الفصل 24 | من 32 فصل

رواية شِفرة أوڤاميندرا "سر العوالم السبعة" (الجزء الأول) الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم م/ مُصطَفَى النَّجَّار

المشاهدات
11
كلمة
4,433
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 75%
حجم الخط: 18

في قاعة القصر الكبرى، كانت الأبواب مفتوحة على اتساعها، غير أنّ الهواء الذي يتسلّل منها كان ثقيلاً، كأنّه محمَّل بأخبار الفقد والخيانة.
دخل عامر بخطوات بطيئة، يجرّ خلفه ظله الطويل، وعيناه غارقتان في بحرٍ من الحزن والخذلان.
كان السيف على ظهره، لكن قبضته عليه تراخت، كأنما صار حمله أفظع من حمل الهزائم نفسها.

في وسط القاعة، وقفت سارة، بثوب أبيض يلمع تحت ضوء المشاعل.
لم تكلّف نفسها حتى الابتسام؛ إذ قرأت على وجهه ما يكفي لتدرك أن شيئًا جللًا قد وقع.

اقترب منها عامر، وصوته حين انطلق كان مبحوحًا، مشقوقًا من الداخل:
- لقد واجهتُها، يا سارة... لم تستطع أن تثبت براءتها، ولم أستطع أن أصدّق ذنبها...
وبينما كانت تبكي، خرج علينا رجال بخيولهم من حيث لا أدري، وانتزعوها من بين يدي انتزاعًا...
لا أدري، أكانوا من الصليبيين وجاؤوا ليأخذوا عميلتهم بعد أن انكشف أمرها؟
أم أنني سلّمتها لقدرٍ مجهول، وهي الآن أسيرةٌ بين أنياب أخرى؟.

تقدمت سارة نحوه، ووضعت يدها على صدره، وكأنها تريد أن تربت على قلبه:
- يا سراج الدين، عد إلى رشدك... خولة لم تكن منّا يومًا، ولن تكون. بل أنت من كنت تغمض عينيك عمدًا عن خيانتها الواضحة وضوح الشمس.

هزّ رأسه ببطء، وصوت المرارة يطفح من بين شفتيه:
- لكنني أحببتها... أو ربما أحببت صورةً صنعتها من الأكاذيب التي كانت تجيدها.

قالت سارة، وقد ارتفع صوتها قليلًا وكأنها تريد أن تزلزل صمته:
- أهذا هو الحب؟ أن تفتح صدرك لسيفٍ يُغمد فيه؟!.
هي لم تحبك، بل كانت الورقة الأغلى عند الصليبيين. وحين فشلوا في قتلك بالسيف، بعثوا لك خنجرًا على هيئة امرأة.

ظل عامر صامتًا، يحدّق في الأرض.
فأردفت سارة:
- ألم تحاول قتلك أكثر من مرة؟ ألم تقتل رجالك المخلصين، وأم سراج الدين نفسها؟.

ارتجف وجه عامر لحظة، كأن الكلمات أصابت جرحًا لم يلتئم، ثم قال هامسًا:
- لم أعد أفهم شيئًا... كل شيء ينهار من حولي.

اقتربت أكثر، أمسكت بكتفيه، وأجبرته أن يلتفت إليها:
- هذا ما يريدونه، أن تظلّ تائهًا، متصدّع القلب، غريبًا عن نفسك. لكنك لست وحدك، نحن هنا... ورجالك هنا... وأنا... أنا معك.

انسحب عامر من بين يديها، وغادر القاعة دون أن يتفوه بكلمة.

---

في صباح اليوم التالي، كانت سارة تبحث عنه في أروقة القصر، حتى وجدته جالسًا في ظل شجرة التين العتيقة في الحديقة، وعقله يركض في فراغٍ لا ينتهي.

اقتربت منه وهي تحمل طلحة الصغير، وابتسامة صغيرة ترتسم على فمها محاولةً كسر صمته:
- طلحة! أيها الشقي... أتعبتني هذا الصباح، يبدو أنَّك متعبٌ مثل أبيك!

لم يتحرك عامر، ولم يلتفت.
جلست على مقعد الحجر بجانبه، وقالت بنبرة حانية:
- إلى متى ستظل هكذا، يا عامر؟ انسَ... وابدأ من جديد. لأجل من يحبك... لأجل طلحة... لأجل نفسك.

ثم وضعت يدها على صدر الصغير وقالت:
- هو يحتاجك... وأنا في مقام أمه، لا... بل أنا أمه.

وإن كان الله قد كتب عليّ العقم، لكن قلبي لم يعرف الأمومة حتى ضممته إلى صدري. أحببته كأنه قطعة مني.
ولن أخبره أبدًا أن خولة الخائنة أمه، ولن تفعل أنت أيضًا.

نظر إليها عامر وقال بصوت متعبٍ:
- سأذهب إلى القاهرة.

قالت سارة فورًا:
- سأذهب معك.

لكنّه ردّ بحزمٍ بارد:
- لا يجوز. لا تسافر المرأة مع رجل أجنبي عنها، ولا تجلس معه وحدهم، ولا تحادثه على انفراد.

أطرقت سارة لحظة، ثم رفعت رأسها وقالت:
- فهمت...

سكتت، ثم همست وكأنها تُلقي بقلبها أمامه:
- سراج الدين، أعرض عليك نفسي للزواج... للمرة الأخيرة.
أحبك، وأعدك أن أعيدك للسعادة مرة أخرى.
سأنسيك خولة، وسأنسيك الدنيا... فقط وافق، لأجلي، ولأجل طلحة.
ولكن إن بقينا هكذا، كيف أواسيك وأنا غريبة؟ كيف أمسح دموعك وأنا لا أملك حق أن ألمسك؟.
أرجوك... لا تتركني أراك تموت ببطء.

وقف عامر فجأة، ثم نظر في عينيها طويلاً، وكأنه يودّع كل شيءٍ بينهما، ثم قال ببرود حزين:
- لن أتزوج مرة أخرى.

استدار ومشى، يبتعد بخطوات تترك خلفها صمتًا خانقًا، فيما جلست سارة تبكي، وتضمّ طلحة إلى صدرها.

---

وبعد أسبوعين....
وفي ظلمة السرداب العميق، كان عامر يطالع تحركات وأخبار العدو، فإذا برسولٍ يطرق الباب طرقًا خفيفًا، ثم يسلّم بين يديه لفافة صغيرة.
ما إن فضّ عامر خيوطها حتى انكشفت أمامه ورقة ملعونة، تحمل صورة مسيئة لسيد الخلق محمد ﷺ، وخُتمت الرسالة بخطّ غليظٍ وقح:

"هذه هديتنا إليك بمناسبة ذكرى مولد محمد."

ارتعدت أنامل عامر، واحمرّ وجهه، ثم صرخ صرخةً دوّت في أرجاء السرداب، وألقى الورقة أرضًا كأنها جمرة، ورفع سيفه عاليًا، يهتف:

- بأبي أنت وأمّي يا رسول الله... واللهِ لأثأرنَّ لرسول الله!.

اندفع خارج السرداب، يطوي الأرض طيًّا، وقد اشتعلت عيناه نارًا، كأنما يريد أن يبتلع المسافة بينه وبين حصون الصليبيين. لحق به حازم، فأمسك بذراعه، وصاح:
- إلى أين تمضي؟

عامر:
- أمضي لأقطع رقابهم جميعًا!

---

ركض عبد الرحمن من خلفه، يلحق بأنفاسه، ومعه بقية القادة، حتى بلغوا عامر وأحاطوا به.
قال عبد الرحمن بهدوء:
- سنقطع رقابهم جميعًا، ولكنك إن مضيت وحدك فلن تنتقم، ولن تنتصر. ديننا ليس دين تهوّر، بل دين رويّة وحكمة. اصبر حتى نتهيأ.

لكن عامر صرخ، والدموع تختلط بوجهه، وصوته يرتجف بالغضب:
- دعوني أذهب! لقد أساؤوا إلى أشرف الخلق، واللهِ لنعل رسول الله أشرف من رقابهم جميعًا!.

أمسك الرجال به أكثر، وقالوا:
- اهدأ يا سيدي، وسنعلمهم الأدب، نعدك. لكنهم يريدونك متهوّرًا، يريدون أن تكسر المعاهدة ليأخذوا رأسك.

قال عامر بعزم:
- لقد كسروا المعاهدة بالفعل، وسأبيدهم الليلة.

تعجب القوم، وقالوا:
- لسنا جاهزين بعد، وعددهم أضعاف عددنا!، وأسلحتهم.....

فأجابهم بغضبٍ شديد:
- ثأر رسول الله ﷺ لن يبيت يومًا واحدًا!، اليوم... اليوم نثأر.

قالوا:
- فلنرسل إلى إخوتنا في بلاد الإسلام، لعلهم ينصروننا.

ابتسم عامر ابتسامةً مرة:
- وعندما أرسلنا إليهم من قبل، ماذا فعلوا؟ تركونا محاصَرين داخل أسوار غرناطة، وخيّرونا بين الهلاك أو الذل ودفع الجزية!

ثم بدأ يعدد بألمٍ ردود ملوك المسلمين، واحدًا تلو الآخر، ممن اعتذروا بحجج واهية خوفًا من الصليبيين، حتى خيم الصمت. جلس عامر على صخرة، وقال بصوت مكسور:
- كنت أعلم أنهم سيخذلوننا، لكن حسبُنَا أننا على الحق، ومولانا ربنا الحق." وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين".

ثم نهض، وجمع رجاله، وبدأ معهم إعداد خطّة لغزو الصليبيين ليلًا. راجعوا عدد المدافع والمجانيق والبنادق التي صنعوها، وحددوا ساعة الهجوم في جوف الليل، حين ينام العدو في غفلته.

وفي المساء، جمع عامر الأطفال أمام الجنود، ليبث الحماسة في قلوب المقاتلين، وعلّمهم أنشودة لمنشد من عالمه الحديث، فأنشدوا بأصوات نقية وأنشد معهم بصوته الجميل:

يا رسول الله وقدوتنا
لن ندع الغرب يدنسنا
لن نرضى أبداً ذلتنا ..
يارسول الله ..

سنحطم قيد مآسينا
وندك حصون أعادينا
ونزمجر وسط أعادينا ..
يا رسول الله ..

رجلٌ قد جمع الإحسانا
بالحكمة والصدق إزدانا
وبه ظَهر الحق وبَانا ..
برسول الله ..

لا ندري كيف تجرأتم
وتماديتم بعداوتِنا
لا نــدري كيف تطـــرقتم ..
لرسول الله ..

شُلت أيدٍ بتماديها
قد حَفرت قبراً يحويها
فيما قد رَســمت هـَـادينا ..
ورسول الله ..

وقلووووبٌ،
وقلوووووبٌ،
وقلوبٌ أبداً لا تنسى
من أصلحها فغَدت ترسا
سهما رُمحا سيفا قوسا ..
لرسول الله ..

يا غَربُ إعتبروا بماضينا
كم دُسنا رؤوس أعادينا
وسنمضي اليوم كماضينا ..
لرسول الله ..

يا غربُ سيسطعكم نورٌ
قد أشرق فوق روابينا
لن يبقى الإسلام سجينا ..
يا رسول الله..

ثم ارتقى عامر منصةً حجرية وسط الميدان، وخطب في جنوده بصوتٍ كالرعد:

- أيها الرجال الأبطال! أيها السيوف المشرعة في وجه الظلم! اليوم لا نقاتل من أجل أرضٍ أو مال، بل من أجل أعظم أمانة أرسلها الله إلى الأرض... من أجل سيّد ولد آدم ﷺ. واللهِ إن السيوف لتغار، وإن المدافع لتشتاق، لأن تضرب عنق من تجرّأ على جناب المصطفى!.

ألا فليعلم الصليبيون أن محمدًا ﷺ في قلوبنا أعزّ من أرواح وأبنائنا وأهلينا، وأننا قومٌ إذا مُسّ جناب نبيّنا لم يعرف قلبنا الصبر ولا التروّي! أيها الرجال... الليلة نثأر، الليلة نكتب بدمائنا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله!.

- الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر!

فارتجّ الميدان بالتكبير، واهتزت القلوب كأنها أسود خرجت من عرينها.

---

خطة عامر للهجوم على مواقع الصليبيين حول غرناطة

بعد أن ارتجّ الميدان بالتكبير، جمع عامر قادته في قاعة الخرائط بالقصر، وأشار بيده إلى رقعة واسعة من الأرض مرسومة أمامهم، تتوسطها غرناطة، وتحيط بها القلاع والمراكز الصليبية التي تضيق الخناق عليها.

قال عامر بصوت ثابت:
- أيها القادة، الليلة لا نخرج لقتالٍ واحد، بل لفتحٍ متتابع، هدفنا كسر الطوق الذي فرضه الصليبيون حول غرناطة. سنضربهم حيث لا يتوقعون، ثم ننتقل من حصنٍ إلى آخر حتى نصل إلى قلب أراضيهم.

ثم أشار إلى أول نقطة على الخريطة:

1. حصن إيلفيرة
- يقع على بُعد نحو 20 كيلومترًا شمال غرب غرناطة، ويُعد من أقرب التحصينات الصليبية وأكثرها تهديدًا للمدينة.
- سنبدأ بهجومٍ ليلي سريع على إيلفيرة، باستخدام فرسان القوس والنشاب، ومجموعة من فرسان الخيالة لكسر البوابة الشرقية.

2. حصن موتريل
- جنوب غرناطة، على ساحل البحر، وهو منفذ الصليبيين البحري.
- بعد إسقاط إيلفيرة، نندفع جنوبًا على محور وادي أشبيل، لنضرب موتريل ونقطع عنهم الإمدادات البحرية.

3. حصن لوشة
- غرب غرناطة، حصن صليبي متين، لكنه سيكون منهكًا إذا قطعنا اتصاله بإيلفيرة وموتريل.

4. حصن ألمونكار
- على الساحل الجنوبي الغربي، مركز بحري صليبي لتخزين المؤن.

5. حصن مالقة
- الهدف الأكبر بعد ذلك، قاعدة صليبية ضخمة، فتحها يعني تأمين الساحل الجنوبي بالكامل.

---

المعركة الأولى - حصن إيلفيرة

في منتصف الليل، انطلق فرسان غرناطة بقيادة عامر من باب البيازين، يختبئون في ظلال الليل حتى اقتربوا من أسوار إيلفيرة.
أمر عامر بإطلاق سهام النار على أبراج الحراسة، بينما تقدمت فرقة الاقتحام بقيادة حازم لتفجير البوابة بالبارود الذي أعدوها في سراديب غرناطة.
ما إن انهارت البوابة حتى دوّى التكبير، وانقضّ فرسان غرناطة كالريح العاصفة، فهرب الحراس في فوضى.

مع بزوغ الفجر، كان لواء التوحيد يرفرف فوق أسوار إيلفيرة.
وقف عامر وسط الساحة، وأمر بإقامة صلاة الفتح، ثم التفت إلى جنوده وأنشد بصوتٍ قوي نشيد عبد الله بن رواحة، مرددًا:

"والله لولا الله ما اهتدينا،
ولا صمنا ولا صلينا،
فأنزلن سكينةً علينا،
وثبّت الأقدام إن لاقينا،
والمشركون قد بغوا علينا،
إذا أرادوا فتنةً أبينا."

فردّد الجنود النشيد، وارتفعت المعنويات، وانطلقوا نحو الهدف التالي.

---

المعركة الثانية - حصن موتريل

تحرك الجيش جنوبًا بمحاذاة وادي أشبيل، وهاجم موتريل قبل غروب الشمس بعد يومين من فتح إيلفيرة.
استخدم عامر المجانيق لضرب الأبراج البحرية، فيما تسللت فرقة عبد الرحمن من الجهة الشرقية للحصن حيث الحراسة ضعيفة.
بعد ساعات من القتال، سيطر الغرناطيون على الميناء، وقطعوا أي إمداد بحري للصليبيين.

في ميناء موتريل، اجتمع الجنود على الرمال وأقاموا صلاة الفتح، ثم أنشدوا نشيد عبد الله بن رواحة مجددًا، يتقدمهم عامر.

---

المعركة الثالثة - حصن لوشة

كان الطريق إلى لوشة صعبًا، لكن أخبار سقوط إيلفيرة وموتريل بثت الرعب في حامية الحصن.
عامر أمر بهجومٍ من ثلاث جهات، مع ترك الجهة الغربية مفتوحة عمدًا لإيهامهم بإمكانية الفرار، فما إن خرجوا هاربين حتى وقعت فرقة فرسان أيوب (الذي كان يقود مجموعة إمداد خلفية) عليهم وأبادهم.

تم فتح الحصن، وأقيمت صلاة الفتح في ساحته، وأعاد الجنود ترديد النشيد النبوي، حتى صار شعارهم في كل معركة.

---

المعركة الرابعة - ألمونكار

على الساحل الجنوبي الغربي، هاجم عامر ألمونكار في ليلة عاصفة، مستغلًا الأمواج العالية لتشتيت مراقبة الصليبيين.
نجح الجنود في التسلل عبر ممرٍ صخري بحري، وفتحوا البوابة من الداخل، فسقط الحصن مع الفجر.

---

المعركة الخامسة - حصن مالقة

بعد سلسلة الفتوحات، تحرك عامر وجيشه نحو الهدف الأكبر: مالقة.
استمرت المعركة ثلاثة أيام، تبادل فيها الطرفان القصف بالمدافع، حتى نجح فرسان غرناطة في اقتحام الحصن من الجهة الشمالية حيث تحصيناته أضعف.

دخل عامر وسط المدينة، وأمر بتنظيف الشوارع من آثار الدماء قبل إقامة صلاة الفتح، ثم خطب في الجنود:
- أيها الأبطال، هذه أول خطوة على طريق تحرير الأندلس كاملة، ولن نتوقف حتى تعود راية لا إله إلا الله ترفرف فوق كل حصن ومدينة.

فردّد الجيش النشيد بصوت واحد، حتى دوّت به شوارع مالقة:

"والله لولا الله ما اهتدينا..."

---

معسكر الصليبيين قرب إشبيلية....

في قاعة حجريّة داخل حصنٍ على ضفة نهر الوادي الكبير، اجتمع قادة الصليبيين حول طاولة ضخمة، والخرائط منثورة أمامهم. كان الملك فرديناند جالسًا في صدر المجلس، وعيناه تشتعلان غضبًا.
قال وهو يضرب بيده على الطاولة:

"في أسبوعين فقط... استولى سراج الدين على وادي آش، وضمّ لوشة، ثم مالقة وألمونكار وألمرية! لم يترك لنا وقتًا لالتقاط أنفاسنا!، يبدو أنهم كانوا يخططون لغزونا منذ مدة طويلة ويعرفون بالتفصيل ماذا يفعلون"

انحنى أحد القادة، وهو فارس من فرسان أراغون المخضرمين، وقال:

"لقد استخدم المدافع والمجانيق ضد حصوننا، كأنها من ورق، ثم تبعها بوابل من البنادق البدائية التي أربكت حراس الأبراج. لم نشهد مثل هذا التنسيق منذ حروبنا الأولى مع المسلمين."

ردّ قائد آخر بعصبية:

"إنه يجرّنا إلى أرضه ويضرب قبل أن نستعد... إذا لم نستعد الجنوب، فغرناطة ستكون محصّنة بالأراضي التي حولها وستظهر لسراج الدين أنيابٌ."

أومأ فرديناند بعزم وقال:

"سنبدأ من ألمرية، ثم نتقدّم إلى مالقة... اجمعوا فرسان قشتالة، واستدعوا مرتزقة جنوة، ولتتحرك مجانيقنا ومدافعنا الثقيلة مع الطليعة. أريد أن يكون ردّنا هذه المرة ناهيًا."

---

معسكر عامر في حصن لوشة....

على قمة حصن لوشة المطل على الوديان، وقف عامر بجانب منصة خشبية، وإلى جواره مدفع ضخم نصبه رجاله حديثًا، والمجانيق مصطفة على السور الشرقي.
في قاعة الحصن، جلس عامر وحوله حازم وبعض القادة، والخرائط مفروشة أمامهم.
أشار عامر بيده إلى وادي آش ومالقة وألمرية على الخريطة:

"هم سيبدؤون بألمرية، فهي أقرب إليهم، وأضعف تحصينًا... نحن سنسبقهم بضربة على الطريق الساحلي قبل أن يصلوا إليها."

قال نور الدين بن غالب وهو يضع خنجره على نقطة قرب الساحل:

"يمكننا نصب المدافع على تلال قريبة من الطريق، وإذا اقتربت قواتهم نفتح عليهم النار، ثم ننسحب إلى الداخل بعد تشتيتهم وإجبارهم على التقهقهر والإنسحاب."

أضاف قائد الرماة:

" والأسهم والبنادق البدائية جاهزة... رجالنا جرّبوها في مالقة، وكانت رعبًا للفرسان، يعيبها فقط تأخرها في إعادة التلقيم."

ابتسم عامر بثقة وقال:

"ليتحرك نصف المدافع نحو ألمرية، والنصف الآخر يبقى هنا في لوشة تحسبًا لأي التفاف... المجانيق ستقصفهم ليلاً، والبنادق تفتح النار مع أول ضوء فجر."

وقف القادة جميعًا، ووضعوا أيديهم على صدورهم، فقال عامر بنبرة حاسمة:

"نحن لا ندافع فقط... نحن نطاردهم حتى لا يجدوا أرضًا يقفون عليها."

---

ومرة أخرى في قاعة الحرب في إشبيلية...

جلس فرديناند مع قادته، والخرائط مرسومة على طاولة طويلة.
ضرب الملك بعصاه على نقطة "ألمرية" على الخريطة وقال:

"هذه بوابتهم إلى البحر... إذا قطعناها، سنحاصرهم جوعًا."

أجابه قائد فرسان جنوة:

"لكنهم نصبوا مدافع على أسوارها... نحن بحاجة إلى أن نُلهيهم أولاً."

رفع فرديناند يده وقال:

"حسنًا... الهجوم الأول سيكون على وادي آش، لتحويل أنظار عامر... وفي نفس الوقت تتحرك قواتنا البحرية نحو ألمرية."

---

حصن لوشة عند عامر...

في غرفة الإشراف على المدافع، كان عامر يتأمل تقارير الكشافة.
قال عبد الرحمن وهو يضع إصبعه على الخريطة:

> "الكشافة رأوا حشودًا صليبية تتحرك نحو وادي آش... يبدو أنها حيلة."

ابتسم عامر ابتسامة هادئة:

"إذن سيضربون ألمرية... لن ننتظرهم."
ثم أشار إلى قادة المدفعية:
"انقلوا مدافع ثقيلة إلى تل "سيرّو غوردو" المطل على الطريق الساحلي، وضعوا المـجانيق خلف التلال... السيوف و البنادق البدائية ستكون مع فرسان الهجوم الخاطف."

---

مجلس الحرب في معسكر الصليبيين قرب قرطبة....

أرسل فرديناند أوامره:

"عند وصولنا قرب ألمرية، ننشر المـجانيق في نصف دائرة، والمدافع الثقيلة على المرتفعات... لا أريدهم أن ينجوا من القصف."

ردّ أحد القادة:

"وماذا عن حصونهم في مالقة؟"
قال الملك بثقة:
"لن يجرؤوا على ترك ألمرية بلا دفاع... سنكسرها أولاً."

---

خطة الإرباك عند عامر...

في لوشة، جمع عامر فرسانه وقال:

"سنقسم القوات... مجموعة صغيرة ستظهر على أسوار وادي آش لإيهامهم أننا نستعد لمعركة هناك... بينما يتحرك الجيش الرئيسي ليلاً عبر الممرات الجبلية نحو ألمرية."

أضاف قائد البنادق:

"عند الفجر، ستبدأ البنادق بإطلاق النيران على الطليعة، والمدافع تقصف مؤخرة جيشهم... سيظنون أننا في كل مكان."

ابتسم عامر وقال:

"هذا ما أريده... أن يشعروا أنهم يقاتلون أشباحًا."

---

بداية المواجهة....

مع طلوع الفجر، كان الصليبيون يسيرون على الطريق الساحلي، فإذا بوابلٍ من قذائف المـجانيق يسقط من فوق تلال سيرّو غوردو، يتبعه دويّ المدافع من الجهة المقابلة.
في المقدمة، انطلقت فرقة من فرسان عامر، والبنادق البدائية تبرق، والدخان يملأ الساحل.
صرخ أحد قادة الصليبيين:

"إنهم على المرتفعات! كيف وصلوا قبلنا؟!"

وفي نفس اللحظة، كانت إشارات النيران تُشعل على أسوار وادي آش، ما جعل فرديناند يظن أن هجومًا آخر بدأ هناك.

---

الهدوء الذي يسبق الانقضاض...

حلّ الليل على ألمرية، والمدينة نصفها في يد عامر، ونصفها الآخر ما زال متمردًا.
جلس عامر مع رجاله في ساحة قريبة من "القصبة"، يشربون جرعات ماء شحيحة، بينما النيران تتوهج في الأفق.
قال حازم وهو يراقب السكون:

"غريب... لم يهاجمونا منذ العصر."

ابتسم عامر ابتسامة حذرة:

> "هذا السكون... لا يعجبني."

---

المدافع المجهولة...

فجأة، شق الليل دويّ هائل، ورجّ صوت المدافع الثقيلة من ناحية الميناء.
كانت قذائف حجرية ضخمة تتساقط على مواقع عامر، والمـجانيق الصليبية تلقي قذائف مشتعلة فوق الأحياء التي استولى عليها رجاله.

صرخ أحد القادة:

"يا مولاي! إنهم يضربوننا من البحر أيضًا!"

أدرك عامر أن فرديناند استغل الليل ليدخل سفنه الحربية إلى الميناء، ويثبت مدافعه على الشاطئ ليقصف مواقع المسلمين من الخلف.

---

بينما كانت القذائف تهز الأرض، تقدم المشاة الصليبيون من "باب البحر" و"باب الغرناطين" في وقت واحد.
كانت البنادق البدائية لدى رجال عامر والمدافع ترد، لكن كثافة النيران والمدافع الساحلية جعلت خطوطهم تتفكك.

في الأزقة، اشتد القتال، لكن الجنود الصليبيين كانوا يتقدمون خطوة خطوة، مدعومين بدروعهم الثقيلة ونيرانهم المستمرة.
صرخ حازم وهو يحاول حشد الرجال:

"اثبتوا! لا تدعوهم يعبرون!"

لكن انهيار أحد الأبراج القريبة بفعل قذيفة جعل المدافعين يتراجعون بلا نظام.

---

وبعد ساعة من الهجوم الصليبي...

أدرك عامر أن البقاء في ألمرية يعني الفناء.
أمر بالانسحاب المنظم نحو البوابة الغربية المؤدية إلى الطريق الجبلي، بينما كانت النيران تلتهم "سوق القمح" و"ساحة القصبة".

وقفت قوات فرديناند فوق الأسوار المدمرة، ترفع رايات الصليب، بينما أبواق النصر تدوي في أرجاء المدينة.

---

ما بعد الهزيمة
على تلّ بعيد، كان عامر يراقب ألسنة اللهب وهي تلتهم ألمرية.
اقترب منه عبد الرحمن وقال بصوت حزين:
"خسرنا المدينة... لكننا لم نخسر الحرب."

أجاب عامر وهو يضغط على قبضته:

"ستعود ألمرية... وسأجعل فرديناند يندم على هذه الليلة....

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...