"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين " ثمّة أرواحٌ لا تُهزم بالحضور، بل تُؤسر بالصمت. وأحيانًا، لا يكون الحبُّ وعدًا يُقال، بل قدرًا يُخفى حتى يثقل القلب به. يأتي شخصٌ واحد، فيُعيد ترتيب الأولويات دون استئذان، فتغدو النفس آخر ما يُضحّى به، ويصبح هو البداية والنهاية، والسرَّ الذي يُتقن صاحبه دفنه خلف ابتسامةٍ هادئة. وما أقسى أن يطول الاختباء، بينما القلب يصرخ باسمٍ لا يجرؤ اللسان على النطق به...
فليست كل المشاعر تُخلق لتُقال، بعضها لا يعرف طريقه إلى النور إلا بعد أن يُنهك الظلام. ولعلَّ أجمل الحبِّ هو ذاك الذي يختار صاحبه ألفَ مرة، حتى وهو يعلم أن الاعتراف قد يُغيّر كل شيء. فبعض القلوب لا تتمنى سوى فرصةٍ واحدة... لتُحبَّ علنًا، بعد عمرٍ كاملٍ من الصمت. توقَّف آسر، وعيناه معلَّقتان بها في حيرة، ثم قال بهدوء يخفي قلقًا متصاعدًا: _ما بترديش ليه؟ رفعت إليه نظرة باردة، وأجابته باقتضاب: _إنتَ مالك؟
جذبت باب السيارة لتغلقه، لكنَّه وضع يده عليه، ظلَّ ثابتًا كالجدار، يراقب ملامحها التي كانت تخفي شيئًا أكبر من مجرَّد غضب. انحنى قليلًا ليصبح في مستوى عينيها، وقال بنبرةٍ حاسمة: _مش هتمشي... إلَّا لمَّا تقولي مالك. فتحت فمها لترد، لكن رنين هاتفها قطع حديثهما. وقعت عيناها على اسم المتَّصل، نظر آسر الذي اعتدل واقفًا، وقد تبدَّلت نظراته إلى سخرية ممزوجة بالغيرة: _رايحة له، وياترى دا كمان كوبري لهدف جديد؟
اخترقت كلماته قلبها كالسكِّين، لكنها أخفت وجعها خلف ابتسامة ساخرة: _أيوة..بالظبط زي ما بتقول، وسَّع بقى علشان ماتأخَّرش عليه. نظر إليها لثوانٍ، وداخله نيران تريد إحراقها،ماذا فعل لها حتى تفعل به ذلك؟ ترك الباب فجأة، فأغلقته بقوَّة اهتزَّت لها السيارة، واستدار يبتعد بخطواتٍ سريعة، يغلي من الداخل. تابعته بعينينِ امتلأتا بالألم، وهمست من بين أسنانها: _بجح... أدارت محرِّك السيارة، وانطلقت، ثم ضغطت على هاتفها: _رولا...
إنتِ فين؟ جاءها صوتها متقطِّعًا: _رايحة بيت كارما. انتفض قلب آسيا: _رولا..بلاش، يمكن يكون زي المرَّة اللي فاتت... متروحيش لوحدك. ارتفع صوت أنفاس رولا، وقالت بصوتٍ مختنقًا بالبكاء: _لازم أنتقم يا آسيا... لازم آخد حقِّي. أغمضت آسيا عينيها للحظة، ثم قالت بمحاولةٍ لاحتواء انهيارها: _حاضر يا حبيبتي... بس أوعي تثقي فيه، إنتِ ما تعرفيش الراجل ده ممكن يعمل إيه، أنا جاية حالًا... استنيني. _تمام... أُغلق الخط.
ظلَّت رولا تحدِّق في الطريق أمامها، لكن عينيها لم تريا شيئًا... فقد كانت ترى تلك الليلة بتفاصيلها القاسية.. ملابسها الممزَّقة... ارتجاف جسدها، لحظة وصول بلال إليها... ثم يوم زفافها... ونظرات الجميع إليها وكأنَّها عارية.. وكلماتهم التي دفنتها حيَّة، وهي ما زالت تتنفَّس..زواج زوجها بأخرى.. اختنق صدرها، وانهمرت دموعها بلا رحمة، حتى غامت الطريق أمامها، ولم تعد قادرة على السيطرة على شهقاتها. دوى رنين الهاتف من جديد..
مسحت دموعها سريعًا، وتوقَّفت بالسيارة ثم أجابت بصوتٍ مبحوح: _أيوة يا حبيبتي... إنتِ فين، بتِّصل بيكي ما بترديش؟! قالها آسر منتظرًا حديثها، وهو ينزع قميصه، ولكنَّه توقَّف على صوتها الباكي: _رايحة للرجل اللي دمَّر حياتي يا آسر. شحب وجهه من كلماتها، ماذا تقصد؟! _تقصدي إيه يا رولا؟ ساد صمتٌ ثقيل، ثم قالت وكأنها أفاقت من اندفاعها: _ولا حاجة... إنتَ كنت متَّصل عايز حاجة؟ اشتدَّت قبضته على الهاتف: _رولا... إنتِ فين؟ _برَّة.
قالتها بصوتٍ غارقٍ في البكاء. لم ينتظر ثانية.. التقط مفاتيح سيارته واندفع خارجًا. _ابعتيلي اللوكيشن... حالًا. خرج صوتها مرتجفًا، لكنَّه كان مليئًا بإصرارٍ مخيف: _آسر... لازم آخد تاري بإيدي... لازم أموِّته... الحيوان ده. توقَّف قلبه للحظة: _رولا... اسمعيني، أوعي تعملي أي حاجة..استنيني، أنا جاي. _لازم أقفل... آسيا معايا، ما تقلقش. قالتها وانقطع الاتِّصال. ظلَّ الهاتف بين يديه، بينما عاد إلى ذاكرته صوت آسيا قبل قليل...
وهي تصرخ في الهاتف، بصوتٍ مزَّقه الرعب. ركض اإى سيارته سريعًا، ورفع هاتفه للاتِّصال بأخته ولكن لا يوجد رد، قاد السيارة وخرج، رأته سدن يخرج بتلك الطريقة، تحرَّكت خلفه: _آسر... التفت إليها وأشار بيده: _عندي مشوار مهم. استقلَّ السيارة وقادها بسرعة جنونية وهو يحاول الاتصال برولا. عند رولا، وصلت إليها آسيا، صفَّت سيَّارتها على جانب الطريق، ثم اتَّجهت إليها، وجدتها جالسة تبكي بانهيار... جلست بجوارها وضمَّتها تمسِّد
على ظهرها: _اهدي حبيبتي. _أنا لازم أقتله يا آسيا، بس لازم أسأله ليه عمل فيَّ كدا أنا معرفوش!! ضمَّت وجهها بين راحتيها: _حبيبتي، اهدي، إحنا نكلِّم خالو وهوَّ هيتصرَّف، دا مجرم مينفعش نتعامل معاه. هزَّت رأسها وقامت بقيادة السيارة متَّجهة إلى شقَّة كارما. _رولا اسمعيني. هزَّت رأسها ودموعها تغرق وجنتيها، تغمض عيناها تحاول ان تمحي تلك الصور. وصلت إلى المبنى الذي تقطن به كارما. ارتفع رنين هاتف آسيا باسم آسر، نظرت لرولا،
فقالت لها: _أنا لازم أطلع، مش هخسر قدِّ اللي خسرته. خلِّيكي هنا، لو اتأخَّرت يبقى كلِّمي بابا. _لا هاجي معاكي. أمسكت كفَّيها وما زالت دموعها تغرقها: _آسيا لو سمحتي، خلِّي دايمًا ثقتي فيكي كبيرة، مينفعش تيجي، أنا رايحة على تليفون كارما. _ما هو علشان كدا محدش هيشك. _مقدرش أخدك معايا، مش عايزة آذيكي. _مش هسيبك، كلِّ هذا والهاتف يعلو برنينه باسم آسر، رفعته أخيرًا وردَّت: _عايز إيه؟ _أنا جاي، متخليش رولا تتهوَّر. اتَّجهت
بنظرها لرولا: _إنتي قولتي لآسر؟ أومأت وتحرَّكت... بينما استمعت آسيا إلى صوته الخائف: _آسيا أنتوا فين، أوعي تتحرَّكوا أنا جاي. _آسر كلِّم خالو... بلاش إنتَ ممكن يؤذيك. صرخ بغضب: _قولي أنتوا فين؟ _آسفة..مش هقولَّك. قالتها وأغلقت الهاتف تنظر إليه، ثم رفعت الهاتف وقامت بمهاتفة يزن: _خالو.. _أيوة حبيبة خالو. _رولا... إلحق رولا عند كارما، مش عارفة أقول غير كدا.
نهض من مكانه معتذرًا عن اجتماعه.. وتحرَّك من الشركة وهو يحاول الوصول لبلال ولكن هاتفه مغلق: _عملت إيه يا بن أرسلان، والله لأطلَّقها منك وأريَّحها من القرف دا. قاد سيَّارته وتحرَّك متَّجهًا إلى منزل كارما. عند مالك.. وصل إلى المكان الذي يحتجز به كندا، وأشار لفريقه بالتعامل بحذر، انقضَّ الفريق بهدوء حتى وصل إليها مالك وأخرجها من ذلك المنزل مع القبض على كلِّ من فيه. بمكانٍ آخر...
داخل المبنى الإداري لشركات معتز، كان يجلس مع أحد كبار المستشارين القانونيين والضرائب، يراجع ملفَّات تخصُّ عددًا من القضايا المتعلِّقة بشركاتٍ كبرى، من بينها الشركة الأم التي يساهم فيها نخبة من رجال الأعمال. في الجهةِ الأخرى... ترجَّل إلياس من سيَّارته، ليجد سارة تقف أمام المبنى الذي يقطنه معتز، ما إن رأته حتى أسرعت نحوه وأشارت إلى الأعلى. ـ عارف شقِّته... بس إيه اللي جابك هنا، مش قولتلك هتصرَّف؟ هزَّت رأسها بقلق،
وقالت: ـ طمِّني... هتعمل إيه؟ إلياس، أنا عارفة إنِّ معتز عايز ينتقم من يزن، بس هوَّ ميعرفش الحقيقة، اقعد معاه وفهِّمه. أنا كمان كنت فاهمة غلط، لكن بقالي فترة بدوَّر وراكم... وعرفت حاجات كتيرة. اكتفى بكلمة واحدة: ـ تمام. استدار ليتحرَّك، لكنَّها أسرعت خلفه وأمسكت بذراعه: ـ هتعمل إيه؟ هبطت عيناه على يدها المتشبِّثة به، ثم رفع بصره إليها..لم ينطق، لكن نظرته وحدها جعلتها تسحب يدها سريعًا وهي تتمتم باعتذار:
ـ أنا هطلع معاك... مش هسيبه يؤذيك..إنتَ متعرفش راجح عمل فيه إيه. قال بصرامة حاسمة: ـ مدام سارة... ارجعي بيتك، وأنا هتصرَّف. وقفت أمامه تمنع طريقه، وهمست بخوف: ـ متخلنيش أندم إنِّي قولتلك. كل ذلك كان تحت أنظار ميرال... كانت تقف على مسافة، تتابع المشهد بصمت، عيناها لا تفارقان سارة، تتأمَّل فستانها القصير الذي يصل إلى ركبتيها، وخصلاتها المنسدلة، وعينيها الزرقاوين اللتين أشعلتا داخلها نارًا لم تستطع إخفاءها.
شعرت بغيرة جارفة تكاد تدفعها للصراخ في وجهها. لحظات ورأت إلياس يدخل المبنى، بينما بقيت سارة تراقب صعوده بقلق. مرَّت دقائق قليلة... ثم اتَّخذت سارة قرارها، ودخلت خلفه..اشتعلت عينا ميرال. التقطت هاتفها واتَّصلت به: ـ إنتَ فين؟ أجابها: ـ عندي مشوار مهم... مش قولتلك قبل ما أخرج؟ قالت بحدَّة غاضبة: ـ يعني سايب بابا مصطفى وهوَّ تعبان ورايح مشوار؟ تنهَّد بضيق: ـ ميرال... لازم أقفل. قالها وأغلق الخط دون أن يمنحها فرصة للرد.
في الداخل... وقف إلياس أمام الخادمة: ـ معتز باشا موجود؟ أومأت برأسها: ـ أقول له مين؟ لكن إلياس لم ينتظر إجابة..أزاحها برفق جانبًا، ثم اندفع إلى الداخل، يتفحَّص المكان بعينينِ يقظتين، وجد المكان كما صوَّره أرسلان. اتَّجه مباشرةً نحو المكتب..على صوت ضحكات.. صرخت الخادمة وهي تلاحقه: ـ يا باشا... مينفعش كده! دفع الباب... ليتجمَّد إلياس بوقوفه.. فقد كان معتز غارقًا في معصية مع سكرتيرته الخاصَّة.
نظر إليه إلياس باشمئزازٍ صامت، دون أن ينطق بكلمة واحدة، ثم استدار وغادر المكتب. أمَّا الفتاة، فجمعت ثيابها المرتبكة وركضت إلى الحمَّام وهي ترتجف. تجمَّد معتز لثوانٍ ليستوعب ما حدث. أغلق أزرار قميصه بعصبية، ثم اندفع إلى الخارج، يصبُّ غضبه على الخادمة: ـ إيه اللي حصل؟! ارتبكت وهي تقول: ـ والله يا باشا... هوَّ اللي زقِّني ودخل! تجاوزها بعنف...
وتحرَّك يبحث عن إلياس الذي كان يجلس بكلِّ هدوء، واضعًا ساقًا فوق الأخرى، ينفث دخان سيجاره في بطءٍ قاتل، وكأنَّه صاحب المكان. توقَّف معتز أمامه: ـ إنتَ مين، وعايز إيه؟! نهض إلياس ببطء. التقت أعينهما... وفي تلك اللحظة، شعر الياس بأنَّ الزمن عاد ثلاثين عامًا إلى الوراء. ملامحه... نظراته... بروده القاتل... كلُّ شيء أعاد إليه صورة راجح. رغم أنَّ الرجل الواقف أمامه لا يحمل قطرةً من دمه، ولكن رائحته...
وهيئته.. ونظرته، كانت كفيلة بأن تبعث الماضي حيًّا أمامه. اقترب إلياس خطوة.. وعيناه لم تفارقا عيني معتز. ثم قال بصوتٍ منخفض، لكنَّه يحمل من الوعيد ما يكفي لإسقاط جبل: ـ وصلني إنك بتدوَّر ورايا... وورا عيلتي. ابتلع معتز ريقه، لكنه أخفى ارتباكه وقال بجفاء: ـ إنتَ مين، وجاي عايز إيه؟! ابتسم إلياس ابتسامة باردة ثم دفع المقعد بقدمه قبل أن يقبض على ياقة قميصه ويجبره على الجلوس بعنف.
اقترب من وجهه حتى كادت أنفاسهما تتلامس، وقال بصوتٍ خرج كالفحيح: ـ دمَّك... يا حيوان.. نهض معتز من مكانه وقد اشتعل وجهه غضبًا، وصاح في الخادمة: ـ اتِّصلي بالأمن... حالًا، خلِّيهم يرموا الكلب ده برَّه بيتي! لكن كلماته لم تكتمل... فجأة، دوى صوت صفعةٍ عنيفة..بكلِّ ما يحمله إلياس من غضبٍ دفين، لترتطم بوجه معتز بقوَّة جعلته يترنَّح عدَّة خطواتٍ إلى الخلف، وقد سال خيط رفيع من الدم من زاوية فمه. وفي تلك اللحظة...
اندفع باب الشقَّة: ـ إليــــاس... لأ! صاحت بها سارة بصوتٍ ممزوجٍ بالرعب. لكن إلياس لم يسمعه... لم يعد يرى معتز. كان يرى راجح. يرى ذلك الوجه الذي طارده في كوابيسه سنواتٍ طويلة، وذلك الماضي الذي لم يمت يومًا..ثار جنونه، كلَّما تذكَّر ما فعله برولا، وآسر، وكارما.. فاتَّسعت عيناه، واشتعلتا بجنونٍ مرعب. ينقضُّ عليه كالإعصار..لم ير سوى انهيار يزن بما فعله بأولاده، ولم يذهب عنه حادثة انتحار رولا، هنا ارتفع الغضب أكثر وأكثر.
لكمة... ثم أخرى... ثم ثالثة... حتى اختلطت الدماء بالغضب. ولم يكن معتز بالرجل الذي يستسلم. فردَّ الضربة بأخرى، ثم أمسك إلياس من قميصه، ليتحوَّل المكان إلى ساحة قتالٍ حقيقية، تتطاير فيها المقاعد، وتسقط الطاولة الزجاجية على الأرض، متناثرة إلى عشرات الشظايا..وكلٍّ منهما ينتظر أن يقضي على الآخر. صرخت سارة وهي تحاول بكلِّ قوَّتها إبعاد إلياس عنه: ـ إلياس... كفاية! اسمعني... لو سمحت! لكنَّه كان خارج حدود الوعي..
دفعته من كتفيه بكلِّ ما تملك من قوَّة، وهي تصرخ والدموع تملأ عينيها: ـ إيَّاك... سمعتني؟ إيَّاك تقرَّب منه تاني! التقط إلياس أنفاسه بصعوبة، وكاد يتراجع... لكن اشتعلت نيران الحقد داخل معتز، فاندفع فجأة، ودفع سارة بعنف حتى ارتطمت بالأريكة، ثم استدار نحو إلياس بعينينِ تقدحانِ شررًا.. يزمجر بغضب: ـ يبقى كنت متَّفقة معاه من الأوَّل... ثم ابتسم ابتسامة مخيفة، ومدَّ يده إلى ظهره.. في ثانية واحدة... أخرج مسدسه.
رفع السلاح بثبات، ووجَّه فوهته مباشرةً إلى رأس إلياس. صمتٌ بالمكان سوى من أنفاسهما المرتفعة من القتال. ارتسمت على شفتي معتز ابتسامة شيطانية وهو يقول ببرودٍ قاتل: ـ أهلًا يا إلياس باشا... واضح إنَّك جيت لقضاك بنفسك. ارتسمت على شفتي إلياس ابتسامة ساخرة، وهو يهزُّ رأسه باستهانة: ـ شكلك معرفتش تتعلِّم من راجح أصول اللعب. اشتعلت عينا مايكل بالجنون، وصاح وهو يلوِّح بسلاحه: ـ هموِّتك... إنتَ وكلِّ عيلتك!
صرخت سارة بذعر، تحاول تهدئته وهي تتقدَّم نحوه بخطواتٍ مرتجفة: ـ مايكل... اسمع إلياس هيقول إيه... لكن كلماتها لم تكتمل.. التفت إليها بعينينِ تقدحان نارًا، ثم قبض على شعرها بعنف، وجذبها حتى سقطت أرضًا وهي تصرخ من الألم: ـ هموِّتك يا كلبة... بعتيني! وفي لحظة غفلة... اندفع إلياس نحوه كالصاعقة، ودفعه بكلِّ قوَّته، فاختلَّ توازنه وسقط على ركبتيه، بينما انزلق المسدس بعيدًا بعدما ركلها إلياس بقدمه.
وقف أمامه شامخًا، ونظراته تفيض احتقارًا: ـ بتتشطَّر على ست؟! اقترب منه خطوة، وانحنى حتى أصبحت عيناه في مستوى عينيه: ـ لمَّا إنتَ راجل وشاطر كده... ليه ما واجهتنيش..ولَّا الجبان عمره ما يعرف يواجه؟ ظلَّ معتز يحدِّق به، يلهث من الغضب، بينما أكمل إلياس بصوتٍ منخفض، لكنَّه أشدُّ رعبًا من الصراخ: ـ واحد قذر زيَّك... أقدر أفعصه تحت جزمتي، ولا يفرق معايا..بس أنا راجل قانون... ومش هوسَّخ إيدي بواحد زيَّك. مال نحوه أكثر، حتى
أصبحت كلماته كالسكاكين: ـ بس اسمعها منِّي كويس... لو فكَّرت تقرَّب من عيلتي... هنسى إنِّي متربِّي، وساعتها... محدش هيعرف يوقَّفني. اعتدل في وقفته، ثم أشار إلى سارة دون أن يرفع عينيه عن معتز: ـ خدي الحيوان ده وابعدوا عن طريقي... قبل ما أكرَّهكم الحياة نفسها. ثم استدار إلى معتز، الذي كان يقف متجمِّدًا، يشعر بنيرانٍ متأجِّجة من استهانة إلياس به. ابتسم إلياس ابتسامة خالية تمامًا من الرحمة:
ـ بلاش تخلِّيني أطلَّع كرهي لراجح فيك، صدَّقني... ساعتها هتتمنَّى الموت ومش هتلاقيه. تقدَّم خطوة نحوه، ونظر إليه من أعلى إلى أسفل باحتقارٍ واضح: ـ أنا مش شايفك غير حشرة تتدَّاس بالجزمة، ولو راجل... فكَّر بس تقرَّب من أي حد من عيلتي. قالها ثم ركله بقدمه ركلة أطاحته للخلف. رمقه بنظرة اشمئزازٍ أخيرة، قبل أن يستدير ويغادر المكان بخطواتٍ ثابتة. خرج إلياس من المنزل، لكنَّه ما إن ابتعد حتى أخرج هاتفه وضغط على أحد الأرقام..
ما إن جاءه الرد حتى قال مباشرة: ـ عملت إيه؟ ردَّ أرسلان برضا: ـ الشركات مفيهاش ولا غلطة... بس متقلقش، لعبت له في عدَّاد عمره. ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي إلياس: ـ عاش يا وحش. أردف إلياس بثقة: ـ وأنا كمِّلت شغلي... ورميت له الطُعم، متأكِّد هيتجنِّن، دلوقتي عايزك تسحب كل خيوط الأمان من قدَّامه... عايزه يتجنِّن. توقَّف إلياس بجوار سيارته، يتابع حديثه وأغمض عينيه لثانية قبل أن يسحب نفسًا عميقًا يخرجه ببطء، كأنَّه
يحاول كبح غضبه: ـ أرسلان... الراجل ده مش غبي، أي غلطة هتكلِّفنا كتير..أنا عايزه يقع بنفسه... من غير ما نخسر حد. صمت لحظة، ثم أكمل بنبرةٍ أكثر جديَّة: ـ وكويس إنِّ أخته كانت موجودة النهارده... غيَّرت حاجات كتير. ردَّ أرسلان سريعًا: ـ مالك وصل للبنت، ونضَّف المكان كلُّه، والدنيا تمام... وحتى الشركة اتزرع فيها اللي إحنا عايزينه. أطرق إلياس برأسه في رضا: ـ برافو... خلِّي كل واحد ياخد حقُّه، بس في وقته. تردَّد
أرسلان قبل أن يسأل: ـ طيب... كده ممكن يؤذي الولاد. فتح إلياس باب سيارته، مرَّر أصابعه بين خصلات شعره للخلف، وعيناه معلَّقتان في الفراغ: ـ عيب لمَّا تقول كدا، المهم أنا مستنِّي منه الغلطة دي. قالها ببرود، ثم أكمل: ـ اسحب الأمن كلُّه من حوالين الولاد... لكن عينك متفارقهمش لحظة. أوَّل ما يحاول يتحرَّك... أعرف قبل ما يعملها، أكيد فهمتني. ـ تمام..عمُّو مصطفى عامل إيه؟
تبدَّلت ملامح إلياس في لحظة، وانطفأ ذلك الجمود الذي كان يكسو وجهه.. وهمس بصوتٍ مثقل: ـ للأسف... تعبان ساد الصمت بينهما لثوانٍ، قبل أن يقول أرسلان بحزن: ـ شدِّ حيلك، طب إيه رأيك نروح الفيلَّا؟ تنهَّد إلياس وهو يركب السيارة: ـ هشوف الدنيا وأردِّ عليك، لازم أرجع دلوقتي.. إنتَ خلِّيك ورا معتز، عايز أعرف نفسه هتودِّيه لفين، وكارما... انقلها من الشقَّة لمكان آمن لحدِّ ما تسافر. ـ حاضر، مالك بيتِّصل... هقفل وأكلِّمه، سلام.
أنهى إلياس المكالمة، وألقى الهاتف على المقعد المجاور، ثم أدار المحرِّك، لتنطلق سيارته تشقُّ الطريق بسرعة. في شقَّة كارما.. دلفت رولا إلى الداخل، تتبعها آسيا بخطواتٍ متردِّدة. ما إن أغلقت الباب حتى وجدتا كارما تقف في منتصف الصالة، شاحبة الوجه، تضغط على شفتيها بقوَّة، وهي تهزُّ رأسها في ذعر. همست بصوتٍ مرتجف: ـ ليه جيتي؟! قطبت رولا حاجبيها، ولم تستوعب ما يحدث: ـ في إيه؟
خرج من الممر رجل ضخم الجثَّة، عيناه باردتانِ كالموت، يتقدَّم نحوهما بخطواتٍ واثقة. استدارت رولا تبحث بعينيها في المكان: ـ معتز فين؟ لم يجبها أحد. وفجأة... هوى الرجل بمؤخرة سلاحه على رأس كارما. صرخة مكتومة، ثم سقط جسدها على الأرض بلا حراك. شهقت آسيا، بينما تجمَّدت رولا مكانها. في تلك اللحظة، خرجت الممرِّضة من إحدى الغرف، تصوِّب سلاحها مباشرةً إلى رأس الرجل. رفعت هاتفها بسرعة وقالت: ـ أرسلان باشا... كلُّه تمام.
جاءها الرد مختصرًا: ـ جاي لك. دفعت الرجل بحدَّة وهي تشير إلى رولا وآسيا: ـ اطلعوا برَّة... بسرعة! حدقت بها رولا بعدم فهم: ـ إنتِ مين، ومعتز فين..هوَّ مش هنا؟! نظرت إليها الممرِّضة بعجلة: ـ لو سمحتي... مفيش وقت، لازم تخرجي حالًا. لكن الرجل لم يمنحها فرصة. اندفع بجسده للخلف بقوَّة، فاصطدم بها، فسقطت أرضًا، وانفلت السلاح من يدها.
وفي حركةٍ احترافية خاطفة، ركل السلاح بقدمه، التقطه قبل أن تلمسه، ثم أطلق رصاصة كاتمة للصوت استقرَّت في جسدها.. انهارت الممرِّضة على الأرض. صرخت آسيا بفزع، وارتمت تتشبَّث برولا، التي اتَّسعت عيناها وهي تنظر إلى كارما والممرِّضة، الغائبتين عن الوعي. ثم قبض الرجل على ذراع آسيا بعنف، وجذبها إليه، ثم وجَّه السلاح نحو رأسها.. وقال بصوتٍ جليدي: ـ ولا كلمة... ولا حركة، هتموتي إنتِ وهيَّ. ثم ثبَّت عينيه على رولا:
ـ هتنزلي زي الشاطرة، تركبي العربية اللي تحت، أي حركة غبية... حياتكم تمنها. نظرت رولا إلى آسيا، التي كانت تبكي وهي تحاول الإفلات من قبضته، ثم إلى كارما والممرِّضة الممدَّدتين على الأرض. ابتلعت غصَّتها، وأومأت سريعًا: ـ سيبها... وأنا هاجي معاك. ابتسم الرجل بسخرية: ـ تمام... انزلي إنتِ الأوَّل، أصل أنا مش عايزها هيَّ... وأشار إلى آسيا بازدراء: ـ الباشا قال..رولا، وبس. وقبل أن ينتبه...
رفعت آسيا ركبتها بكلِّ ما تملك من قوَّة، وضربته في موضعٍ حسَّاس. أطلق صرخة ألم، وارتخت قبضته للحظة. استغلَّت الفرصة، وانتزعت نفسها منه، وركضت بأقصى سرعتها نحو رولا: ـ اجري يا رولا! أمسكتها من يدها بقوَّة، وسحبتها إلى الخارج، ثم دفعت باب الشقَّة بكلِّ قوَّتها وأغلقته، بينما دوى من الداخل صوت ارتطام الرجل بالباب وهو يحاول اللحاق بهما. ركض الرجل خلفهما وهو يتحدَّث بهاتفه، يقصُّ له ماحدث، صاح الآخر:
_لو الباشا عرف هيموِّتنا، إيَّاك تقولُّه حاجة، حاول تجيب البنت بأي طريقة حتى لو هتضربها. _تمام..هحاول. قالها وتحرَّك خلفهما يسبُّ آسيا: _هموِّتك يا روح أمِّك. وصل للأسفل وجدها تتشبَّث بكفِّ رولا ويركضون صوب السيارة.. ما إن وصل خارج البناية حتى دوى صوت محرِّك سيارة توقَّفت بعنف أمام المدخل. ترجَّل آسر منها مسرعًا، وفي اللحظة نفسها رفع الرجل سلاحه مصوِّبًا إيَّاه نحو آسيا، وهي تصرخ برولا: ـ اركبي... بسرعة!
ساد المكان ذعرٌ عارم. تراجعت آسيا خطوة للخلف تشير لباب السيارة: _أنا هسوق. خرج آسر من سيَّارته ولم يكن يرى الرجل حتى الآن، أغلق الباب، فوقعت عيناه على صوت آسيا وهي تشير لرولا بالصعود في السيارة، فتح فمه للانتباه إليه، ولكن وقعت عيناه على السلاح الذي وجَّهه ناحية آسيا، توسَّعت عيناه وركض يصرخ باسمها بكلِّ ما أوتي من قوَّة: ـ آسيااااا! التفتت إليه بدهشة، ولم تدرك ما يحدث.
ودون ذرَّة تردُّد، اندفع إليها، ووضع جسده أمامها بالكامل. لتنطلق الرصاصة وتخترق جسد آسر بعنف، ثم ترنَّح خطوة إلى الخلف. اتَّسعت عينا آسيا في ذهول: ـ آسر... أمَّا الرجل، فلم ينتظر، بل قفز إلى سيارته وانطلق بها بأقصى سرعة، حين تجمَّع المارَّة على صرخات رولا. كانت صرختها تمزِّق قلب التي ارتجف جسدها تنظر إليه وهو يسقط غارقًا بدمائه.. ارتمت رولا بجواره، ورفعت رأسه بين ذراعيها، ودموعها تنهمر بلا توقُّف:
_آسر..حبيبي افتح عيونك. أمَّا آسيا... فلم تتحرَّك. وقفت في مكانها، كأنَّ الزمن توقَّف. كأنَّ قدميها التصقتا بالأرض.. لم ترَ سوى آسر... وهو يسقط لأنَّه اختار أن يقف أمامها. همست بصوتٍ مكسور، بالكاد خرج: ـ آسر... رفع عينيه إليها بصعوبة، وابتسامة واهنة مرَّت على شفتيه يهمس باسمها: ـ آسيا... ثم أغمض عينيه. شهقت آسيا، وكأنَّ قلبها هو من توقَّف. اندفعت أخيرًا نحوه، وركعت إلى جواره، بينما كانت رولا تبكي بانهيار: ـ حبيبي...
رد عليَّ... بيننا كانت آسيا تبحث بعينيها في كلِّ اتجاه، ثم صاحت وهي ترتجف: ـ حد يطلب الإسعاف... بسرعة! التفتت إليه من جديد، وقد انهارت كل الحواجز التي بنتها بينهما. جلست إلى جواره، وربتت على خدِّه المرتجف: ـ آسر... بصِّلي... متغمضَّش عينيك... خلِّيك معايا. فتح عيناه للحظات ثم بدأت تثقلان شيئًا فشيئًا. ـ آسر... أرجوك... افتح عيونك... متسبنيش. استجاب بصعوبة، وفتح عينيه مرَّةً أخرى.. فرأى وجهها الغارق في الدموع.
مرَّرت يدها على خدِّه برفق، ولم تعد تتذكَّر خصامًا، ولا كرهًا، ولا وجعًا قديمًا. لم يبقَ إلَّا خوفها عليه. أمسك يدها بكلِّ ما بقي لديه من قوَّة.. حاول أن يضغط على أصابعها... لكن أصابعه ارتخت، نظرت إلى يدها، التي تلطَّخت بدمه، فارتعش جسدها كلِّه. هزَّت رأسها بعنف وهي تصرخ: ـ رولا... خلِّيه يفوق... بالله عليكِ! ثم انحنت حتى لامس جبينها جبينه، وأجهشت بالبكاء: ـ هموت... والله هموت لو حصلَّك حاجة... سامعني؟ متسبنيش...
تحرَّكت شفتا آسر بكلماتٍ لم تستطع تمييزها. همساتٍ ضعيفة... ضاعت وسط شهقاتها. ثم عادت عيناه تنغلقان ببطء، بينما بقيت يدها متمسِّكة بيده، كأنَّها تحاول أن تمنعه من الرحيل بقوَّة قلبها وحدها.. في تلك اللحظة وصلت سيارة أرسلان ويزن. ترجَّلا مذعورين، لكنَّهما تجمَّدا عندما شاهدا آسر ملقى على الأرض وغارقًا بدمائه.. وصرخات رولا باسم أخيها وهي تحتضنه: ـ آآآآسر! ركض يزن نحو ابنه كالمجنون، وقد اختفى لون وجهه، يتمتم باسمه بصوتٍ
مرتجف يكاد يختنق من الرعب: _آسر... آسر! وصل أرسلان، وانحنى سريعًا يفحص إصابته، بينما بدأ المارَّة يتجمَّعون حولهم في ذهول، تتعالى همساتهم، ويشقُّ صفير السيارات سكون المكان. كانت آسيا جاثية إلى جواره، تحتضن كفِّه بكلتا يديها، والدموع تنهمر بلا توقُّف، راحت تهمس باسمه بصوتٍ مكسور لا يكاد يُسمع: _آسر... افتح عيونك... بالله عليك. جلس يزن على ركبتيه أمام ابنه، وارتعشت يداه وهو يربت على وجنته الملطَّخة بالدماء: _حبيبي...
افتح عيونك. لكنَّه كان ساكنًا، وأنفاسه واهنة، والدم ينساب من حوله في مشهدٍ مزَّق قلب أبيه. انفجر صوت رولا ببكاءٍ هستيري وهي تضرب صدرها: _أنا السبب... أنا السبب... وصل مالك مسرعًا، فأشار إليه أرسلان وهو يحاول الحفاظ على ثباته: _خد البنات من هنا... واتِّصل بالمستشفى... بلَّغهم إن الإصابة خطيرة. نظر مالك إلى آسر، أومأ له وابتعد قليلا يتحدَّث بهاتفه. في تلك اللحظة، لم يحتمل يزن أكثر، مدَّ ذراعيه يحاول حمل ابنه بنفسه،
وهو يصرخ بانهيار: _أنا مش هستنى الإسعاف، ابني بينزف! أمسكه أرسلان بقوَّة يمنعه: _اهدى يا يزن... الإسعاف وصلت سيبهم يشتغلوا. توقَّفت سيارة الإسعاف، قفز المسعفون منها، وأسرعوا نحوه، ثوانٍ كانت كأنَّها عمرٌ كامل، ثبَّتوه على الحمَّالة، وبدأوا في إسعافه. كانت آسيا تحدِّق فيه بعينينِ امتلأتا بالدموع، لكن جسدها بدا عاجزًا حتى عن الاقتراب. كل قطرة دم كانت تنزف منه...
كانت تمزِّق شيئًا داخلها، وكأنَّ قلبها هو من ينزف لا جسده. وقفت مكانها، سجينةً لعلاقة لم تخترها، ولحبٍّ دفنته حيًّا منذ اليوم الذي صار فيه خطيب أختها. كانت تريد أن تركض إليه... أن تضمُّه إلى صدرها... أن تصرخ باسمه كما يصرخ العاشق حين يخشى فقدان روحه... لكنها لم تكن تملك ذلك الحق. فاكتفت بالوقوف... تختنق بدموعها، وتبتلع شهقاتها، وكأنَّ قلبها يُذبح بصمت.. يا لقسوة أن ترى الرجل الذي يسكن روحك غارقًا في دمائه...
ولا تستطيع حتى أن تلمس وجهه أمام الجميع. يا لقسوة أن يسبقك الجميع إليه... أبوه يحتضنه..وأخته تبكيه... وهي... صاحبة القلب الأكثر وجعًا... لا تملك سوى الوقوف بعيدًا، تخفي انهيارها خلف صمتٍ قاتل. ركضت رولا خلف الحمَّالة تنتحب، واندفع يزن بجوار ابنه، بينما حمله المسعفون إلى سيارة الإسعاف. ظلَّت عينا آسيا معلَّقتين به حتى اللحظة الأخيرة... حتى أُغلق باب السيارة. كان صوت ارتطام الباب كأنه أُغلق فوق قلبها هي.
ومع ابتعاد سيَّارة الإسعاف، شعرت وكأنَّها تأخذ معها أنفاسها، وكلُّ ما تبقَّى لها من قدرة على الصمود. اختفت الأصوات من حولها..تلاشى كلُّ شيء. لم تعد ترى سوى وجهه الملطَّخ بالدماء، وكفِّه الذي أفلت من بين يديها دون أن تستطيع التمسُّك به.. حاولت أن تخطو خلفه..خطوة واحدة فقط... لكن ساقيها لم تعودا تحملان جسدًا أثقله الوجع. ترنَّحت، انقطعت أنفاسها، وأظلمت الدنيا أمام عينيها. سقطت فوق الأرض فاقدةً وعيها...
بعد أن سبق قلبها روحها، وركض خلف الرجل الذي لم يكن يومًا من حقِّها... لكنَّه ظل، وسيظل، حبَّها الوحيد. عند ميرال.. عادت إلى فيلَّا السيوفي بخطواتٍ ثقيلة، تجرُّ أقدامها بصعوبة، جسدها منهك، لكن قلبها كان أكثر إنهاكًا. همست لنفسها بصوتٍ بالكاد يُسمع: _هوَّ... معقول يكون في واحدة تانية؟ بعد العمر ده كلُّه... يفكَّر يبدأ حياة مع غيري؟ أغمضت عينيها بقوَّة، تهزُّ رأسها رافضةً ما يوسوس به عقلها: _لا...
مستحيل، إلياس عمره ما عملها، حتى وإحنا في عزِّ خلافاتنا، ما فكَّرش يخونِّي... هيعملها دلوقتي، لا... مستحيل. تنهَّدت بحرقة، ثم زفرت أنفاسًا غاضبة: _بس لازم يقولِّي... مين الستِّ دي، وليه كانت معاه؟ لازم أعرف... لازم أعرف إن ميرال لسه زي ما هيَّ. قطع حديثها مع نفسها صوتُ ابنها: _ماما... انتفضت قليلًا، ثم التفتت لترى يوسف يقف أمامها. رسمت ابتسامة باهتة، لم تصل إلى عينيها: _إنتَ جيت إمتى؟
اقترب منها وهو ينزع نظَّارته الطبية، وعيناه تدقِّقان في ملامحها الشاحبة: _بقالي شوية بنادي عليكي... مالك؟ أشاحت بوجهها سريعًا: _مفيش... شوية إرهاق بس. لم يقتنع..اقترب أكثر حتى أصبح أمامها مباشرة، يتأمَّل عينيها اللتين تحاولان الهرب منه: _حضرتك كويسة؟ التفت إلى السيارة الواقفة بالخارج: _وكنتي فين ؟ تحرَّكت إلى الداخل دون أن تنظر إليه: _كان عندي مشوار.
ظلَّ يتابعها حتى اختفت داخل الفيلَّا، ثم تنهَّد بصمت وسار خلفها، وقد ازداد شعوره بأنَّ هناك شيئًا يحدث. اتَّجه مباشرةً إلى غرفة جدِّه.. فتح الباب بهدوء. وجد الممرِّضة تتابع حالة مصطفى، بينما كانت فريدة تجلس بجواره، تحتضن كفِّه بين يديها. وقع بصر مصطفى على يوسف حتى ارتسمت ابتسامة واسعة فوق وجهه: _أخيرًا يا دكتور... افتكرت إن ليك جد؟ ابتسم رغم الألم المختبئ داخله.. اقترب سريعًا، وانحنى يقبِّل جبين جدِّه:
_عامل إيه يا حبيب قلب الدكتور؟ ربت مصطفى على كتفه بصعوبة، وابتسامة مرهقة ارتسمت على شفتيه: _أنا برضه حبيب قلبك يا دكتور؟ ضحك يوسف ضحكة خافتة، وجلس على طرف الفراش، يسحب يد جدِّه برفق من بين يدي فريدة: _ما كفاية عليك يا مصطفى باشا فريدة هانم... ضحكت فريدة وربتت على وجنته: _وحشتنا يا حبيبي... هوَّ لازم حد فينا يتعب علشان نشوفك يا ابن إلياس؟ خفض رأسه بخجل: _والله غصب عني يا تيتا...
بين المستشفى والسفر، اليوم بيخلص قبل ما يبدأ. _ربِّنا يوفَّقك ويباركلك يا حبيبي. أمسك يدها وقبَّلها باحترام، ثم رفع عينيه إليها. كان ينظر إليها بصمت... نظرة طويلة، ممتلئة بأشياء لم يستطع البوح بها..اشتياق... تعب... احتياج، لمسة بل وفراغ لا يملأه سوى حضنها. فهمت فريدة كل ما لم يقله.. فتحت ذراعيها دون كلمة واحدة، وكأنها تقول له: تعال...
لم يتردَّد..اقترب منها، وألقى بنفسه بين ذراعيها كما لو عاد طفلًا صغيرًا وجد أخيرًا مكانًا آمنًا. أغمض عينيه بقوَّة... استنشق رائحة جدَّته التي طالما كانت تعني له الأمان. راحت تربت على شعره مرَّة، وعلى ظهره مرَّةً أخرى: _بدعيلك في كلِّ صلاة يا حبيبي... والله ما في يوم بينام فيه قلبي غير وأنا بدعيلك. ارتجفت شفتاه وهو يستمع إليها. فأكملت بصوتٍ اختلطت فيه الدموع بالحب: _إنتَ نِنِّ عين جدِّتك يا يوسف... أوَّل فرحتنا...
وابن الغاليين... إنتَ مش بس ابن ابني... إنتَ ابن بنت روحي كمان. أغمض عينيه أكثر... كم اشتاق لهذا الحضن.. هنا موطنه رغم وجود والديه، ولكن لهذه الجدَّة، حياةً كاملة. قبَّلت رأسه، تشعر بوجعه رغم ابتسامته للجميع، بل حرمانه من نعمة أن يحمل طفلًا يناديه "بابا"... كُسر قلبها عليه.. اختبأ داخل حضنها أكثر، حتى كاد ينسى العالم كلِّه. تبادلت فريدة النظرات مع مصطفى. أومأ مصطفى... كان ينظر إلى حفيده بحزنٍ موجع.
يعرف جيِّدًا ما يسكن قلبه. يعرف كم يؤلمه أن يكون طبيبًا يهب الحياة للناس كلَّ يوم، بينما ينتظر هو منذ سنواتٍ أن يرزقه الله طفلًا يحتضنه. ربت مصطفى على ركبة يوسف برفق. فابتعد يوسف عن حضن جدَّته، ومسح وجهه سريعًا حتى يخفي تأثُّره. ابتسمت فريدة وهي تغيِّر الحديث: _أومال مراتك فين يا حبيبي، مجتش معاك ليه؟ أخذ نفسًا عميقًا: _هيَّ متعرفش إنِّي جيت هنا... هكلِّمها تيجي، ونبات الليلة معاكم. أضاءت عينا فريدة بالسعادة وقالت:
_وكلِّم بلال ورولا كمان... بقالنا كتير ما اتجمعناش، أبوك وأمَّك موجودين، وعمَّك قال هيخلَّص شغله وييجي. ابتسم لها: _حاضر يا حبيبتي. ثم التفت إلى جدِّه من جديد، وضغط على يده بحنان: _بس أنا مش عاجبني النوم الكتير ده يا مصطفى باشا... قوم بقى. وحشتني خناقاتنا ولعب الطاولة... توقَّفت ابتسامة مصطفى للحظة. شردت عيناه... وكأنَّ الكلمات أعادته سنواتٍ للخلف. رأى يوسف طفلًا صغيرًا يركض نحوه في الحديقة...
ثم شابًا يخسِّره عمدًا في الشطرنج... ثم رجلًا يجلس الآن أمامه، يخفي ألمه بابتسامة. اغرورقت عيناه بالدموع.. وخرج صوته ضعيفًا، لكنَّه كان مليئًا بالوجع: _يمكن... جدَّك تعب كفاية يا يوسف. اتَّسعت عينا يوسف: _إيه الكلام ده؟ أمَّا فريدة، فشعرت بقلبها ينقبض: _ليه بتقول كده يا مصطفى؟ عمرنا ما استسلمنا... وكلِّ مرَّة ربِّنا كان بيقوِّمك. هزَّ مصطفى رأسه بابتسامةٍ متعبة.
لكن يوسف أمسك يده بكلتا يديه، وضغط عليها بقوَّة، وكأنَّه يمنحه شيئًا من روحه. _بصِّلي يا جدُّو... أنا دكتور... وأعرف إنِّ العلاج مهم، بس اللي أعرفه أكتر... إنَّك عمرك ما كنت راجل يعرف اليأس. ولو إنتَ استسلمت... أنا اللي هضعف.. أنا محتاجك، مش علشان تبقى بخير... علشان أفضل أنا بخير. ارتعشت شفتا مصطفى، وسقطت دمعة حارَّة من عينيه. بينما ضمَّ يوسف يده إلى صدره... كأنَّه يخشى أن يأتي يومًا تصبح فيه تلك اليد مجرَّد ذكرى..
_حبيبي يا جدُّو لازم تتمسَّك بالحياة، علشان الحياة تتمسَّك بيك. ارتفع رنين هاتف يوسف.. نظر إلى الشاشة، ثم قال معتذرًا: _ضي بتِّتصل... هرد عليها وراجع. ابتعد عدَّة خطوات، ثم أجاب: _أيوة يا حبيبتي. جاءه صوتها متقطِّعًا: _يوسف... إنتَ فين؟ توقَّف عن السير: _في إيه يا ضي؟ _بابا كلِّمني... قال إن آسر... آسر اتضرب بالنار. تجمَّدت ملامحه: _إيه!! هوَّ كويس؟ _معرفش...
أنا نازلة دلوقتي، بابا قالِّي ما قولش لحد في البيت، بس أنا خايفة... رولا كانت معاه... وآسيا كمان... ده كل اللي فهمته منه. أغمض عينيه للحظة: _طيب... اهدي، هقابلك هناك. أنهى المكالمة، فوجد ميرال تقف أمامه تنظر إليه بقلق: _في إيه يا يوسف؟ التفت إليها، فتح فمه ليتكلَّم، لكن دخول إلياس أوقفه. نظر إلياس إليهما باستغراب: _جدَّك صحي من النوم ولَّا لسه؟ رفع يوسف رأسه إليه: _حضرتك..متعرفش اللي حصل؟ قطب إلياس جبينه: _إيه؟
..جدَّك حصله حاجة؟ وقبل أن يجيبه يوسف، اقترب منه قليلًا: _وشَّك ماله يا بابا؟ كانت ميرال تحدِّق في الكدمة الواضحة على وجه إلياس، بينما تغلي الغيرة داخلها. عقدت ذراعيها وقالت ببرودٍ لاذع: _يمكن اتخانق... علشان حد. نظر إليها إلياس بضيق، ثم أشار إليها بيده: _روحي هاتي تلج ولَّا أي حاجة تتحط على وشِّي... بدل ما إنتِ واقفة كأنِّك فرحانة. رفعت حاجبها بسخرية: _أيوة... علشان تستاهل. اتَّسعت عينا إلياس بذهول:
_ليَّا الكلام ده يا ميرال؟! تدخَّل يوسف بسرعة: _بابا... سيبك من ماما دلوقتي واسمعني. التفتت ميرال إليه، ولكزته في ذراعه بعصبية: _بقى كده يا ابن بطني؟ بدل ما تقول هتجبلي حقِّي منه! زفر يوسف بضيق: _ماما... بالله عليكي اسمعيني. _مش هسمع حاجة... إلَّا لمَّا أبوك يقولِّي كان فين، وإيه اللي عمل فيه كده... واتخاتق علشان مين. رفع يوسف صوته لأوَّل مرَّة: _ماما... آسر ابن خالو... اتضرب بالنار. شهقت ميرال، ووضعت يدها على فمها.
أمَّا إلياس، فظلَّ ينظر إلى يوسف غير مستوعب. _إيه اللي بتقوله ده؟! دوى رنين هاتف إلياس..أجاب سريعًا: _أيوة. جاءه صوت أرسلان: _إلياس... آسر اتضرب بالنار للأسف. أغمض إلياس عينيه بقوَّة: _هوَّ كويس؟ _لسه رايحين المستشفى... الرصاصة دخلت بين القلب والكتف. تنفَّس إلياس ببطء، محاولًا السيطرة على انفعاله: _تمام... إحنا جايين حالًا. أنهى المكالمة، واتَّجه مباشرةً نحو الباب: _يوسف... يلَّا.
ركضت ميرال خلفه، وأمسكت بذراعه بقوَّة. كانت عيناها تمتلئان بالخوف: _الواد... عايش... صح؟ نظر إليها إلياس للحظة، ثم قال بصوتٍ منخفض، وكأنَّه يقنع نفسه قبل أن يقنعها: _إن شاء الله... هيبقى كويس، بلاش ماما تعرف حاجة. ثم غادر مسرعًا، وخلفه يوسف. بينما وقفت ميرال تتابعهما بعينينِ مرتجفتين، تدعو الله في سرَّها ألَّا يحمل هذا اليوم فاجعة جديدة. في المستشفى... خرج بلال من غرفة العمليات بإرهاقٍ واضح.
خلع القناع الطبِّي وهو يتَّجه إلى مكتبه، ثم التقط هاتفه الذي ظلَّ مغلقًا لساعات. بدأ يستمع إلى الرسائل الصوتية، قبل أن يقطعه رنين الهاتف. نظر إلى اسم المتَّصل، ثم أجاب سريعًا: _أيوة يا بابا. جاءه صوت أرسلان مضطربًا: _بلال... قافل تليفونك ليه؟ واصل السير وهو ينزع القفَّازات الطبيَّة: _كنت في عملية... في إيه، رولا ويوسف كويسين؟ لقيت من ضي ويوسف اتِّصالات كتير. ساد صمتٌ قصير... ثم قال بصوتٍ مثقل: _آسر ابن عمَّك...
اتضرب بالنار. توقَّف بلال فجأة. شحب وجهه، وسقطت القفَّازات من يده دون أن يشعر. _إزاي؟! خرج السؤال منه بصعوبة. _مين اللي عمل فيه كده؟ _لمَّا نوصل المستشفى هحكيلك كلِّ حاجة. بلع ريقه بصعوبة، ثم سأل بصوتٍ اختلط فيه الطبيب بابنِ العم: _إصابته... خطيرة يا بابا؟ تنهد أرسلان: _الرصاصة بين الضهر والكتف... ولسه محدش يقدر يحكم. _تمام هستناكم برَّة. أغلق بلال الهاتف بيدٍ مرتعشة. وقف لثوانٍ مكانه...
ثم اندفع راكضًا في ممرَّات المستشفى. بعد دقائق بدت وكأنَّها سنوات... وصلت سيارة الإسعاف واندفع المسعفون يحملون آسر فوق الفراش المتنقِّل. كان جسده ساكنًا، وملابسه ملطَّخة بالدماء. ركض الطبيب المناوب إليهم، ألقى نظرة سريعة على الإصابة، ثم صاح: _على العمليات... بسرعة! بعد لحظات... وصل مالك، يحيط جسد آسيا بذراعه، كانت شاحبة بصورةٍ مخيفة، نظراتها جامدة، وكأنَّها ما زالت ترى آسر وهو يسقط أمامها. ما إن
رأتها ضي حتى أسرعت إليها: _إنتِ كويسة؟ هزَّت آسيا رأسها بصعوبة.. لم تستطع النطق. ارتفعت عيناها تلقائيًا نحو باب غرفة العمليات... تريد أن تسأل عنه... أن تعرف إن كان ما زال يتنفَّس... لكنَّها خافت أن تفضحها لهفتها أمام الجميع.. ابتلعت غصَّتها بصعوبة. فقال مالك بهدوء: _خلِّيكي معاها يا ضي. أومأت ضي سريعًا. _حاضر يا عمُّو.
احتضنت آسيا من كتفيها، بينما الأخيرة ظلَّت تحدِّق في باب العمليات بعينينِ امتلأتا بالدموع، وكأنَّ روحها محتجزة خلف ذلك الباب. اتَّجه مالك نحو إلياس وأرسلان.. خفض صوته وهو يقول: _كلُّه تمام يا إلياس... معتز رجع الشركة، وكلِّم الراجل. عقد إلياس حاجبيه: _إزاي رولا خرجت من الكمبوند من غير ما تعرف؟ تنهَّد مالك:
_إنتَ قولت مش هتخرج، معرفتش غير لمَّا خرجت، وعرفت آسيا راحت لها، قولت غيرة، فجأة الممرِّضة اتَّصلت وقالت اللي حصل بين الراجل وكارما، متوقعتش رولا تتهوَّر تاني، وبعدين مش معتز دا كان المفروض هوَّ اللي يروح؟ التفت إليه أرسلان وقال بحدَّة: _هيروح إزاي؟ بعد ما عرف إن سارة راحت لإلياس. هزَّ مالك رأسه بضيق، يزفر بغضب: _والله ما توقَّعت... وإلياس أصلًا مبلَّغنيش إنُّه هيروح هناك. ظلَّ إلياس صامتًا للحظات.
مرَّر كفَّه على وجهه المرهق، ثم قال بصوتٍ خافت: _خلاص... اللي حصل حصل. رفع عينيه نحو باب العمليات: _المهم... آسر يطلع منها بالسلامة. ساد الصمت مجدَّدًا. ثم وقعت عيناه على رولا. كانت تجلس في أقصى الممر، تضمُّ جسدها بذراعيها، وتبكي في صمت، وكأنَّها تحمل نفسها حتى لا تنهار.. وبجوارها بلال. نظر إليها طويلًا، ثم عاد ببصره إلى مالك:
_فيه حاجة مش قادر أفهمها، طيِّب معتز عايز رولا علشان حاجة، رولا بقى عايزة معتز ليه، رغم رسالة كارما راحت وبتسأل. هزَّ مالك رأسه: _معرفش. تنهَّد إلياس ببطء، ثم قال وهو يحاول جمع خيوط الصورة: _رولا عرفت إن معتز هوَّ اللي ورا اللي حصل قبل كده... كلامها مع كارما كان واضح. ردَّ أرسلان: _كارما متعرفش غير إنُّه ورا حادثة آسر. أطرق إلياس برأسه: _يبقى مفيش تفسير تاني... ثم التفت إلى أرسلان:
_أنا مش عايز بلال يعرف إنَّها راحت تواجه معتز. توقَّف لحظة، ثم أكمل: _عقَّله... قولُّه أي حاجة، مش عايز يسمع الحقيقة دلوقتي..لمَّا أشوف البتِّ دي عارفة إيه. ردَّ أرسلان: _متأكِّد إنَّها عرفت كلِّ حاجة. _متقلقش... هقولُّه إنِّي أنا اللي طلبت منها تروح تطمِّن على كارما، علشان هتشهد بكرة في المحكمة. زفر إلياس ببطء. فقال مالك وهو ينظر إلى باب العمليات: _على فكرة... محاولة قتل آسر ممكن تبقى في صالح القضية. التفت إليه:
_إزاي؟ _لأنَّها هتثبت إنِّ في حد بيحاول يخلص منه، وده دليل قوي إن آسر كان بيمثِّل خطر. وصل بلال إلى حيث يقف الجميع، وملامحه مشدودة بالقلق، وعيناه لا تفارقان باب غرفة العمليات: _مين... مين اللي بيحاول يتخلَّص من آسر يا بابا؟ مرَّة يورَّطه في قضية... والنهارده يضربه بالنار! زفر والده بحرقة: _هنعرف... بس دلوقتي خلِّيك جنب مراتك، أخوها اتضرب قدَّام عينيها للمرَّة التانية... بالعافية بدأت تخرج من صدمة أوَّل مرَّة.
التفت إلى رولا وقال: _معاها ضي وآسيا... هوَّ يوسف لسه ما خرجش من جوَّه؟ وقبل أن يرد أحد، انفتح باب غرفة العمليات أخيرًا. خرج يوسف، تبدو على وجهه علامات الإرهاق، ونزع الكمَّامة عن فمه وهو يلتقط أنفاسه. في لحظةٍ واحدة، انتفض الجميع واقفين، بينما اندفع يزن إليه بخطواتٍ سريعة: _يوسف... طمِّني! ابتسم يوسف ابتسامة خافتة وهو يومئ برأسه: _اطَّمن يا خالو...
الإصابة مش خطيرة، الرصاصة عدِّت من مكان بعيد عن أي عضو حيوي..الدكتور بيقفل الجرح دلوقتي، وبعدها هينقلوه العناية... الحمد لله، مفيش خطر على حياته. رفعت آسيا رأسها ببطء، وقد كانت طوال الدقائق الماضية عاجزة حتى عن البكاء، وما إن سمعت: "مفيش خطر على حياته"... حتى أغمضت عينيها بقوَّة، وانسابت دموعها في صمت، وكأنَّ روحها التي كانت معلَّقة بين الحياة والموت عادت إلى جسدها أخيرًا. تنفَّست لأوَّل مرَّة منذ سقط آسر أمامها...
نفسًا طويلًا مرتجفًا، وهي تهمس دون وعي: _الحمد لله... نهضت رولا فجأة، وقد تشبَّثت بالأمل كالغريق، واتَّجهت إلى والدها بخطواتٍ متعثِّرة: _آسر... آسر عامل إيه؟ فتح بلال ذراعيه وضمَّها إلى صدره، يربت على ظهرها بحنان: _اهدي يا حبيبتي... كويس، شوية وهيخرج على العناية. رفعت رأسها إليه، وعيناها تلمعان بالدموع: _بجد يا بلال... بجد؟ ابتسم ابتسامة باهتة رغم اختناق صوته: _الحمد لله. تدخَّل يزن وهو يمسح دموعه سريعًا
حتى لا يراها أحد: _بلال... خد مراتك والبنات وروَّحهم، وجودهم هنا مش هيفيد، وكلُّهم منهارين. هزَّت رولا رأسها بعناد، والدموع لا تزال تبلِّل وجهها: _لا... مش همشي. اقترب منها بلال يحاول إقناعها، لكنَّها تشبَّثت بكمِّ قميصه كطفلةٍ خائفة: _هستنَّى... أوَّل ما يفتح عينيه بس... أشوفه وأطَّمن عليه، وبعدها همشي. بعد عدة ساعات... دلف بلال إلى غرفة العناية المركزة بخطوات هادئة،. رفع يوسف رأسه إليه، اقترب بلال وهمس: _فيه جديد؟
أجاب يوسف وهو يطالع شاشة الأجهزة: _لأ... الحمد لله، المؤشرات مستقرة.. مسألة وقت وهيبدأ يفوق. تنهد بلال براحة سأل يوسف _طنط رحيل عاملة إيه؟ _كويسة... أخدت مهدئ، وماما معاها، والدكتور طلب إنها ترتاح شوية. وقبل أن يكتمل الحديث... تحركت أصابع أسر حركة خفيفة، وارتجفت جفونه كأنه يصارع ليعود إلى وعيه. انتبه يوسف فورًا، واقترب منه. همس أسر بصوت واهن، بالكاد يُسمع: _... أسيا... التفت بلال سريعًا. _قال إيه؟
انحنى يوسف أكثر حتى كاد يلامس أذنه، محاولًا التقاط ما يقوله. خرج الاسم مرة أخرى، أوضح هذه المرة، رغم ضعفه: _... أسيا... اعتدل يوسف ببطء، ونظر إلى بلال بدهشة. _بيقول... أسيا لم يتوقف أسر، ظل يردد الاسم نفسه، بين كل نفس وآخر، كأن عقله لم يتمسك في تلك اللحظة إلا بها. _أسيا... _أسيا... ابتلع بلال ريقه، وعيناه لا تفارقان وجه أسر، ثم قال بصوت منخفض: _هي كانت معاه... هي ورولا فعلًا.
هز يوسف رأسه دون أن يجيب، وما زال يراقب أسر وهو يهمس بالاسم للمرة الثالثة... ثم الرابعة. عندها أطلق بلال زفرة طويلة وقال بحسمٍ مؤلم: _أسر... شكله بيحب أسيا. استدار إليه يوسف بعنف، واتسعت عيناه من الصدمة. _إنت اتجننت يا بلال؟! هو مش خاطب سدن؟ خفض بلال رأسه قليلًا، وقال بأسف: _للأسف... ده اللي حصل. ظل يوسف يحدق فيه غير مستوعب. _إنت بتقول إيه؟ تنهد بلال، ثم قال:
_من فترة طويلة، لمح بكلام على أسيا. سألته وقتها بشكل غير مباشر وقال عجبه شخصيتها وبعدها عرفت انه خطب سدن، ولما سألته، قالي مشاعره مكنتش واضحة أشار بعينيه إلى أسر الذي عاد يهمس الاسم نفسه وسط غيبوبته. _لكن دلوقتي... مفيش حد بيكدب وهو بين الحياة والموت. اشتدت ملامح يوسف، وانقبض فكه بقوة حتى برزت عروق رقبته. ظل ينظر إلى أسر طويلًا، ثم قال بصوت خرج ممتلئًا بالغضب والخذلان: _يقوم بالسلامة الأول... وساعتها...
هيكون لينا كلام مرّت ساعات طويلة، حتى سمح الأطباء بنقل أسر إلى غرفةٍ عادية، تجمّعت العائلة كلها حوله جلست سدن على طرف الفراش، أمسكت بكفه برفق، وقالت وهي تحاول إخفاء دموعها بابتسامة: _حمد الله على السلامة... كده تخضّني عليك. فتح عينيه بصعوبة، ورمش عدة مرات قبل أن يتمتم بصوتٍ واهن: _أنا... كويس. تحركت عيناه ببطء بين الوجوه، يبحث عن وجهٍ واحد... عن آسيا، لكنها لم تكن هناك.
انحنت رحيل تقبّل جبينه، ودموعها تنهمر رغم محاولتها التماسك. _حاسس بإيه يا حبيبي؟ ابتسم ابتسامة باهتة. _الحمد لله يا ماما... رولا وآسيا كويسين؟ في تلك اللحظة ، اندفعت رولا إلى الداخل. _أسر... ركضت نحوه، وانحنت تضمه بحذر، وانفجرت بالبكاء. _أنا آسفة... أنا السبب في كل اللي حصلك. رفع كفه بصعوبة، وربّت على رأسها _شش... متقوليش كده... أهم حاجة إنك بخير. تقدمت إيمان وهي تمسح دموعها. _حمد الله على سلامتك يا حبيبي.
_الله يسلمك. وبعد دقائق، غلبه أثر المسكنات، فأغمض عينيه وعاد إلى النوم في الخارج... كان إلياس يتحدث عبر الهاتف _برافو يا مالك... يلا بالسلامة. عايز الراجل يفضل متحفظ عليه لحد بكرة المحكمة. وكلم راكان... مش عايز القضية تتأجل. بكرة نقفل الملف ده، وأسر ياخد براءته. جاءه صوت مالك بثقة. _متقلقش... الأدلة كلها معانا، واعترافاتهم متسجلة. _وخلي بالك من معتز... لو حاول يهرب بره البلد. _هحاول، بس لسه مفيش قرار ضبط من النيابة.
ابتسم إلياس ابتسامة باردة. _سيبه... أنا كنت عارف إنه هيغلط بنفسه. اقترب أرسلان منه باستغراب. _في إيه يا إلياس؟ التفت إليه. _معتز بعت ناس يحرقوا شركة يزن ومكتبه... وحتى شركة الأمن. ضحك أرسلان وهو يهز رأسه. _ضربة معلم يا باشا. أومأ إلياس بثبات. _كان لازم أحسسه إنه كسب... علشان ينسى حذره. دلوقتي دراعه اليمين في إيد مالك، ومعاه كذا واحد من رجاله... وكلهم اتكلموا. _يعني القضية انتهت؟ _انتهت...
المرة دي الحق معاه الدليل، ومعتز ملوش مخرج. تنهد أرسلان بارتياح. _الحمد لله. في صباح اليوم التالي... في صباح اليوم التالي... دلف الطبيب إلى الغرفة، ه أحد أفراد الشرطة ومحامي أسر. ألقى الطبيب نظرة على ملفه الطبي، ثم قال بحسم: _المريض ممنوع من الحركة أو مغادرة المستشفى. حالته مستقرة، لكن أي انتقال دلوقتي ممكن يعرضه لمضاعفات. أومأ الضابط، ثم سلّم المحامي تقريرًا طبيًا مختومًا.
_التقرير هيتقدم لهيئة المحكمة، وهيثبت إن المتهم متعذر حضوره لأسباب صحية. همس أسر _. دي جلسة سماع الشهود، وحضوري مش هيضيف حاجة. المحكمة هتنظر التقرير الطبي، والمحامي هيمثلني قانونًا. كل الأدلة في صالحنا. داخل قاعة المحكمة... وقف محامي الدفاع، وقدم التقرير الطبي إلى هيئة المحكمة. تصفحه القاضي لثوانٍ، ثم قال:
_ثبت للمحكمة تعذر حضور المتهم بسبب إصابته بطلق ناري، وفقًا للتقرير الطبي الصادر من المستشفى، وتستمر المحكمة في نظر الدعوى في حضور الدفاع. وبدأت المرافعات. بدأت المحكمة في سماع الشهود. تقدم رجال معتز، وبعد مواجهتهم بالأدلة والاعترافات، انهارت أكاذيبهم واحدًا تلو الآخر، واعترفوا أن معتز هو من دبّر القضية، وزوّر الوقائع، وأجبرهم على تلفيق الاتهام لأسر.
ثم وقفت كندا، وأدلت بشهادتها كاملة، مؤكدة كيف تم خطفها واجبارها على كتب رسالة لكارما ثم وقفت كارما. أغمضت عينيها لثوانٍ قبل أن تقول بصوتٍ مرتجف وادلت بشهادتها بما حدث تعالت الهمسات داخل القاع رفع القاضي أوراق القضية، ثم قال بصوتٍ حاسم: "حكمت المحكمة... ببراءة المتهم أسر... مما نُسب إليه من اتهام بالشروع في قتل المجني عليها كارما، لثبوت تلفيق الاتهام، وثبوت براءة المتهم يقينًا." انفجرت دموع رحيل وهي تردد:
_الحمد لله... الحمد لله يا رب... ظهر الحق. بفيلا السيوفي كانت تجلس بالحديقة تنظر بشرود، اقترب وجلس بمقابلتها دون أن تشعر _ميرال قاعدة كدا ليه ظلت تنظر إليه بصمت ثم قالت _كنت فين؟! _مالك ياميرال، بقالك فترة متغيرة قاطعهم وصول فريدة _إلياس.. كلم باباك عايزك ظل ينظر لميرال ثم نهض يهز رأسه بمنزل بلال دلفت إلى غرفة طفلها طفلها وجدته يحمله ويجلس بالشرفة _بلال.. رفع نظره اليها، ثم عاد ينظر للخارج اتجهت وجلست بجواره
_اه.. روحت لكارما علشان اقولها تبعد عننا كدا حلو نظر إليها بصمت، دنت تضع كفيها على وجهه _انا بغير، وبموت كل ماافتكر ان البنت دي لسة بتكلمك _اسكتي يارولا علشان منزعلش من بعض تاني _يعني ايه نهض من مكانه بعدما وضع طفلهما على ساقيها _يعني مبقاش ليكي رصيد عندي يارولا، تعبت من تهورك، اخوكي في مرة كان متهم في قضية قتل والمرة التانية كان ممكن يموت، ودا بسببك انت قالها وغادر المكان عند دارين
وصلت الى مطار القاهرة، استقلت سيارة اجرة، التي نقلتها الى احد المنازل بالمناطق الراقية دلفت الى المنزل وهي تتحدث بالهاتف _وصلت موشيه، الان ساسترح قليلا، ثم اهاتفك _اعتني بنفسك اغلقت الهاتف ودلفت للداخل، هوت على الاريكة _لقد عودت الى هذه البلد الكئيب مرة اخرى، سنرى ماذا سيحدث بقصر الجارحي _كان يتوقف أمام المرآة، يرتدي ساعته، استمع الى طرق خفيف ثم دخول والدته _عمران... نازل دلوقتي حبيبي استدار وانحنى يجمع اشيائه
_ايوة ياماما، عندي محاضرة واحدة، هرجع بدري، محتاجة حاجة اقتربت منه وتوقفت امامه، تتلاعب بزر قميصه _فيه ضيوف هيجوا بالليل، وعايزاك تبقى موجود رفع حاجبه _ضيوف... وأنا، ليه هقدملهم الضيافة لكزته بخفة ضاحكة _اسمع الكلام قبل رأسها، لوح بيده _باي ياماما، متنسيش تعملي بسبوسة بالقشطة لزوم الضيافة خطت خلفه، قابلها اسحاق _مالك يادينا _ابنك هيجلطني، تخيل بيقولي اعملي بسبوسة بالقشة قطب جبينه يردد كلماتها
_الواد دا بقى بلدي كدا ليه صرخت دينا وهي تضرب قدمها بالأرض _ااااه. قالتهاهبطت للاسفل وصل حمزة اايه _مالها دينا، شايطة ليه التفت لابنه _اخيرا وصلت ياعريس الغفلة، والله ماعارف ايه البرود اللي عندك دا _مالك يااسحاق، انت هتحسدني، علشان سافرت كام يوم مع مراتي وابني هز اسحاق رأسه وغادر المكان بعد عدة اشهر ترجلت من سيارتها تتحدث بالهاتف _خلاص وصلت البيت هشوفه يارولا
_اسيا اختك مش ناوية تجبها لبر، انا مضايقة منها اوي، يعني ايه تلبس اللي هي عايزاه، دا مش فستان فرح، دا قميص نوم _خلاص يابنتي دلفت الى منزلها، قابلتها والدتها _سدن فين ياماما فوق حبيبتي صعدت سريعًا قبل أن تكمل والدتها الحديث بداخل غرفتها، قبل قليل اطبق على ذراعها بقوة _يبقى البسيه وشوفي هعمل فيكي ايه دفعته صارخة _هتعمل ايه يعني، ايه، قولي هتعمل ايه ولا حاجة اقتربت منه حتى تلامست انفاسهما
_قدامك حلين يااسر، هتختار واحد، الاول انت عارفه، التاني ماتدخلش في حياتي انت خطبتني انت عارف لبسي ازاي سحبها من خصلاتها يقربها إليه، يهمس _وأنا عرفتك نظامي وقبلتي بيه دفعت اسيا الباب وهي تصيح باسمها، فجأة توقفت على ذلك المشهد _آسفة، فكرت سدن لوحدها _اووووه، اخت العروسة حضرت، عايز ازعرط بس مبعرفش لم ترد عليه، نظرت الى اختها _لما تخلصي تعالي لي عايزة اتكلم معاكي _أيوة صح لازم تروحك علشان تاخد نصايحك _سدن...
هستناكي في اوضتي قالتها وخرجت استدارت إلى آسر _خلاص يااسر، هلبس الفستان، كدا كويس، ممكن تسبني علشان اجهز للحنة اقترب منها وحاوط وجهها بين راحتيه _سدن متزعليش مني، مينفعش تلبسي فستان اقل مايقال عنه قميص نوم _ليه بتحسسني انك غيران يااسر ابتسم على كلماتها _مش هرد عليكي _لا.. رد، عايزك ترد انحنى وطبع قلبة فوق رأسها ثم تركها ورحل تراجعت تجلس فوق فراشها _مااشوف اخرتها معاك ايه يابن خالي بعد عدة ساعات
تزين المنزل بأكمله بسلاسل الأضواء الذهبية والملونة.. وعلى بوابة الفيلا عُلقت لافتة كبيرة مزينة بالورود البيضاء والوردية، كُتب عليها بخط أنيق: اسم العروس بالحديقة، جلس الشباب، وتعالت ضحكاتهم مع صوت الأغاني الشعبية ا أما داخل منزل كريم، فقد تحوّل المكان إلى عالمٍ آخر... رائحة البخور امتزجت بعطر الورود، وأصوات الفتيات تتعالى بالضحكات والزغاريد، في الطابق العلوي...
وقفت آسيا أمام المرآة، ترتدي فستانًا بسيطًا بلونٍ هادئ، تضع أحمر الشفاه ببطء شديد، وكأنها تؤجل مواجهة نفسها أكثر مما تتزين للحفل. كانت ملامحها جميلة... لكن عينيها حملتا وجعًا لا تخفيه أي مساحيق. دلفت رولا إلى الغرفة بهدوء، وأغلقت الباب خلفها. توقفت للحظات تراقبها في صمت... ثم ابتسمت وقالت: _هتحطي حنّة مع أختك ولا لأ؟ أبقت آسيا نظرها معلقًا بالمرآة وهي تمرر أحمر الشفاه للمرة الأخيرة، ثم أغلقت العبوة وقالت بهدوء:
_هشوف. اقتربت خطوة تلو الأخرى حتى أصبحت خلفها مباشرة. انعكس وجهها في المرآة بجوار وجه آسيا، وقالت بصوتٍ منخفض، لكنه كان يحمل من الجدية ما جعل قلب آسيا ينقبض: _آسيا... عايزة أسألك سؤال. التقت أعينهما في المرآة. أردفت رولا: _ولو فعلًا بتحبيني... وبتعتبريني أختك... جاوبيني بصراحة. ابتلعت آسيا ريقها بصعوبة، بينما شعرت أن أنفاسها بدأت تضيق دون أن تعرف السبب. همست رولا، وهي تحدق في عينيها مباشرة: _إنتِ بتحبي أسر...
ساد الصمت... صمتٌ ثقيل حتى إن أصوات الزغاريد القادمة من الأسفل بدت بعيدة للغاية. ثم أكملت رولا، ونبرة صوتها ازدادت ارتجافًا: _... ولا أسر هو اللي بيحبك؟ تجمدت يد آسيا فوق منضدة الزينة. حتى شعرت باختفاء كل الأصوات من حولها بالخارج توقفت على سؤال رولا لأسيا، وكاد قلبها يتوقف من النبض، تدعو الله أن ماتشعر به غير صحيح بالحديقة توقف يوسف يتحدث مع مالك _بسيطة، هعرف اتصرف، بس قولي مين _هقولك ياعمو بس مش دلوقتي
ربت مالك على كتفه _اي حاجة محتاجها، أنا في الخدمة يادكتور _تسلملي ياعمو يارب، عايز اطلب منك طلب _بابا وعمو ارسلان مايعرفوش حاجة من اللي طلبتها _ليه _من غير ليه لو سمحت اومأ بتفهم ثم قال _عايز الموضوع دا يتم امتى _بعد يومين _بعد يومين اللي هو يوم الفرح اومأ له وهو يراقبه _مين دي يايوسف _هتعرف بس مش دلوقتي بعد قليل دلف يبحث عن زوجته، رأته ضي، فاقتربت منه _يوسف جي هنا ليه، دا حفل حريمي _حبيبتي عايز ابارك للعروسة
_تبارك للعروسة... انت بتهزر _يلا ياقلبي، ناديها طالعته بذهول _بتتكلم بجد _ضي.. يلا، لازم حد _عندي مستشفى تحركت ضي دون تعليق، بعد دقائق وصلت سدن وهي ترتدي ساري باللون الأحمر _اهلا يادكتور _مبروك ياسدن... نظر الى ضي _قولي لرولا تكلم بلال عايزها ضروري نظرت اليهم... ثم تحركت وهي تتمتم _نهارك مش فايت يايوسف، لو بتخطط من وراي لحاجة _قبل أي حاجة، عايزك تسمعي دا، وبالنسبة للي طلبتي اعتبريه اتنفذ ابتسمت بسعادة
_شكرا يايوسف، كنت متأكدة اني لجأت للشخص الصح _ايوة بقى لجأتي له في ايه ياعروسة التفتت منتفضة على كلمات الآخر
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!