رواية صك السلالة الجزء الثاني 2 بقلم نوري صك السلالةرواية صك السلالة الحلقة الثانية
خرجت من أوضة العمليات وأنا حاسس بهبوط فظيع، ريحة التعقيم وضغط الكام ساعة تحت كشافات العمليات تعبوني، قلعت اللبس الأخضر والكمامة ورميتهم وغسلت وشي بمية ساقعة عشان أطرد الإرهاق دة، لبست قميصي والبالطو بتاعي ومشيت في الطرقة الطويلة لحد ما وصلت مكتبي، قفلت الباب ورايا ورميت نفسي على الكنبة بأرهاق، مسكت التليفون اقلب فيه شوية، أول ما فتحته اتخضيت، لقيت خمس مكالمات من عمتي علية، استغربت لأنها مبتتصلش بيا في وقت زي دة أبداً وكمان أكتر من مرة ورا بعض، اتصلت بيها وأول ما سمعت صوتها قولت
* اذيك يا عمتي، انتي بخير؟ جالي صوتها الهادي والرزين وهي بتضحك ضحكة خفيفة بخير يا حبيبي مفيش حاجة اطمن * الحمد لله، أومال فيه إيه؟ خضيتيني عليكي سمعتها بتتنهد وبتقول بنبرة كلها حنان مفيش يا حبيبي، كل الحكاية إني قولت أكلمك أعرفك إني جاية من البلد بكرا إن شاء الله أقعد معاكم فترة، قولت أغير جو وأشوفكم، وحشتوني أوي يا سيف ملامحي اتغيرت تماماً وفرحت من قلبي، عمتي علية دي غالية عندي أوي
* تنوري طبعا يا حبيبتي، قوليلي ميعاد قطرك كام بالظبط عشان أبعت لك السواق يستناكي بالمحطة، أو أجي أنا بنفسي أخدك ردت عليا وقالت متتعبش نفسك يا حبيبي، خالد هيبعت معايا السواق مش هاجي بالقطر المرة دي * خلاص هنستناكي إن شاء الله، اوعي تغيري رأيك، انتي بجد وحشاني مقدرش طبعاً دة انا ما صدقت اني جاية
أكدت عليها وعرفت الميعاد اللي هتيجي فيه وقفلنا سوا، حطيت التليفون جمبي و الفرحة اللي كانت في قلبي بدأت تنسحب ويحل مكانها علامات استفهام غريبة، عقدت حواجبي وسندت دراعي على راسي وانا بفكر، عمتي علية عمرها ما بتسيب بيتها في البلد ومبتجيش مصر هنا غير في المناسبات الكبيرة أوي، وحتى لما بتيجي مبتكملش يومين وتمشي، إيه اللي يخليها فجأة كدة تقرر تسيب البلد وتيجي تقعد معانا فترة وتغير جو؟
افتكرت كلام بابا الصبح ودعواته ورجعت ربطت الأحداث ببعضها، هزيت راسي بنص ابتسامة وقولت في سري * ماشي يا بابا، بقى هي كدة؟ مش عارف تجيبني فـ بتستعين بعمتي علية عشان تضغط عليا؟ عرفت إن جيتها دي وراها مهمة رسمية تخص موضوع الجواز والخلفة، وحسيت إن الأيام الجاية في الفيلا مش هتستمر بالهدوء اللي كنت بتمناه ” الحارة ”
كان رتم الخطوات وهما راجعين الحارة تقيل، فارس كان شايل ياسين اللي نام من كتر التعب، وليلى ماشية جمبه سرحانة في كلام الدكتور والروشتة الجديدة في إيدها، طلعوا البيت ف اخدت منه ياسين من سكات، قبل ما تدخل بصلها وقال انا هنزل استناكي عند عم جميل، انزلي نقعد شوية عشان نتكلم نشوف هنعمل اية هزت راسها فنزل وقفلت هي الباب، حطت ياسين في سريره وغطته براحة، قعدت جمبه تبص لملامحه وتمسح على شعره بحنية
ـ احمدي يا ليلى، إن شاء الله خير ومش هيطلع في حاجة، بلاش الخوف يضعفك، خليكي قوية عشان يعرف يتسند عليكي، ملوش غيرك بعد ربنا قربت منه وباسته من راسه بشويش، مسحت دموعها وقامت خرجت من الاوضة ومن الشقة كلها، نزلت تحت وكانت الدكاكين بدأت تقفل والهدوء عم الشارع، جميل كان قاعد على الكرسي الخشب قدام دكانه، حاطط إيده على ركبه وأول ما لمحها قام وقف وجابلها كرسي جمبه في اية يا بنتي، اية اللي فارس بيقوله دة انا مش فاهم حاجة
قعدت جمبه بتعب واضح على ملامحها وقالت ـ والله يا عمو ولا انا فاهمة، احنا روحنا لدكتور كبير كشف عليه وبعدين وقف كل العلاج القديم وكتب الدوا دة، وطلب مننا نعمل رسم قلب مقدرتش تمسك دموعها ف حطت وشها بين إيدها وعيطت، قرب جميل كرسيه منها ومد إيده الكبيرة الحنينة وطبطب على كتفها
استهدي بالله بس يا بنتي، العياط دة مش هيحل حاجة وهيهد حيلك وأنتي محتاجة تبقي قوية عشانه، يا بنتي الدكاترة الكبار دول بيبقوا عايزين يطمنوا على كل حاجة بالملي، تلاقيه مجرد إجراء يعني ويطلع الواد زي الفل رفعت راسها وعينها كانت حمرا ومليانة دموع، بصتله وقالت
ـ لأ، كلام الدكتور مريحنيش، وكمان ملامحه، وشه كان مخبي وراه حاجة مش عايز ينطق بيها عشان ميرعبناش، ياسين أول مرة يتعب بالطريقة دي، ياسين شقي ومبيقعدش، إيه اللي يخليه ينام النومة دي كدة من دور برد؟ أنا خايفة، خايفة أوي، هو اللي باقيلي من ريحة أبويا وأمي، لو جرى له حاجة مش هقدر أكمل فارس في اللحظة دي كان قاعد موجوع عليها، باصص لإيدها وهي بترتعش ونفسه يطمنها ويقولها أنا جمبك ومتقلقيش وطول ما أنا عايش مفيش حاجة هتمسك
كان الخوف عليها واكل روحه ومضايق أوي إنه شايفها بتنهار قدامه وهو واقف عاجز مش عارف يطمن الخوف دة بكلمة، خصوصاً بعد السور والحدود اللي حطوها بينهم، لف وشه الناحية التانية وحط إيده على راسه وضغط بقوة كأنه بيحاول يستوعب الصدمة ويفكر في خطوة بكرة، الصمت رجع يلف دكان جميل ومبقاش مسموع في الحارة غير صوت شهقات ليلى الواطية، ودعوات جميل اللي طالعة من قلبه إن ربنا يلطف بالولد الغلبان دة ” المنصورة ـ بيت علية ”
الصالة الواسعة في بيت علية بالبلد كانت غرقانة في هدوء الليل، النور الأصفر الخافت اللي نازل من نجفة السقف الكبيرة كان بيلقي بظلاله على الجدران القديمة، علية كانت قاعدة في وسط الصالة والولاد متجمعين حواليها في مشهد مبيتكررش كتير غير في لمتهم بعد يوم شغل طويل، مروة بنتها كانت ساندة ضهرها على دراع الكنبة وبصالها بزعل وهي بتقول بنبرة معترضة يعني يا ماما ينفع كدة؟ تسيبينا فجأة وتأخدي بعضك وتروحي تقعدي في مصر عند خالو عز؟
الشقة هتبقى وحشة من غيرك بصتلها علية بابتسامة حنينة وقالت يا حبيبتي أنا حابة أغير جو شوية وأشم هوا جديد بدل قعدة البيت وحبسته دي، انتي ناسية إنكم طول النهار برة في أشغالكم وكلياتكم وبفضل من النجمة لحد المغرب بطولي في الشقة مش سامعة غير صوت التليفزيون؟ روحتي لخالكم عز منها ونيس ليا وتغيير عتبة ومنها أطمن عليه وعلى سيف
في اللحظة دي، دخل خالد ابنها الكبير من باب المطبخ وهو شايل في إيده كوباية شاي، ملامحه كانت شبه ملامح أبوه في جديته وهدوءه، قعد على الكرسي وبص لأخواته اللي كانوا لسة هيمدوا في الكلام والمعارضة وقال بنبرة حاسمة لكن كلها حنية
سيبوا ماما تروح وتغير جو على راحتها، دة حقها وبزيادة كمان، أمنا من يوم وفاة بابا الله يرحمه وهي مخرجتش من البلد ولا شافت الشارع وقافلة على نفسها وعلينا ومبتفكرش في راحتها خالص، سافري يا ماما وانبسطي وربنا يرجعك لينا بالسلامة اول ما سمعت كلامه ملامحها نورت وضحكتها وسعت يسلم من رباك يا خالد يا ابني، طول عمرك عاقل وتفهم في الأصول، أنت حبيبي وسندي في الدنيا دي بعد ابوك الله يرحمه
ابتسم ورجع يشرب من كوباية الشاي، ومروة وباقي الإخوات لما شافوا نظرة الفرحة في عين أمهم وكلام خالد الحقيقي، سكتوا وبدأوا يهزوا راسهم بالموافقة، والاعتراض الخفيف اللي كان على وشوشهم تحول لابتسامات رضا واستسلام لرغبتها، حست علية بغلاوتها في قلوبهم ف فردت دراعاتها ليهم وهي بتضحك تعالوا .. تعالوا في حضني هنا، دة أنا كلها كام يوم وراجعة لكم تاني مش مهاجرة يعني
قربوا منها كلهم ف ضمتهم ليها بكل قوتها وبحب كبير وهي بتدعيلهم في سرها إن ربنا يحفظهم، وعقلها في نفس الوقت رجع يفكر في مشوار مصر والمهمة اللي عز كلفها بيها بخصوص سيف ” الحارة ”
تاني يوم، ليلى كانت نازلة على السلم ورا فارس اللي كان شايل ياسين وعيونها دبلانة من قلة النوم والسهر طول الليل جمبه، لفة طرحتها بإهمال وكل اللي عيونها مركزة معاه وشايفاه كان اخوها وهو بيتنفس، دعت في سرها إن ربنا يسترها في المشوار دة ويطلع تقرير رسم القلب سليم ومفيهوش حاجة قدام دكان جميل الصغير، كان واقف في محله مع جليلة ام فارس بيحضرلها طلبات بيتها زي كل يوم، بصت على علبة السمنة وقالت
لا لا يا عم جميل بلاش النوع مبحبوش مع إن كل ستات الحارة بياخدوها عشان سعرها كويس، لكن طعمها استغفر الله حاضر يا ستي عينينا تسلم
أول ما لفت وشها لمحت ماشي قدام ليلى و شايل ياسين وفي طريقهم لأول الشارع، ملامحها اتغيرت في ثانية وعقدت دراعاتها قدام صدرها وفضلت عيونها متابعة الموقف لحد ما التلاتة اختفوا من الشارع الرئيسي عشان يركبوا العربية، اتنهدت بزعل وحسرة على حال ابنها اللي شايفاه بيضيع وقته وعمره ورا سراب، شافها جميل واستنتج سبب ضيقها، مسح إيده في الفوطة اللي على كتفه وقرب منها خطوتين وقال بنبرة هادية
خير يا أم فارس، وشك اتقلب كدة ليه وأول ما شوفتي العيال؟ لفتله وبان في صوتها الضيق وقالت مضايقش ازاي يا عم جميل وأنا شايفة ابني الوحيد بالمنظر دة؟ الوضع دة مش عاجبني، فارس حاطط نفسه في قالب مش بتاعه ورايح جاي ورا ليلى منين ما يروح أخدت نفس وبصت للناحية اللي مشيوا منها وكملت بحرقة أم انا عايزة ابني يشوف حاله ودنيته بعيد عنها خالص يا عم جميل، البنت مش عايزاه وقالتهاله يبقى إيه لازمته الحال دة
سمع كلامها وسكت، راح جابلها كرسي تقعد عليها وقعد قصادها وهو بيقول بعتاب خفيف ليه التفكير دة يا أم فارس، انتي عارفة إن ابنك راجل من ضهر راجل واللي بيعمله دة هو الصح الأصول اللي اتربى عليها، ليلى بطولها في الدنيا ملهاش لا أخ كبير يسندها ولا أب يشيل عنها الهم في وقت زي دة، وأخوها الصغير بيموت بين إيدها، تفتكري الرجولة والجدعنة بتقول إن فارس يتخلى عنها ويقفل بابه ويقول وأنا مالي عشان هي مش عايزة تتجوزه؟
هو مش مستني منها مقابل ولا بيقايض وقفته دي بجواز بس انت عارف أنه نفسه توافق بس هي رفضت، ودة حقها، وهو احترم دة وركنه على جنب واللي بيحصل دلوقتي عشان خاطر ياسين وبس مكنتش راضية عن الكلام، حست بنغزة في قلبها لأنها لسة شايفة إن ابنها بيتهان، ومعجبهاش منطقه ولا دفاعه عن ليلى، كانت عايزة ترد وتجادل وتقول إن قلب الأم بيوجعها على ابنها لما يشوفه مكسور الخاطر، لكنها سكتت
انا مش بقول انك غلطانة. في خوفك عليه وانك عايزة تفرحي بيه، بس دة ملوش دعوة باللي بيعمله، هو عرض الجواز، وهي رفضت، وهو صمم يكون جمبها في أزمتها، ودة تصرف رجولي شايفه منه، المهم ان بعد الأزمة دي، يشوف هو طريقه ويسيبها لطريقها، لأنهم مش هيتلاقوا في طريق واحد أبداً هزت راسها وبصت قدامها وهي بتقلب كلامه في دماغها، قام يجهزلها باقي حاجتها ولما خلص خدتها ومشيت من سكات وجواها لية مش راضي عن اللي بيحصل ” ڤيلا سيف عز الدين ”
كانت أوضة السفرة الواسعة في الفيلا غرقانة في هدوء الصبحية والهدوء اللي مبيقطعوش غير زقزقة العصافير الخفيفة، فوق السفرة، كانت أطباق الفطار مرصوصة بنظام وعناية شديدة وقدامهم فنجان قهوة سيف اللي بيطلع منه بخار خفيف بيدوب في الهوا البارد، عند راس السفرة كان قاعد عز على الكرسي المتحرك اللي بقى جزء من تفاصيل يومه وحياته، ملامحه الوقورة كان باين عليها مزيج غريب من الترقب والهدوء المصطنع كأنه بيرتب لكلام جواه، وعلى الناحية التانية كان سيف قاعد بجسمه الرياضي المفرود، لابس قميص أزرق هادي متني كمامه بخفة وماسك الشوكة في إيده بيمررها في طبقه ببطء شديد وعقله لسة مستحضر مكالمة عمته، اخد عز نفس طويل وحاول يكسر الصمت اللي مالي الأوضة وقال
صحيح يا سيف، نسيت أقولك إن عمتك علية كلمتني امبارح بليل وقالتلي إنها جاية من البلد النهاردة، بتقول إنها هتيجي تقعد معانا فترة هنا في الفيلا، أنا عن نفسي مستغرب أوي من الزيارة المفاجئة دي، عمتك دي من يوم وفاة جوزها وهي مابتسيبش بيتها خالص
اترسمت على شفايف سيف ابتسامة خفيفة وراها فهم كبير لخبث أبوه ومحاولته الذكية إنه يرمي الشباك ويلعب الدور من غير ما يبان إنه هو المحرك الأساسي أو إنه مرتب حاجة، رفع راسه بالراحة وعينه جت في عين عز مباشرة بنظرة خلته بتوتر وقال * بصراحة يا بابا أنا كمان مستغرب جداً، عمتي علية فجأة كدة تسيب البلد وتيجي، وتقعد معانا فترة كمان، إيه السر يا ترى في الزيارة دي؟ بلع ريقه واتنحنح عشان يسلك صوته ويحاول يرجعه لهدوءه وهو بيقول
السر؟ سر إيه بس يا ابني اللي هيكون موجود؟ تلاقيها عادي يعني زهقت من القعدة بطولها في البيت هناك، وولادها كل واحد في شغله ودنيته، هو يعني لازم يكون فيه سر عشان أختي تيجي تزورني وتطمن عليا وعليك
مد ايده ومسك فنجان القهوة السادة المحطوط قدامه ورفعه لحد بقه وأخد منه رشفة بطيئة وعينه ثابتة بطرفها بيراقب تفاصيل ملامح عز المرتبكة واللي حاول يداريها بالجرنال اللي في أيده كأنه غرقان في قراءة الأخبار والمنشيتات العريضة، بس الحقيقة إنه كان بيهرب من العيون اللي بتقرأ أفكاره بوضوح، أدرك سيف إن اللعبة خلصت لحد هنا وإن والده جاب آخره ومش هيتحمل ضغط أكتر، دفع كرسيه لورا بخفة وقام وقف بطوله وهو بينفض قميصه وقال
* طيب عن اذنك يا بابا، انا هتحرك بقا عشان هبدأ بدري النهاردة وفيه كذا حالة مستنياني نزل عز الجرنال وبصله وقال ماشي يا حبيبي، بس اسمع، متتأخرش النهاردة في المستشفى عشان تكون في استقبال عمتك بالليل * حاضر يا حبيبي مش هتأخر إن شاء الله اتقدم ناحيته وانحنى براسه وباس أيده وبعدها خرج، وبمجرد خروجه، رمى عز الجرنال على السفرة بإهمال وهز راسه بذهول ممزوج وقال ولد سوسة بصحيح مبتعديش عليه حاجة، بس على مين، وراه لأخر نفس
” احدى المستشفيات ”
أوضة رسم القلب كانت مليانة اجهزة كبيرة تقلق وريحة المعقمات كانت مالية المكان، ليلى كانت واقفة جوا الأوضة ساندة على الحيطة وعيونها متثبتة على السرير اللي نايم عليه ياسين، وعلى الأقطاب الكهربائية والسلوك الملونة ودكتور الأشعة وهو بيظبط الشاشة والورق اللي هيطبع عليه النبض، رجعت تبصله ف حست بخوفه، وبدون ذرة تردد قربت منه تمسك ايديه الباردة، بدأت الممرضة تحط الچل على صدره ف بص ل ليلى بعيون دبلانة، مسحت على شعره وقربت منه وقالت
ـ أهدى يا حبيبي، مفيش حاجة تخوف خالص، انا جمبك هز راسه وسكت، وفضلت هي تدعيله ربنا يخفف عنه ويحفظه
برة الأوضة، في الممر الطويل والمحمل بالصمت والانتظار، كان فارس واقف وعينه متثبتة على الباب الخشب المقفول اللي جوة منه ليلى وياسين، ملامحه كانت شايلة هموم الدنيا كلها، كان نفسه في اللحظة دي يكون معاها ويدخل يقف جمبها يشيل عنها الخوف دة كله ويمسك إيدها ويقولها أنا ساندك ومتخافيش، بس السور والحدود اللي اترسمت بينهم كانت مخلية خطوته تقيلة ومتكتفة، حس بعجز الراجل اللي شايف البنت اللي بيحبها من كل قلبه بتنهار من الخوف وهو مش قادر يقدملها غير وقفة في ممر مستشفى وانتظار ملوش ملامح
بعد دقايق طويلة كأنها سنين، صوت الجهاز صفر يعلن إنه خلص قراءة ونبض، بدأ الدكتور يشيل الأقطاب والسلوك من على صدر ياسين بالراحة، مسحت ليلى صدره بالفوطة من بقايا الچيل وعدلتله هدومه وقميصه الصغير وشالته بين دراعاتها بخفة وحنان كأنها بتخبيه جوا ضلوعها من الدنيا كلها، فتحت باب الأوضة وخرجت وأول ما فارس شافها خطى ناحيتها بسرعة وقال طمنيني؟
هزت راسها بتعب من غير ما تنطق بكلمة، أخد منها ياسين براحة عشان يشيله عنها ومشى جمبها لحد ما وصلوا لـ كراسي الانتظار في آخر الممر، قعدت بتعب ورمت ضهرها لورا وحدته منه في حضنها عشان يفضل مطمن، وبالفعل غمض عينه واستسلم للنوم، فضلت باصة للفراغ قدامها، عقلها كان عمال يلف في دواير مرعبة، فارس كان قاعد على الكرسي اللي جمبها مشالش عينه من على وشها ثانية واحدة، الوجع اللي في ملامحها كان بيكسر في قلبه ميت حتة ومش عارف يخفف عنها ازاي، مد ليها أيده بعصير وقال
وحدي الله يا ليلى، العياط والسرحان دة مش هيعمل حاجة غير إنه يهد حيلك وانتي محتاجة تبقي قوية عشانه يا ستي إن شاء الله مفيش حاجة وهيرجع معانا كويس كانت سامعة كل كلمة بيقولها، بس الخوف كان أقوى وأكبر من أي طمأنة يديهالها، هزت راسها وفضلت ساكتة ف سكت هو كمان، و فضلوا مستنيين في صمت المستشفى البارد لحد ما التقرير يجهز والوجهة الجاية تبان ” العيادة ”
صوت تكتكة الساعة اللي على الحيطة كان عامل زي الشاكوش اللي بيخبط في نفوخي، قاعدين على الكراسي الخشب والظرف الكبير اللي جواه رسم القلب والتقرير محطوط على رجلي، الممرضة كانت بتتحرك حوالينا ببرود مستفز، تفتح دفتر وتقفل ملف، وأنا عيني مش مفارقة باب أوضة الكشف، لحد ما حنت علينا وفتحت الباب وقالت اتفضلوا، دكتور عماد مستنيكم
قومنا ودخلنا في لحظتها، الدكتور كان قاعد ورا مكتبه و أول ما شافنا ابتسم وشاورلنا نقعد، وكأن ابتسامته دي عشان يطمني انا بالذات، قعدت واديته الظرف على طول، مسكه وفتحه ببطئ شديد كان بيقطع فيا، عيني كانت بتراقب تعابير وشه بتوتر، وعلى الورقة اللي في إيده، خطوط طالعة ونازلة مِش فاهمة منها أي حاجة طبية، بس فاهمة بفطرتي إن النبض دة هو عمر أخويا، وأن شكل الخطوط دي مش مريح الدكتور إطلاقا، بلعت ريقي بشويش وسألته بهدوء وكلي امل يطمني
ـ خير يا دكتور؟ طمني قلع النضارة بالراحة ورماها على المكتب وهو بيتنهد، بص في عيني مباشرة وقال بنبرة هادية بس جادة وخالية من أي تجميل
الحقيقة انا هكون صريح معاكي عشان مفيش وقت نضيعه والموضوع مش حمل تأخير، السخونية الجامدة اللي جت لياسين من يومين مكنتش دور برد عادي زي ما افتكرتوا في الأول، السخونية دي كانت بسبب ميكروب شديد، وللأسف الميكروب دة وصل للدم وعمل حاجة اسمها التهاب حاد في عضلة القلب، دة السبب اللي مخلي الولد همدان تماماً كدة مش قادر يتحرك ولما بيمشي خطوتين مبيقدرش يكمل لأن عضلات قلبه بقت ضعيفة ومرخية ومش قادرة تضخ الدم لباقي الجسم بالشكل الطبيعي
حسيت بطنين شديد في ودني حجب عني باقي أصوات الأوضة، الدنيا لفت بيا وعيوني دمعت، قلبه تعبان ومش قادر يضخ الدم؟ دة لسة صغير وعضمه طري على الكلام دة، فارس مكنتش صدمته تقل عني في شيئ، لكنه كان اسرع في تخطيها طب والعلاج يا دكتور؟ إيه المطلوب نعمله دلوقتي؟ سحب كارت صغير من علبة جلد محطوطة على مكتبه ومسك القلم وبدأ يكتب وهو بيقول
الحالة دي مش تخصصي للأسف، والدوا اللي كتبته بليل دة كان يادوب يهدي الأعراض لحد ما نشوف رسم القلب ونقطع الشك باليقين، ياسين محتاج دخول رعاية مركزة للأطفال فوراً، ومحتاج دكتور متخصص كبير في جراحة وقلب الأطفال يباشره بنفسه وبأسرع وقت قبل ما يحصل مضاعفات، أنا هحولكم على مستشفى تلحقه منكم بسرعة، هتروحوا هناك بالتقرير دة تسألوا عن دكتور سيف عز الدين، دة من أشطر دكاترة جراحة القلب وهو الوحيد اللي هيعرف يتصرف في الحالة دي صح بأمر الله
مد إيده بالكارت الأبيض الصغير ليا ف اخدته وصوابعي بـترتعش، خرجنا من الأوضة وأنا مش شايفة ولا سامعة اي حاجة، عيني كانت مِتثبتة في نقطة واحدة بس ومبتتحركش عنها، الكارت اللي بين صوابعي، مبقاش فاضل في وعيي ولا عقلي غير السطور السودا المكتوبة بخط الدكتور السريع على الكارت العنوان .. رقم التليفون .. والاسم اللي اتطبع في دماغي وبقى هو أملنا الوحيد الدكتور ” سيف عز الدين “ لو عايز الرواية كاملة اضغط على : (رواية صك السلالة)
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!