الفصل 81 | من 20 فصل

الفصل 81

المشاهدات
8
كلمة
7,407
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 405%
حجم الخط: 18

"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين " إن كان للحب وطن... فقد ضلَّ الطريق إلينا. وإن كانت القلوب خُلقت لتلتقي... فلِمَ كُتب على قلبين أن يظلا متقابلين... ولا يصل أحدهما إلى الآخر؟ ثمة أرواح لا ينهيها الفراق... بل يتركها معلقة بين الرجاء واليأس. تخشى الاقتراب فتُحرقها الحقيقة، وتخشى الابتعاد فيقتلها الحنين. هو أقسم أن يدفنها في أعماقه... لكن اسمها كان ينهض مع كل نبضة، كأن قلبه يتمرد عليه كلما حاول نسيانها.

وهي كانت تمضي مبتعدة... بينما روحها، بكل ضعفها، تعود إليه في كل مرة. لم تعد تعرف... هل النجاة في الهرب منه، أم أن الهلاك الحقيقي هو أن تعيش يومًا واحدًا من دونه. ما أقسى أن ترى من تحب أمامك... ولا يكون لك. وما أمرّ أن يكون ملاذك الوحيد... بينما صار وجودك فيه محرَّمًا. وربما كان أصعب ما في الحكاية... أن يظل القلب وفيًّا لمن اختاره، حتى حين يحاول العقل إقناعه بالرحيل. قبل عدَّة أشهر، وتحديدًا في يوم محاكمة آسر...

في منزل إلياس، كان يجلس داخل مكتبه، وعيناه معلَّقتان بالهاتف، فكلُّ ثانية تمرُّ كانت تحرق أعصابه أكثر. كان ينتظر اتِّصال مالك... اتِّصالًا يخبره أنَّ كل شيءٍ انتهى، وأنَّ معتز وقع أخيرًا في قبضة العدالة. فجأة، صدح رنين الهاتف.. أجاب بلهفة: _أيوة يا مالك... طمِّني. جاءه صوت مالك متردِّدًا: _للأسف يا إلياس... معتز مش موجود في أي مكان من الأماكن اللي كنَّا مراقبينها. ساد الصمت لثانية...

وأنفاس إلياس بالارتفاع ينتظر تكملة حديث مالك، تحدَّث مالك: _الشرطة ما لقتوش. انفجر إلياس كبركانٍ ثائر: _إنتَ بتقول إيه؟! نهض من مقعده بعنف حتى ارتطم الكرسي بالأرض خلفه.. _هموِّتك... سامعني؟ هموِّتك! أنا قولتلك عينك ما تفارقوش؟ إزاي يهرب من تحت إيديك؟! ردَّ مالك مرتبكًا: _أعمل إيه يا إلياس؟! الفريق كان مراقبه من أوَّل ما خرجت من عنده ... والله ما أعرف إزاي اختفى! ضرب إلياس بقبضته سطح المكتب حتى اهتزَّ ما عليه:

_إنتَ فاشل يا مالك... فاشل. ثم أغلق الهاتف بعنف، وألقاه فوق المكتب. وقف مكانه يلهث، وصدره يعلو ويهبط بقوة، وكأنَّ الغضب يسحق أنفاسه. مرَّر يده في شعره بعصبية، ثم أغلق عينيه للحظة، لكنَّه لم يستطع السيطرة على النار المشتعلة داخله. بعد لحظات، التقط هاتفه مرَّةً أخرى واتَّصل بأرسلان: _أرسلان... إنتَ فين؟ _عند إسحاق... فيه حاجة؟ أغمض إلياس عينيه، ثم قال: _معتز هرب من مالك. _نعم... إنتَ بتستهبل يا إلياس، يعني إيه هرب؟!

_أرسلان... قاطعه الآخر بعصبية: _بلا أرسلان بلا زفت! شوف فشلك إنتَ وفريقك يا حضرة الظابط، أنا زهقت منك ومن الفريق الفاشل ده. تنهَّد إلياس بألم، لكنَّه لم ينطق. أمَّا أرسلان فتابع بصوتٍ يشتعل غضبًا: _من زمان وأنا بقولَّك الفريق ده محتاج يتغيَّر، ومحدش بيسمع، اشرب بقى... هنعمل إيه أكتر من اللي عملناه؟! قالها وأغلق الهاتف. أطبق أصابعه حول الهاتف بقوَّة حتى ابيضَّت مفاصله، بينما كانت عيناه تشتعلانِ غضبًا وقهرًا.

بمنزل يزن... عاد آسر إلى المنزل بعد أيامٍ ثقيلة بين جدران المستشفى..كانت رحيل وإيمان تقفان أمام الباب تنتظرانه. توقَّفت السيارة أمام المنزل.. ترجَّل يزن أولًا، ثم نزلت سدن، بينما بقي آسر في مكانه لثوانٍ، يلتقط أنفاسه بصعوبة. أسرعت رحيل إليه، وفتحت باب السيارة بجواره، ثم مدَّت يدها إليه بحنانٍ: _حمد الله على السلامة يا حبيبي. رفع عينيه إليها، ورغم الألم الذي ينهش جسده، ارتسمت ابتسامة باهتة على شفتيه:

_الله يسلِّمك يا ماما. في تلك اللحظة، وصلت سيارة بلال ويوسف، ترجَّلا منها سريعًا. أمسك يزن بذراع آسر من جهة، بينما ساندته والدته من الجهة الأخرى، ليتحرَّك بخطواتٍ بطيئة نحو الداخل، واضعًا كفَّه فوق موضع إصابته. وما إن عبر عتبة المنزل حتى توقَّفت خطواته. كانت آسيا تقف في منتصف الردهة، تحمل فنجان قهوتها بين يديها. رفعت رأسها نحوه، ورفع هو عينيه إليها. صمتٌ طويل مرَّ بينهما في ثوانٍ قليلة...

صمتٌ يحمل خوفها عليه، وعتابه عليها، وغضبه منها، ولهفته إليها. كانت نظراتها تسأله: _لماذا فعلت هذا بنفسك، لماذا ألقيت نفسك أمام الرصاص؟ أمَّا عيناه فكانت تجيبها: _لأنَّكِ أنتِ... ولأنَّني لا أستطيع رؤيتك تتألَّمين رغم مافعلتيه بي لكن شيئًا من هذا لم يُقال. خفضت آسيا عينيها أوَّلًا، وسحبت نظراتها منه وكأنَّها تخشى أن يقرأ كل ما بداخلها. ثم قالت بصوتٍ حاولت أن تجعله عاديًا: _ألف سلامة... حمد الله على سلامتك.

أومأ برأسه فقط.. كان يراقبها بصمت، كأنَّ عينيه ترفضان تركها، كيف لم تذهب لزيارته طيلة هذه الأيام..حتى لم تسأل عنه؟! أمَّا هي فتحرَّكت من أمامه سريعًا، وقالت ببرودٍ متعمَّد: _ماما... هروح شغلي بقى، مدام اطمنَّا على المريض. ابتسمت رحيل بخفَّة: _تمام يا حبيبتي. اقتربت سدن من شقيقتها وقالت: _ما تاخديني معاكي؟ زهقانة، وأهو أتعرَّف على أصحابك في الشغل. هزَّت آسيا رأسها نفيًا، ثم قالت بصوتٍ خافتٍ وعيناها على تحرُّك آسر:

_مينفعش... خطيبك لسه راجع من المستشفى، خلِّيكي معاه، ويوم تاني ابقي تعالي، فيه مشروع بيتبني هناك. وقبل أن ترد سدن، قطع صوتهما صوت آسر: _سدن... التفتت إليه فورًا. استدار بصعوبة، وهو يستند إلى يوسف وبلال..نظر إليها ثم قال: _تعالي... ساعديني، وخلِّي أختك تشوف شغلها. ربتت آسيا على كتف شقيقتها برفق: _سلام يا حبيبتي.. ثم اتَّجهت للخارج. أمَّا سدن، فاكتفت بنظرة سريعة إليه ثم اقتربت منه تساعده.. ولكنه اشار اليها

_اانا هعرف اتعامل بعد قليل... كان يتمدَّد فوق فراشه، بينما يجلس يوسف بجواره يفحص الجرح بعناية. رفع القميص قليلًا، ثم قال بجديَّة: _حاول متعملش حركة كتير... الجرح في مكان صعب، وإحنا مش عايزينه يفتح. تنهَّد آسر ببطء، ثم أسند رأسه إلى الوسادة: _خلاص يا أخويا..هتعمل عليَّ دكتور. أغلق يوسف الحقيبة الطبيَّة، ثم نظر إليه مليًا: _أنا بتكلِّم جد يا آسر... يومين كمان وتقوم براحتك، لكن لو استهترت هترجع المستشفى تاني.

ابتسم آسر ابتسامة ضعيفة: _اطَّمن... مش ناقصني ريحة المستشفيات. ضحك بلال بخفَّة، بينما نظرت إليه سدن بحزن. أمَّا رحيل، فجلست إلى جوار ابنها، ومرَّرت أصابعها بين خصلات شعره كما كانت تفعل وهو صغير.. ثم همست بصوتٍ اختنق بالدموع: _الحمد لله حبيبي إنَّك رجعت بالسلامة. رفع آسر يده بصعوبة، وأمسك بكفِّها، ثم قبَّله برفق: _أنا بخير يا ماما... متعيطيش. لكن الحقيقة... أنَّه لم يكن بخير. فألمه لم يكن في الجرح الذي أصاب جسده...

بل في تلك التي غادرت منذ قليل، وتركت قلبه ينزف بصمت. نهضت رحيل عن مقعدها، ومسحت دموعها سريعًا حتى لا يراها، فكلَّما تذكَّرت أنَّ ابنها نجا من الموت بأعجوبة، ينزف قلبها دمًا، نظرت لوجه ابنها ثم قالت بحنان: _هعملك شوية شوربة... تاكلها وترتاح. رفع آسر عينيه إليها، بوجهِ شاحب وابتسم ابتسامة باهتة: _ماما... مش جعان. لكنَّها لم تنتظر ردَّه، وكأنَّ قلب الأم لا يقتنع بكلماته فخرجت وتبعتها سدن.

جلس يوسف بجوار الفراش..بينما خرج بلال إلى الشرفة وهو يجيب على هاتفه. تأمَّل يوسف وجه آسر طويلًا، ثم سأله بصوتٍ هادئ: _حاسس بإيه دلوقتي، كويس؟ أغمض آسر عينيه للحظات، ثم هزَّ رأسه ببطء: _أيوة... الحمد لله. تنهَّد يوسف، ثم سأله: _قولِّي... انضربت بالنار إزاي؟ تجمَّدت ملامح آسر للحظات، حتى ذهب بذاكرته إلى تلك الليلة.. حين رأى الرجل الذي رفع سلاحه وصوَّبه نحوها..لم يفكِّر..لم يتردَّد.

كل ما شعر به وقتها أنَّ الرصاصة لا يجب أن تصل إليها..فاندفع بجسده أمامها... ثم... ألمٌ حارق شقَّ صدره، وصوت الرصاصة مزَّق كلَّ شيء. انتفض من ذكرياته على صوت يوسف: _آسر! تطلَّع إليه فتساءل يوسف: _رحت فين، ما بتردش ليه؟ ابتلع غصَّة مؤلمة، ثم هزَّ كتفيه بإنهاك: _أرد أقول إيه؟ عقد يوسف حاجبيه..فقال آسر: _ما إنتَ عارف الموضوع... بتسأل ليه؟ انحنى يوسف للأمام، وأسند ذراعيه على الفراش، ثم ثبَّت عيناه داخل عيني آسر مباشرة:

_لا... أنا معرفش حاجة. رفع آسر رأسه إليه باستغراب: _مالك يا يوسف؟ ظلَّ يوسف يحدِّق به لثوان، وكأنَّه يبحث عن إجابة بين ملامحه، ثم قال ببطء: _آسر... إنتَ ليه خطبت سدن فجأة؟ كأنَّ السؤال كان رصاصة أخرى. ارتجف جسده ارتجافة خفيفة، وانقبضت أصابعه فوق الغطاء، بينما تاهت عيناه لثانية واحدة قبل أن يعيد النظر إليه. _مش... مش فاهم قصدك. حاول أن يبدو طبيعيًا، فسأل بنبرةٍ متعجِّلة: _إيه لزوم سؤال أهبل زي ده؟

إنتَ عارف أنا خطبتها لمَّا اكتشفت إنِّي بحبَّها، في تلك اللحظة عاد بلال إلى الغرفة، وتوقف مكانه على كلمات آسر. تبادل نظراتٍ سريعة بينهما، ثم سأل بقلق: _فيه إيه؟ لكن يوسف لم يرفع عينيه عن آسر، وقال بصوتٍ منخفض، يحمل من الشكِّ أكثر ممَّا يحمل من الكلمات: _فيه حاجات كتير... وأنا عايز أفهمها. اقترب بلال حين علم بما يلمِّح به يوسف: _آسر..يوسف عايز يتأكد إنَّك خطبت سدن علشان بتحبَّها. أفلت آسر ضحكة:

_ودي أثبتها إزاي يا دكاترة؟ تقدَّم يوسف خطوة أخرى: _يعني... بتحبَّها؟ زفر آسر بضيق وأغمض عينيه: _أنا تعبان... وعايز أنام. لكن يوسف لم يتراجع فتساءل وعينيه عليه: _طب... وآسيا يا متر؟ كانت الكلمة كصفعةٍ مدوية. انتفض جسده بعنف، واتَّسعت عيناه، بينما تسارع نَفَسه فجأة. ارتبك وهو يهمس: _مالها... آسيا؟ اقترب يوسف حتى أصبح أمام وجهه مباشرة، ثم قال ببطء، وكأنَّه ينطق بحكمٍ يعرف أنَّه سيؤلمه: _مش بتحبَّها؟

رفع آسر عينيه إليه، وبدت الصدمة واضحة في ملامحه: _إيه اللي بتقوله ده!! ..إنت اتجنِّنت؟! قاطعه بلال، وصوته يحمل شفقة موجعة: _لأ يا آسر... للأسف يوسف بيقول الحقيقة. ساد صمتٌ ثقيل... خانق، سوى من ارتفاع أنفاس آسر، وهو يحدِّق بهما، ثم ابتلع ريقه بصعوبة، بدأت أنفاسه تضطرب: _إنتوا... إنتوا بتقولوا إيه؟ قالها بصوتٍ مكسور، وكأنَّه يخشى الإجابة قبل أن يسمعها. اقترب يوسف أكثر، وعيناه لم تتركا وجهه: _لمَّا فوقت...

أوَّل اسم نطقت بيه كان "آسيا". تنفَّس آسر باضطراب: _ده... ده عادي..علشان كانت موجودة مع رولا. هزَّ يوسف رأسه ببطء: _لا... مش عادي. وتابع بنبرةٍ هادئة، لكنَّها أصابت قلبه في مقتل: _ولمَّا سألتك عن سدن، ارتبكت... لكن أوَّل ما جبت سيرة آسيا، شكلك اتغيَّر، ونظرة عينيك اتبدِّلت، وكأن حد ضغط على قلبك بإيده. شحب وجه آسر. أمَّا بلال فقال بصوتٍ خافت: _إحنا أصحابك يا آسر...

وخايفين عليك تغلط، إزاي تعمل كدا، ريَّحنا، إنت بتحبَّها؟ تراجع آسر بجسده حتى استند إلى الوسادة، ثم همس: _لا... صمت لحظة، ثم كرَّرها بصوتٍ أوهن: _لا... مستحيل. اقترب يوسف أكثر، حتى جلس على طرف الفراش وقال: _بالعكس... هوَّ ده اللي حاصل. ارتفعت أنفاس آسر، وبدأت عيناه تتجوَّل عليهما: _مش عايز أسمع منكم حاجة تاني. اتَّجه بلال للجانب الآخر: _آسر...

من حقَّك تتجوز اللي بتحبَّها إحنا مش مختلفين معاك، حتى لو بتحبِّ آسيا وفيه أسباب تخليك تتجوِّز غيرها، بس مش أختها، إنتَ كدا ماشي في طريق غلط. أوقف يوسف بلال بكفَّيه: _أكيد مش غبي، علشان يحب واحدة ويتجوِّز أختها، وخاصةً لو كانت بنت عمِّته. ابتعد آسر بنظراته عنهما فتابع يوسف: _أنا عارف إنَّك مستحيل تعمل كدا، علشان إنتَ ابن يزن الشافعي، اللي مستحيل يغلط غلط دني زي دا. _إنتَ عايز إيه يا يوسف، أنا تعبان وعايز أنام..

_تقولِّي الحقيقة. رفع بصره إليهما، ثم همس بصوتٍ مرتجف: _أنا... بحبِّ آسيا، أو تقدر تقول كنت بحبَّها، بس دلوقتي لأ. شهق يوسف ورفع عيناه سريعًا إلى بلال الذي هزَّ رأسه معترضًا: _أكيد إنتَ واحد مجنون. _أيوة... مجنون، مالكش دعوة. حدَّق يوسف فيه لثوانٍ، ثم قال بصوتٍ خرج مضغوطًا من شدَّة غضبه: _لا، ليَّا دعوة يا آسر... اللي بتعمله غلط، بتقهر واحدة وبتضحك على التانية، ذنبهم إيه الاتنين؟

رفع آسر عينيه إليه ببطء، وقد احمرَّتا من قهر قلبه والألم الذي يتغلغل بروحه: _يوسف... لو سمحت، مش ناقص. لكن يوسف زفر بقوة، بينما اقترب بلال وقال بصدمة: _إنتَ بتحبِّ آسيا... ليه عايز تخطب أختها؟ دي أختها يا بني! وبعدين إنتَ بنفسك قولتلي إنك ميَّال لآسيا، وعلَّقت البنت بيك... ليه تعمل كده؟ ارتسمت على شفتي آسر ابتسامة ساخرة موجوعة: _علَّقتها بيَّا؟ كرَّرها وكأنَّها نكتة سمجة، ثم ضحك ضحكة قصيرة خالية من الفرح:

_لا يا دكتور... دي هيَّ اللي علَّقتني بيها. وفي الآخر داست عليَّا كأنِّي ولا حاجة. اشتدَّت نبرته فجأة: _البنت دي كسرتني... فاهم؟! خلِّتني أحس إنِّي مجرَّد كوبري تعدِّي عليه وتوصل للي هيَّ عايزاه..داست على كرامتي ورجولتي. ابتلع غصَّة مريرة، وأكمل بصوتٍ مبحوح: _لو آسيا آخر ست في الدنيا... مش هتجوِّزها، ولو هفضل طول عمري من غير جواز. شهق بلال غير مستوعب ما يسمعه: _إيه اللي بتقوله ده يا آسر؟!

إنتَ مستوعب اللي بتقوله، إنتَ بدمَّر نفسك واتنين معاك. أشار بيده بعنف: _راضي... ومتخافش عليها... الموضوع كان لعبة، يعني مش حبِّتها أوي، عادي، وخلاص أنا قرَّرت أتجوز سدن، ومحدش له دعوة.

_كدَّاب إنتَ لسة بتحبَّها، ومش بتحبَّها بس هتتجنِّن وهتموت عليها، مكنتش شايف نفسك بعد ما فوقت وإنتَ هتتجنِّن وتشوفها، دا يا أخي روحت دخَّنت بعد العملية بيومين، فيه حد عاقل يعمل كدا، ودا ليه علشان سمعت طنط إيمان بتقول إنَّها سافرت شغل مع نور... قالها بلال وهو يعقد ذراعيه فوق صدره يراقبه. تقدَّم يوسف نحوه، وعيناه تشتعلان: _أنا مش هسألك عملت فيك إيه، دي حياتكم الخاصَّة...

لكن بلاش خطوة أختها، معاك متتجوزش واحدة جرحتك، لكن متنتقمش منها في أختها. أغمض آسر عينيه بإرهاق، وكأنَّ رأسه لم يعد يحتمل: _يوسف... أنا تعبان، وخلاص، دي حياتي..هتجوز سدن، وممكن تسيبني أرتاح؟ لكن يوسف لم يرحمه، وأطبق على كتفه المصاب بغضب: _أسيبك ترتاح بعد اللي عرفته، تحبِّ واحدة وتتجوز أختها؟ دي عمايل واحد غبي ومجنون! تأوَّه آسر من الألم، ودفع يده بعيدًا عنه: _ابعد كده... وإنتَ كمان بتسمع كلام المتخلِّف اللي جنبك.

رمقه بلال باشمئزاز: _مش هرد عليك... لأن يوسف سمعك أوَّل ما فوقت، وسألها، وقالت إنَّك وقفت قدَّامها علشان تفديها. رفع يوسف رأسه ينظر لعينيه، رغم نظرات الألم التي تصرخ به عيني آسر إلَّا أنَّ يوسف قال: _آسر إنتَ بتغلط، أقلّ حاجة هتبقى خاين... خاين يا آسر. تجمَّدت ملامح آسر للحظة: _خاين... كلمة واحدة فقط ضربت شيئًا داخله. هو لم يخن أحدًا... هو فقط رجل انكسرت كرامته.

رجلٌ أحبَّ بصدق، ثم استيقظ ليجد نفسه أضحوكة..لم يرد بل أبعد يد يوسف عنه، وتمدَّد ببطء على الفراش. مسح يوسف على وجهه بعنف وهو يدور بالغرفة: _الجوازة دي مستحيل تتم... سمعتني ولَّا لأ؟ رفع آسر رأسه ببطء، ونظر إليهما بعينينِ باردتينِ تخفيان خلفهما جحيمًا: _اطلعوا برَّة... مش عايز أشوف حد فيكم. وصل إليه يوسف في خطوةٍ واحدة:

_اسمعني يا ابن خالي، عشان مش هعيد كلامي..إنتَ دلوقتي بتتكلِّم بوجع كرامتك، لكن بعدين هتندم. هتكتشف إنَّك ظلمت بنت ملهاش ذنب... وإنَّك خنت حبَّك بإيدك. ابتسم آسر بسخرية موجوعة: _حب؟ ... يا بني الموضوع انتهى. _متأكِّد يا بن خالي؟ _أيوة... وهتجوز سدن، يا ريت تقتنعوا بكدا. في تلك اللحظة انفتح الباب، ودلف يزن. توقَّف مكانه وهو ينظر إليهم: _مالكوا، صوتكم عالي ليه؟ ابتعد يوسف عن آسر، بينما نظر يزن إلى ابنه بقلق:

_إنتَ كويس يا ابني؟ _كويس يا بابا... بس خد الدكاترة دي، أنا تعبان وعايز أرتاح. ثم رفع عينيه إليه وقال ببرودٍ متعمَّد: وبما إن القضية انتهت... أنا شايف نتمِّم الجواز، ليه نستنى؟ كلِّم عمُّو كريم. اتَّسعت عينا بلال بصدمة: إنتَ بتقول إيه؟! لكن آسر لم ينظر إليه. ابتسم بلال وقال: _وماله يا أخويا؟ وليه نستنى لمَّا تخف؟ قول لأبوك يبعت يجيب المأذون. دارت نظرات يزن بينهم باستغراب: _هوَّ في إيه بالظبط؟ صاح يوسف،

وقد انفجر غضبه: فيه إنِّ ابنك محتاج يتربَّى يا خالو... وياريتك تلحق تربِّيه قبل ما يضيَّع حياته. _يعني إيه يا يوسف؟ أجابه آسر سريعًا: _مش عاجبهم يا بابا، إنِّي آخد حقِّي بإيدي. مسَّد يزن على رأس ابنه: _خايفين عليك يا حبيبي. خرج يوسف من الغرفة بخطواتٍ سريعة، وملامحه مشدودة بالغضب، حتى أنَّه كاد يصطدم بسدن الواقفة أمام الباب. تجمَّد في مكانه لثانية.

كانت تقف بابتسامتها الهادئة، بريئة كالأطفال، تحمل في عينيها دفئًا غريبًا، لكنَّها سرعان ما تلاشت حين رأت نظراته المربكة. فقالت باستغراب: _فيه حاجة يا دكتور؟ انتبه لنفسه، وهزَّ رأسه سريعًا: _لا... مفيش. قالها ثم تجاوزها وغادر. وقفت تتابع رحيله بعينيها، التفتت على صوت رحيل خلفها: _واقفة ليه كده يا حبيبتي؟ التفتت إليها وقالت: _كنت داخلة أشوف آسر، بس لقيت دكتور يوسف وبلال عنده. اقتربت منها رحيل وهي تحمل كوبًا من العصير:

_خدي ده لآسر، بما إن يوسف مشي، شوية وبلال كمان هيمشي، رولا لسه مكلِّماني وبتسأل عليه. نظرت سدن إلى الكوب، ثم إلى رحيل: _هوَّ ليه حضرتك اللي بتعملي الحاجات دي يا طنط، مش المفروض الشغَّالين؟ ابتسمت رحيل، وكأنَّ السؤال أعادها سنواتٍ إلى الوراء: _فكَّرتيني بنفسي أوَّل ما عرفت خالك. وارتسمت على وجهها ابتسامة حزينة: _لو بتحبِّي آسر يا سدن... امشي معاه زي ما هوَّ عايز، هتشوفي إزاي هيشيلك جوَّه قلبه وروحه.

اقتربت سدن منها قليلًا: _هوَّ الحب يعني أعملُّه ياكل ويشرب؟ صمتت لحظة، ثم أكملت بهدوء: _ماما بتحبِّ بابا جدًّا... ومع ذلك عمرها ما وقفت في المطبخ طول الوقت، بالعكس، عندها شغلها وحياتها، وبابا دايمًا بيشجَّعها..عمره ما طلب منها تسيب نفسها علشانه. تأمَّلت رحيل ملامحها للحظات. أخذت من يدها كوب العصير مرَّةً أخرى: _طيب... ودِّي العصير قبل ما يبرد، وبعدها نتكلِّم..شكلك يا بنت إيمان... مش هتعمَّري مع ابني.

قالتها بابتسامة حاولت أن تجعلها عادية، ثم دخلت الغرفة. أمَّا سدن، فبقيت واقفة مكانها، تنظر إلى الباب المغلق. وهمست بصوتٍ بالكاد سمعته هي: _شكلي اتسرَّعت يا طنط... ابنك عايز واحدة تبقى شغَّالة في حياته، زي أي راجل شرقي شايف إنِّ البنت ما لهاش دور غير إنَّها ترضي جوزها. في تلك اللحظة خرج يزن من الداخل، وخلفه بلال. توقَّف عندما رآها: _واقفة كده ليه يا حبيبتي؟ رفعت عينيها إليه: _كنت جاية أشوف آسر. ثم التفتت إلى بلال:

_رولا كانت بتسأل عليك. أومأ برأسه: _أنا رايح لها... سلام يا عمُّو..وآه، متخليش آسر يتحرَّك كتير أو يعمل مجهود، ابنك دماغه ناشفة. ربت يزن على كتفه: _متقلقش، أمُّه معاه. ثم نظر إلى سدن مبتسمًا: _وسدن كمان هتحرسه... لازم ياخد باله من نفسه علشان يخفِّ بسرعة ونجوِّزهم. اتَّسعت عيناها: _جواز؟! خرجت الكلمة منها كأنَّها صدمة. قطب يزن حاجبيه: _أيوة يا حبيبتي... إنتوا إيه اللي مخلِّيكم تستنُّوا لسه؟ كان بلال يراقبها بصمت.

رأى أصابعها وهي تفرك بعضها بعصبية، ونظرتها المرتبكة التي تهرب بها. لم ترد على يزن ولكنَّها قالت: _هدخل أشوفه يا خالو... بعد إذنك. ثم تحرَّكت سريعًا إلى الداخل. تابعها يزن باستغراب. أمَّا بلال فتنهَّد: _عمُّو يزن... بعد إذن حضرتك، بلاش تتسرَّع في جوازهم. استدار إليه فورًا: _إنتَ مخبِّي عليَّا حاجة؟ صمت بلال لثوانٍ: _مش متأكِّد من مشاعر ابنك... ومن رأيي تقعد معاه وتفهم منه. أمسكه يزن من كتفه: _بلال...

آسر قالَّك حاجة، وليه يوسف كان بيزعَّق؟ رفع بلال عينيه إليه، لكنَّه لم يجد فرصة ليردَّ عليه.. رن هاتفه. أخرجه من جيبه وقال: _رولا مستنياني... وهنعدِّي على الدكتور علشان يوسف. _ماله يوسف؟ ابتسم بلال ضاحكًا: _مالوش... بس بنتك موسوسة، عايزة الدكتور يطمِّنها إن اللي بيعمله طبيعي. _بيعمل إيه؟ _كمَّل سنة وعايز ينزل يلعب في الشارع! انفجر يزن ضاحكًا: _طيب ما إنتَ غلطان... ما تعملوش نادي يلعب فيه! رفع بلال حاجبيه: _أهي...

ودي تفوتني؟ أنا أصلًا كلِّمت كام واحد يشتري له نادي أرسنال، علشان يليق بمقام البيه. قهقه يزن: _طبعًا... مش ابن الدكتور بلال! _لا وحياتك... ده ابن بنتك اللي هيفلِّسني قريب، كلِّ شوية عايزة أعمل ليوسف حاجة جديدة، دي بدأت تفكَّر تدخَّله مدرسة إنترناشونال من دلوقتي! وصلت رحيل على صوت ضحكاتهما: _خير... ما تضحكونا معاكم؟ أشار إليها بلال: _لا، ده عمُّو بيقولِّي هيتنازل عن البيت ده لحفيده. توقَّف يزن عن الضحك فورًا:

_بيت مين يا أخويا؟! ضحك بلال: _الله! مش جدُّه، ولَّا جد ببلاش؟ _آه يا أخويا... جد ببلاش! اسحب اسمي من اسمه، اسمي ولَّا اسم أبوك يلا، روح لأبوك خلِّيه هوَّ اللي يدفع! حكَّ بلال ذقنه متصنِّعًا التفكير: _تصدَّق... عندك حق، هوَّ أرسلان يتكتب اسمه ببلاش؟ لازم يدفع. أشار إليه يزن بإعجاب: _برافو عليك يا جوز بنتي... خد حقَّك كده. لكزته رحيل في ذراعه: _إنتَ بتقول إيه إنتَ كمان؟ ثم نظرت إلى بلال بحنان: _حبيبي...

ابن إيه اللي يتكتب له دلوقتي؟ ده الواد لسه بحفَّاضة. _لا يا طنط... ما اسمحلكيش، ابن بلال بيلبس أغلى الحفَّاضات. هزَّت رحيل رأسها مبتسمة، وتركتهم على ضحكاتهم... دقائق قليلة الى أن وصل منزله، توقف بمكانه وهو يراها تقف بمنامتها الناعمة، اقتربت منه _بقالك ساعتين عند بابا، كنت بات هناك احسن قالتها وهي تنتزع جاكتيه كان يراقبها بصمت، استدارت بعدما وضعت الجاكيت على الأريكة _االعشا جاهز

_ماليش نفس، شبعان، قالها وهو يتحرك للداخل ولكنه توقف على كلماتها _تعرف انا اتمنيت اني اللي انضربت بالنار مكان اسر، وكنت مت كمان، علشان اريح الكل مني، بدل مفيش حد حاسس بوجعي، حتى حبيبي استدار اليها سريعًا نظرت اليه بعيناها الباكية ـ لو إن الانتحار مش حرام... كنت ريحتكم مني. ما إن خرجت الكلمات من شفتيها حتى شعر وكأن أحدهم غرس خنجرًا في صدره. رفع عينيه إليها بصدمة، فرأى الانكسار كاملاً في ملامحها...

رأى امرأة لم تعد تقوى على حمل وجعها. وفي لحظة... وصل إليها بخطوة واحدة. لم يمنحها فرصة للابتعاد، ولا منح نفسه فرصة للتفكير. سحبها إليه بقوة، حتى كاد يذيب عظامها بين ذراعيه في البداية ظلت جامدة... ثم انهارت. انفجرت بالبكاء.. بكاءٌ مرير، تحوّل في ثوانٍ إلى عويلٍ موجوع، كأن كل ما حبسته داخلها لسنوات خرج دفعة واحدة. تشبثت بقميصه بكل قوتها، وأصابعها ترتجف، بينما كلماتها تتكسر بين شهقاتها. ـ تعبت... والله تعبت...

أغمض عينيه بقوة، وشعر بقلبه يتمزق مع كل شهقة تخرج منها. لم يكن يعلم أن إنسانًا يمكن أن يصل إلى هذا القدر من الانهيار. انحنى سريعًا وحملها بين ذراعيه. كانت خفيفة... خفيفة بصورة أخافته. كأن الحزن التهم منها كل شيء. دلف بها إلى غرفتهما، ثم جلس على الفراش ووضعها برفق، لكنه لم يبتعد. استدار وجذبها إلى صدره مرة أخرى، حتى أصبحت داخل أحضانه، لف ذراعيه حولها كأنهما حصنها الأخير.

دفنت وجهها في صدره، وما زالت تبكي بصوت مرتفع، حتى ابتلت ثيابه بدموعها. مرر يده في شعرها، ثم همس بصوت مبحوح: ـ خلاص... اهدي... أنا آسف. لكنها لم تهدأ.بل ازدادت شهقاتها. فأخذ يطبع قبلة فوق رأسها. ثم أخرى... وأخرى... قبلات متتابعة، مرتجفة، كأنه يحاول أن يداوي بها كل ما كسره بداخلها. ـ حقك عليا... والله حقك عليا. رفع يده يمسح دموعها، لكن دموعًا جديدة كانت تهبط مكانها. فشدها إليه أكثر، حتى كادت تسمع دقات قلبه المضطربة.

ـ متقوليش الكلام ده تاني... أوعي تقولي اموت دي تاني، أنا مقدرش... سامعة؟ مقدرش.. رفعت يدها المرتجفة وتشبثت بقميصه أكثر، كالغريق الذي وجد أخيرًا شاطئه. أما هو... فأغمض عينيه، وأسند خده فوق رأسها، وشعر لأول مرة أن خوفه الحقيقي لم يكن من فقدانها... بل من أن يصل بها وجعه إلى مرحلة تتمنى فيها الموت. بعد فترة طويلة، استكانت بين احضانه _عاملة ايه دلوقتي _االحمدلله... همست بها، ادارها حتى اصبحت بمقابلته

_ممكن تنسي كل حاجة وتفكري بس في يوسف، وحبيبك _بلال انا تعبانة اوي، كل مااتخيل ان اخوي كان هيموت بسببي ببقى عايزة اموت نفسي _اش... اهدي حبيبتي، دا قدر، يعني بيكي من غيرك كان هيحصله كدا _اانا بقيت خايفة اوي _لازم تخافي، بعيدة عن جوزك، وممكن عينه تزوغ كدا ولا كدا وترجعي تقولي ياخاين بمنزل كارما دلفت للداخل، قابلتها كندا _خلصت كل حاجة تجولت بعيناها بالمنزل، وتساقطت دموعها، منذ ان اتت الى هذا المنزل لم تذق طعم الراحة

هل بالفعل كانت السبب في دمار حياة اخرى _هنروح فين ياكارما _مش عارفة... كل اللي اعرفه لازم نمشي من هنا، هنشوف فندق لحد مااشوف هعمل ايه _فندق... وانت معاكي فلوس لكدا _ربك هيدبرها ياكندا، من امتى وانا بفكر هجيب منين، سبيها على ربنا _اانا عندي امتحانات، كدا السنة هضيع علي ضمت وجهها تزيل دموع ابنة عمها _اسفة حبيبتي، كل دا بسببي، اوعدك من النهاردة كل حاجة هتتغير، ياله زمان التاكسي جه تحت بقصر الجارحي قبل قليل..

ما إن أنهى أرسلان مكالمته مع إلياس حتى ألقى الهاتف جانبًا، ثم جلس على المقعد يمسح وجهه بكفَّيه بعنف، وارتسم الغضب على ملامحه. رفع إسحاق حاجبه متسائلًا: _مالك، فيه إيه؟ رفع أرسلان رأسه، وقال بصوتٍ مشحون: _معتز هرب... بعد ما النيابة أصدرت أمر بالقبض عليه. أطلق إسحاق زفرة بطيئة، ثم هزَّ رأسه: _أممم... الموضوع يضايق فعلًا. توقَّفت عينا أرسلان عند وجهه، يدقِّق في ملامحه: _مش غريبة إنَّك مش متفاجئ؟ نفث

إسحاق دخان سيجاره بهدوء: _وهضَّايق ليه؟ الموضوع ما يخصنيش. انحنى أرسلان للأمام، مثبِّتًا عينيه داخل عينيه. _مالك ؟ _لا... بس مستغرب. دي مش عوايد إسحاق الجارحي. ابتسم إسحاق ببرودٍ مصطنع: _وإنتَ مش كنت ماشي..ما تقوم تروح. وقبل أن يرد أرسلان، انفتح باب المكتب، دلفت شمس تحمل صغيرها بين ذراعيها. تبدَّلت ملامح أرسلان بالكامل، وانطفأ غضبه كأنَّه لم يكن. رفع رأسه إليها، وابتسامة واسعة شقَّت وجهه: _تعالي يا قلب عمِّك.

اقتربت شمس مبتسمة، فنهض سريعًا من مكانه، ومدَّ ذراعيه نحو الطفل: _جاي أشوف حفيدي... هوَّ أنا جاي لك إنتَ؟ ضحك بخفَّة: _لا والله! تناول تميم منها بحنان، وضمَّه إلى صدره يقبِّله: _تميم باشا... وحشت جدَّك يا فصعون. ثم جذب شمس بذراعه الأخرى، وأدخلها إلى حضنه: _عاملة إيه يا حبيبة عمِّك؟ ابتسمت بحب: _أنا كويسة الحمد لله..كلُّكم وحشتوني. قال إسحاق بهدوء: _روحي معاه يا حبيبتي لو عايزة... كده كده جوزك مش هيرجع غير الخميس.

نظرت إليه شمس بتردُّد: _يعني حضرتك مش هتزعل؟ نهض إسحاق من مكانه، وربت على كتفها بابتسامةٍ دافئة: _لا يا بنتي... مش زعلان. رفع أرسلان ذقنها برفق: _ليه بتقولي كده؟ هنا زي هناك، قولي لإسحاق وهوَّ عمره ما هيمنعك. عقد إسحاق حاجبيه متصنِّعًا الضيق: _كده يا شمس، تشمِّتي فيَّ عمِّك؟ ضحكت شمس برقَّة، وهي تنظر إلى أرسلان: _لا يا عمُّو... عمُّو أرسلان عسل وما بيحبش يشمت في حد.

قهقه أرسلان بصوتٍ مرتفع، بينما رمقه إسحاق بنظرةٍ غاضبة مصطنعة. جذبها أرسلان مجدَّدًا إلى صدره، وقبَّل رأسها بحنانٍ أبوي: _روح عمِّك إنتِ. هتف إسحاق وهو يشير نحو الباب: _طب يلَّا يا أخويا... خد بنت أخوك وامشوا من هنا. ازدادت ضحكات شمس، ثم اقتربت من إسحاق وأمسكت ذراعه بدلال: _حبيبي إنتَ يا عمُّو إسحاق والله... ومتأكِّدة إنك متفهِّم الموضوع عشان عقلك كبير. رفع ارسلان حاجبيه بدهشةٍ مصطنعة: _وأنا عقلي صغير يا بنت إلياس؟

غمز لها إسحاق مردفًا: _شوفي... قلب عليكي في لحظة! تعالت ضحكاتهم، حتى أشار أرسلان إلى شمس وهو ما يزال يحمل تميم: _يلَّا يا حبيبتي... اجهزي، هنمشي. ابتسمت شمس، ثم مدَّت يديها نحو صغيرها: _هات تميم علشان النانا تجهِّزه. ضمَّ أرسلان الطفل إلى صدره أكثر. ــــــــــــــــــــــ بمنزل سارة.. كانت صوفيا تقف في منتصف الغرفة، وعيناها تقدحانِ غضبًا وخوفًا في آنٍ واحد: _ماذا فعلتِ يا سارة!! .كيف تغدرين بأخيكِ؟!

ارتجفت سارة في مكانها، وهزَّت رأسها بعنف: _ماما... أنا معملتش حاجة، همَّا كانوا عارفين كلِّ حاجة... حتى عارفين إنُّه اسمه مايكل. اقتربت منها، وارتفع صوتها بانفعال: _كيف عرفوا؟ ابتلعت سارة ريقها بصعوبة: _فيهم واحد كان شغَّال في جهاز المخابرات... متعرفيش يعني إيه يا ماما؟ الناس دي ما بتسيبش حاجة للظروف، بيعرفوا كلِّ حاجة. وضعت صوفيا يدها فوق رأسها بيأس، ثم قالت بصوتٍ مرتجف: _أنا خايفة عليكِ من معتز... سوف يؤذيكِ سارة.

رفعت عينيها نحو والدتها، وقد شحب وجهها..حين تذكَّرت ما قاله لها حين ذهبت لزيارته. أكملت صوفيا بقلقٍ أكبر: _ألم تخشي أن يؤذي نور؟ اتَّسعت عينا سارة فجأة، وكأنَّ الكلمات سقطت فوقها كالصاعقة: _لا... لا يا ماما. نهضت من مكانها بعصبية: _معتز بيحبِّ نور... مستحيل يؤذيه. ضحكت صوفيا بسخرية موجوعة، ثم أشارت إليها بيدٍ مرتجفة: _أحقًّا، نسيتِ ماذا فعل بخطيبته؟ نسيتِ كم دمَّر من أرواح؟ لقد دمَّر خطيبته، أين عقلك يا سارة؟

تجمَّدت ملامح سارة، ثم هوت على المقعد خلفها، وكأنَّ ساقيها لم تعودا تحملانها. بدأ قلبها يخفق بعنف، حتى شعرت بأنَّ أنفاسها تضيق. همست بصوتٍ مرتعش: _لا... مش هيؤذيه يا ماما... مش هيعمل كده. اقتربت صوفيا منها، وجثت أمامها، ثم أمسكت وجهها بين كفَّيها. كانت الدموع تلمع في عينيها وهي تقول: _أتمنَّى ذلك ابنتي... أتمنَّى من كلِّ قلبي. صمتت لثوانٍ، ثم خرجت الكلمات منها مثقلة بالألم: _لكن أخاكِ...

أخاكِ منذ زمن لم يعد ذلك الشاب الذي عرفناه. انكسرت نبرتها، وانحدرت دمعة على وجنتها: _معتز... أصبح مجرمًا. ارتجفت شفتا سارة، وتعلَّقت عيناها بوالدتها في ذعر، بينما تسلَّل الخوف إلى قلبها لأوَّل مرَّة... ماذا لو كانت أمُّها على حق؟ وماذا لو كان نور هو الضحية القادمة؟ بالمنزل الذي استأجرته دارين... كانت تجلس أمام حاسوبها تتابع عملها، ارتفع رنين هاتفها، فالتقطته: _مرحبًا. جاءها صوت امرأة من الجهة الأخرى:

_حضرتك كنتِ حاجزة رحلة إلى الأقصر؟ توقَّفت لثوانٍ، لتعود إليها تلك الرحلة التي خطَّطت لها منذ أسابيع..الرحلة التي قد تقودها إلى الشخص الذي تبحث عنه، بعيدًا عن الأعين التي بدأت تراقبها. _نعم _الأتوبيس هيغادر الساعة السادسة صباحًا بعد بكرة. _أشكرك. أنهت الاتِّصال وألقت الهاتف بجوارها، ثم أسندت رأسها إلى المقعد وهي تزفر ببطء: _إزاي أوصل له..هل أقدر أخترق حصونه؟ حتى بيته بقى مستحيل الاقتراب منه...

يبدو إنَّ الأمر أصعب ممَّا توقَّعت. ظلَّت تعبث بهاتفها لدقائق، ثم حسمت أمرها وضغطت على رقمٍ محفوظ: _أهلًا يا جو. جاءها صوته هادئًا: _مرحبًا يا دارين. _أنا وصلت القاهرة من فترة، أريد رؤيتك..توجد رحلة للأقصر بعد يومين، سأكون سعيدة برؤيتك. في تلك اللحظة، دخلت ضي تحمل فنجان القهوة الخاص بيوسف..توقَّفت حين سمعت الاسم. رفع يوسف عينيه إليها، ثم قال بابتسامةٍ خفيفة: _إيه رأيك نطلع الأقصر كام يوم؟ عقدت حاجبيها: _مين بيكلِّمك؟

_دارين. تغيَّرت ملامحها فورًا: _وهيَّ الزفتة دي بتكلِّمك علشان تعزمك؟ لا... مش رايحين، بجحة..ناقص تعزمنا على بيتنا كمان! ابتسم ثم ردَّ عبر الهاتف: _هشوف وأرد عليكِ يا دارين. أغلق المكالمة دون أن يضيف حرفًا آخر. مدَّ يده نحو زوجته: _تعالي هنا. جذبها برفق حتى جلست فوق ساقيه. نظر إليها مبتسمًا: _مش هنكبر بقى يا ضي؟ رفعت عينيها إليه، وقد بدأ الضيق يتسلَّل إلى ملامحها: _نكبر؟! .يعني أنا عقلي صغير يا يوسف؟ ابتسم وهو يهزُّ

رأسه: _لا، بس... قاطعته بسرعة: _أنا ما بحبش البنت دي. تنهَّد وهو يمرِّر أصابعه بين خصلاتها: _بس بتحبِّيني..وبتثقي فيَّ، وأنا عايز اللي بينَّا يفضل ثقة، مفيش حاجة تهزَّها. نظرت إليه طويلًا، ثم همست: _طيب... وليه ما وثقتش فيَّ لمَّا اشتغلت مع نور؟ تجمَّدت ملامحه: _إيه اللي بتقوليه ده؟ أكملت بصوتٍ مرتجف: _وقتها كنت بتغير... صح؟ تنهَّد يوسف بعمق: _فيه فرق كبير بين الغيرة والثقة يا ضي، لو ما كنتش بثق فيكِ...

مكنتيش لسه مراتي لحدِّ دلوقتي؟ سكتت، بينما أكمل: _أنا غيرت عليكِ... أيوة، لكن عمري ما شكِّيت فيكِ. ازدادت دموعها لمعانًا: _وأنا كمان بغير عليك منها... ليه مش بتريَّح قلبي وتبعدها عن حياتنا خالص؟ هيَّ سافرت ورجعت تاني ليه..ليه كلِّ شوية ترجع تظهر؟ خرجت كلماتها الأخيرة مكسورة، ومعها انزلقت دمعة ساخنة فوق وجنتها. شعر يوسف بوخزة في قلبه. رفع يديه وأحاط وجهها بين كفَّيه، ثم انحنى يقبِّل دمعتها قبل أن يقبِّل جبينها:

_غيري زي ما أنتِ عايزة... أغمضت عينيها، ثم دفنت وجهها في صدره: _متزعلش مني... بس قلبي بيولَّع نار منها، كلِّ ما أتخيل إنَّها كانت قريبة منك في الوقت اللي كنت أنا بعيدة فيه... بحسِّ إنِّي عايزة أدفنها وهيَّ عايشة. شدَّها إليه بقوة، حتى أصبحت بين ذراعيه بالكامل. أغمض عينيه هو الآخر، ثم قال بصوتٍ دافئ: _اسمعيني كويس يا ضي... مفيش حد يقدر يقرَّب منِّي. رفعت رأسها لتنظر إليه. فابتسم وأكمل: _مش لأنِّك بتغيري...

ولا لأنِّي ملكك وبس... لكن لأن قلبي اختارك إنتِ. وضع يده فوق صدره: _النبضة دي... ما بتدُّقش غير ليكِ، وطالما قلبي فيه نفس... عمره ما هيعرف يحبِّ واحدة غيرك..ولا عيني يملاها غيرك. ارتجفت شفتاها وهي تنظر إليه. فمال نحوها وهمس: _الموضوع عايز توضيح، ولازم نوضَّحه حبيبتي، وأنا مبحبش الكلام الكتير. بالمكان الذي يستقرُّ به معتز...

جلس على كرسيه الجلدي الفخم، يداعب بأصابعه ذراع المقعد، بينما يقف الرجل أمامه يروي ما حدث بالمحاكمة بالتفصيل. رفع معتز رأسه ببطء، وعيناه تضيقان بخبث: _يعني المحامي خرج... وأنا اتورَّطت زي ما شكِّيت؟ أومأ الرجل برأسه: _بالظبط يا باشا. نهض معتز في هدوءٍ مخيف، واتَّجه نحو شرفة المنزل، يحدِّق في الظلام الممتد أمامه، ثم قال بصوتٍ غارقٍ في التفكير: _أنا محتاج بنت...

بنت ذكية، تعرف تمثِّل كويس، وتكون ثقة، تنفِّذ اللي أطلبه منها من غير ما تسأل. اقترب الرجل منه قليلًا: _أعرف النوع المطلوب. ظلَّ معتز صامتًا للحظات، ثم تمتم: _أنا كنت مركِّز على الشخص الغلط... كنت فاكر إنِّ يزن هوَّ اللي بيحرَّك الكل، لكن طلع إلياس هوَّ المخطِّط الحقيقي... والمدبِّر أرسلان، مش يزن.. بس أغبية ميعرفوش إنِّي عملت كل حاجة من غير ماحد ياخد دليل، بس أختي الغبية هيَّ السبب. سكت قليلًا، لتعود إلى

ذهنه كلمات راجح القديمة: "فلوسك ابني أخدها... روح خدها منه." تجهَّم وجهه، وتذكَّر صراخه يومها: _ابنك إيه! إنتَ هتستعبط؟ ضحك راجح ضحكة ساخرة: "الشركة اللي كنَّا بنهرَّب من خلالها الأدوية... استولى عليها لأنَّها باسم مراته، قتلنا مالك علشان نشتغل براحتنا، وفي الآخر ابني طلع حيوان وأخد كلِّ حاجة." تذكَّر ردِّه الغاضب: _أنا ماليش دعوة... فلوسي وفلوس أمِّي كلَّها معاك، اتصرَّف. ولكن جاءت كلمات راجح كصفعةٍ جديدة:

"روح هاتها منه، أنا قلت له إنِّ لي شريك، قال لو قرَّب منِّي هيقتلك." أغمض معتز عينيه، لتقتحم ذاكرته كلمات رؤى، هي الأخرى..تلك الكلمات المسمومة التي كانت تقطر كراهية: "اللي متحكِّم في العيلة دي هوَّ يزن... محدش يقدر ياخد نفس من غير إذنه." "هوَّ عايش على سرقة حقوق الناس. أخد ميراثي أنا وإخواتي، ورماني في مصحة أمراض عقلية علشان الفلوس." "ومراته الحرباية عارفة كلِّ حاجة وساكتة."

رغم إنُّه عارف إنِّ بابا متجوز وعنده أولاد، وعارف إنِّ الفلوس من حقُّكم، ومع ذلك رفض يدِّيكم جنيه واحد." "كان بيقول: ده تعبي... ومحدش له دعوة." "بابا قبل ما يموت وصَّاه يدِّيك حقَّك... لكنُّه سرق كل شيء." "وبعد ما مات بابا، دخَّلني أنا وطارق السجن علشان يفضل هوَّ الكسبان الوحيد." كان صوتها يزداد داخل رأسه: "إنتَ عارف ليه يزن بيكرهك؟ لأن وجودك لوحده يهدِّد كلِّ اللي سرقه." "هوَّ شيطان لابس وش إنسان...

يبتسم قدَّام الناس، لكن من جوَّاه ما يعرفش غير الطمع." "أنا متأكِّدة إنُّه قتل بابا..علشان يسيطر على الفلوس وما يسيبش لحدِّ حاجة، وهوَّ عارف فلوسك كلَّها معاه فرح، قال زيادة الخير، ومش بس، عارف الشحنة الأخيرة اللي كنت عاملها مع راجح، راجح فعلًا ما أخدش الفلوس زي ما قالَّك، يزن اللي أخدها، ولمَّا قالُّه دي بتاعتك إنتَ، مراته قالت مش كسبتوها من شركتي، أنا أولى بيها. "طول عمره بيبني سعادته على خراب غيره...

وبيعيش من دم الناس وحقوقهم." ردَّ معتز وقد اشتعلت نظراته..وهو يقول بصوتٍ منخفضٍ يحمل الكثير من الشر: _والله لأندِّمه على كلِّ حاجة. خرج من شروده على صوت الرجل: _ما قولتش عايز البنت ليه؟ التفت للرجل خلفه، وعيناه تلمعانِ بخبث: _تدخَّلها بيت إلياس. بمنزل إلياس... كان يجلس في مقعده، ينصت إلى حديث أرسلان باهتمامٍ شديد. قال أرسلان بقلق: ـ طيب... إسحاق يعمل كده ليه؟ رفع إلياس عينيه إليه، ثم قال بهدوء يحمل الكثير من المعاني:

ـ مش مهم بيعمل إيه... المهم إنِّنا نعرف نوصل للي وراه من خلال إسحاق. ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن يزفر إلياس ببطء ويضيف: ـ لا... انسى معتز خالص، هوَّ كده وقع في إيد اللي ما بيرحمش. تطلَّع إليه أرسلان فجأة، ثم ضرب جبينه بكفِّه: ـ إزاي دي فاتتني؟ رمقه إلياس بنظرةٍ ساخرة: ـ علشان غبي... وشاطر بس تزعَّق لي في التليفون. زفر أرسلان بضيق: ـ قصدك يعني إنِّ اللي ساعده في الهرب هوَّ إسحاق؟ هزَّ إلياس رأسه ببطء: ـ مش بالظبط...

بس إسحاق لعب على ذكاء معتز، واحد بقاله سنين بيدوَّر ورانا ومحدش قدر يوقَّعه... يبقى أكيد إسحاق فهم هوَّ ناوي على إيه. ممكن يكون سهَّل له الطريق من بعيد لبعيد... من جهة دارس تحرُّكات مالك وعارف إمكانياته، ومن جهة تانية عارف معتز هيتصرَّف إزاي. عقد أرسلان حاجبيه: ـ يبقى كده إسحاق له شغل مع معتز. ـ لا... مع اللي ورا معتز. اعتدل في جلسته وأردف بجدية: _اتأكدلي بس إنِّ إسحاق ورا الموضوع...

وبعدها انسحب فورًا، ومتأكِّد إنِّ إسحاق مش هيرحمه. هزَّ أرسلان رأسه، ثم قال: ـ سيبك من معتز دلوقتي... البنت رجعت مصر. ارتفعت عينا إلياس إليه: ـ وأنا مش عايز البنت دي يا أرسلان... أنا عايز الكلب اللي حاول يقتل ابني. خرجت الكلمات من بين أسنانه، محمَّلة بغضب يحرق من أمامه. ردَّ أرسلان بثقة: ـ اعتبره حصل... بس ادِّيني يومين أخطَّط، عرفنا من مراقبة تليفونها إنَّها عايزة تدخل بيت إسحاق وتصوَّره. قطب إلياس حاجبيه: ـ تدخل!!

ـ دي عند ابنك. انتفض إلياس: ـ لا... لا يا أرسلان، ما تدَّخلش الولاد في اللعب ده. اقترب أرسلان قليلًا وقال: ـ بالعكس... يوسف يقدر يجرَّها من غير ما تشك. هتف إلياس بحدَّة: ـ لا، ابعد الولاد، بقولَّك. تنهَّد أرسلان: ـ طيب اسمعني... هيَّ اتَّصلت بيوسف علشان رحلة، فكَّر في الموضوع.. متنساش إنَّها كانت زميلة شغل. صمت إلياس للحظات، ثم قال: ـ طيب... هدَّخلها بيت إسحاق إزاي؟ ابتسم أرسلان ابتسامة خفيفة:

ـ ما هي عايزة تقرَّب من يوسف علشان كده. لكن إلياس هزَّ رأسه نافيًا: ـ ما أظنِّش يا أرسلان. نظر إليه أرسلان باستغراب: ـ ليه متأكِّد كده؟ تبدَّلت ملامح إلياس، ثم قال بصوتٍ منخفض: ـ فاكر عملية الحقن المجهري؟ أومأ أرسلان برأسه: ـ كانت عايزة تنقل الأجنَّة عندها في الرحم... لولا تدخُّل إسحاق. شهق أرسلان بصدمة: . ـ إنتَ بتقول إيه!! إيه الفجر ده؟! مسح إلياس على وجهه بإرهاق: ـ ميرال ما تعرفش موضوع العملية. ـ أيوة عارف...

ظلَّ أرسلان يحدِّق فيه لثوانٍ، ثم قال: _يعني هيَّ مش عايزة تجرّ يوسف كوسيلة... هيَّ عايزاه هوَّ. رفع إلياس عينيه إليه وأجاب بهدوء: ـ بالظبط. تنهَّد أرسلان ببطء: ـ طيب... ناوي على إيه؟ أطرق إلياس رأسه: ـ هفكَّر، الأيام اللي فاتت كنت مشغول بآسر... ومخدتش بالي من الموضوع ده. وقف أرسلان وقال: ـ بس إيه الثقة اللي بيتكلِّموا بيها دي إنَّها تقدر تخترق نظام إسحاق؟ ضحك إلياس بسخرية: ـ لأنُّهم أغبية...

فاكرة إنَّها هتنجح تزرع جهاز في بيت عقيد مخابرات! هزَّ أرسلان رأسه بإعجاب: ـ نفسي أعرف رد إسحاق هيكون إيه. ـ ما سألتوش... بس أكيد عنده حل. ثم أردف بحذر: ـ وطبعًا مينفعش نتصرَّف بشكل يخلِّيها تشك. أومأ أرسلان: ـ يبقى زي ما قلت... يوسف. ظلَّ إلياس صامتًا للحظاتٍ طويلة، ثم قال: ـ هفكَّر... وأرد عليك. قاطعهم دخول يزن: ـ السلام عليكم. رفع الاثنان رأسيهما، بينما اتَّجه يزن إليهما وجلس أمام إلياس:

ـ عملت إيه مع ميرال في موضوع سارة؟ زفر إلياس بتعب: ـ معملتش حاجة... انشغلنا بآسر.. هقولَّها إن شاء الله، بس مش دلوقتي، اليومين دول عايز أقعد عند أبويا، لازم أهتم بيه. أومأ أرسلان: _خلاص اهتم بعمُّو مصطفى، وكدا كدا سارة مش هتقولَّها يعني. التفت يزن إليه: _من رأيي تقولَّها يا إلياس، مش عارفين بكرة فيه إيه، وخاصَّةً هروب معتز دا. _هحاول أقولَّها. دلف بلال _دا الحبايب متجمعين هنا اهو _خير يادكتور جلس بمقابلة يزن

_عايز اطلع يومين اجازة في اي جزيرة شوف مكان مناسب يابابا، مراتي محتاجة تغير جو _مش وقته يابلال التفت الى الياس _ليه ياعمو _حبيبي، لما المجرم اللي حاول يقتل اسر يتمسك، خلينا مركزين عليكم هنا، برة هيكون صعب أومأ بتفهم ثم نهض _تمام ياعمو... اوقفه ارسلان _انت كويس صمت ينظر لوالده وحاول تغيير الحديث _الواد كمل السنة واسمك مرتبط بيه من غير حتى خيارة تبل ريقه بخيارة قطب جبينه _انت بتقول ايه، انا مفهمتش حااحة

زم الياس شفتيه وقال _امسح اسم ابوك يااخويا مش عايزين الشرف دا _متخليك محضر خير ياعمو انت كمان النهاردة عمارة من عماير ابويا تكتب باسم الواد، وكل سنة كدا والا توقف ارسلان يضع اصابعه على اذنه _ايوة ياحبيب ابوك والا ايه بقى _عمو يزن يكتب له شركة قالها وتحرك من امامهما سريعا بعد عدَّة أيام.. توقَّفت السيارة أمام بوَّابة الكمبوند.. التفت نور إليها: _ممكن تفكَّري في كلامي؟ أدارَت وجهها إليه بهدوءٍ حاسم:

_من غير ما أفكَّر... متحاولش تقنعني بكلِّ اللي قولته، أنا مش بفكَّر في الارتباط، ويوم ما أفكَّر... مش هيكون إنتَ يا نور. انعقد حاجباه متسائلًا: _ليه يا آسيا؟ فتحت باب السيارة وترجَّلت دون أن تجيب، فأسرع خلفها: _لو رفضك علشان موضوع ضي... فأنا نسيته، وقفلته من زمان. زفرت ببطء، وأخذت تتطلَّع حولها كأنَّها تبحث عن مهرب من هذا الحديث، ثم ثبَّتت عينيها عليه: _يا نور...

أنا هسافر. مكاني مش هنا، والحياة دي مش الحياة اللي عايزاها. وبعدين... أنا مستحيل أتجوز راجل كان قلبه متعلَّق بواحدة من عيلتي، مهما حاولت تقنعني إنِّ ده انتهى، فلو سمحت..بلاش تفتح الموضوع ده تاني. توقَّفت لثانية ثم أكملت بنبرةٍ أكثر هدوءًا: _فرح أختي بعد شهر... وبعدها مش هتلاقيني في مصر أصلًا. أسند ظهره إلى السيارة: _وأنا كمان ناوي أرجع إيطاليا... يعني مش هفضل هنا. نظرت إليه بأسفٍ صادق: _نور...

لو سمحت، بلاش تخلِّيني أقول كلام يوجعك. استدارت لتغادر. لكن قبل أن تخطو بعيدًا، لحق بها وأمسك كفَّيها بكلتا يديه: _آسيا..استني، دقيقة واحدة بس... في تلك اللحظة، خرجت سيارة آسر من بوَّابة الكمبوند.. وقبل أن تبتعد، وقعت عيناه على مشهد نور يقف ملاصقًا لآسيا... يمسك كفَّيها... ولا يفصل بين وجهيهما سوى إنشٍ واحد. ضغط آسر بقوَّة على دوَّاسة الفرامل حتى صرخت الإطارات فوق الأسفلت.

اتَّسعت حدقتاه، وتجمَّدت ملامحه لثوانٍ، بينما اشتعلت النار في صدره. قبض على المقود حتى برزت عروق يديه، وفكِّه يطحن فوق بعضه بعنف، وكأنَّ كل ذرَّة غضب داخله انفجرت دفعةً واحدة. ترجَّل من السيارة بخطواتٍ سريعة حادَّة، وأغلق الباب خلفه بقوَّة دوى صوتها في المكان، وتقدَّم نحوهما كإعصار، وعيناه لا تفارقان يد نور الملتفَّة حول كفَّي آسيا. أمَّا آسيا، فما إن لمحته حتى انقبض قلبها، وسحبت يدها بسرعة من بين يدي نور.

وصل إليهما، وبلحظة سحبها بغضب للداخل _اوعي تفكري هضايق لما تحاولي تستفزيني بالحيوان دا، لا فوقي، بس احترمي البيت اللي انت قاعدة فيه، قلة الاحترام دي في المكان اللي كنتي فيه، سامعة ولا افصل راسك عن جسمك اغروقت عيناها بالدموع فهمست _خلصت كلامك طالعها بنظرة غاضبة من ردها البارد، نظرت اليه بخذلان _لازم احترم كلامك ياجوز اختي، اللي يعتبر في مقام اخويا دنت خطوة وعيناها تحكي الكثير، والكثير

_ماتخفش انا مش تافهة، وهعمل كدا ليه ياجوز اختي يالي في مقام اخوي... فكر في حياتك وبس، ياجوز اختي، وشلني من دماغك، تفكيرك المحدود لعقليتك، مش لي رفعت نفسها تهمس له _انا مش تافهة يامتر قالتها وابتعدت متجهة للداخل دون ان تلتفت اليه مضى عدة اسابيع في مساء ليلةٍ شتويةٍ صاخبة، كانت السماء تزمجر كأنها تصرخ بكل ما تخفيه القلوب من ألم. انشقت الغيوم، وانهمر المطر غزيرًا، كرحمةٍ هبطت لتغسل الأرض وما عليها.

وقفت آسيا بشرفة غرفتها، تحدق في السماء بعينين شاردتين. كانت قطرات المطر تتساقط أمامها، بينما داخلها عاصفة أشد قسوة. ابتسمت فجأة... ابتسامة مجنونة، حزينة. خطرت لها فكرة لم تمنح نفسها حتى فرصة رفضها. ركضت إلى أسفل المنزل حافية القدمين، لا تشعر ببرودة الأرض، فما عاد هناك برد يفوق برودة قلبها. وضعت هاتفها على الطاولة، وشغلت أغنيتها المفضلة، ثم خرجت إلى الحديقة. ومع أولى النغمات... رفعت وجهها للسماء.. أغمضت عينيها.

وتركت المطر يغمرها. بدأت تدور ببطء، وقميصها الأحمر يلتصق بجسدها تحت المياه، ثم أخذت تتراقص بجنون، كأنها تحاول أن تُسقط وجعها مع كل قطرة مطر. ضحكت... وضحكت، ضحكة طويلة، لكنها كانت تشبه البكاء أكثر. في الأعلى، استيقظت سدن على صوت الموسيقى وضحكات أختها. اقتربت من النافذة وأزاحت الستارة، وما إن رأت آسيا حتى شهقت. ـ يا نهار أبيض! ركضت إلى أسفل، وعندما وصلت إليها، صاحت: ـ إنتِ اتجننتي؟!

لكن آسيا لم تجب.. كانت تدور وتضحك، وشعرها يلتصق بوجهها، وعيناها تلمعان بطريقة أرعبت سدن. اقتربت منها وأمسكت كفيها. نظرت إليها آسيا لثوانٍ... ثم انفجرت ضاحكة. وفي لحظة، بدأت الاثنتان تتراقصان تحت المطر بجنون طفولي. خرج كريم على صوت ضحكاتهما. توقف عند الباب، عقد ذراعيه أمام صدره، ثم ابتسم وهو يراقب ابنتيه. كانت الضحكات تملأ المكان، رغم أن السماء تبكي فوق رؤوسهم. ابتعدت سدن فجأة وهي تصرخ: ـ مجنونة! هدومنا غرقت!

لكن آسيا لم تتوقف. استمرت بالدوران، ترفع ذراعيها للسماء، وتضحك... وتضحك... ضحكات خرجت من قلبٍ يوشك على الانهيار. اقترب كريم منها وقال بحنان: ـ هتاخدي برد يا بابا... هدومك خفيفة. لكنها أمسكت يده فجأة وسحبته إليها. ـ ارقص معايا يا بابا. نظر إليها للحظة، ثم استسلم. بدأ يتراقص معها، وضحكاته امتزجت بضحكاتها، و المطر ينساب فوق وجوههم جميعًا. في غرفته كان يجلس على فراشه، يسمع ضحكاتها ورغم ذلك... لم يتحرك.

كأن عقله يرفض حتى أن ينظر إليها، لأن نظرة واحدة قد تهزم كل ما بناه من جدران. رفع كفيه ووضعهما على أذنيه. لكن ضحكاتها كانت كالرعد... تضرب قلبه بلا رحمة.. حاول أن يقاوم. حاول أن يكرهها.. أن يتذكر إهانتها له.. أن يتذكر وجعه منها لكن قلبه اللعين لم يفعل سوى أن يشتاق. وأخيرًا... لم يعد أن يقاوم استدار نحو النافذة.. نظرة واحدة فقط. وكانت كافية لتزلزل كيانه

رآها تدور تحت المطر، تضحك كطفلة ضائعة، وشعرها يلتف حول وجهها، وقميصها الأحمر يشتعل وسط الظلام. رجفة عنيفة اعتصرت قلبه حتى اختنق. تراجع خطوة.. ثم أخرى.. وفجأة... هوت قبضته على الحائط بكل قوته. مرة... واثنتين... وثلاثًا. حتى اصيب جلدة يده وبدأ الدم يسيل. لكنه لم يشعر بالألم. كان هناك ألم أكبر بكثير. رفع عينيه، فإذا بدموعه تنساب رغماً عنه. ثقل جسده فجأة.. ولم يعد يقوى على الوقوف.. سقط على الأرض. وجلس كطفلٍ ضائع...

يبكي، يبكي بصمتٍ موجع. بينما قلبه يصرخ باسمها... وعقله ينهشه بقسوة: لقد أهانتك... كسرتك... فلا ترحمها... ادعس صباح جديد محمل بالكثير والكثير دلفت سدن غرفتها بعد تأخيرها _اسيا... يلا حبيبتي، اتأخرتي على شغلك لكنها لم ترد اقتربت من الفراش تنزعه من فوقها وجلست بجوارها _افريقيا على رأي المتر قومي بقى لكنها توقفت على دمعة شريدة سقطت من عين اختها الغائبة عن الوعي بجسدها، لكن روحها تحترق انحنت اليها _اسيا حبيبتي، اصحي

لكنها شهقت حين شعرت بارتفاع حرارتها _اسيا... جسمك سخن اوي _ماما... بابا صرخت بها وهي تحاول افاقتها، ولكن الاخرى بعالم اخر، لتهمس بحرارة شفتيها _بحبه اوي، انا بموت، عايزة اموت تجمد جسد اختها حتى انتفضت وكأن قلبها توقف عن النبض بدخول ايمان _اختك مالها

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...