"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين " مـــا بـــيـــن كـــبـــريـــاءٍ يـــنـــكـــســـر... وقـــلـــبٍ لا يـــنـــســـى الـــثـــانـــيـــة والـــثـــمـــانـــون أن تُشفى من الحب... فتلك كذبةٌ ينسجها العقل ليواسي بها هزيمة القلب أمام الكبرياء. وكيف ليدٍ تنزف وجعًا، وتحفر في الجدار خيبتها، أن تقاوم نداء روحٍ تترنح على حافة الفناء؟ أقسم على السحق، وتحصّن بجليد الجفاء، لكنه نسي أن القلوب الجريحة حين تشتاق...
تذيب بلهيبها كل حصون الانتقام، وأن الكبرياء جسدٌ من زجاج، يتهشم أمام أول همسة صادقة تخرج من شقوق الوجع. همسةٌ تائهة في عتمة الهذيان... كانت كفيلة بأن تقلب موازين الحرب، وتعرّي صدقًا حاول كلاهما دفنه طويلًا. فما أقسى أن يكون عقابك لمن كسرَك... هو أن تراه يتألم، فتتمنى لو أن الوجع يصيبك أنتَ ولا يمسه هو بضرر. وما أمرّ أن تقف حائرًا بين عقلٍ يصرخ فيك لتقسو، وقلبٍ يرتجف رعبًا من فكرة الفقد. فبعض القلوب لا تخشى الجرح...
بل تخشى أن تكتشف أنها ما زالت تحب من جرحها. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ دخل كريم على صوت إيمان المذعور: _مالها أختك؟ انحنت إيمان سريعًا، وضعت كفَّها على جبينها، فانتفض قلبها: _يا نهار أبيض... جسمها مولَّع! شكلها أخدت برد شديد. قالتها وخرجت مسرعة نحو غرفتها لتأتي بحقيبتها الطبيَّة، بينما اقترب كريم من ابنته وجثا أمامها، يمرِّر يده على وجنتها المحمرَّة: _حبيبتي... ينفع كده؟ قلت لك متقعديش الجوِّ برد.
لم تجبه، كانت تغمغم بكلماتٍ غير مفهومة، وأنفاسها ساخنة ومتقطِّعة. جلست سدن بجوار أختها، وأزاحت خصلات شعرها الملتصقة بجبينها بفعل العرق، ثم أمسكت يدها بين كفَّيها: _آسيا افتحي عيونك يا حبيبتي. لكنَّها لم تسمعها، فقط تأوَّهت بصوتٍ ضعيف جعل قلب سدن ينقبض. عادت إيمان بالحقيبة وناولتها إلى زوجها بيدٍ مرتجفة: _اكشف عليها بسرعة. ثم استدارت على الفور: _أنا هجيب مبرِّد للكمادات.
جلس كريم يفحص ابنته بعناية، وكلَّما انتقل بالسمَّاعة على صدرها ازداد العبوس فوق ملامحه..دقائق مرَّت ثم زفر بقلق: _عندها دور برد شديد... والحرارة عالية جدًّا. كانت سدن تمسٍّد على خصلاتها، تستمع إلى همس أختها الذي تنطقه شفتيها دون وعي: _يا ترى مين دا يا آسيا اللي بتحبِّيه أوي؟ عادت إيمان تحمل وعاء الماء البارد، وجلست بجوار ابنتها، وبدأت تمرِّر الكمَّادات على جبينها وهي تردِّد الأدعية بصوتٍ مرتجف.
تعلَّقت عيناها بوجه ابنتها الشاحب، فشعرت بوخزةٍ مؤلمة في قلبها، لا شيء يوجع الأم أكثر من رؤية تألُّم الأولاد وهي عاجزة عن أخذ الألم عنه. كتب كريم بعض الأدوية، ثم نهض: _هشوف حد يجيب العلاج. نهضت سدن والتقطتها: _لا يا بابا... أنا هروح أجيبه. التفت إليها: _تروحي فين؟ الجو برد والدنيا بتشتي، خليكي يا حبيبتي... هشوف حد من الشغَّالين.
اقتربت منه سدن، ونظرت إلى أختها التي كانت ترتجف رغم الحرارة المشتعلة في جسدها، ثم قالت بصوتٍ خافت يخفي قلقًا كبيرًا: _لا يا بابا... أنا عايزة أجيبه بنفسي. _ليه بس؟ ابتلعت غصَّتها، ثم ابتسمت ابتسامة باهتة وهي تنظر إلى أختها: _متقلقش، فيه حاجة كمان عايزة أجبها، مينفعش حد يجبها لي. أومأ لها ثم أشار: _خلِّي السوَّاق معاكي متسوقيش في المطر. تحرَّكت وهي تهزُّ رأسها، محاولةً إخفاء حزنها وأردفت: _متقلقش عليَّ يا حبيبي.
ارتدت معطفها الشتوي، ورغم ذلك اندفعت نسمات البرد القاسية تلفُّ جسدها، اتَّجهت إلى سيارتها. في تلك اللحظة، خرج آسر من منزله، يضع هاتفه على أذنه: _عشر دقايق وهكون عندك... قولُّه مش هتأخَّر. لكن توقَّف فجأةً عندما لمح سيارة سدن تستعدُّ للمغادرة..أغلق الهاتف، واتَّجه نحوها بخطواتٍ واسعة حتى وقف أمام السيارة، مانعًا إيَّاها من التحرُّك. خفضت نافذتها، لتجده يرمقها بعبوس: _رايحة فين في البرد ده؟ أجابته ببرود:
_رايحة الفارمسي. رمش عدَّة مرات، ثم قال باستنكار: _نعم؟ تنهَّدت بضيق، لا تعلم أنَّها بدأت تختنق من مجرَّد الحديث معه: _أوف يا آسر... رايحة الصيدلية. اقترب أكثر، ثم فتح باب السيارة، يستند على الباب: _ليه مخلتيش حد يروح، ليه نازلة لوحدك في الجوِّ ده؟ رفعت رأسها إليه، وقد عادت كل مشاعر الأمس لتختنق داخل صدرها: _كلِّمتك إمبارح كتير... مردتش ليه؟ أشاح بوجهه قليلًا: _كنت نايم. ابتسمت بسخرية موجوعة: _نايم؟ ...
ولمَّا صحيت، ما افتكرتش تتِّصل؟ تنهَّد بضيق: _كنت هكلِّمك لمَّا أوصل المكتب. ابتسمت بسخرية، وأجابت بنبرةٍ ممتلئةٍ بالخذلان: _ياااه لمَّا توصل المكتب، هوَّ أنا بقى آخر أولوياتك؟ ظلَّ صامتًا، فأكملت بصوتٍ مرتجف: _أنا قلت لك عايزين نسافر يومين... نغيَّر جو، زهقت يا آسر..زهقت من القعدة دي.. المفروض إنِّنا مخطوبين، لحدِّ دلوقتي مخرَّجتنيش مشوار، ولا سهرنا زي أي اتنين مخطوبين حتى صاحبتي اللي أخيرًا لقيتها... منعتها.
قطب حاجبيه: _مالك يا سدن على الصبح، عايزة تتخانقي وخلاص؟ رفعت عينيها إليه، تنظر إليه بعتابٍ موجع: _أنا مخطوبة، وطبيعي أكون أوَّل حاجة من أولوياتك، إنَّما حضرتك كل الوقت مشغول. زفر بقوة وتحدَّث: _قولت لك السفر مينفعش، وإنتِ عارفة رأيي..وإحنا مش في حكم المتجوِّزين..والصداقة دي متنفعش، حتى لو واحدة وخطيبها... فيه راجل في الموضوع، وده مينفعش. اتَّسعت عيناها بصدمة، ثم همست: _بس ينفع تمنع تنفُّسي... مش كده؟
التفت إليها سريعًا: _أنا مش فاهم إنتِ بتتكلِّمي في إيه! أنا بسألك رايحة فين بما إنِّك قولتي مش هتروحي المكتب. أدارت المفتاح في السيارة وقالت بجمود: _أنا سبت الشغل عندك... وهروح أشتغل مع آسيا. ساد الصمت لثوانٍ، ثم التفت إليها ببطء: _آه... آسيا! خرج الاسم من بين أسنانه بحدَّة.. _طيب ما تقولي كده من الصبح بدل اللف والدوران. ثم أردف بصرامة: _وأنا مش موافق. فتحت فمها لترد، لكنَّه باغتها بصوتٍ مرتفع:
_أي مكان أختك هتكون فيه... إنتِ مش هتكوني فيه. ارتجفت من صراخه، لكنَّها تماسكت: _متخفش يا متر... هيَّ مش هتكون موجودة كتير. انعقد حاجباه: _تقصدي إيه؟ أجابت وهي تشيح بعينيها عنه: _أقصد إن آسيا بتخطَّط للسفر... يعني هترتاح منها..ودلوقتي، ممكن تسبني أروح أجيب لها الدوا، ولَّا نفضل نتكلِّم لحدِّ ما تموت من التعب فوق؟ تجمَّدت ملامحه: _دوا! ..دوا ليه، هيَّ مالها؟!
التفتت إليه ببطء، تنظر إليه لثوانٍ طويلة، وكأنَّها تستوعب شيئًا ما ثم تنهَّدت وقالت: _إمبارح نزلت في المطر... وشكلها أخدت برد جامد، بابا كشف عليها وكتب لها دوا... وأنا نازلة أجيبه. صمتت لحظة، ثم أضافت وهي تنظر إلى عينيه مباشرة: _وإنتَ... وقَّفتني.. ابتعد خطوة إلى الخلف، وكأنَّ الكلمات أصابته في صدره. تلاشت قسوته فجأة، وحلَّ محلَّها قلق حقيقي. _هيَّ... تعبانة أوي؟ هزَّت سدن كتفيها بمرارة: _أوي... بتهلوس من السخونية.
نظرت إليه طويلًا، ثم همست: _الغريب إنَّك بتحاول تبعدني عنها طول الوقت، دي أختي يا آسر، ومهما تحاول تبعدني عنها مش هتقدر. _روحي... ويارب تبطَّلي شغل الأطفال ده. نظرت إليه سدن بتردُّد، وكأنَّ شيئًا يضغط على صدرها، ثم قالت بصوتٍ خافت: _أنا معرفش إنتَ بتكرهها أوي كده ليه..على فكرة، نظريتك كلَّها غلط عنها، آسيا دي أحن قلب في الدنيا، والله ما تستاهل معاملتك دي. صمتت لثوانٍ، ثم أضافت بحزن: _هقول إيه...
بابا لو كان وافق على حبيبها، مكنش ده بقى حالها. انعقد حاجباه فجأة: _حبيبها! ..أختك ليها حبيب؟ خرجت كلماته ساخرة، لكنَّها كانت تخفي شيئًا آخر... كصخرةٍ تجثو على صدره.. ثم أردف بتهكُّم: _دي متحبِّش، دي تخطَّط علشان نفسها. رمقته سدن بنظرةٍ مستاءة: _أنا همشي... أحسن ما أقول كلام يضايقك. ثم أدارت السيارة وانطلقت، تاركةً إيَّاه واقفًا بمكانه. بقي لثوانٍ طويلة دون حراك. ثم... التفت ببطء نحو منزل عمَّته.
ارتفعت عيناه تلقائيًا إلى نافذة غرفتها.. الستائر مغلقة... ثم هبطت عيناه إلى الحديقة. إلى ذلك الركن الذي كانت تقفز وتدور كطفلةٍ صغيرة، تتراقص تحت المطر. خطا دون وعي وانتفض قلبه كأنَّها أمامه بهيئة أمس..وكأنَّها ما زالت تتراقص وهي ترتدي فستانها، تدور حول نفسها، وشعرها يلتصق بوجهها يسمع ضحكتها. تلك الضحكة التي كانت تزعجه بالأمس لأنَّه تمنَّى أن يكون معها، خطوة... ثم أخرى... حتى توقَّف في منتصف الحديقة.
كانت الليلة ساكنة، إلَّا من ضجيج صدره. رفع يده إلى عنقه، وكأنَّ الهواء صار قليلًا فجأة..أنفاسه تثاقلت، وصدره ضاق حتى شعر أنَّ قلبه نفسه يعاقبه على كلِّ نبضة. أغمض عينيه لثوانٍ. عادت إلى ذاكرته ضحكتها... ورقصها.. فتح عينيه بعنف. لا... لا يريد أن يتذكَّر شيئًا. يريد فقط أن يكرهها. أن يقتصَّ منها...
من تلك التي جعلته يصدِّق أنَّه أحب، ثم دهسته بلا رحمة. تلك التي أقسمت له بعينيها ألف عهد، ثم تركت قلبه معلَّقًا على حبلٍ من الوهم. كيف استطاعت؟ كيف كانت تنظر إليه بكلِّ ذلك الدفء، بينما كانت تتلاعب بمشاعره؟ كوَّر قبضته حتى برزت عروق يده، واشتعلت عيناه بقهرٍ مرير. أقسم في تلك اللحظة... لو رآها الآن، لجعلها تتذوَّق طعم الانكسار الذي أذاقته إياه... لجعلها تعرف كيف يموت القلب وهو لا يزال ينبض. استدار ليغادر...
لكن شيئًا صغيرًا التقط بريقه بين الأعشاب. توقَّف..اقترب ببطء... وانحنى. سلسال، يتدلَّى منه قلب صغير. تجمَّدت أصابعه.. لا... حدَّق به يعرفه..يعرفه جيِّدًا. ارتجفت أنامله وهو يفتحه ببطء... ولكن القلب كان فارغًا... فارغ... كقلبه الآن. رفع السلسال أمام عينيه، فهاجمته صورتها دفعةً واحدة. كانت ترتديه بالأمس... تعبث به بيدها، وهو يتحدَّث مع والدها وسدن. حتى تلك الحركة البسيطة... يتذكَّرها.
حتى طريقة لمس أصابعها لذلك القلب الصغير... لم ينساها. ابتلع غصَّته بصعوبة، وشعر بألمٍ حاد ينهش صدره. كيف؟ ..كيف ما زال يتذكَّر كلَّ تفاصيلها الصغيرة، رغم كل ما فعلته به؟ لعن نفسه في سرِّه... ولعن قلبه الأحمق أكثر. ثم أغلق كفِّه على السلسال بقوة، حتى كادت حوافه تؤلم راحته، ودسَّه في جيبه دون وعي..استدار ليرحل... لكن قدميه خانتاه..توقَّف، ثم تراجع خطوة... وأخرى للحظة... فقط للحظة... أراد أن يطمئنَّ عليها..
أن يعرف إن كانت بخير. لكن عقله صرخ فيه بقسوة: ـ اتجنِّنت؟ ... دي متستاهلش حتى تسأل عليها! فهمس قلبه بصوتٍ موجوع: ـ إزاي نسيت إنَّها كانت يوم حبيبتك؟ ... إزاي تنسى إنك كنت بتتنفِّس بيها؟ أغمض عينيه بقهر. فأجابه عقله ببرودٍ قاتل: ـ لأنَّها لعبت بالقلب... حرَّكته وقت ما أرادت، وألقته وقت ما انتهت منه... خلِّت حبَّك ليها مجرَّد دمية بين إيديها... كعروس ماريونيت، تشدُّ خيوطها فتقترب، وتتركها فيسقط صاحبها على ركبتيه.
اهتزَّ فكَّه بقوة، واشتعلت عيناه بحمرةٍ موجعة. لم يكن غاضبًا منها فقط... كان غاضبًا من نفسه. من الرجل الذي أحبَّها بهذا الجنون. من قلبه الذي ما زال، رغم كل القهر، يتراجع خطوة... فقط ليطمئنَّ عليها. بمنزل بلال... فتحت عيناها على لمسةٍ ناعمةٍ تتحرَّك فوق وجنتها، فتمتمت بين النوم واليقظة: _إيه ده؟ انحنى بلال أكثر، وطبع قبلةً أخرى على وجنتها، ثم همس بصوته الدافئ: _صباح الخير يا أجمل حاجة فتَّحت عينيَّ عليها.
فتحت عينيها ببطء، وارتسمت على شفتيها ابتسامة، وقالت بصوتٍ مبحوحٍ من أثر النوم: _صباح الخير يا حبيبي. رفعت عينيها إليه، فتوقَّفت على الوردة التي يحملها بيده، لتسأله بدهشة: _وردة؟! ابتسم وهو يداعب طرف أنفها: _أيوة... واحدة بعتتهالي الصبح، بتصبح عليَّا. ضيَّقت عينيها وهي تنظر إليه بغيرة مصطنعة، ثم رفعت يدها مهدِّدة: _والله لأضربك على الصبح يا دكتور، وبعدين ترجع تقول إنِّي مش متربية. ضحك بخفوت، ثم انحنى
ودفن رأسه في صدرها كالطفل: _ضرب يا رولا؟ دفعته بخفَّة وهي تكتم ابتسامتها: _وسَّع كده... أيوة هضربك، وأموِّتك كمان. رفع رأسه ببطء، وأسند ذقنه فوق صدرها، يتأمَّل عينيها عن قرب: _وأهون عليكي؟ تلاشت ابتسامتها، وسكنت ملامحها فجأة، وتعلَّقت عيناها بعينيه. رفعت يدها ولمست وجنته برفق، ثم قالت بصوتٍ خافتٍ يحمل حبًّا كبيرًا: _تعرف أكتر حاجة بتوجع الست... أو بتوجعني أنا؟
إن حبيبي يتكلِّم عن ستِّ تانية حتى لو هزار، يمكن تقول عليَّا هبلة أو غيورة زيادة... بس على قدِّ ما بحبَّك، على قدِّ ما بخاف عليك... وعلى قدِّ خوفي، بتكبر غيرتي. توقَّفت لحظة، ثم أضافت وعيناها تلمعانِ بمشاعرها: _أنا حتى فكرة إنِّ حد غيري يشاركك ضحكتك أو اهتمامك... بتوجعني. أظلمت عيناه بعاطفةٍ جيَّاشة، فاقترب منها أكثر، ثم طبع قبلةً دافئة على شفتيها، قبلة هادئة تشبه دفء صباحهما. ابتعد ببطء، ومسح على شعرها بحنان،
ثم همس: _غيري براحتك يا حبيبتي... ده حقِّك. اللي بيحب بيغير، وأنا عمري ما هزعل من غيرتك. مدَّ يده بالوردة إليها، وأضاف بابتسامةٍ عاشقة: _بس دي... دي لستِّ البنات كلَّها، ولصاحبة قلبي وبس. نظرت إلى الوردة ثم إليه، فوجدته يحدِّق بها كأنها أجمل ما يملك. احتضنت الوردة إلى صدرها، بينما جذبها هو إلى أحضانه، وأسند جبينه إلى جبينها، ثم قال بصوتٍ دافئ: _اطَّمني يا رولا...
في عيني مفيش ستِّ غيرك، وفي قلبي مفيش مكان لحدِّ غيرك... إنتِ البداية، وإنتِ كل الحكاية. اعتدلت في جلستها، وتراجعت حتى استند ظهرها إلى الوسادة، وظلَّت تحدِّق في الوردة كأنَّها كنزٌ صغير بين يديها. التقطتها بحذر، ومرَّرت أناملها فوق بتلاتها الناعمة، فشعرت بإحساسٍ دافئ يتسلَّل إلى قلبها... كأنَّها لا تحمل وردة، بل تحمل نبض قلبه وقد وضعه بين يديها. راقبها بلال بصمت، وعيناه تفيض بالحب، ثم قال بصوتٍ هادئ: _عارفة...
من يوم ما اتجوزنا، وأنا كل صباح بحمد ربِّنا إن أوِّل حاجة بشوفها هيَّ الوش الجميل ده. رفعت عينيها إليه، فوجدته ينظر إليها وكأنَّها معجزته التي خشي يومًا ألَّا ينالها، فارتسمت على شفتيها ابتسامةٍ خجولة. اقترب منها أكثر، وأزاح خصلةً من شعرها خلف أذنها، ثم همس: _رولا تأكَّدي إنِّك زي ما قولتي زمان، مستحيل إنِّي أتجوزك، والمستحيل بقى حقيقة. ثم ابتسم، وعيناه تتأمَّلانها بعشق: _إنتِ أحلى من الورد نفسه.
انخفضت عيناها خجلًا، فمال إليها وطبع قبلةً رقيقة على وجنتها، ثم همس: _تسلملي الضحكة... وتسلملي صاحبتها. لم تجبه، بل رفعت نفسها قليلًا ودفنت وجهها وجسدها بالكامل بين ذراعيه. ابتسم وهو يضمُّها إليه بقوة، وأسند رأسه فوق رأسها، وأغمض عينيه للحظة، مستمتعًا بدفئها الذي أصبح وطنه. وقبل أن ينطق أحدهما، وصل إليهما صوت الصغير من الخارج. فتح بلال عينيه، ثم اعتدل ببطء، وأشار إليها مبتسمًا: _خليكي... هجيب يوسف.
اتَّجه نحو الباب، ثم توقَّف واستدار إليها مجدَّدًا: _إيه رأيك ننزل نفطر برَّة النهاردة؟ أنا وابني وأمُّه... يوم لينا إحنا التلاتة. ابتسمت له وأومأت برأسها: _موافقة. ثم نهضت من الفراش وهي ترتِّب خصلات شعرها: _هدخل آخد شاور... وخلي الناني تجهِّز يوسف. _تمام يا قلبي. بمنزل أرسلان... كان يجلس إلى طاولة الطعام، يقرأ جريدته ويتناول قهوته في هدوء الصباح. وصلت غرام، وما إن رأته حتى عقدت حاجبيها: _أرسلان... مفطرتش ليه؟
أنزل الجريدة قليلًا ونظر إليها بابتسامةٍ هادئة: _مش جعان يا حبيبتي. اقتربت منه وجلست بجواره، ثم وضعت طبق الطعام أمامه: _أظن بعد السنين دي كلَّها تكون اتعوِّدت يا باشا. قالتها وهي تسحب الجريدة من بين يديه. رفع حاجبيه باستسلام، ثم أمسك بكفِّها وقبَّله بحنان: _مقدرش أزعَّل ستِّ الكل منِّي. ابتسمت بحب وربتت على يده: _ربِّنا يخليك ليَّا يا حبيبي...
يلَّا افطر، علشان عايزة أروح الفيلا، كلِّمت ميرال الصبح، وقالت إنَّها مش هتفطر غير لمَّا أوصل. رفع رأسه إليها باندهاشٍ مصطنع: _يا سلام! يعني أنا أفطر لوحدي؟ ضحكت بخفَّة: _أيوة... ما إنتَ بتفطر مع أخوك على طول، النهاردة سبني أفطر معاها. تأمَّلها أرسلان للحظات، ثم ابتسم ابتسامة دافئة وقال: _أنا غيران. اتَّسعت عيناها بدهشة: _بتغير من ميرال؟! أومأ برأسه كطفلٍ صغير: _طبعًا... خطفت مراتي منِّي النهاردة.
ضحكت، فمال عليها وقبَّل يدها مجدَّدًا: _اجهزي هوصَّلك، وأشوف عمُّو مصطفى. بمنزل يزن... كان يقف في الشرفة، يستند بكفَّيه إلى السور الحديدي، وعيناه شاردتانِ في الفراغ، تعصف برأسه كل الأحداث التي مرَّت منذ فترة. توقَّفت رحيل خلفه، تراقب ظهره الصامت للحظات، ثم رفعت كفَّيها برفق ووضعتهما على كتفيه: _سرحان في إيه؟ استدار إليها ببطء، وحدَّق في عينيها طويلًا.. ثم قال بصوتٍ خافت: _عارفة معتز...
اللي كان عايز يقتل آسر، يطلع مين؟ عقدت حاجبيها باستغراب: _مش قلت خصيم في الشغل؟ هزَّ رأسه نافيًا، وزفر بقوة: _لا... ده شغل راكان البنداري في القضية. رمقته بعدم فهم: _يعني إيه؟ مش فاهمة. اقترب منها خطوة، وقال بصوتٍ مثقل: _يعني... الموضوع مش زي ما المحكمة قالت يا رحيل، معتز ده..ابن مرات راجح. تجمَّدت ملامحها: _راجح مين؟ زمَّ شفتيه بسخريةٍ مريرة: _جوز خالتك. اتَّسعت عيناها بصدمة: _نعم! ... إنتَ اتجنِّنت؟!
الراجل مات من أكتر من عشرين سنة، إزاي متجوز؟ ثم توقَّفت فجأة، وكأنَّ عقلها بدأ يستوعب شيئًا مرعبًا. رفع يزن عينيه إليها وقال: _اتجوز قبل ما يموت بسنين... ست وعندها ولد. أطلقت شهقة صغيرة وهي تهزُّ رأسها بعدم تصديق: _طيب... وإحنا مالنا، ابني عملُّه إيه علشان يحاول يقتله؟ أطرق يزن رأسه للحظة، ثم رفع عينيه إليها، وكانت نظراته تحمل وجعًا ثقيلًا: _مش ابنك بس... للأسف. قطبت جبينها، وشعرت بقلبها ينقبض: _فيه إيه يا يزن؟
..متخضنيش. تنهَّد ببطء، ثم قصَّ عليها كل ما عرفه. ومع كلِّ كلمة كان وجه رحيل يزداد شحوبًا، حتى رفعت يدها إلى فمها تمنع شهقة خرجت رغماً عنها: _يعني إيه؟! ... وازاي يصدَّق إنَّك ممكن تعمل كده؟ أغمض يزن عينيه للحظة: _فاكرة لمَّا كتبت الشركة باسمي بالتوكيل بتاعك؟ أومأت برأسها. _راجح كان ليه جزء في الشركة... واللي عرفته إنِّ الجزء ده كان من حق معتز. وضعت رحيل يدها على صدرها وهي تهمس بذهول: _يا رب... يعني كل اللي حصل ده...
علشان الفلوس؟ ابتسم يزن ابتسامة موجوعة: _واضح إنُّه عاش عمره كلُّه مقتنع إنِّنا سرقنا حقُّه... وإنِّنا السبب في شقاه. اغرورقت عيناها بالدموع: _ودا يدِّيه الحق يدمَّر ولادنا..يحاول يقتل آسر؟ خفض يزن رأسه، وقال بصوتٍ مبحوح: _المشكلة إنُّه مش عايز فلوس يا رحيل... هوَّ عايز انتقام. ارتجف جسدها بالكامل: _ودلوقتي إيه اللي هيحصل؟ ..إنتَ بتقول إنُّه هرب... والشرطة بتدوَّر عليه، ولو رجع تاني، لو حاول يؤذي حد من ولادي؟
اقترب منها عندما رأى الخوف ينهش ملامحها، واحتوى كتفيها: _مش هسيب حد يقرَّب منهم... أقسم بالله لو هقف بروحي قدَّامهم. انهمرت دموعها، وارتمت على صدره: _أنا خايفة يا يزن... لأوِّل مرَّة أحس إنِّ الخطر حوالينا بالشكل ده... أولادي تعبوا كفاية. ضمَّها بقوة، ورغم أنَّ الخوف ينهش قلبه. تنفَّس ببطء، ثم همس بصوتٍ خافت: _متقلقيش، كلِّنا مصحصحين، وآسر ورولا عندهم علم بالموضوع، يعني هيكونوا حذرين بعد كدا. تراجعت للخلف تنظر إليه:
_طيب هتعمل إيه في الكلام اللي قاله آسر إمبارح؟ استدار ينظر للفضاء وقال: _آسر ما بقاش صغير، وعارف بيعمل إيه، أنا قلقان من سدن، حاسس البنت مش هتنفعه، بس برجع وأقول.. التفت إليها ينظر لعينيها: _إنتِ كنتي اإزاي وبقيتي إزاي. اقتربت منه وقالت: _يزن...
اسمعني، وأتمنى تسمعني للآخر، أنا غير سدن، لأنِّي حبِّيتك بجد، حاسَّة سدن مبتحبش آسر، وحاسة إنُّه خطبها علشان إنتَ قولت له فكَّر فيها، اللي شيفاه في حاجة غلط إيه هيَّ معرفش، كنت مفكَّرة إنُّه بيحبِّ آسيا، نظراته كلَّها كانت كدا، بس طلبت من رولا تتكلِّم معاه، هيَّ طبعًا غيرنا وهيتكلِّم من غير ما يكذب، بس قالت لي مفيش بينهم حاجة، بل أقنعتني إن آسيا وآسر مستحيل يلتقوا، رغم كل اللي سمعته حاسة إنِّ ابني جوَّاه حاجة مخبِّيها، اقعد معاه قبل ما تعمل اللي طلبه، خايفة يندم.
هزَّ رأسه بحيرة: _أنا كمان..حاسه مخبِّي حاجة، بس أعمل إيه، أضربه وأقولُّه مش هتتجوزها، الولد بقى راجل، وكنت شايف اهتمام البنت بيه، بس دلوقتي شايف فيه فجوة بينهم.. اتكلِّمت معاه قالي عادي يا بابا، متنساش إنَّها كانت في بيئة غير البيئة، وطبيعي مش هتفهم حياتي على طول، أقنعني، لكن قلبي مش مطَّمن. ربتت على كتفه وقالت: _طيب إيه رأيك تتكلِّم مع سدن وآسيا؟ طالعها بذهول:
_أقول لآسيا إيه، إنتي اتجنِّنتي، ابنك هيتجوز أختها، والبنت فعلًا مش شايف منها مشاعر، دي ما حاولتش تتطمِّن عليه ولا مرَّة وهوَّ في المستشفى. _ماهو دا اللي مخلِّيني أشك أكتر. _تقصدي إيه يا رحيل؟ _معرفش... بقولَّك فيه حاجة غلط بتحصل، أو فيه حاجة حصلت بين آسر وآسيا. ارتجف قلبه من معنى حديثها: _لا..مستحيل، آسر ميعملهاش. _معرفش بقى يا يزن، حتى كلامه بقى جاف أوي عليها، تحس بيتكلِّم عن مرات أبوه..
أينعم علاقتهم مكنتش حلوة بس مش بالطريقة دي..أنا كل اللي يهمِّني ما يكنش بيخدع نفسه، وعايز يتجوز سدن عند في آسيا، دماغي هتنفجر يا يزن، ابنك صعب، وكل ما أحاول أفتح الكلام يصدِّني. مسَّد على خصلاتها وضمَّ رأسها إليه: _أنا هحاول أفهم منه، قبل ما أروح لكريم ونحدِّد معاد الفرح. رفعت رأسها إليه: _أرجوك يا يزن، حاول تتأكِّد إنُّه فعلًا عايزها، متنساش كمان إيمان أختك، الجوازة دي ممكن تزعَّلنا من بعض. قبَّل
رأسها وربت على ظهرها: _هتصرَّف حبيبتي، هتصرَّف. قالها شاردًا بأفعال نجله، ابتعدت تزيل دموعها: _طيب يلَّا نفطر، عايزة أروح الفيلا، ميرال هناك من مدَّة، عايزة أطَّمن على عمُّو مصطفى. احتضن كفَّها ودلف للداخل: _تعالي نغيَّر، ونروح نفطر معاهم، ماما فريدة وحشتني كمان. مضت عدَّة أيام... وفي إحدى الليالي، قرَّر الذهاب إلى منزل كريم بعد انقطاعه عن زيارتهم منذ أن علم بمرضها. دلف إلى الداخل بهدوء، فتوقَّفت خطواته للحظة.
كانت تجلس بين ذراعي والدتها، تستند إلى صدرها كطفلةٍ صغيرة، يتردَّد ضحكها الخافت في أرجاء المنزل، ويبدو أن إيمان تقصُّ عليها شيئًا طريفًا. رفع عينيه إليها... فانقبض قلبه.. لم تكن تلك هي آسيا التي يعرفها. وجهها شحب كثيرًا، وعيناها فقدتا بريقهما، حتى ابتسامتها بدت مرهقة، كأنَّها تبذل جهدًا لتبدو بخير. تنحنح قائلًا: ـ مساء الخير. التفتت إيمان ترفع رأسها نحوه، بينما اعتدلت آسيا في جلستها ونظرت إليه بصمت.
ابتسمت إيمان قائلة: ـ مساء النور يا حبيبي. تقدَّم عدَّة خطوات، لكن عينيه ظلَّتا عالقتينِ بها رغم محاولته التظاهر بالعكس، فهتف وهو يجيل بصره في المكان: ـ سدن نامت ولَّا إيه؟ أجابته إيمان: ـ لسه طالعة من شوية... أكيد منامتش. في تلك اللحظة نهضت آسيا ببطء، وقالت بصوتٍ خافت: ـ هشوفها... وأخلِّيها تنزل. خطت خطوة... ثم أخرى... لكن الأرض مالت تحت قدميها فجأة.
تلاشى صوت والدتها، وبدا كأنَّه يأتي من مكانٍ بعيد، وتشوَّش كل شيء أمام عينيها. مدَّت يدها سريعًا وتشبَّثت بحافِّة المقعد، بأنفاسٍ مضطربة. كان يراقبها رغمًا عنه، رأى جسدها يترنَّح..تجمَّد قلبه، نسي كل شيء... نسي غضبه، وعتابه، ولأوَّل مرَّة منذ أيام، تحرَّك دون تفكير إليها. قطع المسافة بينهما في ثوانٍ، ووقف أمامها، يحيط ذراعها بكفِّه قبل أن تسقط. ـ آسيا! خرج اسمها منه مذعورًا.
رفع وجهها إليه بيده الأخرى، وقد اتَّسعت عيناه خوفًا: ـ آسيا... إنتِ كويسة؟ رفعت عينيها إليه... عينان خاليتان من كلِّ شيء، لا دموع فيهما، ولا غضب، ولا حتى عتاب... فقط فراغ موحش، كأنَّ الحياة انسحبت منهما تاركةً خلفها أنقاض روح. همست بصوتٍ بالكاد يُسمع: ـ كويسة... شكرًا.. قالتها وهي تنفض يده. ثم استدارت ببطء، وكأنَّ كل خطوة تخطوها تُثقلها سنواتٍ من الوجع. نهضت إيمان سريعًا، واتَّجهت نحوها بلهفة أم خائفة على ابنتها:
ـ حبيبتي... استني، هوصَّلك. أوقفتها بهزَّة خفيفة من رأسها، دون أن تلتفت إليها، وقالت بصوتٍ ميِّت: ـ خلِّيكي مع المتر يا ماما... أنا كويسة. تابعت سيرها بخطواتٍ واهنة، متعثِّرة، فيما ظلَّ هو واقفًا مكانه، عيناه معلَّقتين بها، يراقبان ظهرها المبتعد في صمتٍ موجع. جلس آسر وهو يمرِّر كفَّيه على وجهه بإرهاق، كان صدره يضيق، ونبضات قلبه تضرب بعنف، حتى شعر وكأنَّ قلبه يُنتزع من بين ضلوعه انتزاعًا. غضب من نفسه...
من قلبه اللعين الذي لم يعد يعرف كيف يهدأ. رفعت إيمان عينيها إليه وسألته بحنان: ـ عامل إيه يا حبيبي، وليه مزعَّل سدن؟ رفع رأسه ببطء، وعيناه شاردتان، ثم قال: ـ عمُّو كريم لسه مرجعش من المستشفى؟ أجابت بابتسامة: ـ هيتأخَّر النهاردة..في الشتا العيادة بتبقى زحمة. أومأ برأسه في صمت، ثم أخذ نفسًا عميقًا، يحاول أن يجمع شتات نفسه قبل أن يقول: ـ عايز أعمل الفرح أوَّل الشهر.
في تلك اللحظة وصلت سدن إلى باب الغرفة، تجمَّدت قدماها، واتَّسعت عيناها بصدمة، وكأنَّ الكلمات سقطت فوقها كصاعقة..فخرج صوتها مرتجفًا: ـ أنا... مش موافقة. التفت إليها آسر، وعقد حاجبيه باستفهام. اقتربت منه خطوة، بينما كانت أنفاسها تتلاحق، وقالت: ـ إنتَ قولت سنة يا آسر... ليه غيَّرت رأيك؟ حدَّق فيها طويلًا، ثم قال بصوتٍ خافت: ـ وليه نقعد سنة؟ هزَّت رأسها بسرعة: ـ أهو كده... أنا مش عايزة أتجوز دلوقتي.
اعتدل في جلسته، وعيناه تضيقان شيئًا فشيئًا: ـ يعني إيه مش فاهم؟ عقدت ذراعيها أمام صدرها، في محاولةٍ يائسة لتخفي ارتباكها: ـ يعني... أنا مش مستعدَّة يا آسر.. عايزة أقضي فترة خطوبة زي أي واحدة... أفرح، أخرج معاك، أعيش إحساس إنِّي مخطوبة... مش أصحى ألاقي نفسي عروسة فجأة..وعندي مسؤوليات. _ايه اللي بتقوليه دا يعني... مش عايزة أتجوز دلوقتي؟ قالها بصوتٍ هادئ، لكنَّه كان يحمل من الحدَّة ما جعلها تبتلع ريقها بتوتُّر.
نهض من مكانه واقترب منها خطوة، ثم أخرى، حتى أصبح أمامها تمامًا/ _طيب... قدَّامك حلِّين، اختاري بينهم. رفعت عينيها إليه بترقُّب. _يا الفرح أوَّل الشهر... يا كل واحد فينا يكمِّل حياته بعيد عن التاني. شهقت إيمان ونهضت من مكانها، فهي تعرف عناد ابنتها كما تعرف عناد آسر: _صلُّوا على النبي كده... مالكم أنتوا الاتنين؟ ثم التفتت إلى آسر قائلةً بهدوء: _حبيبي، اهدى...
الكلام يكون بالراحة. دي جوازة، مش لعب عيال، ولمَّا باباها ييجي اتكلِّم معاه. أخذ نفسًا عميقًا ثم قال بجمود: _عمِّتو... أنا قلت اللي عندي، وده آخر كلام. ثم همَّ أن يغادر. أسرعت سدن تقول بضيق: _شايفة يا ماما؟ بدل ما ياخدني في حضنه ويقول لي هعملِّك اللي إنتِ عايزاه... أهو ده ردُّه دايمًا. لكزتها إيمان بخفَّة: سدن... إحنا هنا في مصر، إيه ياخدك في حضنه دي؟ ده خطيبك. اقتربت سدن من آسر ونظرت إليه بعناد: _ولو...
إيه الفرق بين خطيبي وجوزي؟ الاتنين واحد يا ماما. رفع آسر بصره إلى عمَّته، وقد ارتسمت على وجهه ملامح الصدمة: _بنتك مش عارفة الحدود يا عمِّتو... فهِّميها، دي هتكون مسؤولة عن بيت وأولاد. فتحت سدن عينيها بدهشة: _أولاد!! .مش لمَّا نتجوز الأوَّل؟ حدَّق بها وكأنَّها كائن هبط للتو من كوكب آخر: _إنتِ بتقولي إيه؟! _آسر... اسكت، قالتها ثم اقتربت من ابنتها وربتت على وجنتها بحنان:
_بصِّي يا سدن، الخطوبة مش معناها إنِّك بقيتي مراته، لكنَّها برضو مش معناها إنُّكم غرب عن بعض تمامًا. المسموح بين المخطوبين إنُّكم تتكلِّموا، تخرجوا في وجود الأهل أو بعلمهم، تتعرَّفوا على طباع بعض، تتطمِّنوا لبعض، وتسألوا عن أحلام بعض ومستقبلكم. ثم نظرت إليها وتابعت: _لكن في حدود لازم تتحافظ... لا أحضان، ولا قبلات، ولا خلوة كأنُّكم متجوزين، لأن الجواز له حقوقه، وربِّنا جعل لكلِّ مرحلة حرمتها وجمالها. ابتسمت
لها برفق وهي تقرص وجنتها: _تقدري تفرحي إنُّه خطيبك، وتدعي ربِّنا يتمِّم لكم على خير، وتزعلي لو اتأخَّر عليكي، وتفرحي بكلامه واهتمامه... لكن مش كل حقوق الزوجة تبقى من حقِّ المخطوبة..يعني حبيبتي مينفعش أصلًا تحضنيه، ولا حتى تمسكي إيده، الدين بتاعنا أمرنا بكدا. _يوه يا ماما، هنرجع للدين، مالكلِّ مسلم وبيعمل اللي هوَّ عايزه، الممثِّلين دول مش بيلبسوا ويخرجوا ويحضنوا بعض؟ _إنتي بتقارني نفسك بدول؟! _اهدى يا آسر... قالتها
إيمان والتفتت إلى ابنتها: _حبيبتي، مش كلُّه زي بعضه، يعني الراقصة اللي بترقص دي مش مسلمة، ورغم كدا شايفة بتعمل إيه، إحنا ناخد الأفضل ونقارن بينهم مش تقولي ممثِّلين. ثم أشارت إلى آسر: ولو هوَّ بيحط حدود بينكم، فده مش معناه إنُّه مش بيحبِّك... بالعكس، أوقات أكتر واحد بيحبِّك هوَّ اللي يخاف يتخطَّى حدِّ ربِّنا لسه ما أحلَّهوش، ضمَّت وجه ابنتها بين يديها: _اصبري شوية يا بنتي...
يوم ما تبقي مراته بجد، محدش هيقدر يقول إنِّ حضنه مش مكانك أو إن قربه منِّك غلط..لكن دلوقتي، خلِّي للحلال شوقه وحلاوته. لازم تعرفي أصول دينك علشان لمَّا يبقى عندك أولاد، تعرفي تتعاملي معاهم.
حبيبتي افتكري لمَّا كنتوا صغيرين إزاي كنتي إنتِ وأختك بتصلُّوا وتحفظوا قرآن، قبل ما تكبروا وتختلطوا بالعالم اللي غلطت فيه أنا وباباكي لمَّا اخترنا نربِّيكم هناك، دلوقتي رجعتي بلدك، بصِّي حواليكي وشوفي البنات الصح بيعملوا إيه، اقرأي عن أصول دينك، إنتي كبرتي مبقتيش صغيرة وبكره هيبقى عندك أولاد. _إنتي كمان بتقولي أولاد يا ماما، أنا مش عايزة أولاد. _نعم يا ختي؟! _ايه، في دي هتجبرني كمان؟ باااس... إنتَ وهيَّ.
قالتها إيمان بحزم، ثم التفتت إلى ابنتها: _أمال مخطوبة ليه، ما كنتيش عارفة إن آخر الخطوبة جواز؟ وبعدين قلت له اتكلِّم مع باباها... مش معاكي. عبست سدن: _يعني إيه يا ماما؟ _يعني تفكَّري في كلامه... يا الجواز، يا كلِّ واحد يروح لحاله. قالتها ثم صعدت إلى الأعلى. وقفا ينظران إلى بعضهما لعدَّة ثوانٍ. اقتربت منه ببطء حتى أصبحت أمامه مباشرة: _آسر... أنا عايزة وقت. نظر إليها طويلًا، ثم سأل بصوتٍ خافت: _سدن...
إنتِ بتحبِّيني بجد؟ تاهت ملامحها..سؤال بسيط... لكنَّه هزَّ شيئًا بداخلها. رفعت عينيها إليه وقالت بصوتٍ مرتبك: _معرفش... إنتَ شايف إيه؟ رفع يديه وأحاط وجهها بين راحتيه: _شايف إنِّنا محتاجين نقرَّب من بعض أكتر... تحاولي تفهمي طباعي، وأنا أوعدك أحاول أفهمك. ابتلعت ريقها: _طيب... وإنتَ بتحبِّني؟ تجمَّد... فسؤالها أصابه في مقتل. ارتبك نبضه، وشعر أن قلبه توقَّف للحظة. صمت طويلًا... طويلًا جدًّا..حتى لكزته بخفَّة.
فقال بصوتٍ خافت: _أنا... مش بكرهك. ابتسمت فجأة: _يعني بتحبِّني يا آسر؟ ارتفعت دقَّات قلبه بعنف، كأنَّها تحتجُّ عليه. ولأوَّل مرَّة... عجز عن الكلام. فاكتفى بهزَّة صغيرة من رأسه. ابتسمت، واقتربت أكثر، ثم وضعت رأسها فوق صدره، ولفَّت ذراعيها حول خصره: _أنا عايزة أعيش إحساس الحب معاك يا آسر. أغمض عينيه..وفي داخله كانت عاصفة. عقله يقول: _ستكون زوجتك... تقبَّل الأمر. أمَّا قلبه... فكان يصرخ بشيءٍ آخر تمامًا.
ابتعد عنها قليلًا، رسم ابتسامة شاحبة: _سدن... مينفعش نقرَّب من بعض بالشكل ده، وقت ما نكتب كتابنا... اعملي اللي إنتِ عايزاه..زي مامتك ما قالت رفعت رأسها إليه، وعيناها ممتلئتانِ بالاعتراض. وضعت كفَّيها على وجهه: _بس إنتَ حبيبي... ومن حقِّي عليك.. رفع إصبعه ووضعه برفق فوق شفتيها: _حاليًا... مالكيش حق، ولا أنا ليَّا حق..حتى وقفتنا دي غلط... فهمتي؟ هزَّت رأسها بعنادٍ طفولي:
_أنا ماليش دعوة بكلِّ ده، عاداتك دي لنفسك يا آسر... أنا عايزة أحس إنِّي مخطوبة، وإنِّ خطيبي بيحبِّني. تنهَّد باستسلام: _وده أعمله إزاي؟ وفي لحظة دون تفكير... ارتفعت على أطراف أصابعها، وطبعَت قبلة سريعة على شفتيه. تجمَّد... ثم تراجع عنها كأنَّ النار لسعته. ورفع عينيه إليها. نظرة واحدة فقط..كانت كفيلة أن تسلبها أنفاسها. ارتعشت من ردِّة فعله، لماذا كل هذا الغضب من قبلةٍ عادية؟ .أمَّا هو فاستدار بسرعة واتَّجه إلى الخارج
وفي داخله إعصار. إعصار يريد أن يحطِّم كل شيء. للمرَّة الثانية تفعلها... وللمرَّة الثانية تدفعه إلى الجنون. توقَّف فجأة في منتصف الطريق، وسأل نفسه: _أنا مضايق ليه؟ ... ما هي هتبقى مراتي. فأجابه قلبه فورًا: _لا... إنتَ مضايق لأنَّك حاسس إنَّك خاين. شدَّ على شعره بعنف: _خاين ليه؟ أنا متضايق لأن ده غلط... لأنَّها لسه خطيبتي، وحرام تقرَّب منِّي بالشكل ده. ضحك قلبه بسخرية مريرة: _ولما حضنت حبيبتك... مكنش حرام؟
ولمَّا كنت سعيد بقربها... مكنش غلط؟ أغمض عينيه بقوَّة: _متقارنش... _ليه؟ صمت، فأكمل قلبه: _لأن دي مش آسيا؟ ضاقت أنفاسه: _بس دي... مش حبيبتي، دي بنت بتحاول ترسم طريقها بالتلاعب... وأنا بكرهها. ضحك قلبه مرَّةً أخرى، ضحكة موجعة: _آه..عارف الكره ده كويس. ثم همس في أعماقه: _الكره اللي يخلِّيك تغار... والكره اللي يخلِّيك تخاف عليها... والكره اللي يخلِّيك تتهرَّب من الحقيقة. فتح عينيه ببطء... وتساءل لأوَّل مرَّة بصدق:
_هوَّ أنا ممكن أحب سدن زي ما حبِّيت آسيا؟ انقبض صدره، كأنَّه رافض تلك الكلمات. صفعه قلبه: _تراجع عن ذلك الطريق، إنَّك تخطئ. بمزرعة الجارحي... كانت تسير بين الأشجار، أصابعها متشابكة بأصابعه، النسيم يداعب خصلاتها، وأشعة الشمس تتسلَّل بين الأغصان بمظهرٍ خلَّاب. رفعت عينيها إليه وقالت بابتسامة صغيرة: _تعرف... بقيت أحب آجي هنا أوي. ابتسم حمزة، ثم ضمَّها إلى جانبه وهو يواصل السير ببطء:
_وإحنا صغيرين، كل ما كنَّا ننزل مصر، بابا كان لازم يجيبنا هنا... المكان ده كان له سحر خاص، هادي، جميل، كل حاجة فيه طبيعية... الهوا نضيف، والزرع يريَّح القلب... بس كان ناقصه حاجة مهمَّة. توقَّفت ونظرت إليه باستغراب: _إيه هيَّ؟ رفع يده برفق، وأمسك بذقنها، ثم غرق بعينيها وكأنه لا يرى سواهما: _كان ناقصه الشمس اللي تنوَّره... إنتِ يا شموسة. اتَّسعت ابتسامتها، واحمرَّت وجنتاها، ثم دفنت وجهها في صدره:
_إنتَ أحسن حاجة حصلت لي يا حمزة. أغمض عينيه وهو يضمُّها بقوَّةٍ أكبر: _نفسي أجيب لك الدنيا كلَّها... وأحطَّها بين إيديكِ. ابتعدت قليلًا، تنظر إليه بعينينِ ممتلئتينِ بالحب: _ومين قالَّك إن ناقصني حاجة؟ ... أنا معايا الدنيا كلَّها وأنا بين إيديك. لكن ابتسامتها خفتت شيئًا فشيئًا، وتسرَّبت ذكريات حزينة.. تنهَّدت، ثم قالت بصوتٍ هادئ: _وأنا صغيرة... بابا كان بياخدنا برضه المزرعة... أكيد عارفها. أومأ برأسه.. _بس أنا...
مكنتش بحبِّ أروح. رفع حاجبيه بدهشة: _ليه؟! ابتسمت بحزن: _علشان يوسف. صمتت قليلًا، مع ذكريات منها المؤلم: _يوسف كان بيرفض يروح معانا... بابا كان بيمنعه يركب الخيل، وهوَّ كان بيعشق الخيل بشكل جنوني..ولمَّا بابا رفض... يوسف رفض يروح من الأساس. انخفض صوتها أكثر: _وكان كلِّ أجازة ياخد بلال ويسافروا... لدرجة إنِّي بقيت أكره الإجازة نفسها، لأنَّها كانت بتسرق يوسف منِّي. ارتجف صوتها في الجملة الأخيرة:
_حتى لمَّا خلَّص الثانوية وأصر يكمِّل تعليمه بره، بعد ما بابا رفض دخوله كلية الشرطة... ذكرياتي في الفترة دي مش حلوة خالص.. كنت بستنى الأيام اللي يرجع فيها... أعدَّها يوم بيوم..اليوم اللي كان يدخل فيه البيت كنت بحس إنِّ روحي رجعتلي... واليوم اللي كان يمشي فيه، البيت كلُّه كان بيبقى فاضي. نظر إليها حمزة بصمت، يشعر بألمها كأنَّه يراه أمامه. تابعت بصوتْ متهدِّج: _إنتَ عارف...
أوَّل حياتي أصلًا مكنتش مع بابا، أنا فاكرة حاجات بسيطة، لكن لمَّا كبرت فهمت كلِّ حاجة. ابتلعت غصَّتها: _لمَّا كنت بشوف عناد يوسف مع بابا، مكنتش فاهمة ليه بيعمل كده... وليه بابا بيرفض له كلِّ حاجة. أخذت نفسًا عميقًا: _وبعدين فهمت... بابا كان خايف. رفعت عينيها إليه وقد امتلأتا بالدموع: _خايف يحس بالفقد مرَّة تانية... وخايف على يوسف أكتر من نفسه. سكتت لثوانٍ، ثم خرج صوتها مكسورًا:
_ويوسف..كان متهوِّر، وبابا كان بيخاف عليه أوي، اللي يشوف بابا يقول قاسي، بس هوَّ حنين أوي، وإحنا عنده أغلى من حياته، علشان كدا مبحبش أشوفه حزين، إنما يوسف ذكريات الماضي معانا بتوجعه. بدأت دموعها تتجمَّع. ابتسمت وسط دموعها: _يوسف مكنش مجرَّد أخ... كان كلِّ حاجة.. كان صاحبي، وأماني، وضهري... كان الشخص اللي لمَّا يضحك، الدنيا كلَّها تضحك في وشِّي، ولمَّا يبعد... أحس إنِّي تايهة. اختنق صوتها: _علشان كده...
كلِّ الذكريات الحلوة اللي عندي مرتبطة بيه. ابتسمت بحنين: _آه... ضي عمرها ما سابتني، وعلاقتنا كانت حلوة، يمكن أحلى من علاقتي برولا... بس يوسف... توقَّفت الكلمات في حلقها: _يوسف... غير..مش اخويَ دا أبويَ. نظر إليها حمزة طويلًا، ورأى في عينيها حبَّ أخت لأخيها أكبر من أي شيء. اقترب منها ببطء، ثم انحنى وطبع قبلة حانية فوق جبينها. وبصوتٍ امتزجت فيه الغيرة بالحب، قال: _بغير يا شموس... رفعت عينيها إليه بدهشة.
ابتسم وهو يضمُّها إلى صدره: _بغير من أي حد أخد حتَّة من قلبك قبلي... حتى لو كان يوسف. ضحكت وسط دموعها.. قال وهو يربت على رأسها بحنان: _طيب... إيه رأيك نركب الخيل؟ اتَّسعت عيناها بفرحةٍ طفولية، وصفَّقت بيديها سريعًا: _بجد؟! لم تنتظر إجابته، بل ركضت نحو حصانها الأبيض..توقَّفت أمامه، ومدَّت كفَّها تربت على عنقه، ثم احتضنت رأسه الصغيرة وهي تبتسم: _وحشتني أوي... بقيت زي تميم، كلِّ ما أبعد عنه شوية يوحشني.
ابتسم حمزة وهو يقترب منها: _أممم... حتى الحصان بقى له مكان في القلب؟ رفعت رأسها إليه، بابتسامة. ضحك بخفوت: _طب إيه... مش هتركبيه؟ التفتت إليه سريعًا: _هركبه... ووعد، مش هجري بيه. اقترب منها، وضمَّها من كتفيها بحنان، ثم رفع صوته نحو السايس: _جهِّز حصان شمس هانم يا عمُّو جميل. وقبل أن يردَّ الرجل، شقَّ صهيل قوي التفت الاثنان في آنٍ واحد.
كان حصان أسود يعدو بين الزروع بخطواتٍ عصبية، وفوقه عمران، يمسك اللجام بقوَّة، وكأنَّه يفرغ غضبه في سرعة الحصان وجنونه. زفر حمزة بقوَّة، واضعًا يديه على خصره. أمَّا شمس فتراجعت خطوة، وعيناها تتابعان عمران بحزن: _لسه زعلان من باباك؟ أومأ حمزة ببطء: _وله حق... بابا وماما غلطوا، دي حياته، وهوَّ مش طفل علشان يفرضوا عليه علاقة هوَّ مش عايزها.
ظلَّت عيناها معلَّقتين بعمران الذي يدور بحصانه بين الأشجار، وكأنَّ قلبه هو الآخر يركض هربًا من شيء يؤلمه. قالت بصوتٍ خافت: _متزعلش منِّي... بس البنت حلوة وهادية، ليه عمران ما يجربش يقرَّب منها؟ يمكن يلاقي فيها اللي بيدوَّر عليه. التفت إليها حمزة، ونظر إليها بدهشة، ثم تنهَّد: _شمس... في حاجات القلب بيقولها من أوَّل نظرة، ولو أوَّل مرَّة ما هزتوش... يبقى عمرها ما هتأثَّر فيه. نظرت إليه بعينينِ حزينتين:
_بس طنط دينا زعلانة أوي يا حمزة. أطرق برأسه لحظة، ثم رفع عينيه نحو عمران البعيد: _أوقات الأمَّهات بتفتكر إن السعادة ممكن تتفرض... وإن الحب ييجي مع الوقت، لكن الحقيقة إن القلب عنيد، ولو رفض... محدش يقدر يجبره. ثم ابتسم لها ابتسامة هادئة، محاولًا أن يبدِّد حزنها: _يلَّا... روحي شوفي تميم لحدِّ ما عمُّو جميل يجهَّز الحصان... وأنا هروح أشوف المجنون ده قبل ما يطلَّع روحه وروح الحصان معاه. ابتسمت شمس، وأومأت برأسها: _تمام.
بعد قليل وصل الى عمران الذي نزل من فوق حصانه وجلس شاردًا في حديث والده: _ماما مش قالت لك عندنا ضيوف، منزلتش ليه؟ _مصدَّع يا بابا وعايز أنام، وبعدين دول ضيوفك. _اجهز وانزل، مفيش حاجة اسمها ضيوفي، إذا كان أخوك اللي لسة واصل من شغله نزل، ينفع يا أستاذ الجامعة؟ _حاضر يا بابا، هاخد شاور وأنزل. بعد قليل نزل وجد صديق والده وزوجته وابنته، ضغط على شفتيه حين علم بماذا يدور بعقل والده.
ألقى السلام، فرفعت جنَّات نظرها إليه بابتسامة، اقترب محييِّ الجميع، وبعد فترة غادر الصديق، فنهض متَّجهًا إلى غرفته ولكن أوقفه والده: _إيه رأيك في جنات؟ البنت حلوة ومؤدبة ومن عيلة. _مش فاهم قصدك يا بابا، مالي ومالها، بتسألني عليها ليه؟ اقتربت دينا بابتسامتها: _بابا قصده نخطبها لك يا حبيبي. _ليه بابا هوَّ اللي هيتجوز؟! _ولد... اتجنِّنت. التفت إلى والده:
_لمَّا أحب أتجوز أنا اللي هختار شريكة حياتي يا بابا، زي حضرتك كدا، يعني أبويا يتجوز أمُّي برضاه وغصب عن العيلة وأنا أتجوز باختياركم! _إنتَ اتجنِّنت، إزاي ترد عليَّ كدا؟! توقَّف حمزة بينهما: _بابا اهدى، هوَّ ما يقصدش، بيهزَّر معاك. وإنتَ اطلع أوضتك دلوقتي، نتكلِّم بعدين. التفت إلى حمزة: _ولا دلوقتي ولا بعدين، وعرَّف بابا مستحيل أتجوز بالطريقة دي. قالها وصعد مع كلمات إسحاق الغاضبة:
_كبرت على أبوك وبقيت تبجَّح فيه يا أستاذ الجامعة. خرج من شروده على هزَّة خفيفة من يد حمزة: _قاعد كدا ليه؟ هزَّ كتفه وقال: _عادي، بستمتع بالطبيعة.. رفع نظر إلى أخيه: _هنزل القاهرة..عندي محاضرة بعد ساعتين. أومأ ل وهو يغادره ، إلَّا أنَّ حمزة أوقفه: _ممكن ترجع البيت تاني، وتحاول تمتص غضب أبوك، وهوَّ مستحيل يجوِّزك بالغصب. _لمَّا أرجع نتكلِّم. بعد قليل وصل إلى الجامعة، صعد إلى مكتبه، بينما في داخل القاعة
جلست فرح في أوَّل القاعة تتأفَّف على ما صار لها، من بعض الشباب، نظرت بساعتها، تقول لصديقتها بصوتٍ مرتفع: _وبعدين الدكتور البارد اللي كلِّ مرَّة يضيَّع نصِّ المحاضرة، تمتمت بها ولم تلاحظ دخوله، ينظر إلى جلوسها وصوتها المرتفع، توقَّف وألقى السلام، ليردَّ عليه الجميع، فيما جحظت عينيها وهي تراه يرمقها بصمت رغم نظراته الناريَّة إليها. لكزتها صديقتها: _قولت لك شوفته وهوَّ داخل الجامعة.
لم ترد على صديقتها بل توقَّفت نظراتها عليه وهو يتحدَّث عن شيء في المادَّة. دنت صديقتها تهمس إليها: _مش ملاحظة حاجة؟ التفتت برأسها تنتظر حديثها. _الدكتور النهاردة صوته حزين، ممكن يكون مضَّايق منك. _ليه وأنا قولت إيه؟ توقَّف عن الحديث ثم أشار الى فرح وصديقتها: _برة المحاضرة أنتوا الاتنين. توسَّعت عيناها بذهول من ردِّ فعله، توقَّفت صديقتها: _كنت بسألها عن حاجة في المادَّة يادكتور.. آسفة مكنش قصدنا نضايق حضرتك.
بينما جمعت فرح كتبها ودون أن تنظر إليه خرجت من القاعة، وعين الجميع عليها. مضت الأيام سريعًا، وكأنَّها تهرول نحو موعد لا يريده البعض ويخشاه البعض الآخر. وبعد إصرار آسر على إقامة الزفاف قبل مرور العام كاملًا، وبعد محاولاته التي لم تنقطع لإقناع سدن، ورغم اعتراض يوسف وبلال وسعيهما لمنعه من إتمام تلك الخطوة، ورغم امتناع آسيا عن حضور أي تجمع قد يجمعها بآسر... مرَّت ثلاثة أسابيع كاملة.
ثلاثة أسابيع قضتها بين عملها وغرفتها، وبين ساعاتٍ قليلة تجلسها مع شقيقتها ورولا، هاربةً من كل ما يوقظ قلبها أو يعيد إليها ما تحاول دفنه. إلى أن حُدِّد موعد الزفاف. ترجَّلت من سيارتها، لمحَت بلال يقترب برفقة رولا. ابتسمت ابتسامة متعبة، ثم قالت: _إيه..كنتوا عندنا، فيه حاجة؟ أجابها بلال وهو يرمقها بنظرةٍ هادئة: _رولا كانت بتودِّي فستان الفرح لسدن. _فستان الفرح... كلمتان فقط، لكنَّهما هبطتا فوق قلبها كصخرة.
ارتجفت أنفاسها، وذهبت عيناها لا إراديًا نحو المنزل، كأنَّها تبحث عن شخص تحاول نسيانه. أغمضت عينيها لثوانٍ، تبتلع تلك الغصَّة الحادَّة التي شقَّت صدرها، ثم همست بصوتٍ خافت: _ربِّنا يسعدها. راقبتها رولا لحظة، ورأت ذلك الوجع المختبئ خلف ابتسامتها الواهنة، فتقدَّمت منها وربتت على ذراعها بحنان: _أنا وصِّيت ضي تصمِّم لك فستان على ذوقي للحنَّة والفرح... ومش عايزة أي اعتراض.
التفتت إليها آسيا بدهشة، وكأنَّها نسيت لوهلة أنَّ هناك فرحًا، وأنَّ عليها هي الأخرى أن ترتدي ثوبًا وتبتسم. وقبل أن تنطق، قال بلال وهو يلتقط مفاتيحه: _حبيبتي، هروح ليوسف شوية... ابقي عدِّي علينا هناك. قطَّبت جبينها، وسألته بتعجب: _دلوقتي؟ ... هوَّ يوسف رجع من الفيلَّا؟ أومأ برأسه وهو يتحرَّك: _آه... رجع من شوية. راقبته حتى ابتعد، ثم عادت بنظرها إلى رولا التي كانت تراقبها هي الأخرى. سألتها بصوتٍ شارد:
_ليه سدن مش عايزة تكتب الكتاب يوم الحنَّة؟ عقدت آسيا حاجبيها باستغراب: _مين قالك كده؟ _هيَّ... قالت من شوية. صمتت آسيا قليلًا ثم هزَّت كتفيها: _معرفش... يمكن في حاجة في دماغها، اسأليها. ربتت على كتفها بحنان، ثم تحرَّكت نحو المنزل. بعد دقائق، وصلت آسيا غرفة شقيقتها.. كانت سدن تجلس على طرف الفراش، وبين يديها بعض الأغراض الخاصَّة بالزفاف، لكن عينيها كانتا شاردتين... وكأنَّهما لا تريان شيئًا.
اقتربت منها آسيا وجلست جوارها، ثم قالت برفق: _الفستان حلو أوي يا سدن مبروك عليكي _بس مش عجبني، أنا اخترت واحد، وهوَّ راح جاب دا. _سدن... الفستان التاني حبيبتي قصير أوي، غير إنُّه فعلًا مينفعش يتلبس، إحنا مش في أمريكا. _إنتِ بتقولي كدا يا آسيا! أنا من حقِّي أختار فستان فرحي. _وهوَّ من حقُّه يتباهى بيكي قدَّام العيلة، البنات كلَّها محجبة، مينفعش تقعدي بفستان هوَّ شايفه قميص نوم. تأفَّفت ونهضت من مكانها: _انسي...
هشوف حاجة مناسبة. اقتربت آسيا منها: _حبيبتي... ليه قولتي لخالو يخلِّي كتب الكتاب يوم الفرح؟ كنا عايزين نفرح بيه يوم الحنَّة. رفعت سدن عينيها إليها، وحاولت أن تبتسم، لكن ابتسامتها جاءت باهتة: _إيه الفرق؟ يوم الحنة من يوم الفرح... نستنى، سيبك إنتِ دلوقتي من كتب الكتاب، وتعالي... جبت لك هدية حلوة. اتَّسعت عينا آسيا بدهشة: _جبتيلي أنا؟! أنا اللي المفروض أجيب لك يا عروسة.
مدَّت سدن يدها، سحبت كفَّي أختها وأجلستها بجوارها فوق الفراش. ثم ظلَّت تنظر إليها لثوانٍ طويلة... بشكلٍ أثار القلق في قلب آسيا. وأخيرًا، قالت بصوتٍ مبحوح: _الأوَّل جاوبيني بصراحة... إحنا بقالنا كتير أوي ما حكيناش لبعض. إنتِ بتحبِّي نور، ولَّا لسة مارسيل معلَّق في دماغك؟ طالعتها آسيا للحظات، وارتجفت شفتاها: _ليه بتسألي؟ _علشان كنتي بتهلوسي وتقولي بحبُّه أوي، مين يا آسيا؟ هتخبِّي عليَّ. هبَّت من مكانها وقالت:
_أنا جاية تعبانة وإنتِ رايقة، ياله نامي علشان ترتاحي كويس، حنتك قربت قالتها واستدارت للمغادرة، إلَّا أنَّها توقَّفت على كلمات سدن: _تعرفي... أنا كرهت مصر أوي. قالتها مع دمعة تحرَّرت من عينيها. شهقت آسيا وكأنَّ أحدهم صفعها: _ليه بتقولي كده؟ احتضنت وجهها بين كفَّيها سريعًا، وأزالت دموعها بإبهاميها، ثم ابتسمت محاولةً التخفيف عنها: _كلها كام يوم وهتبقي مع حبيبك... ودي لوحدها تساوي الدنيا كلَّها.
لكن كلماتها كانت كمن كسر السد.. فانفجرت سدن في البكاء. بكاء مرير... موجوع... وكأنَّها كانت تنتظر فقط كلمة واحدة لتنهار. نظرت إلى أختها بعينينِ غارقتينِ بالدموع وهمست: _ياريتنا ما جينا هنا يا آسيا... إنتِ كنتِ صح. تجمَّدت ملامح آسيا. شعرت وكأنَّ قلبها توقَّف عن النبض. وأكملت سدن بصوتٍ متقطِّع: _إحنا... منعرفش نعيش هنا...
ولا نعرف نتأقلم في الحياة دي.. كلها اوامر بس، انا مش قادرة اكمل مع اسر، حاسة اني مبقتش عايزة اشوفه من كتر مابيخنقني بأوامره _ليه بتقولي كدا حبيبتي، سدن، متفكريش في كدا، فكري انك هتتجوزي اللي بتحبيه بس _سيبك انت من اللي بحبه، عايزة اقعد معاكي وقت طويل، وانت دايمًا في الشغل رفعت آسيا يدها المرتجفة، وأمسكت بذقنها برفق: _سدن... بصِّيلي. رفعت الأخرى عينيها بصعوبة. _إنتِ مخبية عليَّا إيه؟ ارتجفت شفتا سدن، وانكسرت نظرتها.
ثانية واحدة فقط... ثم ألقت نفسها داخل أحضان شقيقتها. التصقت بها بقوَّة، وكأنَّها تخشى أن تُنتزع منها. وارتفع بكاءها بصورة مزَّقت قلب آسيا. _خديني في حضنك يا آسيا... شهقة خرجت من صدرها وهي تتشبَّث بها أكثر: _عايزة أشبع من حضنك... تجمَّدت آسيا. تلك الكلمات... لم تكن كلمات عروس قبل زفافها بعدة ايام قليلة كانت كلمات شخص يودِّع شخص خائف... أو مكسور... أو يحمل فوق كتفيه سرًّا أكبر من احتماله.
احتضنتها بقوَّة، وبدأت تربت على ظهرها بيدٍ مرتجفة، بينما الخوف يتسلَّل إلى قلبها ببطء. ثم أغمضت عينيها، وهمست بصوتٍ اختنق بالدموع: _متخوِّفنيش يا سدن... فيه إيه؟ _لمَّا تقولي لي بتحبِّي مين؟ _نور... قالتها سريعًا دون تفكير. احتضنت كفَّ أختها وابتسمت: _كنت حاسة، نور شخص كويس، وشكله بيحبِّك أوي، المهم تأكَّدي زي ما طلبتي منِّي، إنِّك بتحبيه. _سدن... ليه بتقولي كدا؟ أزالت دموعها ورسمت ابتسامة: _بنصحك..مش دايمًا تنصحيني.
ابتسمت آسيا وقالت: _خضِّتيني... نظرت للصندوق وأشارت إليه: _إيه الهدية دي؟ _بعد الفرح افتحيها، أوعديني مش تفتحيها غير بعد الفرح. _وعد. قالتها وقبَّلت أختها. صباح اليوم التالي... بمنزل يزن... دلفت سدن إلى الداخل، تبحث بعينيها عنه، فقابلتها رحيل في الردهة. ـ سدن! فيه حاجة؟ هزت رأسها وهي تتلفت حولها. ـ كنت عايزة أسر... هو مش هنا؟ أشارت رحيل إلى الحديقة. ـ لسه صاحي من النوم، بيفطر عند البيسين... ويوسف معاه. ـ تمام...
هشوفه. خطت عدة خطوات، لكنها توقفت فجأة حين وصلها صوت يوسف الغاضب. ـ وأنا مش هحضر الفرح... يبقى اتجوز لوحدك! رفعت رأسها بدهشة، بينما كان يوسف يشير إلى أسر بحدة. ـ اسمعني كويس يا أسر... أنا متأكد إنك مبتحبش سدن، وإنك واخدها مسكن علشان تنسى غيرها... بس إنت بتغلط. رفع أسر فنجان القهوة إلى شفتيه، ثم قال ببرود مستفز: ـ لو مفيش حاجة تانية تقولها... امشي يا يوسف. عايز أفطر بمزاج. جز يوسف على أسنانه واقترب منه.
ـ هقول لأبوك... وشوف لما يعرف هيعمل إيه. تراجعت سدن سريعًا قبل أن يراها، وقلبها يهوي داخل صدرها. همست لنفسها بصوت مرتعش: ـ غبية يا سدن... كنتِ متأكدة إنه مش بيحبك.. لازم تتصرفي قبل ماتورطي نفسك _بس ازاي والفرح بعد تلات ايام بس جواز سفري مع بابا، لازم تخليكي مع اسر علشان تجيبي جواز السفر، ماهو لازم هياخده علشان حجز شهر العسل شهر العسل... تمتمت بها بسخرية ثم شعرت بوخزة مؤلمة في قلبها، وكأن كل شيء انهار دفعة واحدة.
أغمضت عينيها لثوانٍ، ثم فتحتها بعناد. استجمعت شجاعتها واتجهت نحوه. ألقت تحية الصباح بصوت خافت: ـ صباح الخير. رفع عينيه إليها... وابتسم. توقفت أنفاسها للحظة. كيف تغير شعورها نحوه بهذه السرعة؟ لم تعد تراه كما كانت تراه أصبح غريبًا... مؤلمًا.. وربما مخيفًا. ـ سدن! انتبهت على صوته. اقتربت خطوة وقالت: _اسر انت كنت بتحب مين تجمد جسده للحظات، ثم رفع اليها _عايزة ايه ياسدن _لما انت مش بتحبني، يبقى ليه نتجوز
_انتي سمعتي كلام يوسف _رد علي انت كنت بتحب مين، ولما بتحبها ليه عايز نتجوز... _سدن الفرح بعد يومين _يعني ايه يااسر، هتتجوزني وانت مش بتحبني _مش اتكلمنا قبل كدا في الموضوع، مين قالك كدا، يوسف مضايق من حاجة تانية، انتي فهمني غلط _والله... اومأ لها دون حديث سحبت نفسًا وزفرته _طيب مش هلبس الفستان اللي بعته. عاد إلى طعامه وكأنه لم يسمعها. اقتربت أكثر. ـ أسر... أنا بجد مش عايزة أكمل الجواز. توقفت يده عن الحركة لثوانٍ.
رفع عينيه إليها ببطء. ثم قال بهدوء أربكها: ـ الفرح هيكون في الفندق... بابا لقى قاعة المناسبات كلها غرقانة مية. كلمت الفندق وحجزتلك... خدي رولا وروحي شوفي الروم اللي تعجبك. اتسعت عيناها. ـ وأنا بقولك مش عايزة أكمل الجواز! إيه... هتتجوزني غصب عني؟ دفع المقعد بعنف حتى انتفضت في مكانها. نهض واقترب منها بخطوات بطيئة. كان يبتلع ما في فمه وعيناه لا تفارقانها. ـ فطرتي؟ رمشت عدة مرات. ـ إيه؟ ... اقترب أكثر. ـ بقولك...
فطرتي يا مراتـي المستقبلية؟ ابتلعت ريقها بصعوبة. ـ شبعانة... ماليش نفس. في لحظة جذبها من ذراعها، فاصطدمت بصدره. شهقت وهي تنظر إليه. انحنى قليلًا حتى أصبح وجهه قريبًا من وجهها. ـ سمعيني بقى... كنتِ بتقولي إيه؟ ارتجف جسدها بالكامل. كان قريبًا جدًا... قريبًا لدرجة أنها تسمع أنفاسه.. رغم ذلك لم تعد بارتعاشة قلبها كما كان في البداية، لعنت نفسها لأنها لم تستمع الى حديث اختها، حين قالت،، "اتأكدي انك بتحبيه وانه بيحبك"
_سدن مش بتردي ليه هزت رأسها بسرعة. ـ هو... هو أنت هتاكلني ولا إيه؟ أغمض عينيه للحظة، ثم نطق اسمها من بين أسنانه: ـ سدن... كادت دموعها تهرب من عينيها. ـ مكنتش بقول حاجة... كنت بقولك جبت بدلة الفرح؟ ظل يحدق بها عدة ثوانٍ، ثم ابتعد وهو يكبح ابتسامة صغيرة. ـ هتشوفيها يوم الفرح. استدارت بسرعة، تريد أن تهرب منه. وهي تتمتم: ـ والله ما أنا متجوزاك يا متخلف! كل حاجة اوامر وزعيق قالتها وغادرت مسرعة. لكنها اصطدمت فجأة بيوسف.
ـ آسفة... ماخدتش بالي. توقف وهو يحدق بوجهها. ـ إنتِ... بتعيطي؟ هزت رأسها بسرعة. ـ لا... ثم ابتعدت. لكن عيني يوسف ظلتا معلقتين بها خرج يزن من الداخل. ـ لسه واقف؟ تعالى قولي... مالك ومضايق ليه؟ ولكن عقل يوسف لم يعد معه... كان منشغلًا بسدن.. جلس أمام يزن، لكنه لم يسمع كلمة مما يقوله. عند سدن دخلت غرفة اسيا تدور بغضب
_أنا لازم اهرب، مستحيل اتجوزه، دا ميعرفش غير الاوامر، انا سمعت يوسف انه عايز يتجوز علشان ينتقم من حبيبته، انا ايه اللي عملته في نفسي دا، لازم اقول لبابا، ايوة، لا انا لازم اسافر التفتت الى اختها التي تنظر اليها بصدمة _عايزة جواز سفري، لازم اسافر _سدن... اهدي، ماتبقيش مجنونة، عادي اي اتنين بيختلفوا، وعلى فكرة اسر كويس، تلاقيه متعصب من حاجة حدجتها بذهول، تنظر اليها بغضب _انتي اللي بتقولي كدا، حتى انتي يااسيا
لا انا هروح اقول لبابا مش عايزة اتجوز اوقفتها اسيا _حبيبتي اهدي، ايه اللي بتقوليه دا، كروت الفرح انطبعت، فرحك بعد يومين، انا هتكلم مع اسر، ووعد مش هخليه يزعلك تاني... تمام _بس هو عصبي أوي يااسيا ابتسمت تمسح دموعها _بس بيحبك وبتحبيه، لازم تهدي شوية عليه، وعلى فكرة بعد الجواز هيتغير، ماما كانت بتحكي عن خاله يزن كان صعب اوي، حتى قالت اسر اهدى منه، شوفتي بيعمل ايه مع طنط رحيل _تفتكري هيتغير ربتت على خدها بحنان
_هيتغير، لانه بيحبك، امسحي دموعك، ولازم انزله، من زمان مااتخنقتش معاه، اهو اطلع كبت الشغل في المتر بتاعنا افلتت سدن ضحكة، وحاوطت خسر اختها _انا بحبك اوي. مسدت اسيا على شعرها وقبلت رأسها _وأنا كمان، علشان كدا عايزاكي تفكري في سعادتك، وعلى فكرة بقى، المتر يتحب، ويبختك بيه _اوووه... لا دا كدا أغير عليه ابتسمت بحزن وهزت رأسها _حقك طبعًا حبيبتي شاكستها ضاحكة _مش منك أكيد، انت اختي وحبيبتي وكل حاجة لي
ضمت اختها بقوة، ونزلت دموعها _وأنا بوعدك هعمل المستحيل علشان تبقي سعيدة، ولو وصلت اضرب لك المترين ونص ارتفعت ضحكات الفتيات معًا مضت فترة من الزمن حتى وصلت آسيا. ـ هو أسر فين يا خالو؟ أشار يزن نحو الحديقة. ـ عند البيسين يا حبيبتي. ابتسمت. ـ هشوفه... محتجاه في حاجة. كل هذا... ويوسف يراقب بصمت. ـ يوسف... جدك كويس ؟ انتبه فجأة. ـ ها؟ ... آه... اه كويس ـ وإنت عامل إيه في شغلك؟ لكن يوسف لم يجب. نهض فجأة. ـ افتكرت حاجة...
نسيت أسأل أسر عنها. هكلمك بعدين. أومأ يزن، بينما تحرك يوسف نحو الحديقة. وما إن اقترب... حتى سمع صرخة آسيا. ـ عملت فيها إيه يوصلها للجنون ده؟! كان أسر يحتسي قهوته دون أن ينظر إليها. ضربت على الطاولة بغضب. ـ متحاولش تضايق أختي يا أسر... علشان هزعلك. نهض فجأة.. وفي لحظة قبض على ذراعها بعنف. ـ إنتِ عايزة إيه؟! مش قولتلك ابعدي عننا؟ حاشرة نفسك بينا ليه؟! حاولت التملص وهي تضرب صدره. ـ ابعد عني... إنت واحد مجنون!
ابتعدت عنه وهي تدلك ذراعها. فأشار إليها بغضب: ـ ابعدي عن حياتي يا آسيا... علشان ما أخلكيش تكرهي اليوم اللي جيتي فيه مصر. ضحكت بمرارة والدموع تلمع بعينيها. ـ ومين قالك إني بحبك أصلًا؟ أنا بكرهك... وبكره نفسي... وبكره البيت ده... وبكره كل حاجة مرتبطة بيك! ثم صرخت: ـ بس أختي لا! وصل إليها في خطوتين. كانت عيناه تقدحان نارًا. ـ أختك بعد ساعات هتبقى مراتي... وفي حضني. بتحبني ولا لأ... إنتِ مالك؟!
تشنج وجهها.. وأغمضت عينيها كي لا تبكي. ـ والله؟ متأكد من كلامك؟ فتح عينيه بضيق. ـ لما هي بتحبك كده... ليه كانت عايزة تهرب وتسافر دلوقتي؟ ليه كانت بتقول إنها مش عايزة تكمل الجواز؟ ـ أكيد... إنت السبب. اقتربت خطوة أخرى.وقالت ـ أسر... لو سمحت... سدن طيبة. كلمة حلوة منك هتطير بيها من الفرحة... بلاش تنتقم مني في أختي. فجأة أطبق على ذراعيها بقوة. ـ وأنتقم من أختك ليه؟! أشار إليها بأصبعه ـ إنتِ... إنتِ واحدة كذابة!
اختنق صوته. ـ لكن أختك... توقف لثوانٍ. وتحولت نظراته إلى ألم يخنقه ـ أختك بريئة... مش شيطانة زيك. صاح بقهر: ـ غوري من وشي... وابعدي عننا! _انت عايز تتجوز اختي وانت ضغط على اكتافها بقوة الامتها حتى صرخت _انا ايه... انا بحب سدن، ايوة بحبها، وهتجوزها هي، متفكريش اني ببكي على اطلالك ياسنيورة، انت ولا حاجة دنا منها اكثر حتى ضربت انفاسه وجهها
_ايه مصدومة، مفكرة نفسك ملكة الكون بتمشي الكل، لا.. انا مش حبيتك يااسيا، انا حبيت سدن وبس تراجعت آسيا خطوة.. ثم أخرى. والدموع تنهمر بغزارة. تنظر إليه وكأن الرجل الذي أمامها ليس هو نفسه الرجل الذي أحبته تحركت آسيا سريعًا، وما إن ابتعدت عدة خطوات حتى توقفت. رفعت كفيها إلى وجهها، تمسح دموعها بعنف، وكأنها تريد أن تمحو معها كل ما سمعته منذ قليل. سحبت نفسًا طويلًا... ثم زفرته ببطء، محاولةً استعادة قوتها.
لكن قلبها كان ينهار.. في النهاية، استدارت وغادرت المكان. أما أسر... فهوى على المقعد خلفه دفعة واحدة. أسند مرفقيه إلى ركبتيه، وأطبق كفيه على رأسه، بينما كان جسده كله ينتفض غضبًا وقهرًا. أنفاسه متسارعة... وعروقه بارزة... وكأنه خرج لتوه من معركة استنزفت روحه. كل هذا... ويوسف كان يقف بشرفة مكتب يزن بعيدًا يراقب بصمت. دقيقة كاملة مرت عليه وهو لا يتحرك. لا يصدق ما سمعه. ولا يصدق أن تلك النظرات... وذلك الانكسار...
وذلك الغضب... كلها كانت لرجل يحب.ويحب بجنون. همس لنفسه بذهول: ـ هو... أنا فهمت صح ولا إيه؟ ظل يحدق بأسر لثوانٍ أخرى، ثم استدار واتجه إلى المنزل، بينما الأفكار تضرب رأسه بلا رحمة. دلف إلى الداخل.فاستقبلته ضي بابتسامتها الهادئة، وهي تحمل الفستان بين يديها. ـ تعالى... قولي إيه رأيك في الفستان؟ رفع عينيه إليها.لكن نظرته كانت شاردة... بعيدة... كأنه لا يراها أصلًا.. انتبهت إلى ملامحه. ـ يوسف؟ خرج صوته أخيرًا: ـ ضي...
ابتسمت وهي ترفع الفستان. ـ نعم يا حبيبي... استنى ألبسه علشان مترجعش تقولي ضيق ولا واسع. لكنها توقفت فجأة... حين قال بصوت حزين: ـ أسر... بيحب آسيا. تجمدت في مكانها. وانفلت الفستان من بين يديها ليسقط أرضًا.. استدارت إليه بصدمة. ـ إيه؟! رفع عينيه إليها ببطء. ـ بيحب اسيا وهيتجوز اختها شهقت وهي تحدق به. ـ إيه اللي بتقوله ده يا يوسف؟! لا... لا أكيد فهمت غلط. جلس على الأريكة، ومسح على وجهه بتعب.
اقتربت منه بقلق، بعدما رأت الجدية المرتسمة على ملامحه. ـ معقول؟! لا... مستحيل. ده يبقى مجنون... دي أختها! رفع عينيه إليها ـ بقالي شهرين بحاول أقنعه... شهرين. سكت لحظة ثم أكمل: ـ كنت فاكره عنيد... أو زعلان من حاجة... لكن النهاردة سمعت حرقته بنفسي. صمت قليلًا، وكأنه ما زال يسمع صوت أسر. ثم قال: ـ بيحبها اوي ياضي، شوفت نظراته وجنونه جلست ضي بجواره. ـ تقصد... إنه بيحبها بجد؟ خرجت ضحكة ساخرة من يوسف. ـ بجد؟!
هز رأسه وتابع بضياع ـ ده عاشق يا ضي... عاشق لدرجة تخوف. تنهدت وهي تحاول استيعاب الأمر. ـ طيب... لو كانوا بيحبوا بعض... أو هو اللي بيحبها... رفعت عينيها إليه. ـ إزاي وافق يتجوز أختها؟ مرر يده في شعره بعنف. ـ نفسي أسيبه... وأقول دي حياته. لكن... توقف واختنق صوته. ـ بس أنا عارف النهاية. نظرت إليه ضي بقلق. فأكمل: ـ عارف هيتعذب إزاي.. ثم رفع عينيه إليها. ـ تخيلي تبقي كل يوم مع إنسانة... وكل اللي جواك لواحدة تانية.
تخيلي تنام وتصحي وتشوف ملامح شبهها... وتفضل فاكر إن اللي في حضنك مش هي. ضغط على عينيه بألم. ـ ده هيموت بالبطيء. تنهدت ضي، وقد بدأ القلق يتسلل إلى قلبها. ـ تفتكر لو سألت آسيا هتقول حاجة؟ أدار وجهه إليها. ـجربي هزت رأسها ثم قالت فجأة: ـ رولا. رفع حاجبيه. ـ رولا..ايوة، أومأت بسرعة. ـ أكيد تعرف حاجة. البنات بيحكوا لبعض كل حاجة. نهض يوسف من مكانه. ـ مااظنش انها تعرف حاجة، دا اخوها استدار نحوها، وعيناه ممتلئتان بالحيرة.
ـ إيه اللي حصل خلى المجنون ده يعمل في نفسه كده؟ ثم همس بحزن: ـ وإيه اللي وجعه للدرجة دي... إنه يقرر يتجوز واحدة وهو قلبه مع أختها؟ نظرت إليه ضي بحزن. _طيب ناوي تعمل ايه، تقول لعمو هز رأسه بالنفي _لا.. لا، اقول ايه لبابا، دي حياة خاصة طب بقولك، ماتروحي الليلة لسدن كدا، وشوفي اخرها ايه، يعني بتحبه ولا ظروفها ايه، اصلي سمعتها بتقوله مش عايزة تكمل الجوازة شهقت ضي _يالهوي، دي اتجننت
_طب يارب تتجنن فعلا، وترفض الجواز، وندبس المتخلف في اسيا _انت تقصد ايه صمت ينظر بتفكير _لو سدن فعلا مش عايزة تكمل وتهرب زي مااسيا قالت تبقى سهلة _انت اتجننت يايوسف، تهرب ازاي، ناسي يابا وعمو، دي هتعدي ازاي من المطار _لا مش ناسي، ومش ناسي كمان عمو مالك اللي بيحرك كل حاجة _انت تقصد ايه ابتسم بعدما تسللت الراحة قليلا اليه _اقصد عايز اشوف فستان مراتي القمر، علشان تخطط معايا ندخل ابن خااي القفص ضحكت وهي تلكزه
_حبيبي المجنون _للا بجد عايزك تشغلي دماغ ضي، وتعرفي ايه اللي حصل _حاضر مساء اليوم التالي... يوم الحنّة. امتلأ منزل كريم بأصوات الأغاني والزغاريد لكن وسط كل تلك السعادة... كانت هناك قلوب لا تعرف الفرح. جلست رولا في أحد الأركان، تراقب آسيا بصمتٍ موجع. كانت تعلم كل شيء بعدما أخبرتها ضي بما حدث، تحدثت مع سدن وإصرارها على عدم إتمام الزواج، فوافقت على مساعدتها رغم ما يعتصر قلبها.
تألقت سدن بفستان حنتها الأحمر، بدت كأميرة شرقية، تحيطها الفتيات بالتصفيق والرقص والغناء، لكن خلف ذلك الثوب المبهج كان قلبها يرتجف، وكأن السعادة ترفض أن تكتمل. اقتربت من رولا وجلست بجوارها، ثم همست بقلق: _عملتي إيه؟ النهاردة الحنّة يا رولا. ربتت رولا على كفها وقالت بهدوء: _متقلقيش... جواز سفرك مع يوسف، وأنا كلمت أنس وفهمته كل حاجة. رفعت سدن عينيها إليها، وقد امتلأتا بالدموع. _أنا مكنتش عايزة أوصل لكده يا رولا...
صدقيني، بس أخوكي... قاطعتها رولا بصوت خافت: _مش أخويا السبب يا سدن... المهم دلوقتي، متخليش اللي بتعمليه يخليكِ ترجعي تندمي. أطرقت سدن رأسها للحظة، ثم تنهدت بوجع. _لا... مش هندم. أنا تسرعت أوي فعلًا... وآسيا حذرتني كتير، بس أنا مكنتش فاهمة مشاعري جالت رولا بنظراتها لتستقر على آسيا. التي تجلس وسط الفتيات، لكن روحها كانت في مكان آخر. تبتسم كلما نظرت إليها إحداهن، وتصفق مع الأغاني، لكن عينيها كانتا تفضحانها...
عيون مكسورة تخفي بحيرة كاملة من الدموع. بدت وكأنها جسد يجلس بينهم فقط، أما قلبها... فقد رحل عن جسدها تقلص قلب رولا لأجلها. هذه الفتاة التي اعتادت أن تملأ المكان ضحكًا وحياة، أصبحت اليوم تجلس وكأن شيئًا بداخلها قد مات. شعرت بغصة تخنقها، وغضبًا يتصاعد تجاه أخيها. لأول مرة تشعر أنه أخطأ بهذا القدر... أخطأ حين ترك قلبًا يحبّه يصل إلى هذا الانكسار. أبعدت عينيها عن آسيا قبل أن تفضحها دموعها، ثم عقدت
كفيها بقوة وهمست داخلها: "أقسم بالله... مهما كان الثمن، هجمعكم، حتى لو غصب عنك يااسر. نهضت اسيا وقالت نور بيتصل هشوفه وجاية اومأت سدن دون حديث، انحنت برأسها الى رولا _ماقولتيش، ايه اللي هيحصل لو انا مشيت زي ماقولتي _ولا حاجة الفرح هيتلغي وخلاص _طيب بابا مش هيزعل ربتت رولا على كتفها _لا... مش هيزعل بالخارج ابتسمت بمجاملة، وقالت برقة: ـ ميرسي اقترب منها قليلًا، ثم رفع يده وأزاح خصلة شعر انسابت على وجنتها،
وقال وهو يتأملها بإعجاب: ـ على فكرة، أنا مش بجاملك... شكلك حلو أوي... أوي بالساري ده. أنزلت عينيها إلى الساري، ثم رفعتها إليه بابتسامة . ـ أول مرة ألبس حاجة زي كده... بنت خالي هي اللي جابته. أمسك كفيها برفق، ثم أدارها أمامه وهو يطلق صفيرًا إعجابًا بها. ـ لا... ممتاز. وشغل ضي واضح فيه. ابتسمت : ـ أيوة... ضي بيرفكت بجد. لما قالولي إنها هي هتصممه، متوقعتش هيكون بالشكل الحلو ده. أعاد النظر إليها مرة أخرى وقال:
ـ وعلى فكرة بقى... لبسك بالمصري أحسن بكتير. مطت شفتيها بخفة. ـ أمم... بحاول أتعود عليه، الفكرة مش صعبة... بس التعود بقى. ابتسم دون أن يبعد عينيه عنها. ـ جميلة أوي يا آسيا... وكلامك مريح. اتسعت ابتسامتها. ـ ميرسي يا نور... هدخل بقى، اتأخرت على سدن. استمتع بوقتك. أومأ برأسه، ثم قال بنبرة تحمل شيئًا من الحماس: ـ أكيد... بس عندي ليك خبر حلو، هقولهولك. توقفت، وعادت تقترب منه، وعيناها امتلأتا بالفضول. ـ خبر إيه؟
وقبل أن يجيبها، خرجت ضي من الداخل وهي تتحدث بالهاتف: ـ خلاص يا بابا... أنا جاية. نظر نور إليها دون إرادة، لاحظت آسيا ذلك. نظرت إلى ضي، ثم عادت تنظر إليه، لتجده ما زال يتابعها بعينيه ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها ـ عيونك يا مستر.. مفيش تفاهم. انتبه لكلماتها، هز رأسه وعيناه ما زالتا معلقتين بضي. ـ لحظة... هقولها حاجة وراجع لك. تراجعت آسيا خطوة للخلف. ـ لا، أنا هدخل. ثم أضافت بنبرة هادئة، لكنها جادة: ـ _نصيحة...
ابعد عن يوسف قالتها وتحركت إلى الداخل دون أن تمنحه فرصة للسؤال أو الرد. ولكنها اصطدمت بااخر شخص تريد رؤيته الان تجولت عيناه على هيئتها، وللحظات تمنى أن تكون هي من ستصبح زوجته، رفع عيناه نحو نور الذي تحرك خلف ضي _تصدقي لايقين على بعض، هو كل شوية يجري ورا واحدة... وانت _اخرس، مااسمحلكش، معرفش ازاي كنت عامية على شخصية منحطة زيك لم يشعر بنفسه سوى وهو يرفع يده، ولكنها توقفت في الهواء مكور قبضته
شهقت وتجمعت الدموع في عيناها _اضرب منتظر ايه قالتها ودلفت للداخل عند نور وقف أمام ضي ليعرقل طريقها. رفعت رأسها إليه بدهشة واضحة. ـ عاملة إيه؟! رمشت عدة مرات، وكأنها لا تصدق وجوده أمامها. ـ نور؟! ... بتعمل إيه هنا؟ تعلقت عيناه بملامحها لثوانٍ طويلة، يتذكر كلمات سارة عن وجه القرابة بينهما ابتلع غصته بصعوبة، ثم قال بصوت خافت خرج على غير عادته: _فيه موضوع مهم لازم تعرفيه _موضوع! .. لو على الشغل اتكلمنا وخلاص
قالتها واستدارت للمغادرة إلا أنه اقترب وامسك كفيها، بوصول إلياس وخلفه اقترب منها ونظراته عليها _عرفت حاجة مهمة وكنت جاي اقولك عليها _اسفة... مش فاضية دلوقتي، بعدين نتكلم قالتها وتحركت ولكنها توقفت حين استمعت الى حديثه _ضي عرفتي بالقرابة اللي بينا إلتلتفت اليه سريعًا _انت بتقول ايه مع وصول الياس ويزن الى منزل كريم توقف الياس ينظر الى نور ثم وجه كلامه الى يزن _كلمه...
متخلهوش يتكلم في حاجة، قبل ماميرال تعرف، انا كفاية علي موضوع بابا دلوقتي يايزن، مش عايز الدنيا تتهد فوق دماغي _هكلمه واكلم سارة بعد يومين وهو اليوم المقرر للزفاف بالفندق صعدت آسيا ورولا إلى الطابق العلوي بخطوات متعجلة توقفت رولا أمام غرفة العروس، ثم التفتت إلى آسيا قائلة: _هروح عند ضي... مش محتاجة حاجة؟ هزت آسيا رأسها نفيًا، وابتسامة باهتة ترتسم على شفتيها. _لا يا حبيبتي، روحي...
انا اتأخرت على سدن. يعني لفينا على الفاضي يا ستي، وفي الآخر هتلبسي الفستان اللي جبتيه. تنهدت رولا وهي ترفع كتفيها. _أعمل إيه بس؟ _والله يا بنتي الفستان زي القمر، بس إنتِ اللي موسوسة. _مش قدامي غيره للاسف ابتسمت آسيا بخفة، محاولة إخفاء ما يعتصر قلبها. -يلا... سيبيني بقى. غادرت رولا، بينما تحركت آسيا نحو جناح العروس، لكن قبل أن تصل إليه، خرجت رحيل من إحدى الغرف. _جبتوا حاجة؟ أجابت آسيا وهي تهز رأسها:
_رولا مش عاجبها أي حاجة، وقالت هتلبس اللي جابته. ابتسمت رحيل بحنان. _طيب تعالي على جناحنا، أختك مشغولة مع البنات. نجهزك وبعدين تبقي تروحي لها. _حاضر... أشوفها بس لو محتاجة حاجة. مدت رحيل يدها وسحبت كفي آسيا برفق. _مش محتاجة، بتحط ميكب. تعالي، البنات يجهزوكي إنتِ كمان... لازم تكوني أحلى واحدة في الفرح..مع انك قمرين ارتسمت ابتسامة دافئة على وجه آسيا. _حبيبتي يا طنط... حضرتك القمر. وبعدين بنات العيلة كلهم قمرات.
رفعت رحيل يديها واحتضنت وجهها بين كفيها، وأخذت تتأمل ملامحها طويلًا، ثم قالت بصوت اختلط فيه الحنان بالحزن: _اتغيرتي كتير يا آسيا. خفضت آسيا عينيها _الدنيا بتغير يا طنط... تحركت خطوة، لكنها توقفت فجأة، ثم التفتت إليها بتردد، وكأن الكلمات ثقيلة على صدرها. _ممكن... أطلب من حضرتك طلب؟ أومأت رحيل برأسها. ابتلعت آسيا غصتها، ثم قالت بصوت مرتجف: _سدن... ممكن تخلي بالك منها؟ عقدت رحيل حاجبيها، بينما تابعت آسيا وقد بدأت
عيناها تلمعان بالدموع: _سدن طيبة أوي... وقلبها صغير. وأسر طبعه صعب شوية، وهي ممكن تعيط لو زعق لها... أو لو مفهمتش هو عايز إيه. توقفت لحظة، وانكسرت نبرتها أكثر. _ممكن بس... تكلميه يصبر عليها؟ يخلي باله منها... هي مبتستحملش الزعل. لم تستطع إكمال جملتها، فقد خانتها دموعها وانسابت فوق وجنتيها.
شعرت رحيل بأن قلبها يُعصر ألمًا وهي تنظر إليها؛ فتاة تبكي خوفًا على أختها في ليلة زفافها، بينما لا أحد يعلم أنها هي من تنزف في صمت. فتحت ذراعيها وقالت بصوت دافئ: _طيب... ممكن آخدك في حضني وأقولك إني بحبك أوي؟ ارتجفت شفتا آسيا، ثم أومأت برأسها كطفلة صغيرة. احتضنتها رحيل، وضمتها إلى صدرها، فانهارت آسيا تمامًا، وخرجت شهقاتها مكتومة. أخذت رحيل تمسد على ظهرها بحنان، بينما تهمس لنفسها بحسرة: _غبي يا ابن يزن...
ابتعدت آسيا بعد لحظات، ومسحت دموعها سريعًا. حاولت رحيل أن تبتسم وهي تقول: _يلا يا ست أفريقيا... هنتأخر. بغرفة ضي ورولا دلفت رولا إلى الغرفة، وما إن رأتها ضي حتى نهضت سريعًا من مكانها. _إيه؟ عملتوا إيه؟ نزعت رولا حجابها وهي تزفر بتوتر. _معرفش إيه اللي حصل... بلال كلمني وقال نرجع فورًا، وأكلم ماما وتلهيها لحد وقت الفرح. أخذت ضي تدور في الغرفة بعصبية، تفرك كفيها. _يا رب الليلة دي تعدي على خير...
بابا وعمو إلياس لو عرفوا اللي بنعمله هنتبهدل، وده كله بسبب أخوكي. رفعت رولا يدها بسرعة. _اسكتي يا ضي... أنا متوترة من غير حاجة. _وخايفة أوي على عمتو... لو آسيا رفضت تكمل الجواز مكان سدن. توقفت ضي عن الحركة، ثم اقتربت منها وربتت على كتفها. _لا... سيبي دي عليّ. ثم تنهدت بقلق وهي تنظر نحو الباب. _المهم... حضرة الأفوكاتو يعمل اللي عليه قبل ما الدنيا كلها تقلب فوق دماغنا.
بعد فترة انتهت الفتيات من تجهيزهم، خرجت رولا وهي تقول _هشوف ماما، يوسف عمل ايه مع الناني _تمام حبيبتي، انا هنزل تحت لحد مانشوف هنعمل ايه خرجت ضي ورفعت هاتفها _حبيبي انت فين _تحت... انزلي انا قدام القاعة مع بلال توقفت ضي عن الحركة _اسر جهز ولا لسة _جهز... منتظرين العروسة تخلص _بتهزر يايوسف ضحك يوسف وهو يقول _تعالي بس وأنا افهمك _تمام
بغرفة اسيا انتهت، اتجهت الى الشرفة تنظر للسماء السوداء، اغمضت عيناها، ودمعة تسربت دون وعي، وداخلها يبكي "ليلةٌ كان يفترض أنها فرح وسعادة، لكنها كانت جنازة لقلبي . الجميع جاء إليها مرتديًا ثياب الفرح.، يبتسم، الزغاريد تملأ المكان، والفرحة تلمع في عيونهم، إلا أنا...
أقف بينهم وكأنني غريبة، أخفي خلف ابتسامتي قلبًا يُدفن حيًا. فما أقسى أن تُزف أختك إلى الرجل الذي أحببته بكل ما فيك، والرجل الذي كان يومًا حلمك، ثم ضاع منك بسبب سوء ظنه بك، فاختار أن يحفظ كرامته على حساب قلبيكما معًا. الليلة يرتدي بدلة عرسه، وترتدي أختي ثوبها الأبيض، أما أنا فأرتدي ثوب الصبر، وأحاول أن أقنع نفسي أن الدموع لن تغيّر شيئًا. يا رب، كيف يجتمع في قلبٍ واحد كل هذا الحب، وكل هذا الوجع، وكل هذا الصمت؟
كيف أبارك لهما وقلبي يهمس في كل لحظة: كان يمكن أن تكون هذه حياتي؟
لست أبكي لأن أختي عروس، ولا أحسدها على نصيبها، فأنا أحبها أكثر مما أحب نفسي، لكنني أبكي على حلمٍ مات وهو لا يزال ينبض داخلي، وعلى قصة انتهت قبل أن تُروى، وعلى قلبٍ لم يشفع له صدقه، فحكم عليه القدر أن يشاهد سعادته تمضي مع غيره. سأبتسم الليلة كما يريد الجميع، وسأخفي انكساري كما اعتدت دائمًا، لكن حين ينطفئ كل شيء، ويغادر الجميع، سأترك دموعي تنهمر في حضرة الليل، فهو وحده يعلم أن بعض الأمنيات لا تموت، بل تبقى عالقة في الروح، تؤلمها مع كل نبضة، وأن بعض الفراق لا يحتاج إلى وداع...
لأنه يظل يسكن القلب إلى آخر العمر." استمعت لرنين هاتفها فدلفت للداخل رفعته واجابت _ايوة... استمعت الى بكاء احدهم _الو... ولكنها اغلقت الهاتف، نظرت للهاتف، ثم وضعته وتوقفت أمام المرآة تنظر لهيئتها، تضغط على شفتيها حتى لاتنساب دموعها _خلاص يااسيا، دا كان اكتر شخص بيضايقك، انسي ودوسي وكملي ولا كأنه مر بحياتك.. وانسي كلام رولا كمان، هي بتقول كدا من غير ماتعرف قد ايه اتأذيت منه، ابتسمت بسخرية وهي تتذكر كلماتها
_والله لو كنتِ قولتي إنك بتحبيه... كنت هوقف كل حاجة، صدقيني. هو مش بيحب سدن، وسدن كمان مش بتحبه. هي بنفسها قالتلي إنها كانت منبهرة بيه بس... ومش عايزة تكمل معاه. أغمضت آسيا عينيها بقوة، وكأن كل كلمة تُغرس في قلبها كسكين جديدة، ثم همست بصوت مرتجف: _رولا... مش عايزة أسمع كلام تاني في الموضوع ده. حدقت بها رولا طويلًا، ثم اقتربت منها أكثر. _يعني بتحبيه يا آسيا؟ رفعت آسيا عينيها إلتي امتلأت بدموع محبوسة، قبل
أن تنفرج شفتيها بصعوبة: _رولا... لو سمحت اقتربت رولا _ليه... ليه ما قولتيش؟ تنهدت بمرارة، ثم ضحكت ضحكة صغيرة مهزومة. _أقول إيه؟ أقول إني بحب واحد اتهمني بأبشع الاتهامات؟ واحد سحب روحي بإيده... وبعدين كسرها؟ اهتز صوتها، وانهمرت دموعها أخيرًا. _أخوكي... دبحني يا رولا... دبحني بعد ما علّقني بيه. شهقت وهي تحاول التقاط أنفاسها، ثم تابعت بصوت متقطع: _راح يتجوز أختي... وضعت يدها على فمها تكتم شهقتها، ثم أكملت: _والله...
والله لو كان اتجوز أي واحدة تانية، كنت هعيط يومها وأنام وأصحى وأتمناله السعادة... كنت هدعيله من قلبي. رفعت عينيها الحمراوين إلى رولا، وخرج صوتها ممزقًا: _بس هو اختار أختي... كأنه عايز يموتني بإيده. انهارت دموعها أكثر. _أنا مبقاش ينفع أقعد هنا... خلاص، حجزت التذكرة، وبعد الفرح همشي. تشبثت بيد رولا بقوة. _لازم أمشي يا رولا... لازم. ثم همست بصوت خافت، كأنها تعترف بذنب: _مش عايزة أكره أختي. أجهشت بالبكاء.
_مش قادرة أفرحلها... والله مش قادرة. وضعت كفها على صدرها، تضغط عليه بقوة، كأنها تحاول إيقاف ذلك الألم الذي يفتك بها. _هنا بيوجعني أوي... خرجت الكلمات مبحوحة، موجوعة. _أخوكي حرق قلبي... موتني وأنا عايشة. شهقة أخرى خرجت منها، ثم انحنت قليلًا وهي تبكي. _كان بيقولي: "يا حبيبة آسر"... وهو في نفس الوقت... كان بيجهزلي قبري علشان يدفني فيه. لم تتحمل رولا أكثر.
جذبتها إلى أحضانها بقوة، وأخذت تربت على ظهرها وهي تشعر بأن قلبها يتمزق لأجلها. _اهدي يا حبيبتي... متعمليش في نفسك كده. لكن آسيا كانت تبكي كطفلة فقدت كل شيء. رفعت رأسها بصعوبة، وأمسكت بكف رولا بين يديها المرتجفتين. _لو بتحبيني... بلاش نتكلم في الموضوع ده تاني. تنهدت وسط شهقاتها. _الحنة النهاردة... والفرح بعد يومين. أغمضت عينيها، وانسابت دموعها على وجنتها. _وبعدها... هدوس على قلبي وأمشي. صمتت لحظة، ثم خرجت منها الكلمات
وكأنها أنين روح تحتضر: _لازم أهرب.. رفعت عينيها الغارقتين بالدموع إلى رولا، وارتجفت شفتاها. _أيوة يا رولا... أنا عايزة أهرب. _أهرب من البيت... من الذكريات... من كل ركن فيه ريحته. ضغطت على صدرها أكثر وهي تبكي: _وأهم حاجة أهرب من قلبي، لأنه كل يوم بيقتلني بيه من جديد. خرجت من شرودها، وسحبت نفسًا تزفره بهدوء ثم مدت يدها واخرجت التذكرة _كلها ساعتين وتمشي من هنا وتنسي اي حاجة حصلت هنا
رفعت اناملها تعدل خصلاتها، ورسمت ابتسامة تنظر لنفسها _مفيش حاجة هتفرق بينك وبين اختك سحبت نفسًا وزفرته، ثم وضعت احمر الشفاة.. انتهت وابتسمت لنفسها مع طرقات على باب الغرفة _اسيا يلا حبيبتي، اتأخرنا على اختك التفتت الى والدتها _خلصت حبيبتي، اقتربت ايمان تنظر إليها _ايه الجمال دا حبيبتي _بنتك طول عمرها جميلة يادكتورة احتوت وجهها ونظرت لعيناها _نفسي افرح بيكي انت كمان حبيبتي ابتعدت قليلًا
_يلا ياام العروسة، الكل راح للعروسة واحنا لسة هنا _طيب شوفي اختك، وانا هشوف اسر، عايزة اوصيه على اختك، خايفة عليها، دي هبلة، شوفتي امبارح طول الليل تعيط وتقول مش عايزة اتجوز _خلاص حبيبتي، روحي لها وأنا هشوفه، وعايزة ابارك له، واعاند فيه شوية ربتت على كتفها _بس متقليش، سمعت من خالك من الصبح وهو بيتخانق مع الكل، لدرجة كلم رولا وبلال يشوفوا ماله هزت رأسها وتحركت متجهة اليه بغرفة اسر
انحنى أمام المرآة، ينظر لهيئته، وانفاسه ترتفع حتى شعر بالأختناق، استمع الى طرقات على باب الغرفة، دلفت وتوقفت لدى الباب، تقابلت النظرات في حديث طويلًا اقتربت منه وابتسامة جميلة زينت ملامحها، وصلت إلى وقوفه _شكلك حلو أوي ببدلة الفرح ياعريس _جاية ليه مازالت على ابتسامتها _جيت أودعك، عارفة هتبقى مشغول بعد الفرح، فقولت أسبق واودعك، وأقولك حاجة مهمة _مش عايز اسمع حاجة اطلعي برة اقتربت منه وحاولت السيطرة على ارتعاش قلبها
_انا عمري ماكرهتك ولا اضايقت منك، رغم االي عملته، وصدقني أنا بعتبرك زي أنس لم يشعر بنفسه الا وهو يدفعها بغضب حتى اصطدمت بالجدار خلفها، حتى شهقت متأوهة، وتجمعت الدموع بعيناها _اطلعي برة مش عايز اشوفك قدامي دمعة تحررت من عيناها، رغم محاولاتها السيطرة، اومأت بهدوء _كان لازم اشكرك لانك غيرت في حاجات كتيرة اوي، أنا ماشية من هنا واحدة تانية، واحدة ضيعتها من زمان، وكان ليك الفضل انك ترجعها _بررررررة...
صرخ بها، وهو يدفع كل ماتطاله يده ظلت تنظر اليه بوجع، ثم استدارت تسحب اقدامها بصعوبة تشعر وأنها تحمل فوقها أحمالا من الجبال، ودموعها تسبق خطواتها، وقبل ان تصل الباب خرج صوته مبحوحًا، ممزقًا، كأنه انتُزع من أعماق روحه: ـ أكتر واحدة حبيتها... توقفت مكانها. وأكمل، وعيناه تغرقان في غضبٍ يخفي انكساره: ـ وأكتر واحدة كرهتها في حياتي. أغمضت عينيها لثانية، ثم استدارت بنصف جسدها. ابتسمت ابتسامة باهتة اختلطت بدموعها، وقالت:
ـ بتمنى لك السعادة... يا ابن خالي. ضحك ضحكة خالية من أي حياة، ثم قال بمرارة: ـ وأنا... بتمنى لك الجحيم... يا بنت عمتي. هذه المرة لم تستطع منع دموعها أمامه انسابت بغزارة، لكنها لم تمسحها.. خرجت... دون أن تنطق بحرف آخر.، بينما هو ظل يدور كأسد حبيس بفقص ضيق، يطيح بكل ماتطاله يداه الى ان انهكت قوته، فجلس يلهث لبعض الدقائق
مرت دقائق حتى استمع الى طرق اخر، ظن انها عادت، هب من مكانه، ولكنه وجد يوسف يقف بكامل هيئته المنمقة، طالعه باستخفاف _خير _الله مش جاي اخد ابن خالي لعروسته القمر رفع حاجبه مستغربا حديثه _ودا من امتى، مش كنت حالف ماهتحضر _لا.. خلاص عرفت غلطي، ومن حقك طبعا، تعيش مع اللي يختارها عقلك الفارغ _ولا... انا مصدع وقرفان، مش عايز استخفاف _لا ياحبيبي، الف سلامة عليك
يلا علشان منتأخرش، زمان المأذون جه، واه قررت اتنازل عن مبادئ واشهد على عقد جوازك التفت آسر إليه ببطء، وحدق في وجهه لثوانٍ طويلة، ثم قال بريبة: _مش عارف... مش مرتاح لك ليه. رفع يوسف حاجبه، ثم قال ببرود: _هو أنت هتتجوزني؟ يلا يا سيدي، أبوك تحت وقالي أنزلك. قطب آسر حاجبيه. _ليه... شايفني العروسة قدامك؟ ضحك يوسف _والله ولا حتى الداية، بس لازم أستحملك قدام الناس.
أبويا قالي: "مينفعش يا يوسف، أنت الكبير، ولازم تستحمل التافهين." رمقه آسر بنظرة مشتعلة، وقد راوده شعور أن يصفعه هبط إلى الأسفل، وأنفاسه تتصاعد كلما اقترب موعد الزفاف راقبه يوسف بصمت، التفت اليه ثم قال: _أمال بلال فين؟ _بيدي يوسف الرضعة. _دمك تقيل. _تسلم. تأفف اسر ونظر في ساعته. _مش المفروض العروسة تكون نزلت؟ أجابه يوسف بجمود: _يمكن هربت. ابتسم اسر ابتسامة جانبية. _واحد متخلف... اقترب يوسف منه ووضع ذراعه على كتفه.
_بقولك إيه يا متر... تخيل لو العروسة هربت، المفروض يتقال عليك إيه؟ استدار إليه آسر بحدة. أما يوسف فغمز له وقال: _اللي عروسته هربت منه... يبقى إيه؟ تصلب وجه آسر. _أنت تقصد إيه يلا؟ في تلك اللحظة وصل بلال، لينظر إليهما باستغراب. _الله! عندنا عريس هنا؟ والله ما حد قالي. التفت إلى يوسف. _إيه يا دكتور؟ جهزت الطبلة؟ ابتسم يوسف. _آه... والأغنية كمان. يلا خلي المتر يعد الجمايل. اقترب بلال من الجانب الآخر وربت على كتف آسر.
_هو من ناحية الجمايل... فبوعدك هيعدها. ثم أضاف وهو يضحك: _المهم يرفع راسنا الليلة، وعايز بعد تسع شهور عيل، رخم شبهه، يقولي: يا عمو. كتم يوسف ضحكته. _ويمكن يكونوا اتنين يا بني... ما هو المتر وسوسو، وأهو لو مش عاجبه سوسو، ياخد سوسو التانية. نفد صبر آسر أخيرًا. _دقيقة كمان... وهخبطكم في بعض. رفع بلال حاجبه وهو يشير إلى يوسف. _قالك يخبطنا في بعض! ليه شايفنا سوسو وتوتو؟ ده قدامك واحد بياكل حديد.
قالها وهو يربت على كتف يوسف. _أنت يا بني مصدق نفسك دكتور صح... ولا جون سينا؟ _تافهين... قالها آسر بضيق، ثم نظر إلى ساعته مرة أخرى في تلك اللحظة اقترب أرسلان ويزن. _إيه يا بني؟ مش المفروض تكونوا تحت من نص ساعة؟ أشار آسر إلى الأعلى. _العروسة لسه منزلتش. نظر يزن إلى يوسف. _شوف ضي كده... ليه العروسة اتأخرت؟ كريم طلع من نص ساعة ولسة مرجعش، لم يكمل جملته.فجأة... ساد الصمت. جميع الأنظار اتجهت نحو الدرج.
وهناك عروس تهبط ببطء. ترتدي فستانًا أبيض ناصعًا، تنسدل خصلاتها حول وجهها، وعيناها تحملان وجع عمرٍ كامل.. اتسعت أعين الجميع. بينما همس أرسلان بعدم تصديق: _آسيا... ثم التفت إلى آسر. _هي... هي مش العروسة سدن؟ لكن آسر لم يسمعه.. كان ينظر إليها فقط. إلى تلك المرأة التي أحبها.. والتي حطمته الآن تقف أمامه بثوب الزفاف. توقفت آسيا أمامه مباشرة. رفعت عينيها إليه. وفي داخلها كانت ترتجف.. لكنها ابتسمت... ابتسامة، موجوعة.
ثم قالت بصوت هادئ: _أنا جاهزة يا عريس. ساد الصمت.. والجميع ينتظر. ينتظر رد فعل. أما هو... فكان يحدق بها وكأنه يراها لأول مرة. يتأمل الفستان... وعينيها الممتلئتين بالدموع... والألم المختبئ خلف ابتسامتها. ثم خرج صوته أخيرًا... هادئًا على نحوٍ مخيف: _بس أنا... مش جاهز. الفصل
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!