في اللحظة التي بدأ فيها مقبض الباب يتحرك ببطء، وقف عامر وخولة في حالة ترقّب، وكلٌّ منهما يضع يده على سيفه.
عامر (بهمس): - استعدي... لا نعلم من هناك.
انفتح الباب فجأة، وظهرت فتاة شابة ترتدي لباسًا أسودًا فضفاضًا، ونقابًا أسودًا، وعيناها حمراوان من البكاء.
- عامر!
-تسنيم!
-هرعت فجأة إلى الداخل، وبكاؤها سبق خطواتها، ثم قفزت نحو أخيها تحت ذهول خولة، وارتمت في حضنه وهي تضربه على صدره بقبضتيها(وهي تبكي):
- يا كذاب! مش قلت إنك مش هتتأخر، وإنك راجع تاخدني؟ ليه غبت كل دا؟ أنا كنت بعيش في رعب كل يوم! خفت تكون مُت!، أو حصلك حاجة.
عامر (وهو يضمها بقوة ويُقبّل رأسها): - آسف... آسف يا تسنيم، كنت مرغم. والله ما قدرت أرجع، بس الحمد لله رجعت، وربنا جمعنا تاني. بس انتي عرفتي ازاي إن أنا هنا دلوقتي؟
تسنيم (تمسح دموعها):
- أنا كل يوم باجي أقعد قدّام النيش... بستناك. أهو في مكانك دا، كنت بقول يمكن ترجع فجأة... ولما بزهق بمشي وأرجع تاني. وكنت ناوية لو اتأخرت يومين كمان هدخل أدور عليك!
عامر (منفعلًا):
- أنا مش قلتلك... إياكي تفتحي البوابة أو تحاولي؟! أنا وعدتك إني هرجع، ماينفعش تعملي كده تاني أبدًا، واضح؟
تسنيم (بخجل):
- أنا آسفة... بس أنا كنت خايفة عليك أوي...
-في تلك اللحظة، كانت خولة تقف جانبًا، تنظر إلى المشهد، وقد بدا الغضب في عينيها، ثم قالت بصوتٍ جاف:
- يا لكَ من مخادعٍ كذّاب... الحمد لله الذي كشف لي حقيقتك قبل أن أتزوجك.
تسنيم (بتعجب وهي تنظر إليها):
- مين دي؟ ومالها بتتكلم كده؟ هي مدبلجة ولا اي؟
عامر (مرتبكًا):
- دي خولة... كنّا...
-لكن خولة قطعت كلماته، وأدارت ظهرها، وبدأت تتجه نحو البوابة وهي تقول:
- لن أبقى معك لحظةً أخرى.
عامر (راكضًا نحوها، يمسك بذراعها):
- انتظري، سأشرح لكِ...
-خولة (تسحب يدها بعنف، وترفع سيفها):
- إن حاولت لمسي مجددًا، أو حتى الاقتراب مني، سأقتلك...!
تسنيم (تسحب عامر من يده):
- سيبها تمشي علشان خاطري... شكلها ناوية على شر، وبعدين هي مين دي أصلًا؟ وليه بتتكلم معاها بالفصحى كأننا في ناشونال جيوغرافيك، أجل لقد أمسكت بسمكة التونة العنيدة، يا للهول.
عامر (بصوتٍ خافت، وهو يرى خولة تفتح البوابة):
- خولة، انتظري! هذه أختي... تسنيم! أختي التي حدثتكِ عنها.
-توقّفت خولة، ثم أغلقت البوابة مجددًا، واستدارت نحوه ببطء، وقالت بحدة:
- لماذا لم تُخبرني منذ البداية؟! ألم تعلم أن ذلك سيضايقني؟!
عامر (بصوتٍ نادم): - كنت أخشى أن تتوتر الأمور. تسنيم متعلقة بي كثيرًا، وكانت خائفة بسبب غيابي. أردت فقط أن أطمئنها. أعتذر... مرة أخرى، أعتذر.
خولة (وهي تعيد سيفها إلى غمده):
- لا بأس... أهلاً بكِ يا... قلتَ لي ما اسمها؟
عامر:
- تسنيم.
خولة:
- أهلاً بكِ يا تسنيم.
تسنيم (تقترب من خولة، تمد يدها للمصافحة):
- أهلاً بيكي يا خولة، وانتي شبه عصاية المكنسة كده ليه؟! ما عندكوش أكل ومحشي ولا إيه؟
عامر (منزعج):
- اتلمي يا تسنيم، مش عاوزين مشاكل.
-خولة (وقد سمعت اسم "عامر" تخرج من فم تسنيم):
- سراج الدين... سمعتها تناديك "عامر". لكنني لا أفهم بقية كلامها.
عامر:
- هذه لغتنا... العامية المصرية. سأُعلّمك إياها لاحقًا. تسنيم، حدّثيها بالفصحى، ولكن بلُطف.
تسنيم:
- ماشي... ماشي، بس لسه مقولتش... مين دي؟ ومعاك ليه؟
عامر (بتردد):
- خولة... خطيبتي. وهتبقى مراتي.
تسنيم:
- نعم يخويا؟! ده إمتى وازاي؟! وبعدين ملقتش غير المعصعصة دي؟ وكان مالها منة بنت عمك على الأقل بتتكلم زي الناس!
عامر (يضحك):
- معلش، اهدي علشان خاطري، لو فهمتك ممكن تزعل!
تسنيم (بابتسامة رغم الغضب):
- وكمان خايف على زعلها! طيب، طيب يا عامر.
عامر (جديًّا):
- تسنيم... بالله عليكي، كنت في دمار وحرب وحاجات فوق الوصف. لما أرجع تاني هفهمك كل حاجة بالتفصيل وهتعذريني أنا عارف.
تسنيم (ترفع حاجبها):
- لما ترجع؟! يعني إنت ماشي تاني؟
عامر:
- لازم نرجع... أبوها وأمها مستنيينّا، يمكن نلاقيهم طالعين من النيش دلوقتي.
تسنيم:
- وهترجع إمتى؟
عامر:
- يومين بالضبط، وراجع. مش هطوّل.
تسنيم:
- يومين يا عامر...
عامر (مبتسم):
- يومين يا تسنيم، بس بقولك...
تسنيم (بنعومة):
- نعم؟
عامر (بجدية):
- اوعي تحاولي تفتحي البوابة دي أو تيجي ورايا أبدًا.
تسنيم:
- حاضر... أوعدك مش هعمل كدا إلا لو اتأخرت.
- احتضنها عامر، ثم ودعها، وأخذ خولة وعاد بها إلى البوابة. وما إن عبراها، حتى وجدا والدي خولة في انتظارهما، القلق بادٍ في أعينهما، لكنه ما لبث أن تبدد حين رأت خولة والديها، فطمأنتهما:
- نحن بخير، لا تقلقا.
---
وفي صباح اليوم التالي...
في ساحةٍ واسعة داخل القصر، تناثرت الزهور، وتزينت غرناطة، واحتشد أهلها لحضور زفافٍ لم يشهدوا مثله من قبل.
عامر، في حلّةٍ بهيّة، وخولة، بثوبٍ أبيض مرصّع بنقوشٍ أندلسية، يتقدمان وسط الحشود.
أما سارة، فكانت تراقب من بعيد، والغيرة تنخر صدرها، والابتسامة متجمّدة على شفتيها.
- مبارك لكما، قالتها سارة، لكنها كانت تقولها من بين أسنانها.
اقتربت من خولة، وقالت لها:
- لا تفرحي كثيرًا... لقد فزتِ به اليوم، لكن الحرب لم تنتهِ بعد.
خولة (بثقة وهي تمسك يد عامر):
- بل انتهت، وربحتُ بها قلب رجلٍ لا يخون.
عامر (وهو يبتسم للاثنتين):
- نحن اليوم في فرح... دعونا نحتفل.
لكنّ الاحتفال لم يدم طويلاً، إذ دخل رسولٌ إلى المجلس، يحمل لفافة عليها ختم أحمر ووشاح ملكي.
الرسول (وهو يقف أمام عامر ويطلب الإذن منه):
- رسالة من الملك الصليبي...الملك فرديناند.
أخذ عامر الرسالة، وفتحها، ثم قرأها بصوتٍ عالٍ:
> "إلى عامر، الذي ظن نفسه ملكًا...
سمعنا بزواجك، فهنيئًا لك، وإن كانت فرحتك لن تكتمل.
سنمد لك المهلة أسبوعًا آخر حتى تفرح بزفافك
... وعند انتهائها، لن تجد من ينقذك من المصير الذي ينتظرك.
زوجتاك، سارة وخولة، ستكونان جاريتين في قصري...
وأنت... سأعلّقك على بوابات غرناطة، ليعلم الجميع ألا مفرّ من سيف الصليب.
> فرديناند"
ساد صمتٌ ثقيل، ثم بدأ الهمس يدبّ بين الجنود والقادة...
عامر (وهو يطوي الرسالة ويقف بثبات):
- الآن، أصبح الأمر متعلقًا بالشرف، لقد أخطأ فرديناند عندما كتبت يده أسماء خولة وسارة، وأنا أعده أنني سأقطع يده أمام أعينهما، وإنا كان يظنّ أن غرناطة ستُركع، فهو لا يعرف سراج الدين....
---
عبد الرحمن: سيدي بماذا سنرد عليه؟
عامر (بصوتٍ عالٍ بعد أن طوى الرسالة):
- لا ردّ على هذا التهديد اليوم. فليهنأ بما كتبته يداه، وسأجعله يندم على كل حرفٍ كتبه. لكنني لن أسمح أن تُفسد فرحة خولة بسبب تهديد أجوف.
- أيها القادة، غدًا صباحًا نجتمع جميعًا، نناقش الردّ المناسب، ونضع خطّتنا المقبلة. أما اليوم... فليكن فرحًا نقيًا لا يعكّره شيء.
أومأ الجميع موافقين، وبدأت الاحتفالات تعود تدريجيًا إلى الساحة، وبعد ساعتين أمسك عامر بيد خولة وأكمل السير بها نحو غرفتهما، وقد بدت الفرحة على وجهها، ممزوجةً بشيءٍ من القلق.
**
في صباح اليوم التالي، داخل القاعة الكبرى لقصر الحمراء...
وقف عامر أمام خريطة عظيمة مفصّلة لمدينة غرناطة، محاطة بجدرانها العريقة، مرسومة بعناية فوق لوحٍ حجريّ عتيق. كانت الشمس تتسلل من النوافذ المزخرفة، بينما اجتمع القادة من حوله، يترقّبون كلمته.
عبد الرحمن:
- هل نثق بأن الملك فرديناند سيمنحنا مهلة أسبوع كما زعم؟
عامر (بصوتٍ خافت):
- لا. هذا ليس وعدًا بل فخ، يريدنا أن نستكين، أن نغفل. لكننا لن نمنحه هذه الفرصة.
موسى:
- وما العمل إذًا؟ هل نتحرك قبل انتهاء المهلة؟
عامر:
-أجل، وكلما تأخرنا سنكون في خطرٍ أكبر.
موسى: إذًا نحتاج إلى ابن الأمين
عامر: من ابن الأمين هذا؟
موسى: محمد ابن الأمين أحد مساعديك الكبار،
قائد مخضرم يعرف كل شبرٍ في غرناطة وفي الأندلس بأسرها، إنَّه داهية الحرب، كيف لا تذكره لقد كان هو المساعد المقرب لديك.
عامر: أجل أجل تذكرته، سامحوني لقد أثرت ضربة الظل على ذاكرتي عندما حاول قتلي أول مرة، وأين هو محمد ابن الأمين الآن؟
عبد الرحمن: سيدي، لقد أصدرت أمرًا ببقائه في السجن.
عامر: أنا؟!، متى؟، أنا لم أفعل هذا!.
عبد الرحمن: عندما أخرجنا القادة الذين اعتقلهم عبدون، وكنت سأخرج القائد ابن الأمين، أنت أرسلت أحد الجنود إليَّ برسالةٍ موقعةٍ منك ببقاء ابن الأمين في السجن.
عامر: أنا لم أرسل أيّ أحدٍ ولم أكن أعلم بوجود ابن الأمين في السجن، ولكن من الذي تجرأ واستخدم اسمي لبقاء ابن الأمين في السجن؟
عبد الرحمن: المهم الآن هو أن نخرجه ونوضح له الأمر وينضم إلينا سريعًا، وأنا أعدك أنني سأتولى بنفسي التحقيق في أمر الجنديّ هذا.
- ذهبوا وأخرجوا القائد ابن الأمين وأجلسه عامر واعتذ له عمَّا حدث وحكى له عن كل شيء، وطلب منه أن يستريح حتى المساء.
وفي المساء اجتمع عامر بهم مجددًا ووقف محمد ابن الأمين يشرح على خريطة غرناطة خطة مواجهة الصليبيين....
ابن الأمين (بصوتٍ حازم وهو يشير إلى الخريطة):
- غرناطة ليست مدينةً عادية... هي حصنٌ منيع، ولها أسوارٌ لو تحدّثت، لروت ألف معركة. أمامنا ثلاثة أيامٍ قبل أن يتحرّك فرديناند، وهذا وقتٌ كافٍ لنُعدّ له مفاجأة تليق بوقاحته.
أشار أولًا إلى باب إلبيرا (باب البيرة ):
- هنا المدخل الشمالي الشرقي للمدينة، بوابة مهمة تربطنا بجبال سييرا نيفادا... طريقٌ جبليّ، لكنه ممر حيويّ. ستُعزز فرقة حازم هذا الباب، وتزرع كمائن صغيرة في السفوح المؤدية إليه، فإن تحرك العدو من هذه الجهة، اصطادته الجبال قبل أن يقترب.
ثم أشار إلى باب الرملة غربًا:
- هذه البوابة قريبة من سهل فيغا، وهي الجهة الأضعف لأنها مفتوحة نحو الأراضي الزراعية. موسى، ستتولى إغلاق هذه الجبهة بحصونٍ خشبية ومراصد عالية. وأريد أن تكون هناك أنفاق خفية خلف المزارع، لنخرج منها إذا التفّوا من الخلف.
ثم رفع يده نحو أعلى الخريطة، حيث باب فُخّار :
- منفذ شديد الخطورة، يقود مباشرة إلى ضفاف نهر شِنيل. العدو قد يستخدمه كمسلكٍ ليليّ. عبد الرحمن، أريد كتيبة خفيفة الحركة هناك، مستعدة للقتال داخل الأزقة، إن اضطررنا. وأرسلوا رجالاً لاستكشاف أي حركة مريبة من النهر.
انتقل ابن الأمين إلى قلب الخريطة، وأشار إلى باب العديسة:
- هذه بوابة تؤدي مباشرة إلى حيّ القصبة داخل الأسوار. وهي معبرٌ استراتيجيّ. من هنا سيبدأ خطّ الانسحاب إن لزم الأمر، وسنقيم خلفها مركز قيادة متنقل، للاتصال بين الأطراف كافة.
ثم أدار نظره إلى أطراف المدينة:
- في الشمال الشرقي، قرب جبل شلبيّار، نُنصّب أبراج مراقبة. هذه الهضبة تمنحنا رؤية كاشفة لجميع تحركات الجيش الصليبي، وسنستخدمها لمباغتتهم بالمنجنيق، لكن بخُدع: نُشعل نارًا في مواقع وهمية، بينما الجنود يتحرّكون من أنفاق قديمة حُفرت منذ زمن الموحّدين.
وهنا تقدم عامر وتنهد، ثم أشار إلى قلب المدينة، حيث قصر الحمراء:
- وهنا... قلب غرناطة، وروحها. لن نُدافع عنه فقط، بل سنجعله شَرَكًا... إن ظنّوا أنهم سيقتحمونه بسهولة، فسيُفاجأون بالنيران من تحته، والسهام من خلفهم.
صمت قليلًا، ثم التفت إليهم وقال:
- كل خطة، مهما كانت قوية، تسقط إن لم يكن الرجال على قدرها. هذه الأرض لنا... وأقسم، إن مرّت أيامنا الأخيرة هنا، فلن تمرّ إلا وقد كتبناها بدماء العزّ لا بذلّ الركوع.
عبد الرحمن (بصوت متهدّج):
- ومتى نبدأ التنفيذ يا سيدي؟
عامر (بثبات):
- نبدأ الآن. خلال يومين، يجب أن تكون المواقع جاهزة، الأفخاخ منصوبة، والخطط البديلة مرسومة.
ثم نظر عامر إلى الأفق من إحدى نوافذ القصر، وقال:
- لتكن غرناطة هي البداية... لا النهاية.....
---
ثم نظر عامر إلى مساعديه وقال (بصوتٍ هادئ وحازم):
- إنّ ما نواجهه في قادم الأيام ليس معركة عادية، بل هي حربُ بقاء. أنتم الركيزة، والعقل، والسيف الذي نثق به. لذا... أطلب منكم أن تُقيموا الليلة في الجناح الخلفي من القصر، تحت حراسة مشددة.
عبد الرحمن (بقلق):
- أمرك يا سيدي، وسامحني أن سألت لماذا؟
عامر:
- أرواحكم في خطر، أشعر باحتمالية الغدر بكم. أنتم رأس المعركة، وإن سقط الرأس، سقط الجسد. أرجوكم... ابقوا هنا، فإنّي بحاجة إليكم، وغدًا نواصل ما بدأناه.
أومأ القادة موافقين، على مضضٍ، ثم انصرفوا. أما عامر، فقد توجّه إلى جناحه الخاص بصمت، ودخل غرفته.
وبعد ساعات من النوم والسكينة ..
فجأة، شعر بحركة خلف الباب، فهبّ واقفًا، وأمسك بسيفه بسرعة، يحدّق نحو الخارج بترقّب، حتى ظهرت خولة، تعود إلى الغرفة بخطى حذرة.
عامر (بلهجة مرتابة):
- خولة؟! أين كنتِ؟ ما الذي تفعلينه في الخارج في مثل هذا الوقت؟
خولة (بهدوء لكن بنبرة قلقة):
- سمعتُ صوتًا قرب الغرفة، فخشيتُ أن يُصيبك مكروه، فخرجتُ لأتأكد.
نظر عامر إلى يدها، فإذا بخنجرٍ صغير يقطر دمًا.
عامر (وقد اتسعت عيناه):
- ما هذا؟ الخنجر! والدم؟!
استدارت خولة ببطء، تعطيه ظهرها، ثم رفعت الخنجر إلى يدها وجرحتها جرحًا سطحيًّا، وهمست بصوت مكسور:
- أخشى إن أخبرتك بالحقيقة... أن تغضب مني، أو تُوبّخني.
عامر (يقترب منها بخوف وقلق):
- قولي لي! ما شأن هذا الخنجر؟ ومن أين هذه الدماء؟!
استدارت نحوه ببطء، ورفعت يدها المجروحة أمامه.
خولة:
- إنه جرحي... حين أمسكت بالخنجر دون حذر، جُرحت.
تغيّرت ملامح عامر، وقد انقلب قلقه إلى حنان، فأمسك يدها برفق، وقادها إلى المقعد، وأجلسها، ثم جلس على ركبتيه أمامها.
عامر (بلهجة حانية):
- سأجلب لكِ طبيبة... يجب أن يُنظّف الجرح وتُعالج يدك فورًا.
لكنها سحبت يده برقة، وابتسمت:
خولة:
- الجرح بسيط... لا يحتاج طبيبة. لا تنسَ أنني أفهم في الطب؟ أتذكُر يوم طعنك الظل؟ أنا من داويتك آنذاك، واليوم أنا سأخبرك بما تفعل... وأنت تنفّذ فقط.
-أحضرت قطعة قماش، وأشارت إليه كيف يضع الدواء. فامتثل عامر، يمسح الجرح برفقٍ، ثم يضع الدواء بعناية. وخولة تبتسم وتداعب شعره بيدها الأخرى.
خولة (بهمس):
- عامر... أتحبني إلى هذا الحدّ حقًا؟
عامر (وقد رفع عينيه إليها):
- إنّ الحب الذي أُظهره لكِ ليس إلا جزءًا ضئيلًا مما أخفيه. أنتِ اليد الحانية التي آوتني منذ مجيئي إلي هذا العالم، كنتِ قوتي التي انتصرت بها على الظل، ودرعي أمام غدر عبدون. كنتِ سيفي، وراحتي، وروحي.
ابتسمت خولة، ثم انحنت وقبّلت جبينه بحنان:
خولة:
- وأنا... لم أمنحك قلبي وجسدي فقط، بل روحي أيضًا. لن أسمح لأحد أن يؤذيك، إلا إن مرّ على جثتي أولاً.
بعد أن انتهى عامر من تضميد يد خولة، جلست تُراقبه بعينين مشعتين بالحُب، ثم قالت بابتسامة ماكرة:
خولة:
- عامر... تعلم؟ لو أنّ قلبي فارس، لكان سلّم نفسه لك دون قتال.
عامر (ضاحكًا وهو يرفع حاجبه):
- وهل تعنين أنني محاصِرٌ لقلبك من البداية؟!
خولة:
- بل كاسرٌ لحصونه دون إذنٍ أو استئذان!
عامر:
- هذا اتهام خطير... أخشى أن يُرفع إلى قاضي العشق، فيحكم عليّ بالسجن المؤبّد في عينيكِ!
خولة (تمثّل الجدية):
- بل بالحَبس في قلبي، مع الأشغال الشاقّة من القُبَل والدلال!
عامر (يضحك):
- إذًا، لا أطلب عفوًا! أيُّ رجلٍ يُعاقَب بهذه النعمة، ويريد النجاة منها؟!
تضحك خولة، ثم تهمس له وهي تعبث بخصلات شعره:
خولة:
- أخشى عليك من هذا اللسان، فهو قد يغري العدو قبل أن يُقاتله!
عامر (يتنهّد بمرح):
- دعيني أعترف... أمامكِ، كل أسلحتي تسقط.
ضحكا معًا، ثم تمددت خولة على الوسادة، بينما أسند عامر رأسه إلى يدها. وما هي إلا لحظات، حتى استسلم كلاهما للنوم، وقد أرخى الليل سكينته على قلبيهما.
---
في صباح اليوم التالي...
الباب يُطرقُ والصوت يعلو شيئًا فشيئًا، أفاق عامر، وتوجّه إلى الباب، وفتحه بقلق.
كان عبد الرحمن واقفًا هناك، ووجهه شاحب.
عبد الرحمن (بصوتٍ خافت):
- سيدي... خبرٌ سيء
عامر:
ــ ماذا حدث؟
عبد الرحمن:
ــ لقد عثرنا على محمد بن الأمين... مذبوحًا في فراشه.
عامر (بذهول):
- ماذا تقول؟! متى حدث هذا؟!
عبد الرحمن:
- أخبرنا الطبيب أن القتل وقع ليلًا....
تجمّدت ملامح عامر، ثم ضمّ شفتيه، والتفت إلى الأفق، وقال بحدة:
عامر:
- لقد طعنتني في ظهري يا فرديناند... وأقسم أنني سأجعلك تدفع ثمن هذه الطعنة أضعافًا مضاعفة!.......
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!