.

---

بعد أن خرج عامر ومحمد من المسجد الأقصى، كان الليل قد بدأ يرخى سدوله على القدس، والأزقة تزدحم بالمارة والتجّار العائدين من السوق. وقف عامر عند مدخل السوق الكبير يتأمل وجوه الناس، وعيناه تفتشان في كل زاوية وكأنه يتوقع أن يلمح سارة فجأة بين الحشود. لكن قلبه كان يخبره أنّ الأمر أعقد من مجرد بحث عابر.

قال محمد وهو يشد على ذراع عامر:
- يا سيدي، هذه المدينة مليئة بالغرباء والجواسيس، إن بحثنا وحدنا سنضيع. نحتاج إلى من يعرف طرقها السرية وأهلها.

تنهد عامر وهو يمسح دموعه التي لم تجف منذ دخوله المسجد:
- نعم... لكن من نأمن له؟ هنا كل يد قد تمتد لتعيننا، وقد تكون خنجراً يطعننا في الظهر.

دخلا السوق، حيث اختلطت أصوات باعة التوابل برنين النحاس وصياح الدواب، والروائح الكثيفة من المسك والبخور. كان محمد ينظر بعين التائه رغم أنَّه دليل الرحلة.

اقترب منهما شيخ وقور، بلحية بيضاء وعمامة نظيفة، وكان يبيع المخطوطات والكتب القديمة. رفع عينيه نحو عامر وقال بصوت خافت كأنه يعرفه:
- من جئت إليها ليست هنا... لله ما أعطى ولله ما أخذ.

توقف عامر مذهولاً يفكر في كلمات الشيخ، بينما شدّ محمد على سيفه وهو يحدق في الشيخ بقلق:
- ومن أنت أيها الشيخ؟ وكيف عرفت بما نبحث عنه؟

ابتسم الشيخ ابتسامة غامضة وأجاب:
- في القدس لا يخفى سر... عودوا من حيث جئتم فالبركان على وشك الانفجار.

تركهم الشيخ وغادر وعامر كاد يسقط أرضًا فأمسك به محمد.

---

وعلى الناحية الأخرى..
في ساحةٍ واسعةٍ في داخل قصر طليطلة، وقف فرديناند ملك قشتالة، يقفز أمام رُفات النار المتقدة، والمراجل بتصاعد منها دخان العضب. ويجلس من حوله جنوده وأمراؤه.

ألقى فرديناند بنظرةٍ إلى القائد الذي يقتربُ منه، ثم قال بصوتٍ حادٍ:
- لم يمسكوه في البحر؟ ولم يسقط بين أيدينا كما أمرت؟!

تقدّم أحد قادته، رجلٌ ضخم الجثة، ذو ملامحٍ صارمة، وقال مطمئنًا:
- لا تقلق يا مولاي. رجالنا في القدس سيؤدون ما عليهم. سنحاصر عليه المدينة، ونطوّقه حتى يتوهَ في حلقةٍ لا نهاية لها. وحين يترنح، نوجّه له الضربة القاضية.

انحنى فرديناند برأسه قليلًا، ثم ارتسم على وجهه ابتسامةٌ مكمِّلةٌ للشرّ، وهو يلوح بعصاه:
- أجل. سأُذيقه الذلَّ والمهانة. سأطأ بنعلي على وجهِ ذلك المسلمِ القذر، وأريَه كيف تذلُّ الأممُ حين تطأها أقدامُ القوة.

ضحكَ جنوده ضحكةَ اقتناعٍ، وتصدّرت أصواتُهم الساحة، لكنّ في ثنايا الابتسامةِ، بدا العزمُ القاسيُ الذي لا تعرفه الرحمة.

---

مازال عامر ومحمد يجوبان شوارع القدس بحثًا عن أي خيطٍ يقودهما إلى معلومةٍ عن سارة.
وبعد ساعتين من البحث وفي زقاقٍ مزدحمٍ من أزقة القدس، كان الناس يمرّون متلاطمين. وفجأة جاء شابٌ يهرول وسط الجموع، يلوّح بيده، ويركض.

فجأةً اصطدمت كتفُ ذاك الشابِ بكتف عامر. وسقطت ورقةٌ من يده، تراقصت في الهواء، ثم استقرت أمام أقدام عامر. أراد عامر أن يردّها إليه، فانطلق وراءه لبضع خطواتٍ، ولكنّ كالأشباح اختفى الشاب بين الزحام.

وقف عامر لحظةً، ونظر إلى الرسالة التي سقطت أمامه. ففتحها بيدٍ ترتعش وقرأ ما كُتب فيها بخطٍّ واضحٍ وغَادِرٍ:

> من فرديناند ملك قشتالة:

زوجتكِ على قيد الحياةٍ في يَدِي الآن. أُمهِلُكَ سبعةَ أيامٍ تسلِّمُ فيها غرناطةَ وجميع الحصونِ التي انتزعتها أياديكم، وإلّا فستكونُ نتيجةُ إصرارك على المقاومةِ أن أتزوج امرأتك الجميلة عنوة ثم أقتلها وأرسل لك رأسها،
ولكن بعد أن ألهو بشرفك...

ارتعد صدرُ عامر، واشتعلت عيناه نارًا. هتف بصوتٍ يغلي من داخله:
- أيها الوغدُ الحقير! سأقتلك بيديَّ هاتين، ولو كنتَ في باطن سابع أرض!

لم يكد ينهِ فصاح محمد من خلفه، وقد التقط الرسالة بحذرٍ:
- مولاي، دعني أرى.

قرأها محمد، ثم رمى النظر حوله بقلقٍ جادٍّ: - يا سيدي، الأمرُ يزدادُ سوءًا... السبعةُ أيامِ مهلةٌ ضئيلة. فرديناند لا يهددُ هباءً: سيفعلُ كلَّ ما وعدَ. الطريقُ من هنا إلى غرناطة عبر البرّ طَويلٌ ومحفوفٌ بالمخاطر. لن نبلغها قبل انتهاء الأجلِ مهما فعلنا حتى وإن انطلقنا الآن. ماذا سنفعل؟

سند عامر رأسه إلى الحائطِ الحجرِيّ، فأغمضَ عينيه طويلاً. ظلّ هناك، يحدّق في السماء بلا كلمة، كأنما يحمل فوق رأسه جبال الدنيا كلها.

الهواء حولهما كان ساكنًا، إلا من صليلِ سيوفِ الحرب القادمة، وكأنّ كلُّ أَهْلِ المدينةِ يسمعون أنفاسَ قراره القادم.

---

وفي هذه اللحظة،
دخلت فرقةٌ من الرِّجالِ مرتدين زيَّ المماليكِ، لكن في حركاتهم شيءٌ لا يَشبهُ حرَسَ القَصرِ؛ أشار قائدُهم بقسوةٍ بأن يسيرا معه. حاولَ محمدُ الكلامَ لِيخدعَهم فقالَ بسرعةٍ وهو لا يدري ماذا يجري:

- نحن تجّارٌ غرباء، جئنا لبيع الأقمشة، ولا شأن لنا بكم.

لكنّ الجنود لم يلتفتوا إلى كلامه، واكتفى عامر بالصمت، ثم سار مع محمد مكرهاً. ساقوهما عبر طرقٍ جانبية بعيدة عن الأسواق، حتى بلغوا بيتاً معزولاً. وهناك، أنزلوهما إلى قبوٍ تحت الأرض، ضيّقٍ رطبٍ كأنّه سجن، وقاموا بتقييد أيديهما بإحكام.

لمّا غادر الجنود، التفت محمد إلى عامر وقال بصوتٍ خافت:
- لقد وقعنا في الأسر، أليس كذلك؟

أجابه عامر وهو يحدّق في الظلام:
- بل وقعنا في مكيدة. هؤلاء ليسوا مماليك كما يزعمون.

- وكيف عرفت ذلك؟

- رأيتهم في الطريق، كانوا يلتفتون حولهم كمن يخشى الملاحقة. لو كانوا جنوداً حقيقيين، ما هابوا أحداً. إنهم جواسيسٌ لفرديناند.

ساد صمتٌ ثقيل، فقطع محمد حديثه قائلاً:
- إذن خُدعنا... ولكن لماذا لم نقاومهم ونحن نُقيَّد؟ لماذا لم تخبرني حتى نقاتلهم معاً؟.

أطرق عامر رأسه وقال بهدوء:
- لأنني أردت أن يأخذوني إلى فرديناند. تلك هي الطريقة الوحيدة لإنقاذ سارة. سأذهب إليه بنفسي، وأعرض عليه حياتي، ليتركك وينصرف عنها. إن أراد قتلي أو تعذيبي، فليفعل، أمّا هي... فلا بد أن تنجو.

اغرورقت عينا محمد بالدموع، وحاول أن يجيب لكنّ صوته خانَه.

ظلّا على حالهما حتى جنح الليل، وفجأة، فُتح الباب الخشبي بصوتٍ مزلزل، ودخل ثلاثة رجالٍ مدججين بالسلاح، غطّوا وجهي عامر ومحمد بغطاءٍ خشن، وقال أحدهم بصوتٍ غليظ:
- حان وقت الرحيل... إن سمعتُ لأحدكما صوتاً واحداً في الطريق، أزهقتُ روحه.

ساقوهما في أزقّة القدس المظلمة، وعامر يتمتم بصوتٍ خافت وهو يمشي:
- سبحانك، لا يعزُّ من عاديتَ، ولا يذلُّ من واليتَ، تباركتَ ربّنا وتعاليتَ... اللهم أذلَّ الكفر وأهله، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.

وفجأة، دوّى صليلُ سيوفٍ وصوتُ صرخاتٍ حادّة. شعر عامر أنّ قتالاً نشب من حولهم. لم يستطع أن يرى شيئاً والقيود تُحكم وثاقه، لكنه أيقن أنّ قوّةً ما باغتت الحُرّاس. تعالت أصوات الضربات، ثم خيّم صمتٌ ثقيل.

بعد لحظات، أحسّ عامر بيدٍ تُزيح الغطاء عن وجهه، ثم رأى محمداً إلى جانبه وقد أُزيل الغطاء عنه كذلك. رمش بعينيه للحظة، حتى اعتاد النور الخافت المنبعث من مشعلٍ صغير، ثم رفع بصره نحو من يقف أمامه.

تجمّدت الكلمات على شفتيه، واتّسعت عيناه بدهشةٍ بالغة، قبل أن يتمتم بصوتٍ متعجبٍ:

- أوڤاميندرا؟!...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...