رواية سحر الراوي الجزء السابع 7 بقلم الثناء ضاحي سحر الراويرواية سحر الراوي الحلقة السابعة الإسكندرية —بعد منتصف الليل الهواء في الممر كان ثقيلاً بشكل خانق… صامتًا… لكن الصمت نفسه كان يصرخ. وقف مصطفى ممسكًا ببطاقة قاسم بيده، بينما عينا وهج متسعتان بصدمة، ووجه فاطمة خلفها شاحب كأن الدم انسحب منه دفعة واحدة. أما قاسم… فقط كان ينظر. نظرة ثابتة حادة… يقرأ الوجوه كعادته.
التقط البطاقة من يد مصطفى ببطء، ثم رفع حاجبه وهو يلاحظ حالة الرعب الغريبة التي سيطرت على الاثنتين فجأة. “في إيه؟ خرج صوته هادئًا… لكنه كان كافيًا ليرجّ قلب فاطمة بالكامل. وهج شعرت للحظة أن صوت نبضاتها صار مسموعًا. قاسم عبد المنعم الراوي. ابن عمها. نفس قاسم الذي كانت تسمع اسمه منذ طفولتها كأنه أسطورة داخل السرايا… الطبيب العبقري… البعيد دائمًا… الغامض… الذي لا يعود إلا قليلًا. هو نفسه.
هو نفسه الشخص الذي تشاجرت معه منذ أيام على باب الشقة. هو نفسه الذي كسر نظارتها. وهو نفسه الذي وقف الآن يحميها دون أن يعرف أنها ابنة عمه أصلًا. يا الله… أي عبث هذا؟! قال مصطفى أخيرًا محاولًا كسر الصمت: “أظن الناس اتخضت شوية بس.” أبعدت وهج عينيها بسرعة عن البطاقة، بينما قالت فاطمة بصعوبة: “شكرًا… لتعبكم.” ضيّق قاسم عينيه. “تعبنا؟ ثم أضاف بنبرة هادئة لكنها مراقِبة: “واضح إن الموضوع أكبر من مجرد ناس بتخبط على باب.”
توترت فاطمة أكثر: “لا… مجرد سوء تفاهم.” رد مصطفى بسرعة وهو يشير للممر المحطم: “آه فعلًا… سوء تفاهم بسيط جدًا بمطواة.” كادت وهج تضحك رغم توترها، لكنها تماسكت بصعوبة. أما قاسم فلم يبتسم. كان يراقب. شيء ما في ردود فعلهم لا يريحه. خصوصًا الأم. تلك النظرة التي ظهرت بعينيها عندما سمعت اسمه… كأنها تعرفه. بل تخشاه. لكن قبل أن يتحدث… صدح صوت باب إحدى الشقق المجاورة بعنف.
خرجت سيدة ضخمة الجسد ترتدي روبًا منزليًا وتحمل بيدها “شبشبًا”، وهي تصرخ بانفعال: “في إيه يا جماعة؟! الساعة داخلة على واحدة بليل! هو فيه خناقة ولا فيلم هندي؟! نظر مصطفى لها بإنهاك: “والله يا طنط إحنا نفسنا نعرف.” لكن السيدة لم تهتم أصلًا، بل ركزت على قاسم: “وأنت يا دكتور! كل شوية مشاكل عندك! مرة ضحك وصويت ومرة خناقات! رفع قاسم حاجبه: “أنا؟ “أيوة أنت! ده أنت ناقص تفتح سيرك فوق.” هنا انفجرت وهج ضاحكة دون إرادة منها.
ضحكة صغيرة جدًا… لكنها خرجت حقيقية لأول مرة منذ فترة طويلة. التفتت الأنظار لها. اتسعت عيناها بإحراج: “آسفة.” لكن مصطفى أشار عليها بحماس: “أخيرًا! حد بيضحك على مصيبتي.” أما قاسم… فلأول مرة منذ بداية الليلة، ارتخت ملامحه قليلًا. شيء غريب في ضحكتها… خفيف. نظيف. بعيد تمامًا عن التمثيل والتصنع الذي يكرهه. لكنّه سرعان ما انتبه لنفسه فعاد ببروده المعتاد. قالت الجارة أخيرًا
وهي تشير بالشبشب: “المهم محدش يموت في العمارة عشان عندي ضغط.” ثم دخلت شقتها وصفقت الباب بعنف. ساد الصمت لثانيتين… قبل أن يتمتم مصطفى: “أقسم بالله دي أخطر من الرجالة اللي كانوا فوق.” وهنا فعلها قاسم أخيرًا… ضحك. ضحكة قصيرة جدًا… لكنها كانت حقيقية. شهقت وهج داخليًا بصدمة. البارد المتكبر يضحك؟! والمصيبة أن شكله وهو يضحك… كان مختلفًا تمامًا. انتبه قاسم لنظرتها سريعًا، فعادت ملامحه جامدة فورًا.
“ادخلوا واقفلوا الباب كويس.” ثم التفت ليغادر. لكن فجأة… خرج صوت وهج دون تفكير: “استنى! توقف. التفت ببطء. شعرت هي نفسها بالصدمة من اندفاعها. بلعت ريقها بسرعة: “أنا… كنت…” أنقذها مصطفى فورًا: “عاوزة تشكرينا أكيد.” هزت رأسها بسرعة: “آه… شكرًا.” رد قاسم بهدوء: “العفو.” ثم تحرك بالفعل ناحية شقته. أما وهج… فظلت واقفة مكانها تنظر لظهره بارتباك شديد. ابن عمها. يا الله… لو عرف من تكون…
تخيلت للحظة فقط شكل الصدمة بعينيه إن اكتشف الحقيقة. لكن الصدمة الأكبر؟ أنها لا تريد له أن يعرف. على الأقل الآن. في شقة قاسم… ما إن أُغلق الباب حتى خلع مصطفى سترته وألقى بنفسه على الأريكة كجثة هامدة. “أنا عاوز أفهم حاجة.” كان قاسم يغسل الدم عن يده ببرود: “إيه؟ رفع مصطفى رأسه: “إنت اتعلمت الخناقات فين؟ “عادي.” “عادي؟! يا ابني ده أنت قلبت الواد سجادة! تنهد قاسم: “مصطفى… خلصنا.”
لكن مصطفى لم يصمت: “لا مخلصناش. الناس دي شكلها مش طبيعي.” صمت قاسم للحظة. ثم قال بهدوء: “عارف.” “طب وهتعمل إيه؟ جفف يده بالمنشفة ببطء: “هعرف هما مين.” “عشان الجيران؟ هنا فقط… توقف قاسم لحظة قصيرة. قصيرة جدًا… لكن مصطفى لاحظها. رفع حاجبه بخبث: “آاااه… الجيران.” نظر له قاسم ببرود قاتل: “هتنام ولا أطلع أكملك الضرب اللي بدأته هناك؟ رفع مصطفى يديه: “خلاص يا عم.” ثم تمتم وهو يضحك: “بس الكتكوتة شكلها دخلت دماغك.”
رمقه قاسم بنظرة حادة… لكن الغريب أنه لم ينفِ. وفي الشقة المقابلة… أغلقت فاطمة الباب بالمفتاح أكثر من مرة، ثم جلست على الأريكة وكأن قدميها لم تعودا تحملانها. أما وهج فكانت لا تزال شاردة. “ماما…” رفعت فاطمة عينيها ببطء. “هو… هو فعلًا قاسم؟ أغمضت فاطمة عينيها بألم: “أيوة.” جلست وهج ببطء شديد. ثم ضحكت فجأة ضحكة قصيرة غير مستوعبة: “يعني أنا طول اليومين اللي فاتوا بتخانق مع ابن عمي؟! رغم التوتر… خرجت
من فاطمة ابتسامة باهتة: “واضح كدة.” وضعت وهج يدها على رأسها: “يا نهار أبيض… ده أنا قولتله همجي ورخم ومستفز! ثم اتسعت عيناها: “والكتكوتة! يا فضيحتي! ضحكت فاطمة رغماً عنها لأول مرة بصدق منذ شهور. لكن الضحكة اختفت سريعًا. “الموضوع أخطر من كدة يا وهج.” هدأت ملامح وهج تدريجيًا. “هو لو عرف…” أكملت فاطمة بصوت خافت: “مش هيعديها.” ساد الصمت. وهج تعرف هذا. منذ طفولتها كانت تسمع عن طباع عبد المنعم وقاسم. الكرامة أولًا.
العائلة أولًا. والهروب؟ خيانة لا تُغتفر. لكن… شيئًا ما داخلها رفض الصورة فجأة. قاسم الذي وقف أمام السلاح منذ قليل… لا يشبه الرجل القاسي الذي رسموه لها دائمًا. تنهدت وهي تتذكر ملامحه حين قال: “اطمنوا.” شعرت برجفة خفيفة في قلبها. وفي نفس اللحظة… رن هاتف فاطمة. تجمدت الاثنتان. نظرت فاطمة للشاشة… رقم مجهول. لكنها كانت تعرف. ردّت بأصابع مرتجفة: “ألو؟ جاءها الصوت الهادئ الثقيل الذي حفظته جيدًا: “مساء الخير يا أم وهج.”
شحب وجهها فورًا. عبد المنعم الراوي. أما وهج… فتجمدت مكانها كأن الهواء اختفى. قال عبد المنعم بهدوء مخيف: “وحشاني يا مرت أخويا.” لم ترد. فأكمل بنفس الهدوء: “إنتي زعلتي مني لدرجة تمشي من غير ما تقولي؟ أغمضت عينيها بألم: “إحنا مأذيناش حد.” “بس قلقتينا.” سقط قلب وهج. هو يعرف مكانهم إذًا. أكمل عبد المنعم: “المفروض كنتي ترفعي سماعة وتقولي لعبد المنعم إنك محتاجة حاجة… مش تهربي.” همست فاطمة: “إحنا مهربناش.” ساد الصمت لثوانٍ…
ثم جاء صوته أخطر: “أمال مستخبية ليه؟ ارتجفت أنفاسها. أما 1 2الصفحة التالية مدونة كامومنذ 13 ساعة 0 6 دقائق
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!