الفصل 9 | من 11 فصل

الفصل التاسع

المشاهدات
6
كلمة
1,068
وقت القراءة
6 د
التقدم في الرواية 82%
حجم الخط: 18

رواية سحر الراوي الجزء التاسع 9 بقلم الثناء ضاحي سحر الراويرواية سحر الراوي الحلقة التاسعة الإسكندرية —الرابعة فجرًا الهواء البارد القادم من البحر كان يضرب شرفة الشقة بقوة… لكن لا أحد شعر به. كل شيء توقف. وقف قاسم أمام الشرفة، والهاتف على أذنه، وعيناه مثبتتان أسفل العمارة. ثلاث سيارات سوداء مصطفّة بهدوء مرعب. رجال ينتشرون حول المكان بدقة واضحة… ليسوا بلطجية عشوائيين، بل رجال يعرفون أين يقفون وكيف يراقبون.

وفي المنتصف… كان عبد المنعم الراوي. واقفًا بثباته المعتاد. جلبابه الأسود يتحرك قليلًا مع الهواء، ويده تستند على عصاه الذهبية، وعيناه الزرقاوان ثابتتان أعلى… ناحية شرفة ابنه. هيبة الرجل وحدها كانت كافية لتخنق الشارع كاملًا. حتى الشارع بدا صامتًا احترامًا له. خلف قاسم مباشرة… شعرت وهج بأن قدميها لم تعودا تحملانها. أما فاطمة… فقد انطفأ وجهها بالكامل. جاء صوت عبد المنعم من الهاتف هادئًا… ثقيلًا: “ساكت ليه يا قاسم؟

بلع قاسم ريقه ببطء. ورغم صلابته المعتادة… إلا أن وجود والده دائمًا كان يفرض شيئًا آخر. هيبة مختلفة. ليست خوفًا فقط… بل احترامًا متجذرًا داخل العظام. خفض عينيه قليلًا وقال بهدوء: “مكنتش أعرف إنهم هنا.” ساد الصمت لثوانٍ. ثم قال عبد المنعم: “بس دلوقتي عرفت.” لم يكن سؤالًا. كان تقريرًا. أغلق قاسم عينيه للحظة قصيرة… ثم فتحهما مجددًا. خلفه كان مصطفى واقفًا كتمثال مذعور يراقب الوضع كله، وعقله لا يستوعب شيئًا.

همس لنفسه: “يا نهار أسود… ده بابا نفسه.” ثم التفت لوهج هامسًا: “هو والد الدكتور دايمًا يدخل أي مكان كأنه داخل يفتح القسطنطينية؟ رغم الرعب… كادت تضحك. لكن الموقف كان أكبر من أي ضحكة. قال عبد المنعم أخيرًا: “نزّل يا قاسم.” رفع قاسم نظره مرة أخرى ناحية والده. ثم رد بهدوء: “حاضر يا حاج.” وأغلق الخط. ساد الصمت داخل الشقة لثوانٍ طويلة جدًا. ثم استدار قاسم ببطء. عيناه وقعتا أولًا على فاطمة.

امرأة مرهقة… خائفة… لكنها ليست ضعيفة. ثم انتقل نظره إلى وهج. كانت تنظر له وكأنها لا تعرف الآن بأي صف يقف. هل هو الشخص الذي حماها منذ ساعة؟ أم ابن عبد المنعم الراوي؟ قال مصطفى أخيرًا بصوت منخفض: “أنا حاسس إننا داخلين على مشهد النهاية.” لكن لا أحد رد عليه. اقترب قاسم خطوة واحدة للداخل. “مرات عمي.” خرجت الكلمة هادئة… لكنها جعلت قلب فاطمة يرتجف بعنف. خفضت رأسها تلقائيًا. أما وهج… فقط شعرت بشيء مؤلم داخلها. هو عرف إذًا.

قال قاسم بهدوء: “الحاج تحت.” صمت. ثم أكمل: “وأكيد مش جاي يشرب شاي.” تنهد مصطفى: “للأسف توقعي طلع صح.” لكن قاسم لم ينظر له. كان ينظر لفاطمة مباشرة. “إيه اللي خلاكم تهربوا؟ هنا فقط… ارتجفت أنفاس فاطمة. أما وهج فرفعت رأسها بسرعة: “إحنا مهربناش! نظر لها قاسم بهدوء أربكها: “أمال سبتوا السرايا ومشيتوا من غير ما حد يعرف ليه؟ ردت بسرعة وانفعال: “عشان “وهج.” صوت فاطمة خرج حادًا لأول مرة. صمتت وهج فورًا. لكن قاسم التقط كل شيء.

لاحظ الارتباك. الخوف. الصراع. ثم قال بهدوء أشد: “الحاج مش راجل يظلم حد.” ضحكت وهج فجأة ضحكة ساخرة موجوعة: “أنت متأكد؟ التفتت الأنظار لها. حتى مصطفى ابتلع ريقه: “يا ساتر.” أما قاسم… فضاقت عيناه قليلًا. ليس غضبًا. بل لأن نبرتها كانت تحمل وجعًا حقيقيًا. قالت وهي تنظر له مباشرة لأول مرة: “حضرتك عارف إحساس إنك تعيش كل يوم خايف؟ صمت.

أكملت بصوت مهتز: “كل خَبطة باب تخضك… كل رقم مجهول يخليك تتوتر… كل مرة تنزل الشارع تحس إن حد بيراقبك…” ثم ابتسمت بسخرية باكية: “لا… أكيد متعرفش.” انقبض شيء غريب داخل صدر قاسم. لكنه قال بثبات: “مهما حصل… الهروب مش حل.” ضحكت بمرارة: “آه طبعًا… لأنك مش مكاننا.” كادت فاطمة تتحدث… لكن فجأة دوّى صوت طرقات خفيفة على باب الشقة. ثلاث طرقات فقط. هادئة جدًا. لكن مَن يعرف عبد المنعم الراوي… يعرف أن هدوءه أخطر من العنف.

أغمضت فاطمة عينيها بألم. وصل. أما مصطفى… فهمس: “أنا هستخبى تحت الكنبة.” رمقه قاسم بنظرة قاتلة: “اسكت.” ثم تحرك ناحية الباب. كل خطوة كان يخطوها جعلت التوتر يزداد أكثر. حتى وصل أخيرًا… وفتح الباب. وقف عبد المنعم الراوي أمامه مباشرة. لا يتحدث. فقط ينظر. تلك النظرة الثقيلة التي تجعل أقوى الرجال يراجعون نفسه. انحنى قاسم قليلًا باحترام: “نورت يا حاج.” دخل عبد المنعم ببطء شديد. وخلفه طلعت ورجلان آخران. لكن الغريب…

أن عبد المنعم ما إن دخل حتى أشار لهم بيده دون أن ينظر: “استنوا برا.” نفذوا الأمر فورًا. ثم أغلق الباب بنفسه. ساد الصمت. صمت خانق. وقف عبد المنعم في منتصف الصالة، وعيناه تجولان بالمكان بهدوء. شقة بسيطة جدًا. أثاث متواضع. لا تشبه أبدًا حياة السرايا. ثم أخيرًا… وقعت عيناه على فاطمة. ولأول مرة منذ شهور طويلة… ظهر شيء إنساني بعينيه. وجع قديم. قال بهدوء: “وحشتيني يا مرت أخويا.” انخفضت دموع فاطمة فورًا. أما وهج…

فظلت تنظر للمشهد بعدم فهم. هي دائمًا تخيلت أن المواجهة ستكون صراخًا… تهديدًا… عنفًا. لكن عبد المنعم كان مخيفًا بطريقة أخرى. هادئ جدًا. قالت فاطمة أخيرًا بصوت مرتجف: “إحنا مأذيناش حد يا عبد المنعم.” رد فورًا: “بس كسرتوا قلب ناس.” ساد الصمت. أما قاسم… فكان واقفًا جانبًا، يراقب الجميع بعينين حادتين. يحاول فهم الحقيقة. قال عبد المنعم أخيرًا: “تعرفي أكتر حاجة وجعتني إيه؟ لم ترد. أكمل: “إنك اعتبرتيني عدو.”

رفعت فاطمة عينيها له أخيرًا. وقالت بصوت موجوع: “مكنش قدامي حل.” ولأول مرة… تغيرت ملامح عبد المنعم. شيء قاسٍ مرّ بعينيه. “الحل إنك تهربي ببنت أخويا؟ وهنا فقط… خرجت وهج عن صمتها: “أنا مش ملك حد! التفتت كل الأنظار لها. حتى قاسم. أما عبد المنعم… فنظر لها طويلًا جدًا. نظرة جعلت قلبها يرتجف رغم قوتها. ثم قال بهدوء: “كبرتي.” لا أحد توقع الجملة. حتى وهج نفسها ارتبكت. اقترب منها ببطء. كانت تشبه عبد الحكيم بشكل موجع.

نفس العينين. نفس الملامح الهادئة. توقفت عصاه على الأرض أمامها. وقال بصوت أخفض: “أبوكي كان روحه فيكي.” انخفضت عينا وهج فورًا. ثم أردف: “ولو كان عايش… مكنش رضي باللي حصل.” ارتجفت أنفاس فاطمة: “عبد المنعم…” لكنه رفع يده بهدوء. فسكتت فورًا. لاحظ قاسم ذلك. لاحظ كيف تهابه رغم كل شيء. ثم قال عبد المنعم أخيرًا: “يلا.” تجمدت وهج: “يلا فين؟ “على البيت.” رفعت رأسها بعناد: “مش هرجع.” ساد الصمت. أما مصطفى…

فهمس لنفسه: “يا بنتي دا انتي بتلعبي مع النهاية.” لكن المفاجأة… أن عبد المنعم لم يغضب. بل ابتسم ابتسامة صغيرة جدًا. خطيرة جدًا. وقال: “عندك حق.” اتسعت أعين الجميع. حتى قاسم. أكمل عبد المنعم بهدوء: “الرجوع بالعافية عمره ما كان رجوع.” ثم استدار ناحية قاسم. “تعالى يا ولدي.” تحرك قاسم فورًا نحوه. خفض عبد المنعم صوته قليلًا: “العربية 1 2الصفحة التالية مدونة كامومنذ 5 ساعات 0 6 دقائق

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...