"الكلمات خرجت
من بوقه زي طلقات الرصاص،
جمدت الدم في عروقي "
"وقفت مكاني،
إيدي اللي ماسكة كيس السناكس بدأت تترعش بقوة، والابتسامة اللي كانت مرسومة على وشي اتحولت لملامح ذهول وانكسار "
" بصيت في عيونه،
كنت بدور على "يامن" اللي شجعني الصبح،
اللي ضحك من قلبي لما غرقت وشه بالميه.. "
"بس ملقيتش غير صخر، ملامح جامدة وحادة وكأنه عمره ما شافني قبل كدة. "
"المدرج كله بدأ يهمس، ونظرات الطلاب كانت زي السكاكين بتقطع في كرامتي "
"هنا" صاحبتي
كانت بتبص لي بذهول و
هي حاطة إيدها على بوقها، مش مصدقة اللي بيحصل "
"بلعت ريقي بصعوبة،
وحسيت بغصة في حلقي خنقتني،
وقولت بصوت مهزوز يادوب مسموع :
ـ أنا.. أنا بجد بعتذر يا دكتور.. مكنتش أعرف إن القواعد كدة في أول يوم،
دي أول محاضرة ليا،
وأوعد حضرتك مش هتتكرر تاني.. يا ريت تسمح لي بالدخول
"يامن فضل باصص لي ثواني كانت كأنها دهر،
ملامحه متفسرتش، بس شفت عروق إيده برزت وهو ضاغط على القلم "
"خبط بالقلم على المكتب خبطة واحدة خلت الكل يتنفض "
وقال بصوت جهوري هز القاعة:
ـ بما إننا في أول يوم، وبما إنك قدمتي اعتذار لائق قدام زمايلك.. هعديها المرة دي بس
اتفضلي ادخلي يا آنسة، وممنوع أسمع نفس لحد ما أخلص
"مشيت وأنا حاسة إن الأرض بتهتز تحت رجلي،
روحت قعدت جنب "هنا" وأنا بنهج وكأنني كنت بجري ماراثون "
" يامن بدأ يشرح المحاضرة بصوت واثق ومتمكن،
كان بيتكلم عن الاقتصاد والقوانين ببراعة،
وأنا كنت قاعدة بسمعه بذهول.. "هو ده الراجل اللي كان بياكل معايا على فطار من ساعتين؟".
"طول المحاضرة،
كان بيتجنب يبص ناحيتي تماماً،
وده وجع قلبي وحسسني بكسرة غريبة "
أول ما المحاضرة خلصت،يامن لم ورقه وقال ببرود:
ـ المحاضرة الجاية،
اللي يتأخر ثانية مش هيدخل.. بالتوفيق
"خرج من المدرج من غير ما يرمي نظرة واحدة ناحيتي"
" روحت البيت وأنا جوايا مشاعر ملخبطة،
كنت زعلانة منه، وفي نفس الوقت هيبته خلتني مبهورة بيه "
"دخلت الشقة
وبدأت أجهز الغدا وأنا ساكتة تماماً"
"بعد شوية سمعت صوت المفتاح،
دخل يامن وحط مفاتيحه على التربيزة، وجه ناحية المطبخ"
وقف بعيد شوية
وسند ضهره على الباب وقال بنبرة هادية ورزينة :
ـ خلصتي محاضرات النهاردة يا دينا؟
لفيت له وعيني كانت مليانة عتاب، وقولتله ببرود:
ـ الحمد لله يا دكتور.. بس تقريباً ضاع نصها في الاعتذار قدام الدفعة كلها
يامن خد نفس طويل،
وقرب خطوة وقال بجدية:
ـ دينا،
أنا عارف إن الموقف كان تقيل عليكي،
بس لازم تفهمي حاجة..
بره البيت أنا ليا وضع واسم وتاريخ في الجامعة دي، ومينفعش أكسر القواعد عشان أي حد،
وإلا هفقد سيطرتي على المدرج كله
أنا دخلتك لما اعتذرتِ لأن ده حقك كطالبة، مش لأي سبب تاني
بصيت للأرض وقولت بصوت واطي:
ــ بس إنت كسفتني يا يامن.. حسستني إني نكرة
رد بصوت أهدى وفيه نبرة تقدير:
ـ إنتِ عارفة مكانتك عندي كويس،
بس الشغل شغل..
أنا عايزك تكوني أشطر واحدة في الدفعة،
ومحدش يمسك عليكي غلطة عشان ميبقاش فيه مجال للقال والقيل..
ارفعي راسي بشطارتك والتزامك،
وأنا أوعدك إنك هتلاقي مني كل دعم.. بس جوه قاعة المحاضرات، إنتِ طالبة زي الكل
سكت شوية وبعدين كمل وهو بيحاول يلطف الجو:
ـ يلا،
مش وقت زعل دلوقتي..
الأكل ريحته تجنن، وأنا واقع من الجوع من كتر الشرح
"بصيت له ولقيت ملامحه بدأت تصفى،
فرغم جفافه في الكلية، إلا إن كلامه كان منطقي ويحترم "
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقولتله:
ــ ماشي يا يامن.. الغدا جاهز، بس السناكس اللي ضاعت دي حسابها لسه مفتوح
يامن ضحك ضحكة خفيفة وهز راسه:
ــ مقبولة منك.. يلا بينا ناكل
"خلصنا الأكل ويامن وفى بوعده،
نزل جاب كيس مليان "سناكس" وشوكولاتات من اللي بحبها"
ورجع وهو ماسك الريموت وبيدور على القنوات بحماس غريب،
وقال وهو عينه على الشاشة:
ـ بقولك إيه يا دينا،
النهاردة نهائي كأس السوبر المصري..بين الأهلي والزمالك، تعالي اتفرجي معايا،
أهو السناكس دي تحلى مع الماتش
ابتسمت من تحت لِتحت وقولت بتمثيل متقن :
ـ ماتش كورة؟ ماشي يا يامن، أهو أتسلى معاك وأنا باكل الشيبسي،
بس أنا ماليش في الكورة أوي يعني، هقعد جنبك وخلاص
يامن بص لي بابتسامة "ثقة" وهو بيعدل قعدته وقال:
ـ تعالي يا ستي،
يمكن وشك يكون حلو على الزمالك النهاردة وناخد الكأس.. اقعدي وشوفي اللعب اللي بجد
قعدت جنبه وأنا كاتمة ضحكتي بالعافية،
الماتش بدأ والجو كان مشحون،
ويامن كان قاعد على أعصابه، كل هجمة للزمالك يقوم ويتحمس،
وأنا عاملة نفسي "يا غافل لك الله"،
قاعدة بهز رجلي وباكل في صمت..
بس من جوايا، قلبي كان بيدق مع كل لمسة كورة للاعيبة الأهلي "
"وفجأة..
في الدقيقة 85، هجمة مرتدة سريعة،
الكورة وصلت لـ "على معلول" عدة من وسط المدافعين ورفع عرضية "مسطرة"،
وجيه "وسام أبو علي" وطار في الهوا وحطها "جول" عالمي في سقف الشبكة! "
"في اللحظة دي،
نسيت نفسي، نسيت "دينا" الهادية الرقيقة،
ونسيت إني عاملة نفسي مابفهمش كورة.. "
نطيت من فوق الكنبة وأنا بصرخ بصوت عالي ومن كل قلبي:
ـ جوووووووووووووووول! الله أكبر! يا عالمي يا وسام! جول يا أهلي جول!
"بدأت أتنطط في الصالة وأنا بصفق وبضحك بهستيرية، ونسيت خالص إن فيه "زملكاوي" قاعد جنبي وشُحنة غضب بدأت تطلع منه "
"فجأة سكت ولفيت وبصيت لـ يامن..
يامن كان قاعد مكانه،
ماسك الريموت وباصص لي بذهول تام،
عينه كانت طالعة لبره وكأنه شاف كائن فضائي "
وقال بصوت يادوب طالع:
ـ إيه اللي إنتي عملتيه ده يا دينا؟ ده.. ده جول دخل فينا !
رديت عليه بتلقائية وأنا لسه بضحك وبنهج من الفرحة:
ـ فينا إيه يا يامن ؟ ده لينا إحنا! ده الأهلي يا حبيبي.. ده ملك إفريقيا !
يامن قام وقف
وقرب مني وهو مش مصدق، ورفع حاجب وقال باستنكار مرح :
ـ لينا إحنا؟ إنتي.. إنتي أهلاوية يا دينا؟!
ده إنتي كنتِ قاعدة هادية خالص ومفهماني إنك ملكيش في الكورة!
ربعت إيدي وبصيت له بتحدي وابتسامة فخر :
ـ أهلاوية جداً كمان.. إنت كنت فاكرني قاعدة بكمل بيك العدد؟ لا يا دكتور،
أنا كنت مستنية اللحظة دي من أول الماتش، بس كنت بشوف نهايتك إيه !
يامن سكت لحظة،
وبعدين هز راسه بقلة حيلة وهو بيضحك ضحكته الرجولية الصافية:
ـ يا نهار أبيض..
يعني أنا قاعد بحرق في دمي ومفكرك قاعدة بتواسيني، وأتاريك طلعتى مشجعة أهلاوية و متعصبة !
قربت منه بضحكة شقاوة وقولتله:
ـ أواسيك في أي حاجة يا يامن إلا الكورة..
في الكورة 'الأهلي فوق الجميع'..
مبروك علينا الكأس يا دكتور، وحظ أوفر ليك المرة الجاية !
بص لي بنظرة فيها كمية حنان ومرح،
وقال بصوت دافي وهو بيخطف كيس الشيبسي من إيدي :
ـ ماشي يا دينا..
الكأس ليكوا، والشيبسي ده ليا تعويضاً عن الصدمة دي..
ومفيش سناكس تانية النهاردة عشان تحرمي تخبي عليا إنك أهلاوية كدة !
"ضحكنا إحنا الاتنين،
وحسيت في اللحظة دي إن "يامن" مش بس السكن والأمان، ده بقى "الصاحب" اللي ممكن أختلف معاه وأهزر معاه من قلبي.. "
"البيت لأول مرة يكون فيه الروح دي،
روح دينا و يامن اللي بدأوا يكتبوا حكايتهم بجد بالضحك والشقاوة "
"بعد الضحك والدوشة اللي عملها الماتش،
الجو هدي خالص "
"يامن عمل كوبايتين شاي، وخرجنا قعدنا في البلكونة "
" الدنيا كانت هسس،
والهدوء محاوط المكان،
مفيش غير صوت الهوا الخفيف اللي بيحرك الستارة وريحة الشاي اللي بتدفي الروح "
"قعدت على الكرسي وضميت رجلي وأنا بتأمل النجوم،
و يامن كان ساند ضهره على السور،
باصص للفراغ بشرود وكأنه بيرتب كلام جوا قلبه "
" السكوت مكنش غريب،
كان سكوت مليان تفاصيل بنحاول نستوعبها بعد اليوم الطويل ده"
"فجأة،
يامن لف وبص لي
كانت نظرة عميقة، هادية،
فيها سؤال محشور في حنجرته بقاله كتير "
سكت لحظة وبعدين قال بصوت واطي ودافئ،
كأنه خايف يقطع خيط السكينة اللي حوالينا:
ـ دينا.. إنتِ فرحانة معايا ؟
السؤال خبط في قلبي زي دقة جرس
بصيت له بذهول وقولت بتردد:
ـ فرحانة إزاي يا يامن؟
قرب الكرسي بتاعه سيكا وبقى في مواجهتي،
وعينه في عيني بصدق يخلي الواحد يتحرج يكدب :
ـ يعني.. فرحانة بوجودك هنا، معايا وفي بيتي؟ أنا عارف إن الظروف اللي جمعتنا كانت صعبة، وإنك اتفاجئتِ بيا وبحياتي.. بس يهمني أعرف، هل ندمتِ إنك وافقتِ؟ هل حاسة بضيق وأنا معاكي؟
"بلعت ريقي وحسيت بغصة حنين
افتكرت خوفي أول ما جيت، وافتكرت دموعي اللي مكنتش بتنشف،
وبعدين افتكرت ضحكتنا من شوية،
وأمانه وهو بيمسح على راسي فى وقت الفجر "
نزلت عيني في كوباية الشاي وقلت بصوت ناعم وطالع من أعماق روحي :
ـ عارف يا يامن..
أنا كنت فاكرة إن حياتي انتهت يوم ما بابا قالي على الجوازة دي
كنت شايفة الدنيا ضلمة، وخايفة من الراجل القاسي اللي هعيش معاه..
بس النهاردة،
وأنا قاعدة معاك، اكتشفت إن ربنا كان شايل لي أحسن بكتير مما كنت أتمنى
رفعت عيني وبصيت له بابتسامة صافية:
ـ أنا مش بس فرحانة،
أنا حاسة إني بدأت أتنفس بجد
وجودك، رصانتك، و
حتى 'قسوتك' في المدرج اللي عرفت بعدها إنها خوف عليا..
كل ده خلاني أحس إن ليا سند بجد
أنا مطمنة يا يامن، وده أهم عندي من الفرحة نفسها
"يامن سكت تماماً،
وشفت ملامحه الرزينة بتلين، وعينه بدأت تلمع بلمعة غريبة، كأن كلامي كان هو الطبطبة اللي محتاجها "
مد إيده وحطها على طرف الكرسي جنبي وقال بنبرة مليانة رقي:
ـ وأنا أوعدك يا دينا،
طول ما أنا عايش، مش هخليكي تندمي يوم واحد على الثقة دي
بيتي هو بيتك، وأمانك هو مسؤوليتي الأولى.. نامي وإنتِ مرتاحة، لأن فيه قلب هنا، هدفه الوحيد إنه يشوفك بتضحكي
"الهوا ساعتها كان طعمه سكر، وصوت يامن كان أحلى موسيقى سمعتها في حياتي "
"قمنا دخلنا نقفل البلكونة،
وكل واحد راح لأوضته،
بس المرة دي دخلت سريري وأنا حاسة بدفا في قلبي ملوش حدود "
مر شهر كامل..
"شهر كنت فيه حاسة
إن الدنيا أخيراً صالحتني بجد"
"يامن" مكنش مجرد زوج أو دكتور في كليتي،
كان هو الهدوء اللي جيه يغسل تعب السنين اللي فاتت"
" الأيام اللي عشتها معاه في البيت ده غيرت فيا حاجات كتير أوي..
بدأت أتعود على وجوده في كل ركن،
على صوته الرخيم وهو بينادي اسمي بحنية خفية،
وحتى على فنجان القهوة اللي بنشربه سوا في سكون الصبح قبل ما زحمة اليوم تبدأ "
"بدأت أحب تفاصيله الرزينة، وألاقي نفسي ببتسم تلقائياً أول ما أشوف طيفه داخل من الباب"
" أنا فعلاً بدأت أحب "يامن "، مش بس كزوج فرضته عليا الظروف،
لا.. أنا حبيت روحه، حبيت هيبته اللي بتهز المدرج، وحبيت الحنية والوقار اللي بيحاوطني بيهم بعيد عن عيون الناس "
"جيه اليوم اللي كنت داخلة فيه الكلية مع "هنا"..
كنا بنضحك وبنتكلم في حاجات تافهة،
والضحكة كانت مالية وشي ومنورة ملامحي.
الدنيا كانت شمس والجو حوالينا حيوي ومنعش"
" ومكنتش أعرف إن ده السكون الغدار اللي بيسبق العاصفة"
"واحنا ماشيين في الطرقة اللي بتودي للمدرج الكبير، وقفنا فجأة
عشان "هنا" تدور على قلم ضايع في شنطتها، فوقفت جنبها أسند ضهري على الحيطة وأنا مستنية بملل لذيذ "
" في اللحظة دي،
كان فيه مجموعة من الطلاب واقفين في الركن اللي ورانا مباشرةً،
وصوتهم كان عالي وواضح في هدوء الطرقة "
"أول ما اسم "دكتور يامن" اترمى في وسط كلامهم، جسمي كله اتصلب في مكانه"
"مرفعتش عيني من على الأرض،
بس وداني كانت مركزة مع كل حرف بيطلع منهم وكأنها مغناطيس"
" في ثانية واحدة،
تبدلت ملامحي تماماً، والابتسامة اللي كانت مرسومة على وشي اختفت وحل مكانها شحوب مميت كأني شفت الموت "
"حسيت إن النفس بيتحبس فيه،
ورجلي مبقتش شيلاني، والأرض بدأت تلف بيا"
"وقفت مكاني مذهولة،
والكتب اللي في حضني كنت ضاغطة عليها بقوة لدرجة إن صوابعي ابيضت،
كأني بستنجد بالورق عشان ملمسش الأرض "
"هنا" لفت وبصت لي بخوف لما شافت حالي اتبدل في لحظة، وبدأت تهز كتفي وتنادي اسمي بهمس مرعوب:
ــ دينا.. دينا، مالك؟ فيكي إيه؟
"بس أنا مكنتش سامعة "هنا"، ولا سامعة دوشة الكلية حواليا..
مكنتش سامعة غير "صوت الطلاب" اللي ورايا "
"الكلام كان بينزل على قلبي زي طعنات الخناجر المسنونة، طعنات خلت كل لحظة حب وأمان وسكن عشتها مع "يامن" تتهز وتتشقق وتتكسر قدام عيني في ثانية واحدة..
" وقفت مكاني مسمرة،
والكون كله حواليا اختفى، ومبقاش فيه غير وجع بياكل في روحي من غير رحمة ولا شفقة"
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!