رواية سحر الراوي الجزء الخامس 5 بقلم الثناء ضاحي سحر الراويرواية سحر الراوي الحلقة الخامسة في مزرعة الراوي ظلّ عبد المنعم الراوي واقفًا بثباته المعتاد، بينما كانت عيناه الزرقاوان الضيقتان تراقبان وجوه الرجال من حوله في صمتٍ ثقيل. الصمت أحيانًا كان أكثر رعبًا من الصراخ، وعبد المنعم يعرف جيدًا كيف يجعل الصمت عقوبة. أشار صابر برأسه قائلاً بتردد: “اتفضل معايا يا حاج.”
تحرك الراوي بخطوات هادئة، وعصاه الذهبية تدق الأرض بإيقاع بطيء مرعب، وخلفه رجاله الثلاثة. أما العمال، فقد انسحبوا من الطريق تلقائيًا وكأن هيبته تشق لهم ممرًا خاصًا. وصلوا إلى الجهة الخلفية من المزرعة، تحديدًا عند حظائر العجول الجديدة. كانت الرائحة نفاذة قليلًا، وصوت الماشية يملأ المكان، لكن شيئًا آخر كان يملأ الأجواء… التوتر. وقف صابر أخيرًا وقال بصوت منخفض: “بص بنفسك يا حاج.” رفع الراوي عينيه ببطء… فتوقفت ملامحه.
هناك، يقف “أمير الراوي” في وسط الحظيرة، ممسكًا بسوط جلدي، وأمامه شاب صغير بالكاد تجاوز العشرين عامًا، منحني الرأس، وعلى وجهه آثار ضرب واضحة. كان أمير يصرخ بعنف: “يعني إيه العجل مات؟! هتدفع تمنه من روحك يا ابن الكلب! ثم رفع السوط مجددًا… لكن قبل أن يهبط السوط، دوّى صوت عبد المنعم الراوي بالمكان: “أميـــــــــــــر.” الصوت وحده كان كافيًا ليجمد الدماء بالعروق. التفت أمير فجأة، واتسعت عيناه للحظة قصيرة
قبل أن يحاول التماسك: “أخويا…” أما العامل الشاب، فقد تراجع للخلف بذعر واضح. اقترب عبد المنعم ببطء شديد، حتى توقف أمام العامل أولًا. نظر إلى آثار الضرب على وجهه، ثم سأله بهدوء مخيف: “اسمك إيه؟ “س… سيد يا حاج.” “العجل مات إزاي يا سيد؟ بلع ريقه بخوف: “والله يا حاج كان تعبان من يومين والدكتور البيطري شافه وقال حالته صعبة… وأنا عملت اللي عليا.” ظلّ عبد المنعم ينظر له ثوانٍ طويلة،
ثم أشار بعصاه لأحد رجاله: “هات الدكتور البيطري حالًا.” هز الرجل رأسه وتحرك مسرعًا. أما أمير، فبدأ يشعر بالاختناق من هذا الصمت البارد، فقال سريعًا: “يا خويا أنا كنت بربيه بس، العيال دي لو اتدلعوا الشغل هيبوظ.” رفع عبد المنعم نظره إليه أخيرًا… نظرة جعلت أمير يصمت تلقائيًا. “هو أنت بقيت تربي الناس بالسوط يا أمير؟ “أنا…” “أنا سألت سؤال.” ارتبك أمير لأول مرة: “لا… بس الغلط لازم يتعاقب.”
اقترب الراوي أكثر، حتى أصبح يقف أمامه مباشرة، ثم قال بصوت منخفض لكنه حاد: “الراوي عمره ما يمد إيده على غلبان يا أمير… اللي يخاف من قوته على الضعيف يبقى عمره ما كان قوي.” شعر أمير بالإهانة أمام الرجال، فاشتعل داخله الغيظ، لكنه لم يجرؤ على الرد. أما صابر، فكان واقفًا مطأطئ الرأس، لكنه شعر براحة داخلية؛ أخيرًا رأى عبد المنعم الحقيقة بعينه. وفي تلك اللحظة، وصل الطبيب البيطري مهرولًا.
سأله الراوي مباشرة: “العجل مات بسبب إيه؟ “فيروس يا حاج… وكان حالته متأخرة فعلًا.” ساد الصمت. ثم التفت عبد المنعم ناحية أمير ببطء شديد. “يعني الراجل مضربش ولا أهمل.” لم يرد أمير. فاكتفى الراوي بكلمة واحدة: “على البيت.” ثم تحرك مغادرًا. أما أمير، فوقف مكانه للحظات والنار تشتعل بداخله… لأول مرة يشعر أن صورته بدأت تهتز أمام أخيه. وفي الأعلى داخل السرايا…
كانت عزيزة تقف أمام المرآة تضع حُليّها بتوتر، وعقلها يدور بجنون. منذ الصباح وهي تشعر أن هناك شيئًا سيئًا سيحدث. دخلت ابنتها “شيماء” الغرفة وقالت بضيق: “ماما، هو صحيح عمي عبد المنعم زعلان من بابا؟ التفتت لها عزيزة سريعًا: “مين قالك؟ “الخدم بيتكلموا تحت.” ضغطت عزيزة على أسنانها بعصبية: “الخدم دول لو اتكلموا كتير هقطعلهم لسانهم.” ثم اقتربت من ابنتها وأمسكت وجهها: “اسمعيني كويس… إحنا ملناش دعوة بأي حاجة، فاهمة؟
هزت شيماء رأسها بتوتر. لكن عزيزة نفسها لم تكن مطمئنة… لأنها تعلم جيدًا أن عبد المنعم إذا بدأ يشك، فلن يتوقف قبل أن يعرف الحقيقة كاملة. في الإسكندرية… كانت وهج جالسة على مكتبها الصغير، تحاول مراجعة قوانين الفيزياء، لكن عقلها كان مشوشًا تمامًا. كلما حاولت التركيز، تذكرت وجه قاسم البارد، وكلامه المستفز، وصوت تحطم نظارتها تحت عجلات سيارته. تنهدت بضيق: “رخم… متكبر… ومستفز.” ثم عادت تنظر للكتاب. لكن فجأة… رن جرس الباب.
رفعت فاطمة رأسها من المطبخ: “وهج افتحي يا حبيبتي.” تحركت وهج ببطء، وما إن فتحت الباب حتى تجمدت مكانها. كان مصطفى يقف بالخارج مبتسمًا ابتسامة واسعة، ويحمل بيده كيسًا. رفع يده بتحية مرحة: “السلام عليكم يا جارتنا الكتكوتة.” اتسعت عيناها بدهشة وارتباك: “نعم؟! ضحك بخفة: “متقلقيش، أنا مش الدكتور الرخم… أنا صاحبه الطيب.” ثم رفع الكيس: “الدكتور قاسم بعت الحاجة دي.” نظرت للكيس بعدم فهم: “إيه ده؟ “نظارة جديدة.” تجمدت ملامحها.
أكمل مصطفى بخبث لطيف: “أصل سيادته اكتشف إنه سحق نظارتك الصبح… فضميره صحي فجأة.” ظهرت الصدمة على وجهها أكثر. قاسم؟! اشترى لها نظارة؟ لاحظ مصطفى شرودها فقال: “بصي… هو رخم آه، بس مش وحش.” أخذت الكيس بتردد: “شكرًا.” ثم كادت تغلق الباب، لكنه قال سريعًا: “آه صحيح…” توقفت. ابتسم بخبث: “الدكتور قالك بالحرف: قول للكتكوتة تبطل تمشي سرحانة.” اتسعت عيناها بغيظ: “كتكوتة تاني؟! لكن مصطفى كان قد انفجر ضاحكًا وغادر. أغلقت
الباب بعنف وهي تتمتم: “إنسان مستفز! لكنها رغم ذلك… فتحت الكيس ببطء. وكانت الصدمة الأكبر… النظارة تشبه نظارتها القديمة تمامًا… بنفس الشكل والتفاصيل الدقيقة. همست دون وعي: “هو إزاي خد باله أصلًا؟ في المستشفى… كان قاسم يقف أمام نافذة مكتبه يراجع بعض الملفات، لكن عقله لم يكن حاضرًا. صوت مصطفى دخل ساخرًا: “أخبار الكتكوتة إيه؟ رد ببرود: “اسمها إيه أصلًا؟ “الله… يعني مهتم تعرف اسمها؟ التفت له قاسم بضيق: “مصطفى…”
رفع مصطفى يديه باستسلام: “خلاص يا عم متبصليش كدة.” ثم اقترب منه بمكر: “بس بصراحة البنت شكلها محترمة.” أعاد قاسم نظره للملفات: “معرفش.” “بس شوفت في عينيها حاجة وهي بتتكلم.” صمت قاسم لحظة. نعم… رأى. رأى خوفًا… وبراءة غريبة. ليست كالفتيات اللواتي يعرفهن. لكن سرعان ما قست ملامحه مجددًا وهو يتذكر كلمات والده عن ابنة عمه الهاربة. كل النساء متشابهات بالنهاية. في سرايا الراوي… دخل أمير غرفته بعنف وصفق الباب خلفه.
انتفضت عزيزة: “في إيه؟ نظر لها بغضب مشتعل: “بسببك! ارتبكت: “أنا عملت إيه؟ اقترب منها بعنف: “عبد المنعم شاف اللي بيحصل في المزرعة، والعمال بقوا ياخدوا عليا… عاجبك كدة؟ حاولت تهدئته: “طب ما تهدى…” لكن أمير قاطعها: “أنتي من يوم ما دخلتي البيت ده والنكد داخل معاكِ.” اشتعلت عيناها بالدموع والغيظ: “آه طبعًا… أنا السبب في كل حاجة! أخوك ملاك وإحنا شياطين! ثم اقتربت منه بنبرة حادة: “ما أنت لو راجل بجد كنت أخدت حقك من زمان!
صفعها أمير فجأة. تجمدت ملامحها. حتى هو نفسه صُدم مما فعل. لكنها رفعت رأسها ببطء… وعيناها امتلأتا بحقد مرعب. همست: “قسماً 1 2الصفحة التالية مدونة كامومنذ 12 ساعة 0 5 دقائق
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!