رواية سحر الراوي الجزء الثالث 3 بقلم الثناء ضاحي سحر الراويرواية سحر الراوي الحلقة الثالثة في سرايا الراوي دخل عبد المنعم الراوي في هدوء وثبات، ودخل خلفه أمير الراوي.. ولكنه يبدو عليه بعض التوتر ويُحاط أيضاً بالإحباط.. تقدم عبد المنعم وجلس على كرسيه، ثم اتكأ بذقنه على “الملكة” الخاصة به ــ هكذا يُطلق عليها، وهي عصا مهيبة ملفوفة بالفضة ورأسها من الذهب الخالص. أخذ يدق بها الأرض بهدوء.
مضت دقائق قليلة حتى جاء الرجل الآخر مرتعشاً، متوتراً، متسارع نبضات القلب… وقف بجوار أمير الراوي وبصوت منقطع خائف ردد قائلاً بهمس: “يا أمير بيه أنا في عرضك النهاردة.. أنا معملتش حاجة، في عرضك أبوس إيدك”. صوت الرجل كان هامساً لا يُسمع، ظناً منه أن الراوي منشغل بنظره للأسفل. في هذه اللحظة رفع عبد المنعم الراوي نظره بهدوء، فتعالت الأنفاس.. أمير لم يفعل شيئاً، ولكنه الآن شعر بريب رهيب.
ثبت نظر الراوي على الرجل، ونطق عبد المنعم قائلاً: “وصلتهم فين؟ وجهت نظرات أمير إلى الرجل وكأنه يقول له سراً: “الحق نفسك وقوله”. تحرك الرجل مسرعاً وارتمى أسفل قدم عبد المنعم وأخذ يقبلها، وعلى وجهه ألف نوع من الخوف: “أبوس إيدك يا سيدي.. اللي عندي قلته ومعرفش غير اللي قلته، وصلتهم للمحافظة، وأنا غلطان كان حقي أقولكم”. ضاقت عيون عبد المنعم أكثر وأبعده عنه، ثم سلط نظره عليه وقال وأحكم قبضته على الملكة:
“أنت عارف أبوك ــ رحمة الله عليه ــ عاش هنا من وقت المرحوم أبويا… بس كان أمين وصالح”. ثم أشار بملكته ناحية صدره فوقع أرضاً وهو ما زال جالساً على الأرض وأكمل: “بس أبوك كان دايماً يشتكي منك.. الله يرحمه غلبته حي…” ثم عاود الدق بملكته أرضاً وأكمل: “وخنته ميت”. حينما يتحدث الراوي من يتكلم؟ لا أحد. الراوي دائماً يعطي مساحة للسكوت والهدوء، ويسحب الضجيج حينما يتحدث.
لم تتغير ملامح عبد المنعم الراوي إلى العنفوانية، لم يستهلك أعصابه ببلاهة، ورغم دخول رجلين إلى الساحة فما نطق منهم أحد. حتى السائق جلس بخضوع تام؛ كان لديه الكثير ليقوله لكنه لم يقل شيئاً.. أجزم أنه لربما صمت خاضعاً ليوم الدين، فلا مجال لكثير من الثرثرة التي لا جدوى منها، خاصة أنه يعلم حق العلم والمعرفة بأن “الراوي” يمكنه اكتشافه بمنتهى اليسر، ففضل السكوت التام منه عن الحديث اللئيم.
نظر عبد المنعم الراوي لأحد الرجلين، وبتعبير وجه مفهوم بالنسبة للرجل، انصرف ليقضي أمراً. اتجه أخيراً الراوي إلى الرجل ووقف أمامه، وقال كلمة وكأنها الأخيرة: “من غير كلام مالوش لزمة وعك فاضي.. تقول اللي حصل واللي عملته وقتها هسامح…. هتزيد وتعيد في الكدب، مش ههددك ولا هعرفك مصيرك هيكون إيه ولا هخوفك بحاجة، هسيبك تكتشف اللي هعمله فيك.. مش هتاخد توقعات لأي حاجة… ها.. هتقول ولا ليك رأي تاني؟ في الإسكندرية
نظر جميعهم دفعة واحدة إلى طارق الذي بلمت ملامحه، ثم أخذوا يتضاحكون مرة أخرى وتناسوا عمداً طارق الباب. عاودت وهج الطرق مرة أخرى بغضب، هي بطبيعتها ليست هكذا.
أشار قاسم للجميع بالصمت ففعلوا هذا، ثم تحرك قاسم باتجاه الباب وبداخله يحمل غيظاً؛ فطريقة الطرق غير آدمية بالنسبة له. وحينما وصل بالقرب من الباب وقف واستدار لأصحابه وأشار بيديه في إشارة منه ليعاودوا الضحك مرة أخرى. انتظر لحظات، فعادوا يفعلون، وما كادوا يفعلون حتى تعالت الطرقات مرة أخرى، ففتح وقتها قاسم الباب بعنف! اندفعت “وهج” كـرد فعل غير محسوب نهائياً عليه، مما تسبب في ارتباكها.. الوضع جداً محرج!
بينما ظل قاسم واقفاً صامداً. عدلت “وهج” من وقفتها سريعاً بإحراج وهي مطأطأة الرأس وكأن الكلام هرب منها. أخرجها من ارتيابها نظرات قاسم الحادة: “نعم أفندم؟ مين حضرتك وعاوزة إيه؟ وبخصوص أصدقائه، فقد أتوا ليشاهِدوا الموقف دون تفوه بحرف. ما زالت في حالة الارتياب لا تعي شيئاً لتقوله، فعاودها بالأسئلة: “يا بنتي أنتي خرسة؟ إزاي تخبطي بالشكل الهمجي ده؟ استفزها ما قيل لها، فقررت أن تعطيه درساً وشجعت نفسها أكثر:
“أبداً.. أنتوا مش مراعيين جيرانكم! ضحك وهزار وأنا عندي امتحان بكرة ومش عارفة أذاكر ولا حرف منكم! وأكملت: “وجاية أقولكم عيب كدة.. لو سمحتوا تراعوا جيرانكم، ده من الأدب يعني”.
صوت ضحكات خفيف تعالى من الخلفية وارتفع مع همسات من أصدقاء قاسم، بينما قاسم كان قد عقد ذراعيه على صدره ونظر لها بهدوء أثناء حديثها المتسارع جداً الذي أظهره التوتر. لم تنظر بوجهه ولكنها كانت تتحدث ورأسها لأسفل. شعرت بالإحراج أكثر وأكثر حينما سمعت الهمسات الضاحكة من الأصدقاء، فزاد إحراجها.. تباً لهذا الإحراج! وأخيراً نظر قاسم لأصدقائه فصمتوا والتزموا الصمت، ثم أعاد نظره إليها بحزم:
“وأنتي يا كتكوتة تروحي دلوقتي على عشتك.. وزي ما حافظة كلمتين بتدوري بيهم على حقوقك وجيرانك وكلام إنشائي، دي شقتي ومن حقي أعمل فيها اللي عاوزه. وطالما أنتي بنت متربية أوي كدة، كنتي ميزتي يا متربية الأصوات، وكنتي عرفتي إن الشقة فيها شباب والأصوات أصوات شباب يا كتكوتة! وبدون انتظار رد، أغلق الباب في وجهها! صوت غلق الباب اهتز له جسدها، أصبحت في موقف أكثر قبحاً، سمعت كلاماً غير لائق.. فرت الدموع من عينيها،
الكلام أثر بها وأحرجها: “إنسان معندكش ذوق صحيح.. منك لله”. بالداخل ظل طارق ومصطفى يتحدثان، بينما قاسم في عالم آخر. “البنت دي من الآخر.. مش كنت تقولنا يا قاسم إن جيرانك كتاكيت كدة؟ وهكذا استمر الحديث حتى قال قاسم بزهق: “جماعة أنا عاوز أنام.. اتفضلوا دلوقتي”. “الله الله يا جماعة.. ده شكله بيطردنا… عموماً هنسيبك دلوقتي ونشوفك الصبح”. في سرايا الراوي
دخل أمير غرفته بينما كانت عزيزة تجلس على السرير بملامح مغتاظة وتُقبض يدها بالأخرى بعنف. لم يلقِ أمير لها بالاً ولم يلقِ عليها السلام، ولم تتحرك هي فور دخوله. بدّل ملابسه وذهب باتجاه المرآة، استرسل شاربه فرأى انعكاسها بارزاً أمامه، فتأفأف واستعاذ بالله من الشيطان الرجيم، وذهب لينام ببرود تام فشد الغطاء حتى رأسه. فنزعت عزيزة الغطاء في التو واللحظة، فسحبه مرة أخرى وكأن شيئاً لم يكن، فعاودت ما فعلته
للمرة الثانية ونطقت بغيظ: “أنت هتنام؟ ببرود: “لا هسافر! .. عاوزة إيه يا ولية في ليلتك الغبرا دي؟ ” وقام من نومه واعتدل في جلسته.. يبدو أنه لن يهنأ بنومة طالما في حياته “وجه البومة” هذه! جلس ليستمع لحديثها الممل، مؤكداً لنفسه أنه سيستمع إلى محاضرة طويلة عريضة عن ظلمها في هذا البيت. هو يعرف ما سيسمعه الآن، ولذلك قرر أن يتظاهر بأنه مهتم.
وقد كان.. ظل يستمع لها بدون أن يلفظ حرفاً واحداً، بل وتظاهر بالاهتمام بحديثها.. عن كيف ابنتها تقبل يد عمها، وكيف هو ينقاد خلف أخيه، ولماذا لا يأخذ نصيبه إلى الآن.. وزادت في الحديث حدة.. والكثير من “ليه ولماذا”.. لماذا هو خاضع لأخيه؟ “طيب بذمتك شوفت معاملة عبد المنعم 1 2الصفحة التالية مدونة كامومنذ 12 ساعة 0 5 دقائق
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!