الفصل 4 | من 11 فصل

الفصل الرابع

المشاهدات
32
كلمة
1,013
وقت القراءة
6 د
التقدم في الرواية 36%
حجم الخط: 18

رواية سحر الراوي الجزء الرابع 4 بقلم الثناء ضاحي سحر الراويرواية سحر الراوي الحلقة الرابعة نزل قاسم من شقته وركب سيارته، وقبل انطلاقه لِيقود رنّ هاتفُه فتوقف.. كانت والدته تطمئن عليه وتخبره بأنها تشتاق إليه ولم تكتفِ بعد بوجوده بجوارها.. وفي تلك الأثناء، نزلت “وهج” من شقتها أيضاً.

كانت خطوات وهج سريعة، متلاحقة، تحمل فوق كتفها حقيبتها الثقيلة المحمّلة بكتب الفيزياء والمراجعات النهائية، وتحمل في قلبها غصة ليلة أمس. عيناها كانتا منتفختين قليلاً إثر البكاء، وملامحها الطفولية يكسوها إرهاق السهر والتوتر.

ما إن وصلت إلى مدخل العمارة حتى رأت تلك السيارة السوداء الفارهة تقف في مكانها المعتاد، ورأت من خلال الزجاج شبه الشفاف وجه ذلك “الهمجي” ــ كما أطلقت عليه في سرّها ــ وهو يتحدث في الهاتف بنبرة خفيضة، ملامحه الحادة في الصباح تبدو أكثر صرامة وجدية.

حاولت وهج تجاهله تماماً، وعدّلت من وضع حجابها وهي تسرع الخطى لتتجاوز السيارة، لكن حظها العاثر جعل كعب حذائها يتعثر في حجر صغير عند بوابة المدخل، لتسقط بعض الأوراق والمذكرات من يدها وتتناثر أرضاً بقرب إطار سيارته. تسمّرت مكانها بإحراج شديد، وزفرت بضيق وهي تنحني بسرعة لتجمع شتات أوراقها قبل أن يلمحها. في تلك اللحظة، كان قاسم ينهي مكالمته مع والدته قائلاً بنبرة دافئة لا تظهر إلا معها:

“حاضر يا أمي، ادعي لي بس عندي عمليات وراء بعض النهاردة.. هخلص وأكلمك واطمني، حق عمي ورقبتنا كلنا مش هتروح هدر، البنت دي لو تحت الأرض هجيبها هي وأمها، طمني أبويا بكدة.. لا عاش ولا كان اللي يكسر هيبتنا.. مع السلامة”. أغلق قاسم الهاتف، والتفت ليحرّك السيارة، لكن عينه لقطت حركة أسفل النافذة.. كانت هي.. “كتكوتة الباب” كما أسماها البارحة.

نظر إليها ببرود وعيناه الصارمتان تتأملان ارتباكها وهي تجمع الأوراق بهلع. ضغط على زر النافذة الكهربائية لينزل الزجاج ببطء، مما أصدر صوتاً جعل جسد وهج يرتجف. أطل برأسه قليلاً، وعقد حاجبيه قائلاً بنبرة تهكمية مستفزة: “هو أنتي كمان مش بتعرفي تمشي؟ زي ما مش بتعرفي تخبطي؟ وبعدين إيه ورق المطبخ اللي طار تحت عربيتي ده؟

رفعت وهج رأسها بسرعة، والدموع كادت تفر من عينيها مجدداً من شدة الإحراج والغيظ. نظرت إليه، وكانت هذه المرة الأولى التي تتلاقى فيها عيناهما بشكل مباشر في ضوء الشمس. اتسعت عيناه قليلاً.. هناك شيء ما في ملامح هذه الفتاة، شيء غريب مألوف، عيناها الواسعتان الهاربتان، وتقاسيم وجهها النقي.. ثم ضاق صِدغاه وتأفف من غبائها وأردف ببرود محمّل بالغيظ: “أنجزي”.

زاد تأففه وقلة صبره أكثر وأكثر، فحرّك مقوده قبل أن تنتهي من انتشال باقي أوراقها، فما كان منه إلا أن دهس الأوراق بإطار سيارته، ومن ضمنهم نظارتها الخاصة أيضاً التي تحطمت، ولكنها نجت بنفسها.

وجهت أنظارها باتجاه السيارة التي بالكاد اختفت، ومن ثم نظرت إلى أوراقها التي اتسخت كلياً، ثم جلست تلملم نظارتها وفرّت دمعة من عينيها متحسرة وهي ترى الأوراق التي لم تعد كما كانت، والنظارة التي أصبحت فتاتاً، ناهيك عن كلام أمس الجارح.. وظلت في شرودها. على الجانب الآخر

يجلس عبد المنعم الراوي يرتشف قهوته الصباحية الخالية من السكر “القهوة السادة” باستمتاع تام.. تقف من أعلى “عزيزة” في الشرفة التي تطل على ساحة السرايا الداخلية، رنين مصوغاتها لفت انتباه الراوي، فأعطاها نظرة غير مبالية ورجع يرتشف قهوته مرة أخرى. دخل عليه أحد معاونيه، وما زالت عزيزة تقف وتنظر باهتمام، عاود الراوي نظرته لها هذه المرة ولكنها حملت الحزم الشديد، فانسحبت إلى داخل غرفتها فوراً. “خير؟

هكذا قالها الراوي وهو منشغل بإشعال سيجاره الفاخر. “كل خير يا حاج.. جماعتكم في الإسكندرية.. بس فين فيها معرفش.. بس هعرف”. بملامحه الحازمة الهادئة الجامدة أيضاً وبالهدوء أردف: “عرفت إنهم في الإسكندرية ده مش جديد، الجديد تعرف لي فين في الإسكندرية”. “يا حاج عبد المنعم حضرتك سابقني دايماً بخطاوي كدة”.

“بس مش عاوز أسبقك في تحديدك لمكانهم في الإسكندرية يا طلعت، وتوصلهم لحد السرايا معززين مكرمين.. عاوزك تفاجئني بحاجة زي كدة، مش هستنى تليفون إنك لقيتهم، هستنى وأنت داخل عليا بيهم”. هز طلعت رأسه بالموافقة وأشار بإصبعه ناحية العين اليمنى واليسرى (علامة السمع والطاعة) ، فأشار الراوي بيده تدليلاً له بالانصراف.

ثم قبض الراوي على عصاه بشدة وهمّ قائماً من مقعده، متحركاً بهدوء ناحية البوابة الكبرى. جهّز له سائقه الخاص سيارته، وألقى تحية الصباح على العاملين بالساحة الخارجية للسرايا، وركب سيارته بهدوء متجهاً إلى مصانع المواد الغذائية الخاصة به.

كان ينوي أيضاً أن يزور مزارعه الخاصة التي تضم مزارع الحيوانات المنتجة للألبان واللحوم، ومزارع الفاكهة؛ فهو يمتلك الكثير من المزارع التي تمثل بالنسبة له المادة الخام لمصانعه. كل هذا اشترك هو وعبد الحكيم أخوه في تكبيره لحظة بلحظة، من مزرعة صغيرة تركها الأب.. بالمناسبة، أمير الراوي كان قد أخذ نصيبه من تركة وميراث أبيه قديماً، أما بالنسبة إلى عبد الحكيم وعبد المنعم فقد وضعا أيديهما سوياً واتحدا على العمل معاً.

في طريقه إلى أحد مصانع المواد الغذائية الخاصة به، غيّر هدفه ورأيه، وأشار إلى السائق بأن يغيّر طريقه إلى مزرعة العجول.. وقد كان. في المستشفى قابله مصطفى بوجه مرح: “صباح الخير يا قاسم.. يلا بقى شيلني واستلم الشغل ده”. “أكيد لازم تكون فرحان ما أنت هتروح”.

هز مصطفى رأسه مبتسماً: “يا ابني والله هموت وأنام، كفاية حالات الغم والهم اللي بشوفهم بالليل، مش عاجبني حال يا صديقي، كل أسبوع هغيّر ليستتي وبيني وبينك كدة هشوف شغل تاني برة، عاوز أتأهل بقى وأشوف حالي…” كاد أن ينهي حديثه ولكنه تذكر: “آه صح يا قاسم، عملت إيه مع البنت الكتكوتة؟ “كتكوتة مين..؟ .. آه تقصد البنت العبيطة.. أبداً، شوفتها الصبح وقال إيه قصدت ترمي أوراق كتكوتتها.. عفواً.. أوراق مدرستها قصادي وأنا في عربيتي”.

ظهر الاهتمام الممزوج بالمرح على وجه مصطفى: “ها وعملت إيه؟ كمل”. أكمل قاسم بلامبالاة: “هعمل إيه؟ دي بنت عبيطة مطبقة على مسلسل تركي، عديت على ورقها.. هو أنا فاضي؟ “حرام عليك ده أنت فقري! كنت انزل لم الأوراق معاها وبص لها كدة، وبعدها حبها، وبعدها عيونها تيجي في عيونك وقصة حب أسطورية”. “طيب يلا روح نام، أنا ورايا ليستة عمليات النهاردة ومش فاضي للكلام ده”. في الصعيد

دخل الراوي المزرعة بهدوء ولمحه الجميع، فانهالوا بالتقدير له، وقف لمن أتى ليسلم عليه وانهالوا عليه بالدعوات الصادقة الخارجة من القلب. المزرعة كبيرة جداً.. ما زال الراوي يمشي وخلفه ثلاثة من رجاله يحرسونه، وأثناء سيره التقى بصديق له يعمل بمزرعته، فاحتضنه الرجل بودّ وقابله الراوي بنفس التقدير وعلى وجهه ابتسامة دافئة تحمل تقديراً لصديقه. “كيفك يا صابر؟ مش بتيجي تقعد معايا ليه؟

“مشاغل يا حاج راوي، بس أنت في بالي والله وربنا يديم المحبة”. “مبسوط يا صابر هنا في الشغل؟ “ربنا يخليك لينا 1 2الصفحة التالية مدونة كامومنذ 12 ساعة 0 5 دقائق

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...