رواية سحر الراوي الجزء العاشر 10 بقلم الثناء ضاحي سحر الراويرواية سحر الراوي الحلقة العاشرة الإسكندرية —الرابعة وخمس وعشرون دقيقة فجرًا المدينة كانت تبدو كأنها تحتضر ببطء. ضوء الأعمدة الصفراء ينعكس فوق الأسفلت المبلل ببقايا رطوبة البحر، والهواء البارد القادم من الكورنيش كان يصفع الوجوه دون رحمة، بينما العمارة القديمة تقف وسط الصمت كأنها تخفي جريمة. وفي الداخل… كان التوتر كثيفًا لدرجة يمكن لمسها باليد.
وقف عبد المنعم الراوي في منتصف الصالة ممسكًا هاتف وهج، بينما ظلت الرسالة مفتوحة أمامه. الصورة. علامة التصويب الحمراء فوق رأسها. والجملة. “المرة الجاية مش هنكتفي بصورة.” لكن الأخطر من الرسالة نفسها… أن عبد المنعم لم يغضب بالطريقة المتوقعة. لم يصرخ. لم يهدد. بل أصبح هادئًا أكثر. وذلك النوع من الهدوء… كان كارثة حقيقية. أما قاسم عبد المنعم الراوي، فكان واقفًا يراقب والده لأول مرة بعين مختلفة. هناك شيء تغيّر.
لأول مرة يشعر أن اللعبة ليست كما ظن. وأن والده… ربما لم يكن يطارد فاطمة ووهج للسبب الذي صُوّر له طوال السنوات الماضية. قطع الصمت صوت وهج أخيرًا. “هاتلي موبايلي.” التفتت الأنظار كلها لها. كانت تقف وظهرها مستقيم رغم الارتجاف الخفيف بأنفاسها. لكن داخل عينيها… كان هناك شيء جديد. شيء يشبه التمرد. رفع عبد المنعم نظره إليها ببطء. ثم مد الهاتف لها دون كلمة. أخذته بسرعة، لكن قبل أن تخفضه قال بهدوء: “بقيتي مستهدفة.”
رفعت عينيها فورًا. “وأنا من إمتى كنت بأمان أصلًا؟ ساد الصمت. أما فاطمة فأغمضت عينيها بتعب واضح. قاسم لاحظ شيئًا مهمًا جدًا. وهج لم تعد تخاف عبد المنعم بنفس الطريقة. بل بدأت تواجهه. ورغم أن المواجهة كانت ترتجف تحت صوتها… إلا أنها حقيقية. قال عبد المنعم أخيرًا: “الخوف مش عيب يا بنت عبد الحكيم.” ضحكت بمرارة. “لأ… العيب إن الواحد يعيش طول عمره خايف ومش فاهم من إيه.” شيء ما مرّ داخل عيني عبد المنعم. وجع قديم.
لكنه اختفى سريعًا. أما قاسم… فكان يراقبها بصمت ثقيل. يشاهد كيف تحاول التماسك رغم ارتجاف أصابعها. وكيف أن عينيها كلما ضعفت… تتحولان للعناد بدل الدموع. ثم فجأة… رن هاتف عبد المنعم. نظر للشاشة. طلعت. رد بهدوء: “أيوة.” لكن صوته تغيّر فجأة. بارد. حاد. “قول تاني.” توتر الجميع فورًا. أكمل طلعت من الطرف الآخر بسرعة: “واحد من رجالتنا اتصاب تحت يا حاج… وفي عربية شرطة وصلت.” ضيّق عبد المنعم عينيه. “شرطة؟
“أيوة… وفي ظابط نازل بنفسه.” ساد الصمت لثانية. ثم ابتسم عبد المنعم ابتسامة صغيرة جدًا. غريبة جدًا. “اسمُه؟ جاء الرد: “شريف بك العامري.” هنا فقط… تغيّرت ملامح عبد المنعم بالكامل. لاحظ قاسم ذلك فورًا. بل حتى فاطمة رفعت رأسها بصدمة خفيفة. أما وهج… فقط شعرت أن الاسم يحمل شيئًا خطيرًا. قال عبد المنعم أخيرًا: “طلّعه فوق.” وأغلق الهاتف. اقترب قاسم فورًا: “مين شريف العامري؟ رفع عبد المنعم عينيه له.
ثم قال بهدوء ثقيل: “النوع اللي مبيحبش حد يلعب قدامه.” وفي الخارج… توقفت سيارة سوداء فارهة أمام العمارة. نزل منها رجل طويل القامة، يرتدي معطفًا أسود فوق بدلته الرسمية، بينما انعكس ضوء الشارع فوق عينيه الرماديتين الباردتين. كان يتحرك بهدوء شديد. هدوء رجال يعرفون جيدًا أنهم أخطر من السلاح. شريف بك العامري رئيس مباحث غرب الإسكندرية. الرجل الذي تتغير نبرة الضباط حين يُذكر اسمه.
صعد الدرج دون استعجال، وخلفه أمين شرطة يلهث بصعوبة. همس الأمين: “يا فندم نستأذن قوة زيادة؟ شكل الناس اللي تحت قاطعه شريف بهدوء: “لو كنت خايف انزل استنانا تحت.” بلع الرجل ريقه فورًا: “لا يا فندم.” وصل شريف أمام الشقة. ثم طرق الباب مرة واحدة فقط. لكنها كانت كافية. فتح قاسم الباب هذه المرة. وتوقفت عينا الرجلين ببعضهما لثوانٍ طويلة. كأن كليهما يقرأ الآخر. قال شريف أخيرًا: “دكتور قاسم الراوي؟ “أيوة.” رفع
شريف بطاقة هويته بسرعة: “مباحث.” ظهر مصطفى فجأة من خلف الممر وهو يهمس: “أنا حاسس إننا بنجمع كروت شخصيات نادرة.” رمقه قاسم بضيق. أما شريف… فرفع حاجبه بخفة. واضح أنه سمع. دخل بخطوات هادئة. وعندما وقعت عيناه على عبد المنعم… ساد الصمت للحظة كاملة. ثم قال شريف بهدوء: “عبد المنعم بيه الراوي.” رد عبد المنعم بنفس الهدوء: “شريف بك.” كانت هناك معرفة قديمة. لكنها ليست مريحة. لاحظ قاسم ذلك فورًا. أما وهج…
فكانت تراقب الضابط الجديد بانتباه. شيء فيه مختلف. لا يشبه رجال عبد المنعم. ولا يشبه قاسم. رجل بارد… لكن بطريقة قانونية. خطيرة. قال شريف أخيرًا وهو ينظر حوله: “جالي بلاغ عن شغب وسلاح أبيض.” ضحك مصطفى فجأة: “بلاغ؟ يا باشا ده كان موسم كامل مش بلاغ.” نظر له الجميع. رفع يديه بسرعة: “أنا بس بحاول أوصف.” لكن المفاجأة… أن شريف ابتسم فعلًا. ابتسامة قصيرة جدًا. ثم عاد ببروده فورًا. اقترب من الطاولة حيث بقايا الزجاج المحطم.
ثم قال دون أن يلتفت: “واضح إن اللي حصل أكبر من خناقة عادية.” قال عبد المنعم: “وهو فعلًا أكبر.” رفع شريف نظره له مباشرة. “تحب تحكيلي؟ ساد الصمت. لكن وهج تكلمت فجأة: “حد بيهددني.” التفت الجميع لها. حتى فاطمة شهقت بخوف: “وهج! لكنها أكملت بعناد: “كفاية سكوت.” ثم رفعت هاتفها أمام شريف. الصورة. الرسالة. قرأها الضابط بصمت. لكن عينيه تغيّرتا قليلًا. ثم سأل بهدوء: “مين عنده مصلحة يخوفك؟ فتحت فاطمة فمها…
لكن عبد المنعم سبقها: “ناس قديمة.” التفت شريف إليه. ولثوانٍ… كان الرجلان يقيسان بعضهما بصمت. ثم قال شريف أخيرًا: “الناس القديمة دي… ليها اسم؟ أجاب عبد المنعم: “لما أعرفه هقولهولك.” وهنا فقط… ابتسم شريف. ابتسامة باردة جدًا. “المشكلة إنك دايمًا بتحب تسبق القانون بخطوة يا عبد المنعم بيه.” رد عبد المنعم فورًا: “والقانون أحيانًا بيتأخر.” “بس لما بيوصل… مبيسامحش.” ساد الصمت. أما قاسم… فكان يشعر أن الهواء أصبح أثقل.
هناك تاريخ بين الرجلين. تاريخ غير مريح. وفجأة… اهتز هاتف شريف برسالة. فتحها بسرعة. ثم رفع عينيه ببطء شديد. “غريبة.” قالها بهدوء. “إيه؟ ” سأل قاسم. أراه الهاتف. كانت صورة كاميرا مراقبة. لنفس الشارع. لكن قبل عشر دقائق. وتظهر بوضوح… شخصًا يضع الظرف أسفل باب شقة قاسم. اقتربت وهج بسرعة. ثم تجمدت. الشخص كان يرتدي كاب أسود… لكن وجهه ظهر للحظة. شهقت فاطمة. أما عبد المنعم… فضاقت عيناه بشكل مخيف. بينما قال قاسم بصدمة: “أمير؟
ساد الصمت. صمت عنيف. وفي سرايا الراوي… كان أمير الراوي يقف أمام النافذة يدخن بعصبية، بينما كانت عزيزة تراقبه بتوتر. صرخت فجأة: “قولّي عملت إيه! رد بعصبية: “وطي صوتك.” اقتربت منه: “أنا شوفتك نازل بالليل! رايح فين؟! التفت لها بعينين مشتعلتين: “قولتلك متدخليش.” لكن عزيزة لم تسكت. بل اقتربت أكثر: “إنت لعبت لعبة من ورا عبد المنعم؟! وهنا فقط… صفع الطاولة بعنف جعلها تنتفض. “أيوة لعبت! شهقت بصدمة. أما هو… فكان يتنفس
1 2 3الصفحة التالية مدونة كامومنذ 5 ساعات 0 10 دقائق
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!