في وادٍ ضيق تحيطه جبال "سيرّو دي غادور"، كان عامر قد نصب معسكره الجديد.
الخيام متناثرة، والرجال منهكون، وجراحهم تعكس قسوة الليلة السابقة.
أصوات دق المسامير في ألواح الخشب تُسمع من بعيد، حيث تُصنع عربات جديدة لنقل المدافع.
جلس عامر على صخرة مرتفعة يطل منها على الوادي، وأمامه خريطة خشنة رسمها داهية الخرائط والذي يحفظ كل شبر في الأندلس نور الدين بن غالب، تظهر ممرات الجبال، والطرق المؤدية إلى ألمرية من الغرب والجنوب.
قال أيوب وهو يشير إلى نقطة على الخريطة:
"لو هاجمنا من هنا، يمكننا أن نضرب قوافل الإمداد قبل أن تصل إلى فرديناند."
ابتسم عامر ابتسامة حادة:
"سنضربه في قلبه… لكن أولًا، نحتاج إلى إعادة بناء قوتنا."
---
في المعسكر، كان الحدادون يعملون بلا توقف لصنع رؤوس السهام والطلقات الحديدية للبنادق البدائية.
المجانيق تُركب على قواعد خشبية جديدة، والمدافع التي نجت من سقوط ألمرية تُعاد صيانتها.
وقف عامر وسط الحرفيين والجنود، وقال بصوت حازم:
"لا نملك رفاهية الانتظار… كل يوم يمر، فرديناند يزداد قوة."
---
وصلت إلى المعسكر قافلة صغيرة من غرناطة، تحمل طعامًا وذخائر وبعض المتطوعين.
لكن الرسائل التي جلبوها حملت أنباء مقلقة:
"فرديناند يحشد جيشًا جديدًا في ألمرية، ويستدعي فرسان قشتالة وأرغون."
أخذ عامر الرسالة، قرأها بهدوء، ثم قال:
"إذن هو قادم إليّ… حسنًا، سأكون في انتظاره عند الممرات، حيث لا تنفعه كثرة جيشه."
---
جمع عامر قادته حول نار المعسكر في الليل، وألقى كلماته:
"قد خسرنا ألمرية، لكن الجبال حليفتنا، والأرض تعرف خطانا. سنجعلهم يندمون على دخول هذه الديار… أقسم أن راياتنا سترفرف فوق أسوارهم مرة أخرى."
رفع الرجال سيوفهم، ورددوا بصوت واحد:
> "الله أكبر!"
---
في صباحٍ بارد، خرجت جيوش فرديناند من بوابة ألمرية الشرقية، يمتدّ صفها كالثعبان الحديدي عبر الطرق الضيقة المؤدية إلى ممرات "لاس ألبوخاراس".
الرايات القشتالية والأرغونية ترفرف في الهواء، وأصوات الطبول تدوي بين الجبال.
كان فرديناند على ظهر جواده الأبيض، يحدّق في الممرات الوعرة، ويقول لقادته:
"سنمزق هذا الثعلب الذي يختبئ بين الصخور… وسأجره أسيرًا إلى طليطلة!"
---
من أعالي المنحدرات، كان جنود عامر يراقبون التحركات بصمت.
الريح تعصف بأرديتهم، والثلج الخفيف يلمع على قمم الجبال.
أحد الكشافة أسرع نحو عامر قائلًا:
"سيدي… جيوش فرديناند دخلت الممر، ومعهم العربات الثقيلة والمدافع."
ابتسم عامر وقال:
"جيد… سنغلق عليهم الممر."
---
حين وصل طليعة جيش فرديناند إلى أضيق نقطة في الممر، دوى صوت البوق من قمة الجبل.
وفي لحظة، انطلقت أولى قذائف المدافع من مواقع عامر المخفية خلف الصخور، تتبعها حجارة المجانيق الكبيرة.
انهمرت الصخور من أعالي المنحدرات، فأغلقت الطريق خلف الطليعة، بينما فتحت البنادق البدائية نيرانها من الجانبين.
الصرخات ارتفعت، وعربات الإمداد احترقت، والخيول فزعت فتدافعت نحو المنحدرات.
---
حاول فرديناند تنظيم صفوفه وسط الفوضى، لكن الممر الضيق لم يسمح بالمناورة.
تقدمت مجموعة من فرسانه لاختراق خطوط عامر، لكنهم وقعوا في فخ آخر، إذ فجّر جنود عامر براميل البارود المخبأة بين الصخور، فتحولت الأرض إلى جحيم من النار والدخان.
صرخ فرديناند غاضبًا:
"تراجعوا إلى السهل! انسحبوا قبل أن يُدفن الجيش بأكمله هنا!"
---
مع حلول المساء، كان الممر يعج بجثث الجنود والخيول، وعامر يقف على قمة صخرة، يراقب انسحاب جيوش فرديناند نحو ألمرية.
اقترب منه حازم وهو يضحك ثم قال:
> "لقد هربوا … وكأنهم لم يأتوا!"
ابتسم عامر وقال:
"الهروب هذه المرة لا يعني النجاة… سيعود، وحين يعود، يجب أن ننتظره بقوة أكبر."
---
عاد فرديناند إلى ألمرية مع حلول الفجر، وجهه متجهم، والجنود المنهكون يسيرون خلفه بأقدام ثقيلة.
شوارع المدينة كانت صامتة إلا من وقع حوافر الخيل وصرير العربات المحطمة.
في قصر الحاكم، اجتمع القادة حول طاولة كبيرة تتوسطها خريطة الأندلس.
قال القائد الأرغوني دون رودريغو:
"لقد نصب لنا كمينًا بارعًا… خسائرنا فادحة، والمدافع التي جلبناها من قادس لم تعد إلا حطامًا."
ردّ فرديناند بحدة:
"ذلك الثعلب لن ينجو طويلًا… سنجمع جيوش قشتالة وأرغون ونافارا، ونحشد أسطولنا البحري من ميناء قرطاجنة.
سنسحقه بين البر والبحر!"
---
في المعسكر الجبلي قرب بيرخا، كان عامر يعقد اجتماعًا مع حازم وقادة الفرسان.
انتشرت أمامهم خريطة تُظهر الساحل من ألمرية حتى أليكانتي.
قال عامر وهو يشير بيده:
"فرديناند لن يهدأ… سيحشد أسطولًا ويهاجم حصن مالقة من البحر."
---
بدأت الاستعدادات على الفور:
نقل المدافع الثقيلة التي استولى عليها عامر من الممر إلى مواقع ساحلية.
إصلاح السفن الصغيرة التي حصلوا عليها، وتدعيمها بصفائح خشبية لمقاومة النيران.
تدريب الجنود على استخدام البنادق في قتال السفن.
كانت أصوات الطرق على الأخشاب وصرير العجلات تملأ الوادي، ورائحة البارود تتسلل مع الريح.
---
في تلك الليلة، تسلل جاسوس من ألمرية إلى معسكر عامر، يراقب التحركات ويحصي عدد المدافع.
لكن حازم كان له بالمرصاد، فأمسك به قبل أن يغادر.
قال الجاسوس تحت التعذيب:
"الأسطول الملكي سيصل من قرطاجنة بعد ثلاثة أيام… مائة وتسعون سفينة حربية، وثلاثون ألف مقاتل."
ابتسم عامر ابتسامة باردة وقال:
"إذن…سنجعل البحر بأمر الله يشتعل."
---
كان الفجر قد بدأ يلوّن الأفق عندما ظهر خط أسود في البحر البعيد.
شيئًا فشيئًا، اتضحت ملامح الأسطول القشتالي–الأرغوني؛ مائة وتسعون سفينة ذات صواري شامخة، تتوسطها سفينة القيادة المذهّبة التي يعلوها لواء الملك فرديناند.
ارتجّ الساحل تحت وقع طبول الحرب ونفخ الأبواق البحرية.
على اليابسة، كان عامر يقف عند المدفع الكبير الذي نصب فوق التلة الصخرية المشرفة على الميناء.
قال بصوت حازم:
"انتظروا حتى يدخلوا المدى… لا تطلقوا قبل أن تسمعوا صوت الأمواج وهي ترتطم بالصخور."
دوت أولى الطلقات من المدافع الإسلامية، فارتفع عمود من الماء بجوار إحدى السفن، لكن سرعان ما ردّت السفن الأوروبية بوابل من القذائف الحجرية والنارية، حتى بدا البحر نفسه كأنه يشتعل.
---
استمر القصف ساعات، والموج يدفع الحطام نحو الشاطئ.
كانت البنادق البدائية في يد المشاة المسلمين بطيئة في إعادة التلقيم، بينما تفوقت المدافع البحرية الأوروبية في المدى والقوة.
اخترقت إحدى القذائف مخزن البارود في الحصن الساحلي، فانفجر انفجارًا هائلًا ألقى بالجنود في الهواء.
صرخ حازم:
"علينا الانسحاب، الحصن لم يعد قادرًا على الصمود!"
أومأ عامر بوجه متجهم، وأصدر أوامر بالتراجع المنظم نحو الجبال، تاركًا الميناء تحت سيطرة العدو.
---
مع غروب الشمس، كان علم قشتالة يرفرف فوق أسوار ميناء مالقة.
وقف فرديناند على ظهر سفينته، ينظر إلى المدينة التي استعادت جيوشه السيطرة عليها.
قال لقادته:
> "لقد كسرت شوكته على البحر… لكنه سيعود، وأريد أن أكون مستعدًا عندما يفعل."
في الجبال البعيدة، كان عامر يراقب الأفق المشتعل، وعيناه تتوعدان:
"هذه الجولة لك… لكن الحرب لم تنتهِ."
---
في أعالي جبال ألبوخارا، كان الضباب يلتف حول الصخور كأنه عباءة تخفي كل حركة.
عامر، ومعه حازم وعصبة من الفرسان والرماة، انتشروا في الممرات الضيقة المؤدية من الساحل إلى الداخل.
قال عامر وهو يرسم خريطة على التراب:
"هذه طرق إمدادهم… هنا تمر قوافل الطعام والبارود من الميناء إلى معسكراتهم، سنجعل كل شبر من هذه الممرات مقبرة لهم."
---
مع منتصف الليل، تسللت فرقة من رجاله إلى طريق وعر بين جبلين.
أخفوا أنفسهم بين الصخور، وانتظروا حتى اقتربت القافلة القشتالية المحملة بالحبوب والذخيرة.
عندما وصلت إلى أضيق الممرات، دوّت صيحة عامر:
"الله أكبر!"
انهالت الصخور من أعالي المنحدرات، وتبعها وابل من السهام والطلقات النارية من البنادق البدائية.
سقط الجنود واحدًا تلو الآخر، واحترقت عربات المؤن، تاركة لهبًا يضيء سماء الليل.
---
في معسكره قرب ألمرية، استقبل فرديناند أنباء الهجوم بوجه متجهم.
قال أحد قادته:
"يا مولاي، قوافلنا تتعرض للكمائن كل يوم، ولا نستطيع إيصال المؤن بأمان."
رد فرديناند بحدة:
"إنه لا يقاتل الآن كجيش، بل كأشباح… سأدفعه إلى الميدان المفتوح حيث لا يستطيع الاختباء."
---
بعد أسبوع من الكمائن المتتالية، وصلت رسالة إلى خيمة فرديناند، مختومة بخاتم سراج الدين.
فتحت الرسالة، فإذا بها سطور قليلة:
"أنتم على أرضنا… والجبال لنا، والممرات لنا، والليل لنا. إن أردتم الحرب، فستكون على طريقتنا."
---
تسللت أشعة الفجر فوق تلال وادي أندرَكس، حيث اصطف جيش فرديناند في تشكيلات متراصة: فرسان مدججون بالدروع في المقدمة، يتبعهم المشاة وحملة الرماح، وخلفهم المدافع الميدانية.
أما عامر، فلم يكن يملك سوى عشرة آلاف مقاتل، بينهم ثلاثمائة فارس والبقية من الرماة وحملة البنادق البدائية، ومعهم ثلاثون من المجانيق الكبيرة وعدد من المدافع الصغيرة أُصلحوا على عجل.
وقف حازم بجوار عامر على تل صغير يطل على الوادي، وقال بقلق:
" هم أضعافنا "
ابتسم عامر وهو يشير إلى الوادي الضيق:
> "ليسوا أقوياء كما تظن… بل نحن من نختار أين يقاتلون."
---
1-
إيهام بالانسحاب: قسم عامر جيشه إلى ثلاث فرق، جعل فرقة صغيرة تظهر في المقدمة ثم تتراجع ببطء، لتغري فرسان العدو بالمطاردة.
2-
كمين الجانبين: وضع الرماة وأصحاب البنادق البدائية في جانبي الوادي، مخفيين خلف الصخور والأشجار.
3-
إغلاق المؤخرة: أرسل فرقة من عشرين فارسًا للالتفاف خلف جيش فرديناند وضرب مؤخرته بعد بدء الاشتباك.
4-
النيران المتقاطعة: استغلال ضيق الوادي لجعل المدفعين والمجانيق يقصفان الصفوف الأمامية في نقطة محددة.
---
مع أول ضربة طبل، تقدمت مقدمة جيش فرديناند بسرعة، ظنًا منهم أن المسلمين يتقهقرون.
تعالت صيحاتهم، وانحدر الفرسان في اندفاع جنوني داخل الممر الضيق.
في اللحظة التي بلغوا فيها أوسط الوادي، دوى صوت صافرة عامر، لتنهمر الأسهم والطلقات من الجانبين، وتنفجر قذائف المجانيق وسطهم.
تراجع العدو في فوضى، لكن مؤخرة جيشه كانت قد أُغلقت بفرسان عامر الذين هاجموا من الخلف، فأصبح الصليبيون محاصرين بين النيران والصخور.
---
رأى فرديناند أن فرسانه يتساقطون كأوراق الخريف، فأمر بدفع المشاة للأمام لكسر الحصار.
لكن الأرض الطينية المبللة بمياه الوادي جعلت خطواتهم بطيئة، وسرعان ما وجدوا أنفسهم هدفًا سهلًا للرماة.
تقدم عامر بنفسه إلى الصفوف الأمامية، ممتطيًا جواده الأسود، وصاح:
"اثبتوا! إنهم يتساقطون… اثبتوا!"
اندفع رجاله بهجوم خاطف، اخترقوا الصفوف المترنحة، ورفعوا رايات النصر فوق أكوام الدروع المحطمة.
---
مع غروب الشمس، انسحب فرديناند تاركًا خلفه أكثر من ربع جيشه بين قتيل وجريح، وترك المدافع والمؤن غنيمة لعامر. وترك حصن ألمرية وحصن مالقة وعاد بجنوده إلى إشبيلية.
وقف عبد الرحمن على جرف يطل على ساحة القتال وقال مبهورًا:
"كأنهم جاؤوا بعددهم ليُهلكوا أنفسهم… لم أرَ مثل هذا اليوم."
ابتسم عامر وأجاب:
> " بفضل الله ننتصر وبفضله سنكمل الطريق إلى ما يشاء ربنا."
---
أمر عامر فورًا بجمع الأسلحة التي غنمها، وإصلاح المدافع الكبيرة لنقلها إلى حصون كبرى مثل حصن ألكازابا في ألمرية وحصون جبل المنكَرون وموريرا.
بدأ بتنظيم صفوف جيشه، وتوزيع الرجال على نقاط الحراسة والمراقبة، وأرسل فرسانه لاستطلاع تحركات العدو، بينما شرع المهندسون في بناء متاريس وأبراج مراقبة إضافية.
وقف عامر أمام الخريطة الجديدة، وختم خطابه لرجاله قائلًا:
> "اليوم علمناهم درسًا قاسيًا… وغدًا سنحطم على رؤوسهم كل أبواب الأندلس."
---
وبعد عودة عامر إلى ألمرية
لم يهدأ فرديناند فارتفعت بعد خمسة أيام صيحات القتال قرب سهل تابيرناس، حيث احتشدت قوات فرديناند في صفوف متراصة، تلمع دروعهم تحت شمس الأندلس الحارقة، وتعلو فوق رؤوسهم رايات الصليب الحمراء. كان جيشهم أضعاف جيش عامر، مدعومًا بفرسان قشتالة وأراجون، ومُزوَّدًا بالمقاليع الثقيلة والمدافع الحديثة.
لكن عامر لم ينتظرهم في مواجهة مباشرة، بل قسم جيشه إلى ثلاث كتائب صغيرة، وأمر كل كتيبة أن تتحرك في أوقات مختلفة عبر الوديان والتلال المحيطة، مُستفيدًا من التضاريس التي يعرفها عن ظهر قلب. ونصب الرماة الكمائن في الممرات الجبلية.
في فجر اليوم الرابع من الحصار، أطلق عامر الإشارة، فانهمر وابل من القذائف من المجانيق على جناح جيش فرديناند الأيسر، بينما هاجمت فرقة صغيرة بقيادة أيوب مؤخرة العدو، مستهدفة مخازن المؤن. في لحظات، تصاعد الدخان الأسود من عربات الإمداد، وبدأ الاضطراب يدب في صفوف الصليبيين.
وفي قلب السهل، أمر عامر بإطلاق مدافعه البدائية، التي كانت قليلة العدد لكنها دقيقة في إصابة تجمعات الفرسان. ثم انقض بخيالة مختارة، اخترقت الخطوط الأمامية للعدو، قبل أن تنسحب فجأة نحو الممرات، جاذبة خلفها كتائب من فرسان قشتالة إلى كمين مُحكم، حيث أمطرتهم الأسهم من الجانبين.
لم يكد المساء يحل حتى كان جيش فرديناند قد فقد نصف قوته، ومع حلول الليل انسحب ما تبقى منه في فوضى، تاركًا وراءه مدافعه وبعض راياته.
وقف عامر على ربوة تطل على ساحة القتال، يراقب انسحاب العدو، ثم قال لرجاله:
– "اليوم انتصرنا، لكن الحرب لم تنتهِ… علينا أن نحصّن ما فتحناه، قبل أن يعودوا مرة أخرى."
في الأيام التالية، أشرف بنفسه على إعادة تنظيم الجيش، وأمر بصيانة المدافع والمجانيق، وتوزيع البنادق على الرماة، كما عزز تحصينات الحصون الكبرى مثل قلعة الحمراء وحصن ألمرية، وأقام أبراج مراقبة جديدة على التلال المطلة على طرق الإمداد.
كانت الخطة واضحة: تأمين كل معبر وكل حصن، حتى لو عاد فرديناند بكل جيوش قشتالة وأراجون، فلن يجد إلا أسوارًا منيعة وجيشًا مستعدًا.
---
بعد أيام قليلة من الانتصار، اجتمع عامر بقادة جيشه في قاعة حجرية داخل قلعة ألمرية، وكانت الخرائط المفروشة على الطاولة تتصل بخيوط وحجارة صغيرة تحدد الممرات الجبلية، القرى، والحصون.
أشار عامر إلى الخط الساحلي قائلاً:
– "إن أرادوا أن يعودوا، فلن يكون لهم سوى البحر، والبحر لنا إذا أحكمنا السواحل. سنبني خطًا من التحصينات يمتد من حصن ألمرية إلى قلعة فيليز-بلانكو، ومنها إلى جبال البشرات، حتى يصل إلى غرناطة."
بدأ العمل فورًا:
أمر المهندسين بتقوية أبراج المراقبة على طول الطريق الساحلي، مع تجهيزها بمدافع صغيرة لضرب السفن التي تقترب.
في الجبال، شُيّدت متاريس حجرية وأفخاخ طبيعية عند الممرات الضيقة، بحيث يمكن لفصائل صغيرة أن توقف جيشًا كاملًا.
في الحصون، زُودت المخازن بالحبوب والزيت والملح تكفي لأشهر حصار، مع حفر آبار ماء داخلية لتأمين الشرب.
في قلعة ألمرية، خُصصت ورش لإصلاح المدافع وصناعة كرات الحديد، وأخرى لصيانة البنادق وتدريب الرماة على إصابة الأهداف من مسافات مختلفة. كما أمر عامر بإنشاء مستودعات سرية تحت الأرض، لا يعرف أماكنها إلا قلة من القادة، تُخزن فيها الذخيرة والمؤن تحسبًا لأي حصار طويل.
وكانت فكرته الأذكى هي نظام الإشارة بالنيران والدخان: أبراج موزعة على مسافات محددة، بحيث تُنقل الأخبار والتحذيرات من ألمرية إلى غرناطة في أقل من ساعة.
وخلال هذا العمل، لم يكن عامر غافلًا عن العدو؛ فقد أرسل عيونه وجواسيسه إلى قشتالة لمعرفة تحركات فرديناند. وكانت التقارير تصل تباعًا: الملك يعد جيشًا جديدًا، لكن معنويات جنوده منهارة بعد الهزيمة.
وقف عامر في شرفة القلعة ذات صباح، يراقب صفوف البنائين وهم يعملون، وصوت الطرق على الحجارة يمتزج مع نداءات القادة، ثم قال في نفسه:
– "حين يعودون… لن يجدوا سوى جدار لا يُخترق."
---
مع اكتمال شبكة التحصينات من ألمرية حتى غرناطة، بدأ جيش فرديناند يتحرك من قشتالة، هذه المرة بثقل أكبر وعدد أكثر، مدججين بمدافع ضخمة، وعشرات السفن الحربية تواكب الجيش على الساحل. كانت نية الملك الإسباني أن يسحق جيش غرناطة بضربة واحدة.
لكن عامر لم ينتظر أن يطرقوا أبوابه.
فور وصول الأخبار من أبراج الإشارة، تحركت وحدات الخيالة إلى الممرات الجبلية، وقُطعت طرق الإمداد المؤدية إلى جيش فرديناند، فيما أُشعلت النيران في مخازن العدو القريبة من الساحل بفضل غارة ليلية نفذها رجال عامر من البحر.
وعند محاولة الجيش الصليبي التقدم عبر مضيق فيليز-بلانكو، وجد نفسه بين المتاريس الحجرية التي بناها عامر، وانهالت عليهم نيران البنادق والمدافع الصغيرة من أبراج الجبال، فتوقفت مقدمة الجيش بالكامل، بينما أغارت فرقة أخرى من الخلف، فعم الارتباك صفوفهم.
استمرت المعركة ثلاثة أيام، وفي اليوم الثالث أمر عامر بهجوم شامل على كل الجبهات، مستخدمًا ممرًا سريًا تحت الجبال أتاح لقوة كبيرة الظهور خلف خطوط العدو، ليجد الصليبيون أنفسهم محاصرين بين نارين. انتهت المعركة بانسحاب فرديناند نفسه على متن سفينة حربية، تاركًا مئات القتلى والجرحى وأسلحة كثيرة غنمها المسلمون.
وبعد أيام، وصلت إلى قلعة ألمرية رسالة مختومة بالشمع الأحمر من فرديناند، يعرض فيها هدنة ومعاهدة، معللاً طلبه بالرغبة في وقف نزيف الدماء، ومتظاهرًا بالرغبة في السلام.
فتح عامر الرسالة أمام قادته، ثم ابتسم ابتسامة هادئة، وأخذ يكتب الرد بخطٍ واضح، جاء فيه:
> بسم الله الرحمن الرحيم
من العبد الفقير إلى عفو ربه سراج الدين، ملك غرناطة وأمير المجاهدين على ثغور الأندلس، إلى فرديناند خنزير قشتالة.
أما بعد… فالحمد لله الذي كسر جيوشكم، وأذهب سلطانكم عن هذه الأرض، وأبطل كيدكم، ورد كيدكم في نحوركم.
إنه من دخل في ديننا وصلّى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم، له ما لنا وعليه ما علينا.
فإذا جاءك كتابي هذا، فأرسل إليّ بمن في يدك من أسرى المسلمين، وضع عن أرضنا يدك، وتعهد ألّا تدخل جنديًا واحدًا إلى بلادنا، وإلا فوالذي لا إله غيره، لأبعثن إليك برجالٍ يحبون الموت كما تحبون أنتم الحياة، حتى لا يبقى لك في هذه الأرض موطئ قدم.
والسلام على من اتبع الهدى.
ثم أمر عامر بإرسال الرسالة مع أحد فرسانه المعروفين بالجرأة، وقال له:
– "لا تتركها إلا في يده، وليقرأها أمام حاشيته."
وغادر الفارس مسرعًا، فيما بدأ عامر التخطيط لتوسعة التحصينات لتشمل الموانئ الكبرى، استعدادًا لجولة جديدة.
---
في القصر المنيف في قشتالة، جلس الملك فرديناند على عرشه المرصع بالذهب والجواهر، تحيط به الخرائط التي تغطي جدران القاعة، وأمامه قادة جيشه وقد بدا الغضب مشتعلاً في عينيه. على الطاولة، وُضعت رسالة عامر، وقد فُتحت للتو، تتدلى منها خيوط الشمع الأحمر، وكلماتها كالسياط تجلد كبرياء الملك.
قرأها المختص باللغة العربية بصوتٍ مرتفع، والسكوت يخيم على القاعة:
"وإلا فوالذي لا إله غيره، لأبعثن إليكم برجالٍ يحبون الموت كما تحبون أنتم الحياة..."
شهق أحد القادة من هول التحدي، بينما قبض فرديناند على الرسالة بيده حتى تمزقت أطرافها. ثم قال بصوتٍ غليظ يقطر حقدًا:
– أيجرؤ هذا العربي على تهديدي في عقر داري؟!.
ثم نهض، وتوجه بخطوات غاضبة نحو الرسول الذي جاء حاملًا الرسالة، وكان واقفًا بثبات أمام العرش، لا يطأطئ رأسه، بل يحدق في الملك بعينين ثابتتين.
– أتعلم، أيها الكلب، أن رسالتك هذه إعلان حربٍ لن تنطفئ نارها؟.
ثم أشار لحراسه، فأمسكوا بالرسول، وأخرجوه من القاعة، حيث سُمعت بعدها صيحات ألم، وصوت السيوف وهي تُسحب.
بعد ساعات، وبينما كان جيش عامر يعسكر على مشارف الأراضي القريبة من ألمرية، اقترب فارسٌ مسرعًا من أسوار المعسكر، يجر خلفه حصانًا آخر، وعليه جثة الرسول، مقطوعة الرأس، وكتفه الأيمن يحمل طعنة نافذة، وعلى صدره عُلقت الرسالة نفسها، وقد غُمست في الدم.
وقف عامر أمام المشهد، وصدره يعلو وينخفض من الغضب، وأمسك الرسالة الملطخة بالدم، ثم قال بصوتٍ يسمعه جيشه بأكمله:
– والله، لن تكون دماء رسولنا هدرًا... وليعلم فرديناند أني قادم إليه بجيشٍ لا يرحم، حتى لو كنا قلة.
---
أمر عامر قادة الكتائب بالاجتماع في خيمة القيادة على الفور. اجتمع القادة حول الطاولة الكبيرة التي تتوسطها خريطة مفصلة للمنطقة، وعامر واقف يشرح بخطوط الفحم تحركات العدو، ومواقع ضعفه.
– اسمعوني جيدًا… نحن استنزفنا بعض قوة فرديناند ولكنه لا زال يملك جيشًا يفوقنا عددًا بأضعاف، وأسلحة أفضل وأكثر، لكننا نملك الأرض… نحن أبناء هذه الجبال، وهذه الوديان، وهذه الطرق الضيقة التي لا يعرفها الصليبيون. سنضربهم من حيث لا يتوقعون، وسنقطع إمداداتهم قبل أن تقترب مدافعهم من أسوار حصوننا.
---
وفي صباح اليوم التالي جمع عامر قادته وقال:
– بالأمس لقناهم درسًا، لكن المعركة الكبرى لم تأتِ بعد. سنعيد تنظيم الجيش فورًا، نصلح ما تلف من أسلحتنا، ونبني الحصون الكبرى على حدودنا. أريد تحصينات تجعل غرناطة عصية على كل جيش، مهما كان عدده أو سلاحه.
وأمر ببدء العمل في إعادة بناء الأسوار، وتعزيز الأبراج بالمجانيق والمدافع، وحفر الخنادق حول البوابات الرئيسية، مع إنشاء أنفاق سرية تصل بين القصر وبعض المواقع خارج الأسوار، لتكون طرق إمداد وقت الحصار.
---
وبعد يومين من المناوشات البسيطة بين الجيشين
جلس عامر بين قادته، والسيوف المغبرة ما تزال بجانبهم من أثر معارك النهار. الوجوه متعبة، والصدور تئن من ثقل الحرب، ولكن العزيمة في أعينهم لم تخمد.
قال أحد القادة:
– يا سيدي، لِمَ لا نُكمل القتال؟ ما دام الصليبيون يترنحون تحت ضرباتنا، فلنضغط حتى ينكسروا تمامًا!
فأجابه عامر:
– جيشنا يا رجال، أقلُّ عدة وعدد. ولو ظللنا على هذه الحال، سنُستنزَف. ولسنا في موقع نعود منه إلى الصفر، بل في طريق اللاعودة ونحن لا نريد العودة. ولكن، إما أن نحسن التدبير، أو أن نقضي على أنفسنا بأيدينا.
ساد الصمت. ثم انحنى أحد قادته وقال:
– فما الحل إذن؟
ابتسم عامر ابتسامة ماكرة وقال:
– الحل أن نجبرهم على طلب الهدنة بشروطنا، لا أن نطلبها نحن. نُري فرديناند أننا قادرون على أن نبلغ قلبه نفسه… ولكن ليس بالسيوف وحدها. بل بالعقل والدهاء.
ثم أردف:
– سنرسل رجالنا المدربين، خيرة جواسيسنا، إلى قلب معسكرهم ليأسروا أخطر قائد لديهم… "دييغو دي لوس ريوس"، ذراع فرديناند اليمنى في الحرب.
ارتفعت الهمهمات بين القادة، لكنهم انحنوا إجلالًا حين رأوا الثقة في عيني عامر.
---
في الليلة التالية، تسللت مجموعة من فرسان عامر إلى معسكر الصليبيين، وقد تنكروا بملابس جنود صليبيين أخذوها من بعض الأسرى في سجون عامر، وتسللوا بين الخيام كالأشباح. انقضّوا كالصاعقة على خيمة القائد دييغو، فكمموا فمه وربطوه بالأغلال، وقتلوا من حاول اعتراضهم، ثم انسحبوا به في سرعة كأنهم شقوا الأرض شقًّا.
وحين دخلوا به على عامر، اجتمع الناس، وارتفعت صيحات التكبير والتهليل. وقف عامر أمام جنوده وقال بصوت يسمعه كل من في الساحة:
– هذه يدي بلغت قائد جيشهم، فأين تظنون أنها ستبلغ غدًا؟!.
ثم كتب رسالة إلى فرديناند، يتهكم فيها:
"بلغتك يدي، أيها الملك، فأمسكت بذراعك اليمنى. وغدًا قد تبلغ عنقك. فليعلم ملك الصليبيين أنه أصبح للمسلمين أنيابًا."
---
في معسكر الصليبيين، جلس فرديناند على عرشه، والعرق يتصبب من جبينه. ناوله الرسول رسالة عامر، فأمر رجله الذي يفهم العربية أن يقرأها له، وما إن قرأها حتى ضرب فرديناند الأرض بسيفه وهو يصيح:
– اللعنة على سراج الدين! لقد اجتاح أراضينا، وأسقط حصوننا، وأسر رجالي! والله لا أستبعد أن أراه غدًا واقفًا على عنقي!.
ارتجف القادة من حوله، فصاح فيهم:
– أريد هدنة… نعم، هدنة! ولكن بثمن إطلاق سراح القائد دييغو.
---
وصلت الرسالة إلى عامر. قرأها بابتسامة ساخرة وقال:
– قبلت الهدنة… ولكن بشروطي، لا بشروطه.
فكتب إلى فرديناند:
"سأطلق قائدك، إن أطلقتَ أسرانا رجالًا ونساءً وأطفالًا. وألزمتَ نفسك ألا تضطهدوا مسلمًا في أرضكم، وأن يُرفع الأذان وتُقام الشعائر بحرية في كل مدينة تحت سلطانك. وأن تؤدوا إلينا جزيةً قدرها ثلاثمائة ألف دينار عند مطلع كل هلال. وأخيرًا… أن تُعيدوا إلينا خولة، حيةً مع بقية الأسرى."
---
اضطر فرديناند إلى أن يبتلع مرارة الهزيمة، فوافق على الشروط، ودفع الجزية، وأطلق الأسرى. وعاد المسلمون إلى غرناطة مرفوعي الرأس، بينما جلس عامر في قصره يتأمل جيشه قائلاً:
– هذه الهدنة ليست ضعفًا… بل هي سيف نُعيد صقله، فإذا انتهت، كان برقًا يلمع وصاعقة تضرب.
ارتفعت صيحات التكبير في أرجاء غرناطة، وتنفست المدينة الصعداء. أمّا عامر، فقد جلس وحيدًا في الليل، ينظر إلى القمر، ويهمس:
– هدنة اليوم هي بداية الغد. وغدنا… هو النصر.
---
استيقظ عامر في صباح اليوم التالي بعد الانتصار الكبير وتوقيع الهدنة طويلة الأمد والتي اتفقا على أن تكون ثلاثة أعوام لا قتال فيها..
وفي نفس الوقت خرجت سارة من غرناطة وهي تطل على صهوة جوادها الأبيض، وعلى يدها الصغير طلحة ويحيطها الحرس من كل مكان، يزدان وجهها بابتسامة لم يعرفها عامر من قبل، كأنها ابتسامة فخر واعتزاز. وما إن وصلت إلى ألمرية ووقفت أمامه حتى ترجّلت من جوادها بخفة، ومدّت يدها إليه وهي تقول بصوتٍ مرتبكٍ يغلبه الفرح:
– لقد صدقت يا عامر... الرجال باقون، وأرض الأندلس لم تَمت بعد.
رفع عامر يده إلى السماء ثم أمسك يدها بحزم، كأنما يربط بين وعدٍ ووفاء، بين دماءٍ سالت ونصرٍ تحقق. ثم قادها بجولة في الأراضي المستعادة؛ حيث خرج أهل القرى يحيّونهم بالزغاريد والدعوات، مسلمين ونصارى على السواء، يهتفون باسم سراج الدين ويباركون لفرسانها. كان عامر يتوقف عند كل بيت ليطمئن، وسارة بقلبها الرقيق تمسح على رؤوس الأطفال، وتطمئن النساء بأن الحرب ليست عليهم، بل عليهم أن يعيشوا في أمان.
وبعد أيام، قال لها عامر وهو يتأمل الأفق:
– حان الوقت لنذهب إلى القاهرة... أريدك أن تري أهلي، وتكوني بينهم، ثم نتزوج ونُعلن زواجنا هناك.
سارة وقد احمرَّ وجهها وصرخت فرحة:
ــ زواجنا!!!!!
عامر بابتسامة لطيفة:
ــ أجل زواجنا. من وليك هنا؟
سارة بصوتٍ حزين:
أنا قد صرت بلا أهل هنا، مات أبي، وكان بلا إخوة، ولم يكن لي أنا أيضًا إخوة، ولم أنجب من زوجي أبناءً، وباقي العائلة لا أعرف في أي البلاد يعيشون.
عامر:
لا تحزني، سيكون القاضي وليك وسنعلن زواجنا أمام الدنيا كلها في القاهرة.
فرحت سارة فرحًا شديدًا وذهبت تجهز أمتعتها وفي المساء سارا في طريقهما إلى بوابة عالم عامر.
ولمّا خرجت سارة من النيش وهبطت على السلم إلى شوارع القاهرة، شهقت سارة حتى غلبها الذهول، وقالت بعينين متّسعتين:
– يا الله... ما أعظمها! لقد حدثني السيد عثمان عن القاهرة كثيراً، لكنني ما تخيلت يوماً أنني سأراها بعيني، غير معقول، هذا شيء لا يصدق.
ابتسم عامر قائلاً:
– سأطوف بك شوارعها وأسواقها، لكن ليس اليوم... اليوم سنذهب إلى بيتي أولاً.
دخل عامر بيته في القاهرة، وقد وجد والداه وخالته وأخته تسنيم واستقبلوه بتلهفٍ واشتياق وبكاءٍ مضنٍ وهم يعاتبونه على طول غيابه هذه المرة.
ابتسم عامر واعتذر لهم ولاطفهم ثم قال:
– هذه خطيبتي سارة....وسأتزوجها اليوم لقد أرسلت حازم ليأتي بالمأذون.
تجمّدت اللحظة؛ إذ انطفأت ابتسامات الأهل، وخيّم جو من البرود الحزين، حتى إن تسنيم أشاحت بوجهها. أما خالته فقد اقتربت، ووضعت يدها على كتف سارة وهي تقول بلهجة قاسية:
– مبروك يا عروسة... يا ابني أمك حكتلي إنك اتجوزت وجبت مراتك المرة اللي فاتت، لحقت تتجوز تاني؟! وبعدين فين أهلها ولا مقطوعة من شجرة؟!، ومين الواد اللي على حجرها دا؟، هي جاية عليه عرض ولا اي؟، أهبل يا ابن أختي وشكلها بتلبسك ابن واحد غيرك يا عبيط!
غضب عامر وقال بصوت غاضب:
ــ خاااااالتي.
ولكن سرعان ما هدأته سارة بلطف وهي لا تفهم ما يجري..
ثم أشارت خالته باحتقار إلى طلحة، فاحمرّ وجه سارة ولم تفهم كلماتها، لكنها التفتت إلى عامر وهمست بصوتٍ مرتجف:
– لم أفهم ما قالته، لكنني رأيت يدها تُشير إليَّ وإلى طلحة... ويبدو أن وجودي بينهم غير مرغوب فيه.
أخذ عامر يدها برفق، وربت عليها قائلاً بحنان:
– لا عليكِ... خالتي امرأة طيبة لكنها منزعجة من بعض الأمور، والمهم أنّ وجودك مرغوب فيه عندي أنا.
على الجانب الآخر، كانت تسنيم تهمس إلى أمها وأبيها، وعيناها تلمعان غضباً:
– خطّافة الرجالة... سرقت أخويا من مراته وفرّقت بينهما. منها لله البعيدة، أنا حبيت خولة، أنا عايزة خولة. خولة وحشتني أوي.
مرّت اللحظات ثقيلة، لكن عامر مضى بعزيمة، فجاء المأذون وذهبوا إلى القاضي، وجعل السيد عثمان وحازم شاهدين. ولأن سارة لم يبق لها أهل ولا وليّ، تولّى القاضي الولاية عنها. وأُعلن النكاح في مجلس صغير، لكن صداه كان عميقاً في قلب سارة التي أغمضت عينيها وهي تسمع كلمات العقد، كأنها تحلم في يقظة.
وبعد أن أتمّ زواجهما، عاش عامر أسبوعًا مع عائلته وحاول تبرير ما حدث واكن لم يجب على أي سؤال يتعلق بخولة، أما تسنيم فقد هجرته لحزنها ولم تكلمه إلا عندما كان يودعهم.
عاد عامر وسارة إلى غرناطة. سارة كانت تضحك من شدة فرحها، أما عامر فمضى بخطوات ثابتة إلى قصره، يزداد يقينه أن الطريق الذي اختاره لن يكون سهلاً، وأن القادم أصعب مما مضى.
---
مرّ شهر على زواج عامر بسارة.
وذات صباح في اليوم المتفق عليه لتسليم باقي صفقة الأسرى ومن بينهم خولة. وسارة فهي ليست على علم بعودة خولة إلى غرناطة في صفقة الهدنة..
وبينما كان عامر يجلس في قاعة القصر الكبرى فإذا بباب القصر يُفتح وتدخل منه خولة، بوجهٍ شاحب وجسدٍ منهك، تحمل آثار الجلد والتعذيب على ذراعيها وظهرها. كانت خطواتها متثاقلة، وعيناها دامعتين.
وقفت أمام عامر وقالت بصوت مبحوح ممزوج بالوجع:
– "انظر… انظر إلى جسدي، هذا ما فعلوه بي طوال أربع سنوات من أجلك… كنت أُجلَد لأنّي أحببتك، وأعذَّب لأنّي لم أخنك قط."
ارتبك عامر، ونادى حرسه أن يدخلوا المعتز بالله وزوجته (أبو وأم خولة).
دخل الرجل والمرأة، فالتفت إليه عامر بعينين تقدحان شرراً وقال:
– "قل الحق الآن… من هي خولة؟"
خفض المعتز بالله رأسه ثم قال:
– "ليست ابنتي… لقد كنتُ قبل سنوات رجلًا غريبًا بديار إشبيلية، وبعد مدة التقيتُ بامرأة صليبية جميلة، أحببتها وتزوجتها… وكانت هذه الصغيرة معها، ابنتها من رجلٍ آخر."
انكبت المرأة باكية عند قدمي عامر وقالت:
– "صدّقني يا بني… كانت تخبرني بكل ما يجري… خولة لم تخنك قط، بل كانت تخدع الصليبيين وتتظاهر بخيانتك كي تحميك منهم! لقد ضحّت بنفسها في سبيلك."
ارتعش قلب عامر، فاقترب من خولة واحتضنها بشدة، وقبّل رأسها قائلاً بصوت مخنوق:
– "سامحيني يا خولة… لقد ظلمتك، والله ظلمتك."
وفي تلك اللحظة، انفتح باب القاعة فجأة، فدخلت سارة تركض، تلاحق طلحة الصغير وتضحك، وفي يدها كأس ماء لتسقيه.
لكنّها توقفت فجأة عندما وقعت عيناها على المشهد: عامر يحتضن خولة.
اهتزّت الكأس من يدها، فسقط وانسكب، وانحبست الدموع في عينيها، ثم انفجرت تبكي.
رفعت خولة رأسها من على كتف عامر، والتقت نظراتها بنظرات سارة… لحظة صاعقة أحرقت القلوب.
أمسكت سارة بسيفها، وصرخت بعنف:
– "أنتِ مرة أخرى أيتها الخائنة؟! أما كفاكِ ما صنعتِ؟ هذه المرّة سأقتلك بيدي!"
اندفعت نحوها، فارتجفت خولة، واختبأت خلف ظهر عامر.
رفعت سارة سيفها وصرخت:
– "قل لي يا سراج الدين، إن كنتَ ما زلت تحبها وتنوي إعادتها، فلماذا جعلتني لك؟!"
قال عامر متوسلاً:
– "اهدئي، اجلسي لأشرح لك الحقيقة."
لكن سارة ردّت بعينين مشتعلتين:
– "لا أريد أن أفهم شيئًا! هيا يا طلحة…"
حين سمعت خولة اسم ابنها ولم تكن قد انتبهت له، انتفض قلبها، وانطلقت نحوه كالمجنونة. احتضنته وبكت قائلة:
– "طلحة! ابني… حبيبي… كيف حالك يا قرة عيني؟"
لكن طلحة نظر إليها بخوفٍ، فمظهرها كان مرعبًا: شعرها مُشوَّش، ثيابها ممزقة، وجهها مغبرّ. تراجع عنها مرتجفًا.
مدّت يدها ترجوه:
– "أنا أمك يا صغيري… أنسيتني؟"
لكن سارة نادت عليه بلهفة:
– "تعال يا طلحة، أنا أمك! لا تصدّق هذه المرأة الشريرة… إنها تريد أن تفرّق بيننا!"
ركض إليها الصغير وأمسك ثوبها، فأخذته سارة بقوة، ونظرت إلى خولة نظرة احتقار ومضت.
سقطت خولة على الأرض باكية، وضعت رأسها بين ركبتيها، والدموع تنهمر كالسيل. جلس عامر بجانبها، يحاول مواساتها، لكنها دفعته بعنف وقالت بصوتٍ مبحوح من شدّة البكاء:
– "ابتعد عني! أنت السبب في كل ما حدث! لم تمنحني فرصة لأبرئ نفسي… عذبتني بظنونك، وكانت نظرة الشك التي رأيتها في عينك في ذلك اليوم أشد ألمًا من عذاب الصليبيين … فرّقتني عن ابني… وها أنا أُهان في عينيه! والله لا أسامحك يا سراج الدين… لا أسامحك!"
ثم نهضت، وأمسكت بيد أمها وأبيها وقالت بصوت كسير:
– "هيا بنا… لا مكان لنا هنا."
أراد عامر أن يمنعها بلطف، لكنها دفعت يده وهي تقول بصوتٍ مخيف:
– "لم أكن يومًا شريرة… لكنّي الآن سأكون."
---
وفي المساء وتحديدًا في منزل السيد عثمان..
كان السيد عثمان نائمًا، فإذا بظلّ ضخم يقترب منه، ويدٌ قويةٌ تطبق على رقبته تخنقه. فتح عينيه مرعوبًا ليجد أمامه رجلاً عملاقًا، عيناه تقدحان نارًا، وصوته كالزئير:
– "أين الكتاب أيها الوغد؟!"
ارتجف عثمان وقال متلعثمًا:
– "لا… لا أعلم… لقد سُرق مني!"
أخرج الرجل سيفًا ضخمًا وبريقه يلمع تحت ضوء القمر، ثم وضعه على عنقه وقال:
– "إن لم تخبرني بمكانه… سأقطّع جسدك قطعةً قطعة حتى تنطق أو تموت من العذاب!"
ارتعشت أوصال عثمان وقال فزعًا:
– "مع عامر! الكتاب مع عامر!"
قطّب العملاق حاجبيه وقال:
– "عامر؟ من يكون هذا؟ وأين أجده؟"
قال عثمان وهو يحاول استجماع أنفاسه:
– "هو ملك غرناطة… سآخذك إليه، لكن… انتظرني هنا حتى أبدّل ثيابي."
جلس العملاق منتظرًا، بينما اندفع عثمان خارج البيت بخفة، وأغلق الباب من الخارج بإحكام، ثم جرى كالمجنون نحو قصر عامر.
دخل وهو يلهث، وصاح:
– "يا سراج الدين! خطرٌ عظيم… أوڤاميندرا في يبتي يبحث عن الكتاب! وكاد أن يقتلني، أسرع قبل أن يحطّم كل شيء!"
أمسك عامر بسيفه، واصطحب عثمان معه. وحين وصلا إلى البيت، فتح عامر الباب بيده….
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!