رواية سحر الراوي الجزء الثامن 8 بقلم الثناء ضاحي سحر الراويرواية سحر الراوي الحلقة الثامنة الإسكندرية —الثالثة والنصف فجرًا الصمت داخل الممر كان ثقيلًا بشكل غريب… ذلك النوع من الصمت الذي يأتي بعد العواصف، لكنه لا يحمل راحة… بل يحمل إحساسًا بأن الأسوأ لم يبدأ بعد. وقف قاسم أمام باب شقته للحظات، الورقة ما تزال بين أصابعه، وعيناه مثبتتان على الصورة القديمة. الصورة كانت باهتة فعلًا…
لكن ملامح الطفلة الصغيرة لم تكن تحتاج وضوحًا كبيرًا كي يعرفها. العينان الواسعتان. نفس البراءة. نفس النظرة المرتبكة التي رآها منذ قليل خلف الباب. وهج. أما الشيء الذي جعل الدم يبرد داخل عروقه للحظة… فكان الخلفية. السرايا. سرايا الراوي نفسها. رفع عينيه ببطء ناحية باب الشقة المقابلة. عقله بدأ يربط أشياء كثيرة دفعة واحدة… رد فعل الأم حين سمعت اسمه كاملًا. الخوف. الارتباك. الرجال الذين ظهروا فجأة. ثم تلك الصورة.
خرج صوت مصطفى من الداخل وهو يتثاءب: “يا عم أنت هتبات برا؟ لم يرد قاسم. فخرج مصطفى أخيرًا وهو يفرك عينيه: “إيه ده؟ اقترب منه وأخذ الصورة من يده، ثم عقد حاجبيه: “مين دي؟ صمت قاسم للحظات. طويلة. ثم قال بهدوء مخيف: “دي جارتنا.” اتسعت عينا مصطفى: “الكتكوتة؟! رفع قاسم نظره له ببرود قاتل. رفع مصطفى يديه فورًا: “خلاص آسف… الآنسة الكتكوتة.” لكن قاسم لم يكن يسمعه أصلًا. كان يفكر. يفكر بطريقة أخافت مصطفى نفسه.
لأن قاسم حين يصمت بهذا الشكل… يكون عقله قد دخل مرحلة خطيرة. أخذ الصورة منه مجددًا وقلبها بين أصابعه. ثم فجأة… ابتسم. ابتسامة صغيرة جدًا. باردة جدًا. “اللي حط الورقة دي… عاوزني أعرف.” شعر مصطفى بالتوتر: “تعرف إيه بالظبط؟ رفع قاسم عينيه ببطء. “إن جارتنا تبقى من عيلة الراوي.” وفي الشقة المقابلة… كانت وهج جالسة على طرف السرير تضم ركبتيها لصدرها بتوتر، بينما فاطمة تتحرك بالغرفة بعصبية واضحة.
منذ مكالمة عبد المنعم الأخيرة… وكل شيء انهار داخلها. أما وهج… فكانت تحاول فهم شيء واحد فقط: إذا كان عبد المنعم يعرف مكانهم… لماذا لم يأخذهم حتى الآن؟ لماذا يلعب معهم نفسيًا فقط؟ رفعت رأسها فجأة: “ماما.” توقفت فاطمة. “هو عمي عبد المنعم… بيكرهنا؟ انقبض قلب فاطمة بقوة. أغمضت عينيها للحظة ثم قالت بصوت مرهق: “عبد المنعم مبيكرهش بسهولة.” “أمال؟ نظرت لها طويلًا… وقالت الجملة التي جعلت وهج تصمت تمامًا:
“عبد المنعم لما بيتوجع… بيبقى مخيف.” ساد الصمت. ثم همست وهج: “وإحنا وجعناه؟ ضحكت فاطمة ضحكة باهتة موجوعة: “إحنا بالنسبة لعبد المنعم… لغز.” وفي الخارج… داخل السيارة السوداء. كان طلعت يجلس واضعًا ساقًا فوق الأخرى، يدخن سيجارته بهدوء قاتل، بينما سامح يضغط قطعة ثلج فوق فمه المتورم وهو يسبّ بصوت منخفض. رن هاتف طلعت. نظر للشاشة… ثم أجاب فورًا: “أيوة يا حاج.” جاء صوت عبد المنعم الراوي هادئًا كعادته، لكنه يحمل ثقلًا
يخنق من يسمعه: “قاسم عمل إيه بعد ما طلع؟ “واقف بيفكر.” “وصلته الصورة؟ ابتسم طلعت: “وصلته.” ساد الصمت لثوانٍ. ثم قال عبد المنعم: “وشه كان عامل إزاي؟ ضحك طلعت بخفة: “وش ابنك يا حاج… نفس النظرة.” هنا فقط… ظهر شيء أشبه بالابتسامة على وجه عبد المنعم. ابتسامة خفيفة جدًا لا يلاحظها أغلب الناس. لكنه قال بعدها بهدوء: “قاسم ذكي… بس لسه عاطفته بتغلبه.” “عاوزني أتحرك؟ “لا.” “ليه؟ أجاب عبد
المنعم وهو يشعل سيجاره: “لأن أهم لحظة لسه مجتش.” “تقصد؟ خرج صوته منخفضًا… ثقيلًا: “لما ابني يكتشف إن البنت اللي بدأ يبصلها… هي نفسها سبب أكبر وجع دخل بيت الراوي.” في سرايا الراوي… كانت عزيزة تقف بشرفة غرفتها بعصبية، تراقب العمال بالساحة كأنها تريد تفريغ غضبها بأي شيء. أما أمير… فكان جالسًا بصمت يشرب الشاي، ملامحه متجهمة بشكل واضح. التفتت له فجأة: “عبد المنعم ناوي على إيه؟ لم يرد. صرخت بانفعال: “بكلمك!
رفع أمير عينيه أخيرًا بضيق: “وإنتي عاوزاني أجيب اللي في دماغ أخويا منين؟ اقتربت منه: “من ساعة ما عرف مكان فاطمة وهو هادي زيادة عن اللزوم… وده مش طبيعي.” تنهد أمير بضيق: “عبد المنعم لما يهدى… يبقى بيخطط.” شعرت عزيزة بانقباض غريب: “طب وإحنا؟ ضحك أمير بسخرية مريرة: “إحنا؟ إحنا ندعي بس منبقاش وسط اللي هيحصل.” في شقة قاسم… كان مصطفى يدور خلفه كالمحققين بينما قاسم يجلس صامتًا فوق الأريكة والصورة أمامه.
“طب استنى نفكر بالعقل كدة…” لم يرد قاسم. أكمل مصطفى: “يعني إيه البنت من عيلة الراوي؟ بنت عمك مثلًا؟ رفع قاسم عينيه له. هنا فقط… بلع مصطفى ريقه. “يا نهار أبيض… متقوليش.” عاد قاسم ينظر للصورة. ثم قال بهدوء: “وهج.” “نعم؟ “اسمها وهج.” ابتسم مصطفى فجأة: “الله! أخيرًا حفظت اسم الكتكوتة.” “مصطفى.” “خلاص يا عم.” لكن مصطفى صمت فجأة وهو يلاحظ شيئًا غريبًا. قاسم… لم يكن غاضبًا. كان مشوشًا فقط. وده أسوأ.
لأن قاسم حين يتشوّش… يعني أن شيئًا دخل تحت جلده فعلًا. قال مصطفى بحذر: “هتعمل إيه؟ صمت قاسم للحظة. ثم وقف فجأة. “هعرف الحقيقة.” وفي نفس اللحظة… رن جرس الشقة المقابلة. تجمّد الجميع. رفعت وهج رأسها بخوف: “مين ده؟ اقتربت فاطمة من الباب ببطء شديد، وقلبها يخبط بعنف. لكن قبل أن تنظر من العين السحرية… جاء صوت مألوف من الخارج: “افتحي يا كتكوتة… أنا مش بلطجي المرة دي.” اتسعت عينا وهج: “مصطفى؟ فتحت الباب بحذر…
لتجد مصطفى واقفًا يحمل كيسًا كبيرًا مليئًا بالأدوية والقطن الطبي، وخلفه قاسم يقف بصمت وملامحه جامدة بشكل أربكها فورًا. ارتبكت: “في إيه؟ رفع مصطفى الكيس: “جايين نعمل صلح دبلوماسي بعد الحرب العالمية اللي حصلت فوق.” رغم توترها… كادت تضحك. لكنها انتبهت لنظرات قاسم. كان ينظر لها بطريقة مختلفة الليلة. أهدأ. لكن أعمق. شعرت بالتوتر فورًا.
قال مصطفى وهو يدخل بدون استئذان تقريبًا: “بصي يا ستي… سيادة الدكتور قاسم عنده عقدة ذنب بسبب النظارة والمرمطة والمطواة والخناقة وكدة… فقال نيجي نطمن عليكم.” شهقت وهج: “هو قال كدة فعلًا؟ رد مصطفى فورًا: “لأ طبعًا، ده لو يعترف يبقى نهاية العالم.” رمقه قاسم بنظرة قاتلة: “إنت مبتتعبش؟ “في سبيل الإنسانية لا.” أما فاطمة… فكانت واقفة تنظر لقاسم بصمت شديد. كلما رأته أكثر… رأت عبد المنعم فيه أكثر.
نفس الهيبة الهادئة. نفس العيون. حتى طريقة الوقوف. لكن الفرق الوحيد… أن قلب قاسم لم يصبح حجرًا بعد. قال قاسم أخيرًا وهو ينظر لفاطمة مباشرة: “واضح إنكم في مشكلة.” توترت وهج فورًا: “لا أبدًا.” لكن قاسم قاطعها بهدوء: “أنا مبحبش الكذب.” ساد الصمت. ثم أضاف: “والناس اللي كانوا برا… مش جايين عشان شركة الغاز.” ابتسم مصطفى فجأة: “الحمد لله أخيرًا حد قالها.” لكن قاسم لم يبتسم. كان ينظر لفاطمة مباشرة. “مين الناس دي؟
انقبضت يد فاطمة. وهنا فقط… رن هاتف قاسم. نظر للشاشة… فتغيرت ملامحه بالكامل. عبد المنعم الراوي. شعرت 1 2الصفحة التالية مدونة كامومنذ 13 ساعة 0 5 دقائق
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!