الفصل 17 | من 32 فصل

رواية شِفرة أوڤاميندرا "سر العوالم السبعة" (الجزء الأول) الفصل السابع عشر 17 - بقلم م/ مُصطَفَى النَّجَّار

المشاهدات
13
كلمة
5,865
وقت القراءة
30 د
التقدم في الرواية 53%
حجم الخط: 18

ساد الصمت المهيب أرجاء قصر الحمراء، والجميع يترقّبون أوامر سراج الدين، الذي وقف شامخًا رغم الطعنة التي ألمّت به. مقتل ابن الأمين لم يكن حدثًا عاديًّا، بل ضربةٌ موجّهة في قلب الخطة الدفاعية، وفي خاصرة الثقة.

عامر (بصوتٍ ثابت):
– لا وقتَ للدموع، ولا مجالَ للفوضى. أريد تحقيقًا شاملًا... كل من دخل جناح القادة تلك الليلة، كل من حمل طعامًا، من أشعل شمعة أو مرّ عبر الرواق، يُسجَّل اسمه بدقّة. لن ينجو الخائن هذه المرّة.

عبد الرحمن (بغضب):
– أعاهدك يا سيدي، إن وصلتُ إليه، لن أتركه يتنفّس.

عامر:
– لا يا عبد الرحمن، نريد الحقَّ لا الانتقام. الخائن لن يُعذّب... بل سيُعلَّقُ على أسوار غرناطة ليكون عِبرة. أرسلوا في طلب موسى وحازم فورًا.

عبد الرحمن (ينحني):
– حالًا.

---

بعد ساعة، اجتمع القادة المتبقون في القاعة ذاتها. ظهرت علامات التوتر على وجوههم، لكن عامر لم يُبدِ أيّ اضطراب. وقف أمام الخريطة مجددًا، وقد أُزيل عنها اسم القائد المغدور، واستبدله بخانة فارغة.

عامر:
– نحن لا نحارب العدو فحسب، بل نحارب شبح الخيانة من داخل أسوارنا. هذه الخيانة دليل أنّ هناك عيونًا وآذانًا تنقل الأخبار للعدو.

موسى:
– هل تظن يا سيدي أن فرديناند له عملاء داخل القصر؟

عامر:
– بل أنا متيقّن. وقد تكون خيانة ابن الأمين بداية السلسلة فقط. لهذا... أحتاج إلى قسمٍ جديد من المقاتلين، لا يعرفهم أحد، ولا يرتدون لباس الجيش. سمّوهم "فرقة الظلام"، أريدهم أن يخبروني بكل شيء يحدث في غرناطة حتى لو طلبت منهم حصر عدد الأنفاس، وكل همسةٍ ولمسةٍ تحدث في الظلام وخلف الجدران.

موسى (بحماسة):
– سأتولى تدريبهم بنفسي، يا سيدي.

عامر (بصوتٍ حازم):
– لك ذلك. ولكن اجعل أمرهم سرًّا حتى عن أقرب الناس إليّ. أريدهم أن يتحركوا في صمت، أريدهم أشباحًا.

ثم أدار نظره إلى عبد الرحمن:

– وأنت... أعدّ لي مراسم جنازة تليق بابن الأمين. رجلٌ مثله لا يُدفن في الخفاء، بل تحت رايات الشرف.

عبد الرحمن:
– كما تأمر.

---

في مساء ذلك اليوم، وقف عامر فوق ربوةٍ عالية تُشرف على المدينة، والمشهد من خلفه كان مهيبًا. الجنود مصطفّون، والسكان خرجوا جميعًا، لتوديع القائد محمد ابن الأمين.

حُمل النعش على الأكتاف، ووقفت غرناطة بأسرها تبكي قائدها بصمت.

عامر (بصوتٍ مرتجف وهو يلقي كلمته):
– اليوم نودّع جسد ابن الأمين، لا روحه. روحه باقية هنا، في جدران هذا الحصن، في ذرات ترابه. لقد عاش جنديًّا ومات شريفًا، وسيُبعث يوم الحشر تحت راية من أحبّ أرضه وأهله... وداعًا يا ابن الأمين، وموعدنا الجنة.

---

وبينما القادة يودّعون النعش، تسلّلت خولة إلى جانب عامر وهمست له:

خولة:
– ليس الأمر دائمًا كما يبدو والأيام ستكشف كل شيء، إنا لله وإنا إليه راجعون

عامر (وهو يضغط على قبضته):
– إن شاء الله سأكشف كل شيء يحدث وراء ظهري، وأقسم أنني سأقتل الخائن بيدي هذه.

خولة:
– وماذا عني؟ ألا تخشى أن أكون أنا الأخرى... خنجرًا في ظهرك؟

نظر إليها طويلًا، ثم ابتسم بحزن:

عامر:
– حتى الخنجر إن كان بيدك... لن يقتلني، بل سيحميني.

---

وفي منتصف الليل...

في زاوية مظلمة من المدينة، دخل رجلٌ ملثّم إلى سردابٍ قديم تحت الأرض. وهناك، كان ينتظره شخصٌ آخر، جالسٌ على كرسي خشبيّ متهالك.

الرجل الجالس:
– هل تمّت المهمة؟

الرجل الملثّم (بصوتٍ أجش):
– نعم، أنجزت المهمة كما طلبت.

الرجل الجالس (بابتسامةٍ خبيثة):
– ممتاز... الآن نبدأ بالمرحلة الثانية. حين تهتزّ الثقة، تسقط الجدران بلا حصار.

---

في صباح اليوم التالي...

اجتمع القادة مجددًا في قاعة قصر الحمراء. كان الصمت يُخيّم على الوجوه، والقلق بادٍ في الأعين. ولكن عامر، رغم الحزن، لم يُظهر تردّدًا. كان أكثر شراسة من ذي قبل، وكأنّ موت ابن الأمين قد صقل إرادته بالنار.

عامر (وهو يشير إلى الخريطة):
– بناءً على توصيات ابن الأمين، نبدأ اليوم تنفيذ خطة الدفاع. لكن علينا أن نُجري تعديلات عاجلة... لأن ما نواجهه ليس هجومًا فقط، بل طعنة من الداخل.

موسى:
– سيدي، فرقة الظلام بدأت العمل الليلة، وانقسمت إلى ثلاث مجموعات: واحدة داخل القصر، وأخرى في الأسواق، والثالثة في محيط الأسوار. والهدف مراقبة كل من يتحرّك، دون استثناء.

عامر:
– جيد. ولكن... هناك شيءٌ ناقص.

موسى:
– ما هو؟

عامر (بصوتٍ خافت):
– لا أشتمّ رائحة دماء عدوٍّ بيننا... بل رائحة مؤامرة أكبر. شيءٌ داخليّ لا أستطيع الوصول إليه بعد.

عبد الرحمن (مقاطعًا بقلق):
– سيدي... أحد رجال فرقة الظلام أبلغني منذ قليل أن هناك من دخل قبوًا مهجورًا في حيّ القصبة فجر اليوم. تبِعه أحدهم، ولم يخرج بعد.

عامر:
– حيّ القصبة؟ ذلك المتاهة القديمة؟ من يجرؤ على دخولها في هذا الوقت؟ أرسلوا وحدة كاملة... أريد هذا المكان محاصرًا الآن.

---

بعد ساعة...

تسلل عامر بنفسه، ومعه عبد الرحمن وموسى وحازم، إلى ذلك القبو القديم تحت حي القصبة. السلالم تؤدي إلى أعماقٍ مظلمة، والرائحة العفنة تملأ المكان.

عبد الرحمن (وهو يرفع شعلة):
– هنا حدث شيء... آثار أقدام حديثة.

موسى:
– اسمعوا... هناك صوت خافت قادم من الجهة الأخرى!

اندفع الأربعة إلى داخل السرداب، وهناك... وجدوا رجلًا مقتولًا مكبّل اليدين، مكمّم الفم، ينزف من كتفه. وبجانبه ورقة قد كُتِبَ فيها:

-وصلت متأخرًا كالعادة يا سراج الدين، لا تحاول تتبعنا وإلا سنقضي على جميع رجالك المخلصين.

تجمّد عامر، وشحب وجهه، ثم التفت بسرعة:

– هذه ليست خيانة فردية... إنها شبكة! أحد القادة معهم... وإلا ما وصلوا إلى هذا المستوى من التنظيم!، أين المعتز بالله وعثمان.

عبد الرحمن:
ــ لقد اعتذرا عن استكمال عملهما في الجيش يا سيدي.

عامر:
ــ اعتذرا وأنا لم أقبل اعتذارهما، ابحثوا عنهما واجعلوهما تحت مراقبة فرقة الظلال.

عبد الرحمن:
ــ ولكن يا سيدي السيد المعتز هو...

عامر: أعلم، هو والد زوجتي، ولكن لن أدير ظهري لأي أحدٍ بعد اليوم إلا زوجتي وأنتم فقط... والبقية في دائرة الاتهام..

---

في القاعة الكبرى بعد ساعة...

اجتمع عامر بجميع قادته، وبرفقة المعتز بالله وعثمان، وقف عامر في المنتصف، وعيناه تراقبان كل وجه بدقة.

عامر (بصوتٍ حاد):
– أحدكم... ليس منّا.

سكت الجميع.

عامر:
– أحدكم دسّ السمّ في قلب هذه المملكة، وخطط لكل خطوة. قد لا أعلم من هو بعد، لكن أقسم أنني سأكشفه وسأجعله عبرة لكل خائن.

عبد الرحمن (بعزم):
– سنصل إليه، حتى لو بحثنا تحت كل حجر.

خولة (من الباب، بعد أن دخلت فجأة):
– وقد بدأتُ بالفعل... سيدي، وجدت أمرًا غريبًا في جناح القادة.

اتجهت أنظار الجميع نحوها.

خولة:
– خريطة صغيرة لغرف قصر الحمراء، وُجدت تحت وسادة أحد الخدم، وعليها ختم لم يُستخدم إلا في السجلات القديمة.

عامر (بعينين لامعتين):
– هذا يعني... أن من يعمل مع العدو يمتلك نسخًا من مفاتيح هذا القصر، وخرائطه!

حازم:
– إذًا، هو ليس جنديًّا... بل من خاصّتك!

صمت عامر، ثم أغمض عينيه وقال:

عامر (بهدوءٍ غاضب):
– المعركة لم تبدأ بعد، لكنها اشتعلت بيننا... وأُقسم أن من خانني، سأقتصّ منه بنفس اليد التي قطعت رأس الظل.

---

وفي تلك الليلة...

كان رجلٌ يركض في الممرات الخلفية لقصر الحمراء، يحمل شيئًا في يده. ظنّ أن الظلام سيُخفيه، لكن سهمًا انطلق من أعلى البرج، وأصاب كتفه بدقّة.

سقط أرضًا، يئنّ. انقضّ عليه رجال فرقة الظلام، ورفعوا عنه القناع...

عبد الرحمن (وهو يقترب):
– هذا هو!، لقد عرفته...إنَّه أحد حُرّاس قاعة الطعام... ولكن...

توقّف فجأة، ثم همس:

– أتوقع أنَّ هذا الرجل لا يعمل لحسابه... بل ينفّذ أوامر شخصٍ آخر... ربما من قائدٍ أعلى.

عامر (وقد وصل لتوّه):
– أريد اعترافًا منه قبل أن يموت.

اقترب أحد المحققين، وقام بتضميد جرح الرجل حتى استعاد وعيه.

عامر (وهو يجثو أمامه):
– قل لي... من أمرك؟ مَن خائن غرناطة الحقيقي؟

رفع الرجل عينيه، ثم بصق دمًا وقال:

الرجل:
– فات الأوان... غدًا عند الشروق... سيكون العلم الصليبي فوق الأسوار...

وسقط ميتًا.....

---

عامر (وقد اشتدّ صوته وهو يلتفت للقادة):
– لا وقت... حانت ساعة الفجر، وبعد قليل تدق طبول الحرب... وإما أن يُكتب النصر... أو أن نفوز بالشهادة!

---

في قصر الحمراء، وبين أروقةٍ باتت تُنذر بقرب العاصفة، كان عامر يعكف مع قادته على تدعيم الخطوط الدفاعية للمدينة، ولكن في الوقت ذاته، كانت هناك جبهات أخرى تُبنى في الخفاء.

في جناح النساء...

جلست سارة في زاوية الغرفة، تمسك بقطعة من القماش السميك، تخيطها بإبرتها بثبات. كانت تلك راية صغيرة، لونها أخضر، وفي وسطها لا إله إلا الله، محمد رسول الله، رمزٌ اختارته ليكون شعار النساء المدافعات. خولة دخلت عليها، تتأمل العمل بصمت، ثم جلست بجوارها.

خولة:
– تفضلي يا أميرتنا الجميلة.

سارة (بهدوء):
– هل هذه الكلمات من قلبك.

خولة:
– أجل ولمَ لأ، أنتِ ابنة الملوك وزوجة القائد سراج الدين الأولى. أليس كذلك؟!

سارة (وقد بدت مرتبكة): بلى، ولكن دعينا الآن من هذا الكلام، ولنبدأ في تجهيز نساء غرناطة للحرب كما أمرنا سراج الدين.

-اجتمعت النساء تحت إشراف سارة وخولة، وتم تقسيمهن إلى مجموعات:

مجموعة الإمداد: تتولى تجهيز الطعام والدواء، وتخزينه في مواقع سرية داخل المدينة.

مجموعة الإسعاف: تُدرب على معالجة الجرحى، بقيادة خولة التي تمتلك خبرة في المداواة بالأعشاب وتحضير الأدوية المختلفة.

مجموعة الحراسة الليلية: بقيادة فتاة تُدعى خديجة، تتسلح النساء فيها بالخناجر والأقواس الصغيرة، لحماية الأحياء الداخلية.

سارة (للنساء):
– غرناطة ليست ملكًا للرجال فقط، بل هي بيتنا وشرفنا أيضًا... ومن يقترب من شرفنا، سنجعله يذوق نار نساء غرناطة.

---

في ساحة التدريب، خارج القصر...

كان عبد الرحمن يُشرف على تدريبات "فرقة الظلام" الجديدة، رجالٌ لا يعرفهم أحد، لا يحملون شارات ولا يظهرون في العلن. يتنقلون كالهواء، يعرفون الزوايا والأنفاق والخفايا. خلفهم، كان موسى يدير مخزون السهام، والأسياف والدروع، ويضع علامات خفية على الطرق لتوجيه الإمدادات.

---

** أولى ضربات فرديناند **

في فجر اليوم السادس من المهلة...

رغم الوعد بأسبوع، تحرّك جيش الملك فرديناند قبل موعده بيومٍ كامل، كاسرًا العهود، داهسًا على كل أعراف الفرسان.

في السهول الغربية عند باب الرملة، كانت الأرض تهتز تحت وقع أقدام جيوشه. ارتفعت رايات الصليبيين، ومعها طبول الحرب، تربك الآذان.

في برج المراقبة، أطلق جندي غرناطيّ سهمًا يحمل شُعلة حمراء في السماء... إنها الإشارة المتفق عليها.

داخل قصر الحمراء...

وقف عامر على صوت الأجراس، ونهض مسرعًا، ثم دخل المجلس وهو يصرخ:

– بدأ الغدر! الكل في مواقعه، ونفّذوا الخطة كما اتفقنا!

هرع القادة: موسى، وعبد الرحمن، وحازم والمعتز وعثمان... ومعهم خريطة القتال.

عبد الرحمن:
– العدو يضرب باب الرملة أولًا!

عامر:
– كما توقّع ابن الأمين... رحمه الله.

---

في باب الرملة...

كان موسى ينتظر، وقد جهّز الأبراج الخشبية، وحفر الأنفاق الصغيرة خلف المزارع. العدو يزحف كالسيل، ألوية وسيوف وخيالة.

لكن حين اقتربت مقدّمتهم من الأسوار... وقع انفجار خفيف تحت الأرض، وتطايرت حجارة، وانهارت مقدّمة الجيش، إثر كمينٍ محكمٍ تحت التراب.

خرجت كتيبة غرناطية خفيفة من بين الأشجار، بقيادة حازم، وبدأت مناوشة خاطفة، ثم انسحبوا، جارِّين العدو إلى موقعٍ آخر أُعدّ له كمينٌ أكبر.

موسى (يصرخ):
– لا تطاردوهم بعيدًا!، فخّنا الأكبر بانتظارهم!

---

في قصر الحمراء...

وقف عامر على شرفةٍ عالية، ينظر إلى الأفق الغربي، حيث بدأت سُحب الدخان تتصاعد، وأصوات القتال تصلهم.

خولة اقتربت منه، بجانبها سارة.

خولة (بصوتٍ واثق):
– بدأوا الحرب قبل أوانها... سيندمون.

عامر (بصوت حازم):
– لا تنظروا إلى هذه الجولة على أنها بداية النهاية، بل بداية صبرٍ طويل، وأرضٍ لا تُسلَّم إلا على الأجساد.

سارة (وهي تلمح خيالة تقترب من بعيد):
– هناك وحدات تتقدّم من جهة الشرق أيضًا... عند باب فُخّار.

عامر:
– حان الآن دوري سأذهب مع عبد الرحمن هناك... وبأمر الله لن نُخذل، لا من الغرب ولا من الشرق.

---

في باب فُخّار...

عامر وعبد الرحمن كانا قد نصبا العشرات من الأقواس الثقيلة على السطوح، وتمركزت قوات خفيفة في الأزقة.

حين دخلت خيالة الصليبيين إلى الشوارع، أمطرتهم الأقواس بالسهام، والنيران، والحجارة. ثم أُغلق الباب خلفهم.

عامر (بابتسامة هادئة):
– الآن أصبحتم داخل القفص... لن تخرجوا إلا رمادًا.

---

نهاية اليوم الأول من القتال...

تراجع الصليبيون إلى مسافةٍ آمنة، بعد أن فقدوا المئات من رجالهم، بينهم قائدٌ بارز يُدعى "دييغو"، قُتل في فخّ باب العديسة.

- سجد عامر على الأرض وأمر جنوده بالسجود حمدًا لله على نصره لهم في اليوم الأول من الحرب، ثم قال:

عامر:
– غرناطة لن تنحني بل ستقطع يد كل من يتجرأ عليها.

---

في الليلة التالية من القتال…

ساد هدوءٌ ثقيل على أسوار غرناطة، كأن الأرض تحبس أنفاسها بعد معركة النهار. لكن عامر كان يعلم أن الصمت في الحروب ليس راحة، بل علامة على مكرٍ يتربّص.

في المجلس العسكري بقصر الحمراء...

جلس القادة حول الطاولة، والخرائط مبسوطة أمامهم، والشموع تترنح على وقع نسيمٍ بارد تسلل من نوافذ القصر.

عامر (وهو يطالع الخريطة):
– فرديناند لم يتراجع. تراجعه نهارًا ليس خسارةً بل تمويه. سيُهاجمنا ليلًا، متسللًا من موضع لا نتوقّعه.

عبد الرحمن (متوترًا):
– ماذا عن باب البيرة؟ لم يتحرّك منه أحد حتى الآن.

موسى:
– أو ربما باب القصبة، فهو الأقرب إلى مركز المدينة.

خولة (تدخل فجأة، بثوبٍ مبلل وعينين لامعتين):
– رأيتهم... رأيت رجالًا يتحركون في ظلال الحقول، في صمت. ليست وحدة عسكرية، بل مجموعة تسلل.

عامر (ينهض فورًا):
– أين رأيتِهم؟ أيّ جهة؟

خولة:
– من الشرق... خلف الأشجار قرب باب فُخّار.

عامر (بحسم):
– هذا هو الهجوم الليلي الذي توقّعناه. عبد الرحمن، جهّز كتيبة “الظلام”، وارسِل اثنين من أبرع رجالنا في التسلل… نريدهم أن يسبقوا العدو ويتعرّفوا على عددهم واتجاه تحركم.

عبد الرحمن:
– حالًا يا سيدي!

---

في الخارج قرب باب فُخّار...

كانت الأرض مبللة، وظلال الأشجار تتمايل بفعل الريح. تقدّم رجُلان من رجال “فرقة الظلام”، تسلّلا عبر مجرى مائي قديم يمرّ تحت السور. وبعد ساعة من الزحف في الطين والماء، عادا مسرعين.

الجندي الأول (يلهث):
– إنهم هناك! ستون رجلاً يتقدّمون بصمت، معهم معدات تسلّق وسلالم، ويقودهم رجلٌ غريب!

عامر (يقطّب حاجبيه):
– رجل غريب؟ صفه لي!

الجندي:
– طويل، ذو لحية رمادية، وله وشمٌ على كفّه اليمنى... ويضع على عينه اليمنى قطعة من الجلد.

موسى (بصدمة):
– لا..إن صح ما تقول. فإنّه "ألبرتو"، … أحد أخطر القادة الصليبيين، كان يُدرّب القتلة السريين في "برغش".

عامر (بصوتٍ غليظ):
– إذا كانت الكنيسة قد أرسلت "ألبرتو"، فهذا يعني أن فرديناند لا يريد فقط محاصرة غرناطة... بل يريد قتل القادة سرًّا وخلخلة الصفوف.

خولة (بجديّة):
– إذا وصل إلى هنا... فقد لا يبقى أحدٌ حتى يُكمل الحرب.

---

بعد ساعة... كمين مضاد..

في أحد الأزقة القريبة من باب فُخّار، كانت كتيبة صغيرة بقيادة عبد الرحمن وحازم تنتظر بصمت. نزعوا دروعهم الحديدية ليتحرّكوا بخفة، وسحبوا خناجرهم.

صوت خافت في الأفق... ثم همسات... ثم حذاء يخطو فوق الحصى...

عبد الرحمن أشار بيده:
– لا تُهاجموا حتى أعطي الإشارة.

اقترب العدو، وكان ألبرتو في الطليعة. رفع يده، وأشار للمجموعة أن تنتظر، ثم تقدّم وحده نحو أحد الأبنية.

وفي اللحظة التي رفع فيها عينه إلى نافذة القصر العليا، أُطلقت شبكةٌ من أعلى الزاوية، أحاطت به وسحبته إلى الأعلى.

عبد الرحمن (يصرخ):
– الآن!!

انقض رجال غرناطة، كالأسود، وبدأت معركة عنيفة في الأزقة الضيقة. صرخاتٌ مكتومة، ودماءٌ تسيل بصمت، ولكن الغلبة كانت لأبناء غرناطة.

وفي أقل من عشر دقائق، سقط أغلب المتسللين، وأُسِر ألبرتو وهو يُقاوم بعنف.

---

في القصر.... قبل الفجر...

ألبرتو مُقيَّدٌ بسلاسل غليظة، وعلى وجهه آثار الضرب.

عامر (ينظر إليه نظرة قاتلة):
– لماذا جئت إلى غرناطة يا كلب الصليبيين؟، أجبني!

ألبرتو (يبصق قرب قدميه):
– لأمزق قلبها... جئت لأنزع رأسك ورأس كل من يتجرأ ويقف في وجه الصليب.

عامر:
– والآن تجثو أمام أقدامي ذليلًا.

-أمر عامر أن يُحبس في السجن تحت حراسة مشددة، وأن يُمنع عنه الكلام والطعام إلا بقدرٍ لا يُميته.

---

عند شروق الشمس...

وقف عامر أمام الجنود، وصوته يجلجل:

عامر:
– الليلة، أرسل العدو بعض كلابه إلينا ليغدروا بنا، فقتلناهم وأسرنا بقيتهم، ومن هذه اللحظة، لن ننتظر حتى يهاجمونا... نحن من سيُهاجم.

الجنود (بصوتٍ واحد):
– الله أكبر! الله أكبر!

----

مع إشراقة صباحٍ جديد، وبعد ليلةٍ سُفك فيها الغدر تحت ظلال الأسوار، وقف عامر على ربوةٍ عالية تطل على سهول" فيغا" التي تعجّ بالخيام الصليبية.

بجواره وقف القادة: عبد الرحمن، موسى، حازم، وآخرون، وخلفهم خريطة كبيرة خُطّت عليها مواقع العدوّ.

عامر (بصوتٍ حازم):
– هذا يومنا... لسنا من ننتظر الموت خلف الأسوار.

عبد الرحمن:
– الخطة جاهزة يا سيدي. سنضربهم من ثلاث جبهات قبل الفجر.

موسى:
– كمينٌ من باب الرملة، وهجوم مباشر من باب العديسة، ونيران المنجنيق من أعالي شلبيّار.

دخلت خولة عليهم وهي تركض ووضعت أمامهم خريطة صغيرة:
– إليكم هذه الخريطة... نقطة الضعف الحقيقية: مخازن المؤونة والأسلحة الخاصة بهم في الطرف الجنوبي، قرب مجرى النهر. إذا أُحرقت، تشتّت جيشهم.

عامر (بتعجبٍ وذهول):
– من أين حصلتِ على خريطةٍ سريٍّةٍ جدًّا كهذه؟!.

خولة:
– سأخبرك لاحقًا، ما يهمنا الآن هو أن ننتصر في هذه الحرب ونرجع الصليبيين إلى حدودهم وهم يجرُّون أذيال الهزيمة والانكسار.

عامر (بابتسامةٍ واثفة):
–إذًا، ليكن يومهم نارًا من حيث لا يحتسبون.

---

في الليل... قبل ساعات من الفجر...

السماء ملبّدة، والقمر محجوب. تحت الغطاء السميك للظلام، خرجت وحدات غرناطة من الأبواب القديمة:

فرقة عبد الرحمن تسلّلت عبر الحقول الرطبة خلف باب الرملة، تتقدّم بصمت خلف الشجيرات.

كتيبة موسى كانت تتحرّك مباشرةً من باب العديسة، تحمل شعارات خفيفة وسيوفًا قصيرة للقتال القريب.

رجال المعتز بالله وعثمان، بقيادة نخبة مدرّبة، ساروا عبر ممرٍ مائي قديم نحو مخازن العدو.

فوق التلال، كانت عشرات منجنيقات غرناطة، محشوّة بالقذائف، تترقب ساعة الصفر.

---

الساعة الرابعة فجرًا...

عامر (يطلق سهمًا مشتعلًا):
– أشعلوا التلال!

في لحظةٍ واحدة، انطلقت قذائف النار من أعالي غرناطة، تشقّ السماء وتضرب أطراف المعسكر الصليبي، وألسنة اللهب تشتعل في مخازنهم.

القائد ريتشارد، من خيمته، خرج مذعورًا...

ريتشارد (يصرخ):
– ما هذا؟ من أين جاء الهجوم؟!

أحد القادة:
– إنهم ليسوا في موقع الدفاع... لقد قلبوا الطاولة، يا مولاي!

---

وسط الدخان واللهب...

انقض عبد الرحمن من الجهة الغربية، وهاجم خطوط الخيالة قبل أن يلبسوا دروعهم.

تقدم موسى مباشرةً إلى قلب المعسكر، وذبح الحراس قرب الخيام الكبرى.

المعتز بالله وعثمان حرّضوا فرقتهما على إحراق المخازن، ثم انسحبوا قبل أن يُكتشفوا، تاركين العدوّ بلا طعام ولا خيول.

عامر كان في المقدمة، ممتطيًا جواده الأسود، سيفه يبرق وعينه تتشوق لقطع الرؤوس. ثم صرخ بأعلى صوته قائلًا: الله مولانا ولا مولى لهم. الله أكبر!

-كل ضربة منه كانت تفتح طريقًا، وكل صيحة كانت تبعث الأمل في قلوب جنوده. تساقط الصليبيون كأوراق الخريف، وهم يتخبّطون في اللهيب وبين أسياف رجال غرناطة، وفقدوا السيطرة على جنودهم الذين أخذوا يفرّون جماعات.

---

وأمام خيمة قائد الحرب الصليبي ريتشارد، وقف مذهولًا، ثم قال:
– يبدو أننا لا نحارب جيشًا... نحن نحارب زلزالًا. ماذا حدث لجيش غرناطة.

اقترب منه عامر، بعد أن شقّ الطريق إليه وسط الميدان، ثم نزل عن جواده.

عامر (بعينين ناريّتين):
– مرحبًا يا هرَّتي الجميلة، انبطح على الأرض بهدوء وضع يدك خلف ظهرك ولا تقاوم عند تقييدك حتى لا أقطع رأسك وأعلقه على باب غرناطة.

استجاب ريتشارد وقام عامر بتقييده. ثم أمر عامر بأخذه أسيرًا..

أمَّا باقي الجنود الصليبيين فقد لاذوا بالفرار وعادوا إلى ملكهم بعد سحقهم من قبل جنود غرناطة.

---

عند شروق الشمس...

ارتفعت رايات التوحيد على كل أطراف المعسكر، بينما الجنود يُكبّرون، والنساء تزغرد، والأطفال يملؤون الساحات فرحًا.

خولة (وهي تمشي بجانب عامر):
– فعلناها يا عامر... غرناطة انتصرت.

عامر (بصوتٍ مفعم بالفخر):
– بل نصرنا الله عندما قضينا على الخونة.

خولة:
– ما زال الخونة يحيطون بنا فاحذر وانتبه.

---

بعد أيام من انتصار عامر....

تحت سماءٍ رمادية، نُصبت خيمةٌ كبيرة ذات ألوان محايدة، في أرضٍ فاصلة بين الحدودين. على الجانب الأيسر، جلس عامر وإلى جانبه القادة: عبد الرحمن، موسى، وحازم. وعلى الجانب الآخر، تقدّمت الملكة إيزابيلا الأولى، بثوبٍ أبيض ونظراتٍ باردة، وإلى جانبها الملك فرديناند الثاني، مكسور النظرة.

دخل المبعوث البابوي أولًا، يحمل لفافةً مختومة، ثم أعلن بصوتٍ عالٍ:

المبعوث:
– لقد وافق الملك والملكة، بعد المعركة الأخيرة، على توقيع هدنة دائمة مع غرناطة، وعدم التعرّض لها عسكريًّا أو سياسيًّا، مقابل إطلاق الأسرى الصليبيين، على أن يعيدا إلى غرناطة بعض الأراضي غير المحصّنة قرب حدود قشتالة.

قام عامر ثم نظر إليهما (بهدوء صارم):
– أعلم أنكم لن توفون بهذه المعاهدة، ولكني سألتزم بها حتى أشمّ منكم رائحة الغدر، وفي المرة القادمة ستكونون مكان ريتشارد، أما عنك أنت وقد هددني بزوجاتي فقد كان إذلالي لجنودك وقادة جيشك أول ردٍ على رسالتك، والرد القادم سيكون صعبًا إن حاولت العبث معي مرة أخرى، ترجم له لعله يفهم ما أقوله جيدًا.

- ثم نهض عامر، وتقدّم نحو المائدة الحجرية التي نُصبت في منتصف الساحة، ووضع توقيعه إلى جانب توقيع المبعوث وملكة قشتالة وملك أراغون، وسط صمتٍ مهيب.

إيزابيلا (تنظر في عيني عامر):
– غرناطة ربحَت اليوم، لكن التاريخ طويل... فلنرَ إن كنتم ستبقون أقوياء لفترة أطول.

عامر (بابتسامة ساخرة):
– بل أنتم من سيسأم التاريخ من كتابة سجلات هزائمكم.

-ثم أدار ظهره وغادر، يحيط به قادته، والجنود من خلفهم يكبّرون.

---

في قصر الحمراء غرفة المجلس العليا....

بعد ثلاثة أيام من توقيع معاهدة السلام...

داخل قاعة مُزينة بفسيفساء أندلسية، جلس عامر على الكرسي الأوسط، وإلى جانبه خولة. اجتمع حوله القادة، والمستشارون، وعدد من حكماء المدينة.

عامر (بصوتٍ واضح):
– معاهدة السلام تعني الهدنة ولكن لا تعني انتهاء الحرب. أنا آتٍ لكم من المستقبل وأخبركم أنَّ الصليبيين يريدون إسقاط غرناطة
في أيديهم كما أسقطوا بقية الأندلس من قبل، لم يبقَ أمامهم سوى غرناطة وهم يريدونها، وسيفعلون أيء شيء من أجل الحصول عليها.

---

عبد الرحمن:
– ما أولويتنا يا سيدي؟

عامر:
– أولًا: إعداد جيش هجوميِّ ودفاعيِّ قويٍّ وتصنيع الأسلحة الحديثة مثل المدافع والبنادق لأن الصليبيين سيمتلكونها قريبًا وستمنحهم قوة في حصار غرناطة وربما إسقاطها إن لم نمتلك أسلحة توازي أسلحتهم..
وثانيًا إعادة بناء ما تهدّم، وتحصين الأسوار، وإعالة أهل الشهداء من خزينة المملكة. خصصوا لهم أجرًا شهريًا يليق بهم.

موسى:
– والناس؟ لقد عانوا الجوع والخوف منذ عدة أيام، وبعض الأسواق لم تعد تعمل.

عامر:
– هذه لك يا موسى، يجب أن تذهب وتطمئن على إعادة كل الأسواق والأعمال إلى العمل.

خولة:
– وماذا عن التعليم؟ إننا بحاجة إلى علماء لا سيوف فقط.

عامر:
– سنفتح أبواب المساجد للتعليم، ونعيد فتح دار الحكمة، ويبدأ العلماء بتعليم الأطفال والنساء والرجال.

حازم (مبتسمًا):
– وماذا عن "فرقة الظلام"؟ هل سنبقيها؟

عامر:
– نعم، مازال أمامنا مهمة لكشف الخونة والتحقيق في جرائم الاغتيال التي حدثت، ستعاوننا في التحقيق، وستعمل على حماية التجار، وتأمين الطرق، ورصد أي تهديد داخلي أو خارجي.

عبد الرحمن:
– وبالنسبة للتجارة ؟

عامر:
– سنُحيي طرق القوافل، ونُعيد الشراكة مع تجّار المغرب ومصر والشرق، ونفتح أسواقًا مفتوحة كل يوم جمعة، ليعود النبض لقلب المدينة. ومن يتجرأ على الاقتراب من قوافلنا سأقطع يده.

خولة (وهي تمسك بيده):
– وهل سنكتفي بالدفاع؟ أم أن لدينا أحلامًا أكبر؟

عامر (بهدوء وثقة):
– لدينا حلمٌ اسمه "نهضة الأندلس"... سنبدأ من غرناطة، وسنُوصل الرسالة لكل مدينة نامت تحت رماد الخوف. نحن جيل لا يعرف الهزيمة، بل سيصنع التاريخ.

وقف عامر، فوقف الجميع من بعده.

عامر (يرفع صوته):
– من هذه القاعة... نعلن بداية فجرٍ جديد. فجرٍ لنهضة الأندلس بالسيف والعلم والعمل.

الجميع بصوتٍ واحد:
– الله أكبر!… الله أكبر!... يعيش سراج الدين.

---

وفي المساء....

كان الليل قد حلّ على غرناطة، والسكون يغشى الأرجاء بعد أيامٍ شاقة وحربٍ طاحنة. في غرفةٍ هادئة داخل القصر، جلست خولة على طرف السرير، تفكّ ضفائر شعرها أمام مرآتها، بينما عامر كان يقف عند النافذة يتأمل الأفق.

خولة (وهي تنظر إليه من خلال المرآة):
– لمَ أرَاك لا تبتسم، هل هناك ما يُقلقك؟

عامر (يُتمدد بكسل):
– بل أنا مرتاحٌ أكثر من أي وقت مضى... لكنني أفكر فيما بعد.

خولة (تجلس إلى جواره):
– وماذا بعد؟ لقد انتهت الحرب، ووقّعنا السلام، والناس بدأت تبني من جديد... بماذا تفكر إذًا؟

عامر (ينظر إليها مطولًا):
– بقي شيءٌ واحد... أن نأخذ نفسًا طويلًا، وأن نعيش قليلًا لأنفسنا، بعد أن عشنا كثيرًا للناس.

خولة (وهي تميل برأسها نحوه):
– أهذا يعني أننا سنهرب من كل هذا لبعض الوقت؟

عامر (يضحك بهدوء):
– لا نسميه هربًا... بل رحلة. وعلينا أن نستعد لها.

خولة (بفضول طفولي):
– رحلة؟! إلى أين؟ إلى الجبال؟ أم البحر؟ أم إحدى المدن الأندلسية؟

عامر (وهو ينهض ويقف أمام النافذة، ثم يلتفت إليها مبتسمًا):
– إلى القاهرة...

خولة (وهي تتفاجأ):
– القاهرة؟!.....

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...