في ليلةٍ ساكنة، كانت خريطة المدينة منبسطة أمام عامر على الطاولة، بينما سارة وخولة وعبد الرحمن وموسى وحازم يحيطون به. كان الجرح قد بدأ يُشفى، لكن عينيه ما تزالان تشعّان بعزمٍ لا يهدأ.
عامر (بصوتٍ حاسم):
– نحن لن ننتظر تحرّكه بعد الآن... سأجبره على الظهور.
خولة (بتفكير):
– كيف؟
عامر:
– سيظن أننا سنهاجمه في جامع المنار وهو ينصب لنا فخًا هناك ولكنه ليس هناك... ولكننا سنرسل إلى هناك فرقة من الحرس ملثمين يرتدون ثيابنا بقيادة موسى وحازم.
سارة:
– وأين سنذهب نحن؟
عامر (بابتسامة خافتة):
– أنا الآن أفكر بعقله، وسنكون حيث يكون هو. هنا في هذه النقطة يوجد الظل.
عبد الرحمن:
– متى سنتحرك؟
عامر (وهو ينظر إليهم):
– في منتصف الليل.
سارة (بصرامة):
– وأنا سأكون معك، أليس كذلك؟، لا تمنعني. وعدتني أن لا تتركني.
عامر (صامتًا للحظة ثم قال):
– ستكونين معي.
سارة(بابتسامة تملأ وجهها وهي تنظر إلى خولة):
ــ أجل، أحبك يا زوجي العزيز
---
وبالفعل، مع اقتراب منتصف الليل، كانت فرقة الحرس تتحرك في اتجاه جامع المنار... لكنها ليست سوى طُعم.
أما عامر، فكان يتسلل مع خولة وعبد الرحمن من الجهة الغربية نحو سردابٍ قديم تم تصميمه لحماية الأطفال والنساء بداخله إذا هاجم الأسبان غرناطة ونجحوا في دخلولها في أية لحظة.
-حين دخلوا، وجدوا شعلة واحدة مطفئة فأشعلوها ثم ساروا وسط نفق ضيق، يقود إلى غرفةٍ مفتوحة.
عامر (وهو يهمس):
– الآن سينتهي كل شيء.
دخل عامر أولاً، ثم عبد الرحمن وخولة بعده... كانت الغرفة خالية إلا من صناديق حجرية ودوائر محفورة في الأرض، وقدر ضخم مملوءٍ بالزيت المغليّ.
وفجأة، صفق أحدهم.....
صوت مألوف، غامض:
– أحسنت يا سراج الدين...ذكاؤك أرشدك إلى مخبئي السريّ، وهو نفسه الذي جاء بك إلى حافة النهاية.
عامر:
– أجل وأنا أيضًا أريد أن أكتب النهاية الآن.
ثم ألقى شيئًا صغيرًا على الأرض... كان كرةً صغيرة من زجاج معطر... ما إن انكسرت، حتى تصاعد دخانٌ أزرق كثيف، أربك كل من في المكان.
-وفي هذه اللحظة ظهر الظل، وبجواره السيد عثمان، وعيناه متوهّجتان بالحمرة، وخلفه... أم سراج الدين.
عامر (بصوتٍ عال):
– عثمان! أما زلت تهرب؟!
الظل:
– هو الآن لي.
ثم صاح:
– اقتلوه.
-اندفع السيد عثمان نحو عامر بسيفه، وعيناه خاليتان من الرحمة. ولحقت به أم عامر من الخلف، تتلو تعاويذ وترمقه بنظرات قاتلة.
عامر (وهو يصد ضربات عثمان):
– لا أريد قتالك يا عثمان! قاوم! أنت أقوى من هذا السحر!
-لكن الضربات كانت شرسة.
خولة من الجهة الأخرى كانت تحاول أن تصد أم عامر دون أن تؤذيها، فيما كانت سارة تقف وتراقب المشهد من مدخل السرداب، وهي ترتجف.
ثم، باغت عامر عثمان بضربة على معصمه، أفقدته سيفه. ركض عبد الرحمن نحوه وساعد في تقييده.
في الجهة المقابلة، كانت أم عامر تمسك سيفها، تتقدم نحو عامر...
– أمي، توقفي، أرجوكِ!
لكنه اضطر أن يتصدى لها بسيفه وهو يدمع... إلى أن ارتجفت يدها فجأة، وسقط السيف من يدها.
أسرع عامر واحتضنها من الخلف، وهي تقاوم وتصرخ بلا وعي.
– خولة، قيديها بسرعة... لا تؤذيها.
ربطتها خولة بحذر وهي تهمس:
– سامحينا يا أمِّي.
الظل، وقد بدأ الدخان يشتد من حوله، حاول الفرار.
لكن عامر ركض خلفه، ثم انقضّ عليه:
– هذه نهاية لعبتك!
اشتعلت المعركة بينهما، وكان عامر يُقاتل بقلبه قبل سيفه، إلى أن دفع الظل إلى الحائط وضربه في كتفه.
وقع القناع عن وجهه أخيرًا، ليرى الجميع وجهًا مشوّهًا، مليئًا بالوشوم والتعاويذ، لا يُشبه البشر.
عامر (بصوتٍ مخنوق):
– من أنت؟!
الظل (بضحكةٍ مريضة):
– أنا كابوسك الذي لن ينتهي، أنا الخوف الذي سيطاردك حتى يقتلك.
-فضربه عامر بسيفه ضربةً قطعت رأسه.
خولة (بهمس):
– الحمد لله لقد انتهى.
عامر (وهو يلهث):
– لا... ليس بعد.
خرجوا جميعا إلى من السرداب ثم التفت إلى رجاله:
– خذوا السيد عثمان وأمي... هناك رجل في السوق القديمة يُدعى نوح، يقال إنه يعالج المسحورين. أوصلوهما إليه بسرعة. ولا تتركوهما لحظة واحدة.
خولة:
– وماذا عنك؟
سارة (بابتسامةٍ سمجة):
– سيبقى معي، وسنذهب سويًا إلى القصر.
- نظرت إليها خولة ثم نظرت إلى عامر وغادرت.
---
في صباح اليوم التالي...
وتحديدًا في قاعة المجلس الكبرى، كان عامر يجلس في صدر المجلس، يُحيط به رجاله من الجنود والقادة المخلصين: عبد الرحمن، موسى، وخولة، وحازم، فيما وقفت سارة بجانبه، تمسك بكأسٍ من الماء وتراقب وجهه الذي بدأ يستعيد شيئًا من صفائه.
الزينة الخفيفة عُلّقت على الجدران، والنيران تُشعل في مشاعل الذهب، بينما خفَتت الأصوات احترامًا لكلمة القائد.
عامر (وهو ينظر في الوجوه):
– لقد انتهت مرحلةٌ مظلمة من تاريخ غرناطة... أُعدِمَ عبدون، وسقط الظل، وحرّرنا من بيننا من كان معتقلاً أو مسحورًا أو خائنًا.
سكت لحظة، ثم تابع:
– لكنَّ المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد.
-في تلك اللحظة، دخل أحد الجنود مسرعًا، يحمل لفافة مختومة بشمعٍ أحمر.
الجندي (وهو ينحني):
– سيدي القائد... وصلت هذه الرسالة، وعليها ختم الملك فرديناند.
أخذ عامر الرسالة وفتحها بحذر، وبدأ يقرأ بصوتٍ عالٍ:
> "إلى من يلقّب نفسه بحاكم غرناطة... بلغنا أن بينكم أسرى من جنودنا، ونُطالب بإطلاق سراحهم فورًا. وإن لم تفعلوا، فسنحشد جيوش الممالك الصليبية كاملة، ونحاصر غرناطة حتى نسقطها حجراً حجراً. لديكم ثلاثة أيام فقط.
– فرديناند"
-ساد الصمت في القاعة، ثم ارتفعت همهمات خافتة، بعضها مذعور، وبعضها متحفظ، والوجوه بدأت تتغير.
سارة (بقلق): – هل يظنون أن غرناطة بلا سيف؟
عبد الرحمن (وهي يعقد ذراعه):
– إنهم يختبروننا.
عامر (وهو يقف، صوته يعلو):
– لن نكون طعماً لتهديداتهم. لن نسلّم أسرانا، ولن نركع.
موسى:
– فما العمل؟
عامر:
– العمل هو أن نُعلن الآن اختيار ملكٍ لغِرناطة. ملكٌ يقودنا إلى حربٍ طويلة الأمد مع الصليبيين نستنزف فيها قوتهم، إلى معركةٍ تحفظ الكرامة. جيشٌ منظم، وأرضٌ متماسكة، وصوتٌ واحد.
سارة (بصوتٍ حازم):
– وهل هناك مَن هو أحق منكَ بالعرش؟
عامر (وقد رمقها بنظرة عميقة):
– غرناطة ليست لي وحدي، ولن أحكمها إلا إن أراد شعبها.
عبد الرحمن:
– نحن نبايعك، ولن ننتظر إذناً.
سارة (وهي تبتسم بفخر):
– أنت الملك الذي انتظرته هذه الأرض.
-ارتفعت الهتافات في القاعة، وبدأ الجنود يقرعون بنعالهم على الأرض علامة الولاء.
لكن خولة كانت قد سحبت يدها بهدوء، ثم تقدّمت خطوة ووقفت أمام عامر.
خولة (وهي تسلمه سيفها):
– انتهى دوري الآن يا سيدي، لقد ساعدتك حتى تخلّصتَ من عبدون والظل... الآن سأعود إلى حياتي العادية.
عامر (مصدومًا):
– ماذا تقولين؟
استدارت وغادرت القاعة، وصمت عامر للحظة، ثم ركض إلى غرفته وأحضر شيئًا وركض خلفها.
...
-في الأزقة الضيقة المتشابكة، كان صوت خطواته يتردد، حتى لمحها تسير باتجاه بيتها القديم.
عامر (وهو يلهث):
– خولة... انتظري!
استدارَت خولة فجأة، وثبّتت عينيها في عينيه كحدّ السيف، ثم قالت بصوتٍ قويّ:
– ما الذي تريده منّي يا سراج الدين؟! أظننتَ أن ما كان بيننا ضعفٌ أو ميلٌ؟! ما فعلتُه كان من أجل غرناطة، لا من أجلك.
تقدّمت خطوة، ورفعت سيفها نحوه بثبات:
– أنا لست امرأةً تُحاصرها العواطف، ولا لقمةً سائغة في مائدة الرجال. لست من أولئك اللاتي يرمين أنفسهنّ حين يُلوّح لهنّ فارسٌ بسيفه.
ثم أضافت، وهي تحدق في عينيه:
– كلُّ ما بيننا كان واجبًا... لا أكثر. وإن كنتَ تظنّ غير ذلك، فأنت لا تعرفني بعد.
-ثم رفعت السيف في وجهه:
– ابتعد... قبل أن يُجبرني شرفي على أن أُريق دمك بهذا السيف.
عامر (بهدوء):
– لن أرجع.
- تركته ومشت إلى بيتها وفتحت الباب، وهمّت بالدخول، لكنه تبعها. استقبله والدها ووالدتها بدهشة.
عامر (بأدب):
– اسمحوا لي بالدخول، أتيت أطلب يد ابنتكما...
-لكن خولة خرجت مسرعة وقالت:
– لا أريدك!، لا تأتِ لتروي لي أساطيرك واسمك الغريب وعالمك الآخر!
-صمت عامر، ثم قال بهدوء:
– أرجو منكما أن تتركاني وحدي معها، دقيقة واحدة فقط.
-أومأ الأب، وانسحب هو وزوجته.
عامر (بصوتٍ خافت):
– أعلم أنك لن تصدقيني، ومعك حق. لكن فقط تعالي معي... سأُريك شيئًا.
خولة (ببرود):
– سأذهب... لكن إن كنت تخدعني، سأقتلك بسيفي هذا.
...
وبعد ساعة...
وقف عامر ومعه خولة وأبواها قرب كهفٍ جبليّ، الرياح تعصف بثيابهم، والسماء تميل إلى الحمرة.
عامر(وهو يهمس لها):
– سيبقى والداك هنا، أما نحن، فسنفتح البوابة، هم لا يعرفون لماذا نحن هنا ولا أريدهم أن يعرفوا شيئًا.
-ثم دخل إلى الجبل وهي تسير خلفه رافعة سيفها حتى وصل إلى البوابة أخيرًا، ثم أخرج المفتاح ووضعه في فتحةٍ صغيرة في البوابة.
نظر عامر إلى خولة:
– ادخلي خلفي.
-فتح عامر البوابة بحذر، وخرج من النيش الخشبي ثم أخذ خولة إلى شرفةٍ عالية تطلّ على أحد شوارع القاهرة المزدحمة.
-كانت العربات تمرّ، والناس بملابسٍ حديثة، وأصوات أغانٍ تملأ الشوارع، وصوت السيارات يعلو في الخلفية.
خولة (بذهول):
– ما هذا...؟!
نظرت إليه، وعيناها تتسعان، ثم نظرت إلى الأبنية الشاهقة، واللافتات، والسيارات.
خولة (بهمس):
– أنت ساحر.
ثم بدأت تتنفس بسرعة، وجسدها يرتجف...
خولة (بصوتٍ مبحوح):
– غير معقول...
-خولة..... خولة.........
---
في غرفةٍ عالية تُشرف على شوارع القاهرة، كان عامر يجثو بجانب خولة، يُربّت على كتفها محاولًا إفاقتها. عيناها مغمضتان، وأنفاسها متسارعة.
عامر (بصوتٍ قلق):
– خولة... خولة، استفيقي، أنا هنا... لا تخافي.
-فتحت عيناها فجأة، نظرت حولها ثم إليه، وقالت بصوتٍ مرتعش:
– ماذا حدث؟! أين أنا؟
عامر (بابتسامةٍ خفيفة):
– أنت في عالمي... في القاهرة.
-وضعت يدها على رأسها، ثم قالت ببطء وكأنها تحاول تذكّر شيء ما:
– أجل... أنت ساحر. ما رأيته لا يُصدّق. هذه المدينة... الناس... الأبنية... لا يُمكن أن يكون هذا حقيقي!
عامر (واقفًا، ثم يمد يده لها):
– قومي وانظري مرة أخرى.
-نهضت ببطء، اقتربت من حافة الشرفة، ونظرت مجددًا. السيارات تزمجر، وأضواء المحال تتلألأ، والناس يسيرون في عجالة.
خولة (وهي تتمتم):
– مستحيل...
عامر (بهدوء):
– هذا هو زمننا الآن... نحن في العام الهجري 1444.
تجمدت الكلمات على لسانها، ثم التفتت إليه بدهشة:
– 1444؟!، كيف؟!
عامر (بثقة):
– نعم... أما زلت تظنين أنني سراج الدين؟
خولة (بصوتٍ خافت):
– لا... لا يمكن... إذًا فأنت... عامر؟
عامر (ينظر إليها بصدق):
– عامر، ابن هذا الزمن. لا علاقة لي بسراج الدين سوى الشبه... وسارة؟ ليست زوجتي. كل ما كان جزء من مهمة.
-خولة ببطء نحو الحافة، تنظر إلى الناس مرة أخرى، ثم قالت:
– هل تُريدني أن أصدق أنك جئت من المستقبل؟ أن كل ما رأيناه في غرناطة قد مضى منذ قرون؟
عامر (يقترب منها):
–أجل كما صدّقتِ أنا أنكم ما زلتم تعيشون في زمنٍ انتهى منذ مئات السنين.
-صمتت للحظات، ثم جلست على أحد المقاعد، واضعة يديها على رأسها:
– هذا جنون... لا أستطيع استيعاب الأمر... عقلي يرفض هذا الواقع.
عامر (جالسًا إلى جوارها):
– ستصدقينني إن تزوجتيني و أتيتِ معي إلى بيتي. ستقابلين أمي وأبي وتسنيم... أختي الصغيرة. ستسمعين لغتهم، وترين تفاصيل هذا العالم بعينك.
رفعت عينيها إليه، وقالت:
– حسنًا... سأوافق على زواجي منك وسأذهب معك.
-ابتسم عامر، لكن خولة رفعت إصبعها بإشارة تحذير:
– ولكن لدي شرط.
عامر:
– ما هو؟
خولة (بصوتٍ حاد):
– تقسم بالله أنك صادق، أنك لا تكذب عليّ، ولا تخدعني. وإن كنت تكذب، يا سراج الدين أو عامر... سأقتلك بسيفي هذا.
عامر (رافعًا يده):
– أُقسم بالله، أنني صادق في كل كلمة قلتها، ولم أخدعك يومًا.
-حدقت فيه طويلاً، ثم أغمضت عينيها وقالت: – حسنًا... فلنعد إلى أبي وأمي ثم نرتب للزواج وإلى مقابلة أهل عالمك، احكي لي كل شيء حدث معك، أريد كل شيء تفصيلاً....
عامر(بابتسامة عريضة): حسنًا، سأحكي لك كل شيء، ولكن أولاً يجب أن.....
– تجمّد صوته فجأة عندما سمع في تلك اللحظة صوت مفتاحٍ يدور في قفل الباب الخارجي للشقة ببطء، كأنّ من بالخارج يحاول فتحه بحذرٍ أو تردُّد.
-التفتت خولة بسرعة نحو الباب، وعينيها تتسعان من الذهول:
ــ من هذا الصوت؟!
ــ فيما عامر وقف بحدّة، وقد تلاشت ابتسامته.
عامر (بهمسٍ جاد):
– أحدهم يحاول فتح الباب.
خولة (وهي تضع يدها على مقبض سيفها):
– إذن مَن يكون؟
صدر صوت احتكاك المفتاح مرة أخرى... ثم تبعه نقـرة خفيفة...
وبدأ المقبض يتحرك ببطء.....
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!