الفصل 4 | من 5 فصل

رواية شي يشبه الحب الفصل الرابع 4 - بقلم ديدي

المشاهدات
84
كلمة
12
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 80%
حجم الخط: 18

"الكلمات نزلت على وداني وكأنها صدى صوت مرعب،..

الكون كله صوته اختفى، ومبقاش مسموع في الممر غير صوت دقات قلبي "

وصوت الشاب اللي واقف ورايا وهو بيقول لزميله بضحكة ثقة :

ـ بقولك إيه،

سيبك من المذكرات دلوقتي.. إنت مش سامع الخبر اللي قالب الكلية؟

دكتور يامن ودكتورة ميرنا هيتجوزوا ، الكلام شبه رسمي.. الجواز بعد امتحانات التيرم ده، والكل بيحضر من دلوقتي !

زميله رد عليه بنبرة إعجاب:

ـ يا عم ما هو ده الطبيعي، لايقين على بعض جداً..

هي من عيلة وهو له هيبته، الاتنين واجهة للجامعة

"حسيت ببرودة فظيعة بتضرب أطراف جسمي،

والكتب اللي في حضني كانت هتقع لولا إني ضغطت عليها بكل قوتي لدرجة إن ضوافري علمت في الجلد "

"النار اللي قادت في قلبي في اللحظة دي مكنتش مجرد زعل..

دي كانت غيرة عمياء، غيرة حرقت كل هدوئى،

وخرجت جنون أنا نفسي مكنتش أعرف إنه جوايا "

هنا كانت بتهز كتفي بذهول وعينها مليانة خوف :

ـ دينا.. دينا إنتي سامعاني؟ وشك بقى أبيض زي الورقة! في إيه؟ مالك؟

لفيت ليها،

وعيني غالباً كانت بتطلع شرار، بلعت ريقي اللي نشف وقولت بصوت متحشرج بس قاطع :

ـ هنا.. أنا ورايا مشوار مهم جداً لازم أعمله حالا.. روحي إنتي على المحاضرة وأنا مش هأخر، جاية وراكي على طول

ـ مشوار إيه يا بنتي في أول اليوم كدة؟ دينا !

"مستنيتهاش تكمل الكلمة.. لفيت وضهري للممر ومشيت بخطوات سريعة، واسعة، مكنتش شايفه قدامي..

الطرقة كلها كانت بتلف بيا، وكل اللي بفكر فيه هو الكلام اللي لسه سامعاه حالا "

"وصلت للمبنى الإداري،

طلعت السلم وأنا بنهج، مش من التعب..

من كمية الغضب والغيرة اللي كاتمة على نفسي "

" وقفت قدام باب مكتبه.. خدت نفس واحد،

ومفكرتش لثانية.. فتحت الباب ودخلت وقفلته ورايا برزعة خلت المكان كله يتنفض "

"يامن كان قاعد على مكتبه ، نظارته الطبية على وشه، والورق مالي المكان.. أول ما الباب اترزع رفع عينه بسرعة وملامحه اتخضت "

" بس أول ما شافني،

ملامحه الحادة اتملت بالدهشة..

قلع النظارة وقام وقف وهو بيبص حواليه كأنه بيتأكد إن مفيش حد شافني وأنا داخلة بالمنظر ده "

قرب مني خطوتين وقال بصوت واطي ومشدود :

ـ دينا! في إيه؟ إيه الدخلة دي وإيه اللي جابك هنا؟ حد شافك؟

وقفت في نص المكتب،

ربعت إيدي، وكنت بنهج بقوة.. عيني كانت مليانة نار وغيرة، وقولتله بعصبية مكنتش قادرة أسيطر عليها :

ـ سيبك من حد شافني ولا مشافنيش..

هو ده اللي شاغل بالك؟ جاوبني على سؤالي وبس.. الكلام اللي بيتقال بره ده حقيقي؟

إنت فعلاً ناوي تتجوز "ميرنا"؟

يامن عقد حواجبه،

ملامحه كلها بقت علامات استفهام،

قرب أكتر وبص في عيني بذهول تام وقال بنبرة هادية بس مستغربة جداً :

ـ ميرنا؟! ميرنا مين يا دينا؟ إنتي داخلة عليا وبتسأليني عن جواز، وأنا مش فاهم حرف من اللي بتقوليه.. اهدي وفهميني إيه اللي حصل بره؟

ضحكت ضحكة وجع وعصبية وقولتله وأنا بشاور بصباعي في الهوا:

ـ اللي حصل إن الكلية كلها مبقاش وراها سيرة غير دكتور يامن ودكتورة ميرنا !

الكل بيقول إن خطوبتكم بعد التيرم وكل حاجة جاهزة..

أنا عايزة أعرف الحقيقة منك إنت حالا !

"يامن تنح..

فضلت ملامحه جامدة لثواني، عينه بتتحرك بين عيوني وهو مش مستوعب الحروف اللي بتطلع من بوقي.. كأني بكلمه بلغة تانية خالص"

"خد نفس طويل،

وفجأة ملامحه الجادة بدأت تسترخي،

وظهرت على طرف شفايفه ابتسامة خفيفة حاول يدرايها وهو شايفني قايدة نار..

قرب خطوة كمان، ومد إيده بالراحة خالص عشان يمسك إيدي "

سحبت إيدي منه بسرعة وبصيت له بتحدي ودموعي بدأت تجمع في عيني :

ـ لا يا يامن.. متقربش، جاوبني الأول! الكلام ده صح ولا كدب؟

يامن هز راسه بقلة حيلة،

وصوته نزل لطبقة دافية وناعمة جداً،

وقال وهو بيبص في عيني بحنان غريب :

ـ يا دينا.. ميرنا مين وجواز إيه؟ إنتي بتتكلمي عن إيه بالظبط؟ ده كلام فارغ وإشاعات مالهاش أي أساس من الصحة..

دكتورة ميرنا زميلة في القسم، ومفيش بيني وبينها غير الشغل،

والكلية هنا تحب تطلع قصص من الهوا..

"كلامه الهادي ونبرته المرتاحة دي بدل ما تطفي النار اللي جوايا،

شعللتها أكتر !

حسيت إنه بيستخف بزعلي،

أو شايف إن الموضوع دي حاجة بسيطة مش مستاهلة كل العصبية دي.. "

الهدوء اللي في صوته استفزنى "

خطوت خطوة لورا وأنا ببص له بنظرة كلها غيظ وعتاب :

ـ إنت بتتكلم ببرود كدا ليه يا يامن؟ شايف الموضوع عادي؟ أنا دمي محروق والكلية كلها بتتكلم، وإنت واقف بكل هدوء وتقولي إشاعات؟

يامن ملامحه رجعت جادة تاني، وخد نفس طويل وقال وهو بيخفّض صوته وبيحاول يحافظ على هدوء المكان :

ـ يا دينا، أنا مش بارد، بس بقولك الحقيقة.. دي إشاعات ماليش ذنب فيها،

ومينفعش نكبر الموضوع ونعمل حكاية من مفيش.. اهدي عشان نعرف نتكلم

ـ مش ههدى يا يامن !

وأنا أصلاً غلطانة إني جيت وغلطانة إني سألتك !

"مستنيتهوش ينطق بحرف تاني،

لفيت وضهري ليه وبمنتهى العصبية والاندفاع،

فتحت الباب وخرجت ورزعته ورايا بكل قوتي،

وسبته واقف في نص مكتبه مش مستوعب اللي حصل.."

"مشيت في الطرقة وأنا بمسح دموعى اللي نزلت غصب عني، وكنت بحلف جوايا إني مش هكلمه ولا هعبره لحد ما يحس بيا بجد ويعرف إن زعلي مش لعبة !

"دخلت المدرج ..

وانا دموعي كانت نشفت بس ملامحي كانت جامدة وقاسية كأنها اتنحتت من صخر "

" مشيت بخطوات ثابتة وراسي مرفوعة،

وروحت قعدت في البنش الأول جنب 'هنا' اللي أول ما شافتني شهقت وحطت إيدها على بوقها.."

"سندت كوعي على التربيزة وحطيت راسي بين إيديا وأنا بحاول أتنفس،

وبحاول أطفي النار اللي قايدة في صدري.."

هنا قربت مني وهمست برعب :

ـ دينا! إنتي كنتِ فين؟ ومالك شكلك عامل كأنك راجعة من معركة كدة ليه؟!

"ملحقتش أرد عليها..

صوت كعب عالي ومنتظم بدأ يرن في الممر اللي بره،

وبيقرب من باب المدرج "

" الصوت ده كان كفيل يخلي دقات قلبي تقف..

الباب اتفتح، ودخلت هي! "

"دكتورة ميرنا..

كانت لابس طقم فورمال شيك جداً،

ملامحها هادية وفيها ثقة زايدة،

دخلت وبصت للمدرج كله بابتسامة عملية،

وحطت اللاب توب والورق بتوعها على المكتب.."

"عيني اتثبتت عليها..

كنت ببصلها من فوق لتحت بغيرة عمياء،

غيرة خلتني أحس إن كل حتة فيا بتغلي "

كانت لايقة عليه فعلاً زي ما الطلاب قالوا؟ السؤال ده دب في قلبي زي السكينة "

ميرنا عدلت المايك وقالت بصوت ناعم ومسموع:

ـ صباح الخير يا شباب..

دكتور حاتم مش فاضي النهاردة وعنده اجتماع طارئ مع العميد،

وعشان كدة أنا اللي هديكم المحاضرة دي مكانه..

ياريت كله يفتح الكتاب صفحة 45

"فتحت الكتاب بعنف لدرجة إن الورقة كانت هتقطع في إيدي.."

ميرنا بدأت تشرح وتتحرك بخطوات واثقة ،

وأنا عيني كانت بتراقب كل حركة بتعملها، كل إيماءة، وكل كلمة.. كنت بقارن بينها و بين نفسي، وجوايا صراع ملوش آخر "

"وفجأة،

البنتين اللي قاعدين في البنش اللي ورايا مباشرةً بدأوا يهمسوا بصوت واطي :

ـ شفتي شياكتها؟ بجد تجنن.. دي خسارة في الكلية دي أصلاً..

"وفجأة دكتورة ميرنا وقفت شرح ..

السكوت عم القاعة كلها، ولقيتها لفت وبصت ناحيتي أنا بالظبط..

عينها جت في عيني بنظرة حادة وحازمة "

وقالت وهي بتشاور عليا بالقلم :

ـ الآنسة اللي في البنش الأول.. قومي اقفي !

"هنا بصت لي بخوف،

وأنا خدت نفس عميق وقمت وقفت بالراحة..

بصيت لها بثبات، وعيني متهزتش ثانية واحدة "

ميرنا قست ملامحها وقالت بنبرة فيها توبيخ قدام المدرج كله:

ـ إحنا مش قاعدين في نادٍ هنا يا آنسة.. المحاضرة بدأت وممنوع الكلام الجانبي، اتفضلي ركزي معايا وسيبك من الرغي مع زمايلك !

"في اللحظة دي،

الغيظ والغيرة اللي جوايا من ناحيتها اتقلبوا لبرود مستفز.."

" برود عجيب نزل عليا فجأة كأنه درع هحمي بيه كرامتي.."

رسمت على وشي ابتسامة هادية جداً، باردة،

ومستفزة لأبعد حدود، وقلتلها بنبرة صوت ناعمة وراسية هزت ثقتها :

ـ أنا مكنتش بتكلم يا دكتورة.. ومظنش إن عيون حضرتك خانتك لدرجة إنك متفرقيش بين اللي بيتكلم واللّي ساكت.. أنا سامعة الشرح كويس جداً ومتابعة مع حضرتك "

"ملامح ميرنا اتحولت في ثانية لعصبية.. الابتسامة الباردة بتاعتي وتحدي عيني ليها قدام الدفعة كلها خلاها تتجنن.. "

عروق رقبتها برزت، وقربت من حرف المنصة وقالت بصوت حاد وعالي جداً وبدون وعي :

ـ إنتي قليلة الأدب ومش محترمة!

وبتكذبي كمان قدام زمايلك؟ اتفضلي اطلعي بره المدرج حالا..

ومفيش دخول ليكي تاني طول التيرم !

"الكلام صدم القاعة كلها، ولقيت دموعي بدأت تتجمع في عيني غصب عني..

الإهانة كانت قاسية وصعبة.. وفي نفس اللحظة دي بالظبط.. الباب اتفتح ودخل يامن !

"يامن دخل وخطواته كانت سريعة وقوية،

ملامحه كانت مشدودة وجادة جداً..

أول ما دخل ولمح الجو المشحون، وعينه جت عليا وأنا واقفة ودموعي على وشي"

" ملامحه اتقلبت تماماً..

الغضب ظهر في عينه وعقد حواجبه بقوة.."

"أنا أول ما شفته،

نسيت الكلية، ونسيت زعلي منه في المكتب،

ونسيت البرود والدرع اللي كنت لابساه.. انهرت تماماً.. "

" تحركت من ورا البنش وجريت عليه وأنا بعيط بهستيرية.."

"رميت نفسي في حضنه وانا بعيط بشهق ..

مسكت في قميصه بقوة وعنف كأني عيلة صغيرة تاهت ولقيت أبوها.."

"يامن في ثانية، وبدون تفكير، لف دراعه حواليا وخدني في حضنه بالكامل..

كأنه بيخبيني من عيون الدنيا كلها..

مد إيده التانية وبدأ يملس على راسي بحنان دافي وأمان غطى على كل الخوف اللي جوايا.."

ووطى راسه عليا وهمس في ودني بصوت واطي ورخيم، كله حنية وهدوء يطمن :

ـ هسسس.. اهدي يا دينا.. أنا هنا.. اهدي يا حبيبتي ومتقلقيش.. في إيه اللي حصل؟

كنت بترعش وبشهق في حضنه، وقولت بصوت متقطع ومهزوز ومليان دموع:

ـ يامن.. أنا عايزة أمشي من هنا.. مش عايزة أقعد في المكان ده تاني.. خدني ومشينا أرجوك..

"ميرنا كانت واقفة ورا المكتب ومصدومة.. حرفياً مصدومة.. عيونها كانت طالعة لبره وهي شايفه دكتور يامن،

الحاد اللي مبيسمحش بالغلط، واخد طالبة في حضنه وبيطبطب عليها بالمنظر ده وسط المحاضرة!"

زعقت ميرنا بنبرة ذهول واستنكار عالي:

ـ دكتور يامن؟! إيه اللي بيحصل ده؟ إنت إزاي تعمل كدة في الكلية وقدام الطلاب؟ دي طالبة مستهترة ومش محترمة وكانت بتتكلم في محاضرتي وبتتطاول عليا!

يامن أول ما سمع كلامها،

حسيت بجسمه كله اتصلب تحت إيدي..

عروق إيده اللي لافه حواليّا برزت،

ولف لـ ميرنا وعينه كانت بتطلع شرار أعمى.. "

صوته طلع جهوري وهز جدران المدرج كله لدرجة إن الكل اتنفض في مكانه:

ـ دكتورة ميرنا! الزمي حدودك تماماً وإنتي بتتكلمي! كلمة واحدة زيادة عن دينا وم تلوميش غير نفسك! دينا خط أحمر ومسمحش ليكى ولا لغيرك يمس كرامتها بكلمة واحدة !

ميرنا رجعت خطوة لورا من الرعب وهتفت :

ـ إنت بدافع عنها كدة ليه؟ دي كانت بتتكلم و..

في اللحظة دي، 'هنا' وقفت بسرعة وبكل شجاعة وصوتها مسموع :

ـ دكتور يامن.. دينا مظلومة ومتكلمتش .. البنتين دول ـ (وشاورت على البنتين اللي ورايا ) هما اللي كانوا بيتكلموا، ودكتورة ميرنا ظلمت دينا وهانتها قدامنا كلنا من غير ما تتأكد !

"يامن بص للبنتين،

فنزّلوا راسهم فى الأرض من الخوف،

وبعدين لف بنظرته الحادة ك السيف لـ ميرنا اللي وشها بقى أصفر تماماً ومبقتش عارفة تنطق.."

"يامن شدد من ضمة دراعه ليا، وحسسني بقمة الأمان والانتصار وأنا لسه مستخبية في حضنه "

وبص لـ ميرنا وقال بنبرة قاطعة ومفيهاش نقاش :

ـ دكتورة ميرنا.. حالا،

واعتذار رسمي واضح قدام المدرج كله لـ دينا.. وإلا قسماً بالله الموضوع هيتوجه لعميد الجامعة والتحقيق هيفتح حالا في إهانتك لطالبة بدون وجه حق !

ميرنا بلعت ريقها بصعوبة، وبصت للأرض وبصتلي وعينها مليانة كسرة وغيظ،

وقالت بصوت منخفض ومتحشرج:

ـ أنا.. أنا بعتذر يا آنسة دينا.. حصل سوء تفاهم..

"يامن مسبهاش تكمل، ومستناش رأي حد..

لف دراعه حوالين كتفي وسحبني لحضنه،

وبص للمدرج كله.."

صوته رجع قوي،

واثق، ورزين وهو بيحط حد لكل حاجة قدام الدفعة كلها :

ـ عشان أي قال وقيل ينتهي حالا، وعشان محدش يسمح لنفسه يفسر الأمور على مزاجه..

دينا مش مجرد طالبتى ، دينا تبقى مراتي ، بالتوفيق يا شباب

المدرج كله ساد فيها سكوت قاتل ومذهول،

ويامن ماداهمش فرصة حتى يستوعبوا الكلمة..

سحبني من إيدي ومشى بيا بخطوات سريعة وقاطعة،

وأنا ماشية جنبه بحاول ألاحق خطواته،

ودموعي لسه متحجرة في عيني "

"مشاعري كانت متلخبطة لأبعد حد..

رغم إنه جاب لي حقي قدام الكل،

إلا إن ضيقي من دكتورة ميرنا وموقفها كان لسه مأثر فيا، وزعلي من طريقته معايا في المكتب مكنش هين يروح بالسهولة دي.."

" كنت لسه واخدة على خاطره منه،

والإحساس بالغيرة كان مخلي قلبي مشحون ومش قادرة أصفى له تماماً "

"نزلنا للجراج،

و يامن ملامحه رجعت جادة تماماً ووقورة..

طلع المفتاح ولف فتح لي باب العربية وبص في عيني بنظرة هادية ومليانة اهتمام وقال بصوت منخفض :

ـ اتفضلي يا دينا

"ركبت وسندت ضهري على الكرسي وأنفاسي لسه مش منتظمة من أثر الزعل والموقف كله "

" قفل الباب،

ولف هو وركب.. قفل الازاز وشغل التكييف،

فالمكان بقى هادي تماماً ومفيش فيه غير صوت التكييف "

"درت وشي ناحية الإزاز، وعيني اتعلقت بالطريق بره وأنا غرقانة في سكوت تقيل.."

"كنت متمسكة بزعلي منه وبكل المسافات اللي حطيتها بيننا في اللحظة دي،

وصورة ميرنا والموقف كله رافض يفارق تفكيري.. "

"يامن بيسوق بهدوء وعينه على الطريق،

ومحاولش يفتح كلام، كأنه مقدر حجم العتاب اللي مالي قلبي وسايبني لحد ما أهدى تماماً ونكون لوحدنا في البيت "

"الطريق كله كان عبارة عن هدوء خانق..

هدوء مفيش فيه غير صوت أنفاسي المكتومة ونظرات 'يامن' الخاطفة عليا بين كل دقيقة والتانية وهو بيسوق،

كأنه كان بيقيس مدى غضبي من ملامحي الجامدة المتثبتة على الشباك "

"أول ما العربية وقفت قدام العمارة،

مستنيتهوش يتكلم .. فتحت الباب بسرعة ونزلت،

مشيت بخطوات شبه بتجري، دخلت المدخل وطلعت السلم وأنا بمسح دموع عبيطة نزلت من عيني فجأة من كتر الضغط.. "

"فتحت باب الشقة ودخلت، ومبصيتش ورايا.. جريت على أوضتي، وقفلت الباب ورايا بالمفتاح "

"رميت الشنطة والكتب على الأرض،

وقعدت على السرير وضميت رجلي لصدري وانفجرت في العياط..

عياط مخلط بين غيظ، وغيرة، ووجع.. "

"غيظ من بروده معايا الصبح في المكتب،

وغيرة كل ما أفتكر إن الكلية كلها كانت رابطة اسمه باسم 'ميرنا'..

الإحساس كان تقيل على قلبي، ومكنتش قادرة أستوعب إزاي مشاعري اتطورت ناحيته للدرجة اللي تخليني منهارة كدة لمجرد فكرة إن حد يشاركني فيه "

"بعد دقايق،

سمعت خطواته الهادية بتقرب من الأوضة.."

خبط على الباب خبطات رقيقة،

وسمعت صوته الرخيم الدافي من ورا الخشب وهو بيقول بنبرة مليانة رجاء :

ـ دينا.. افتحي الباب عشان نتكلم.. دينا،

إنتي عارفة إن كلام الكلية ده ملوش أي قيمة عندي،

افتحي ومتعمليش في نفسك كدة"

"حطيت راسي بين ركبي وزودت في البكا عشان صوتي ميوصلوش،

ومرديتش عليه بحرف.. فضل واقف شوية، اتنهد تنهيدة طويلة ومسموعة، وبعدين مشي وسابني "

الوقت بدأ يمر بطيء.. بطيء وممل.. الشمس غابت والدنيا بدأت تضلم،

وأنا زي ما أنا.. قاعدة في ضلمة الأوضة، مش عايزة أولع النور، وجوايا صراع مش راضي يهدى "

"كل ساعة تقريباً،

كان يامن ييجي يخبط بنفس الهدوء، يسأل عليا بصوت واطي:

'دينا .. محتاجة حاجة؟.. دينا، أنا سايبلك الأكل على السفرة لو جعتي'.. ومكنتش برد، كنت بسكت لحد ما يمشي، بس خبطاته دي كانت زي الطبطبة الخفية اللي بتقولي 'أنا واقف هنا مش هتحرك'. "

"الساعة عدت نص الليل.. الجو بقى هسس تماماً، وصوت الهوا بره بدأ يبرد.. "

"حسيت بغصة تعب ناشفة في حلقي،

وجسمي همد من كتر البكا والضغط..

بس فكرة إني أقابل ربنا بالوجع ده كانت بتلح عليا..

قمت بالراحة، لبست إسدال الصلاة بتاعي عشان أصلي، وفتحت باب الأوضة وخرجت بخطوات بطيئة وتعبانة، ونور الشقة كان هادى زى هدوء الليل "

"مشيت ناحية الصالة، وفجأة وقفت مكاني لما شفت طيفه.."

"يامن كان واقف قدام البلكونة، كان بيفرش مصلية الصلاة بالراحة وبيتوجّه ناحية القبلة عشان يصلي قيام الليل..

ضوء القمر الهادي كان نازل من البلكونة ومخلي للمشهد هيبة وسلام غريب.. "

أول ما سمع صوت خطواتي، لف بسرعة وساب المصلية وجري عليا،

ملامحه الحادة كانت مكسوة بالقلق والاهتمام الرهيب، قرب خطوتين منى وسألني بصوت دافي كله حنان :

ـ دينا.. إنتي كويسة؟

بصيت للمصلية وبعدين بصيت له،

وعيني كان لسه فيها أثر الدموع ، ورديت عليه بنبرة جافة ومقتضبة بس واضحة:

ـ أنا كويسة.. وجيت عشان أصلي .. بس ده مش معناه إنى لسه مش زعلانه

"بص في عيني بصدق،

وظهرت على شفايفه ابتسامة خفيفة وممتنة لإن كبريائي ومنعطف زعلنا ممَنعنيش من الصلاة وراه.."

هز راسه بتفهم ووقار،

ورجع مكانه وقال بنبرة هادية تريح النفس :

ـ الصلاة بتريح القلب يا دينا.. تعالى

"وقفت وراه وبدأ يصلي..

صوته في القرآن كان خاشع، رخيم، وبيهز جدران قلبي..

كان بيقرا آيات عن السكينة والرحمة،

وحسيت مع كل سجدة إن الحمل اللي على كتفي بدأ يخف،

وإن ضيقي كله بيتحول لرماد هادي.."

" دعواته في السجود بصوت واطي ومسموع ليا كانت كلها رقة وخوف عليا"

"سلمنا وخلصنا الصلاة..

كنت لسه هتحرك وألم المصلية بتاعتي وأنا ساكتة،

بس صوته وقفني وهو لسه قاعد مكانه على مصلّيته.. "

لف وشه ليا،

وعينه جت في عيني بنظرة كلها حنان ورجاء وقال بنبرة دافية وصافية جداً :

ـ دينا.. خليكي قاعدة على المصلية ثواني.. مش هفتح معاكي أي موضوع، بس مش هنقوم من مكاننا ده من غير ما تسمعي قصة كل يوم

"الحنية اللي في عينه ونبرة صوته المريحة هزتني، فتراجعت وقعدت تاني على مصلّيتي،

وضميت رجلي ليا وأنا ببصله بسكوت وعيون لسه مدمعة بس هديت.."

"يامن عدل قعدته على المصلية، وبص قدامه للهدوء اللي مالي البلكونة،

وبدأ يتكلم بصوته الرزين العذب اللي بيخطفني في ملكوت تاني :

ـ في تاريخ قلوب العظماء .. فيه عهود بتكون أقوى من أي ظروف بره..

السيدة زينب بنت الرسول ﷺ، لما كانت متجوزة أبي العاص بن الربيع،

دارت الأيام وحصلت بينهم فرقة ومسافات وظروف صعبة جداً فرضتها الدنيا عليهم..

وأبي العاص كان لسه على دينه القديم وسط قومه، والكل بيتكلم والظروف كلها ضدهم..

لكن العهد اللي كان بين قلوبهم فضل عايش في السر، مبيتأثرش بالدوشة ولا بكلام الناس اللي حواليهم..

لف يامن وبص في عيني مباشرة،

وعينه لمعت بصدق رهيب وهو بينزل بصوته لنبرة دافية تلمس الروح :

ـ في أشد لحظات الفراق، السيدة زينب بعتت قلادتها الغالية ـ قلادة أمها خديجة ـ كفدية ليه..

لما النبي ﷺ شاف القلادة، عرف عمق الوفاء والعهد السري اللي بين القلوب دي، وقال للصحابة لو تطلقوا لها أسيرها فافعلوا..

ولما أبي العاص رجع مكة، رد الأمانات لأصحابها وأعلن إسلامه وقال كلمة خلدها التاريخ..

إنه مكنش ينفع يرجع لزينب وفي رقبته دين لحد، وصان عهدها في السر والعلن لحد ما رجع لها وبقت دنيته كلها..

الموقف ده بيعلمنا إن القلوب الأصيلة لما بتتعاهد في السر، مفيش قوة في الدنيا ولا كلام ولا إشاعات تقدر تلمس العهد ده..

لإن صاحب العهد بيموت ولا إنه يخون الأمانة اللي في قلبه

"الكلمات نزلت على قلبي، ورغم إنها طبطبت على وجعي وعرفتني مكانتي عنده،

إلا إن كبريائي وزعلي من كل اللي عشته النهاردة مكنش ينفع يروحوا في ثانية.."

" ساد بيننا سكوت طويل.. سكوت تقيل وعيني مثبتة على الأرض،

مكنتش عايزة أبين له بأي شكل إن كلامه أثر فيا أو طفّى ناري تماماً "

"يامن سكت وفضل يراقب ملامحي الهادية والجامدة في نفس الوقت،

وعرف إن بركان الزعل لسه مصفاش ولسه محتاج وقت.."

اتنهد تنهيدة دافية،

وقطع السكوت ده وهو بيبتسم ابتسامة رقيقة وودودة، وقال بنبرة صوت رجولية هادية بيحاول يغير بيها المود:

ـ صحيح يا دينا.. والدك كلمني، وقالي إنه عايزنا نروح معاهم بيت المزرعة في الويك إند ده.. نغير جو.

رفعت عيني وبصيت له..

نظرة هادية، باردة، ومفيهاش أي تعبير عن الرضا.. بلعت ريقي وقولت بنبرة جافة ومقتضبة:

ـ تمام.. مفيش مشكلة

"وقفت بالراحة،

ولميت المصلية بتاعتي بكل هدوء ووقار من غير ما أضيف ولا كلمة"

"وبصيت له نظرة أخيرة خالية من أي عتاب..

نظرة سابته قاعد مكانه مش عارف يفسر اللي جوايا..

ولفيت ومشيت بخطوات بطيئة وراسية ناحية أوضتي "

" وسيبت ورايا علامة استفهام كبيرة هتخليه يلف حوالين نفسه لحد ما يراضيني بجد "

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...