الفصل 2 | من 8 فصل

رواية سكن مشترك الفصل الثاني 2 - بقلم نورهان علام

المشاهدات
35
كلمة
3,142
وقت القراءة
16 د
التقدم في الرواية 25%
حجم الخط: 18

اقنعني بكلامه، وفعلاً عملت اللي اتفقنا عليه، وحددوا ميعاد خطوبة فعلًا، وطبعًا دا بإصرار الأهل، أنا مكنش فارق معايا أوي، وهو أصلًا رافض خطوبة واختلاط وأغاني. اتفقنا أنا وهو إننا نعمل حاجة في بيتنا بسيطة بين أخواتنا وأصحابنا وبس، حتى هو محبش يعزم حد من أصحابه عشان الكل بنات في بنات. نزلت اشتريت فستان بسيط للخطوبة، ومنال مُصِرّة نعمل ماتشينج:
“بصي النبيتي دا حلو وهادي زي ما إنتِ عاوزه، وهو يشتري قميص نبيتي وبنطلون كلاسيك بيج.”
كان رأي منال اللي متحمسة أكتر مني شخصيًا للخطوبة وكل التفاصيل:
“فعلاً الفستان حلو.. بس…”
“مافيش بس! ادخلي قيسي.”
دخلت أقيس الفستان فعلًا، الفستان حلو جدًا، لكن مش حساه حلو عليّا، يمكن على حد غيري هتبان حلاوته، لكن منال وهي بتنبهر بشكل مبالغ فيه هي وقمر أختي اللي قالت بحماس:
“حلوة بطريقة متتصدقش، يا بخت فارس بيكي.”
“آه والله يا قمر… صبر ونال واحدة أجمل من القمر.”
كان رد منال على قمر. مكنتش مقتنعة بكلامهم، هم أخواتي طبيعي يشوفوني حلوة عشان بيحبوني، لكن من الإصرار أخدنا الفستان فعلًا، وكان المفروض في نفس اليوم نشتري الذهب.
وفعلًا روحت أنا وهو وبابا وأمهاتنا، وعشان الزحمة محدش من البنات جه معانا. كان واقف جنب بابا بيتكلموا وأنا واقفة بين كريمة وماما وهما بيقولوا:
“بصي الدبلة دي يا غالية، تقيلة وحلوة.”
“فين دي اللي تقيلة يا سعاد… هات يا ابني دبل أتقل من كدة… دي لو غسلت بيهم طبقين ولا حلة تتعوج في إيديها.”
ضحكت بصراحة، مين يصدق إن اللي بتتكلم دي أم العريس، واللي ردت عليها دلوقتي بالكلام دا أم العروسة:
“ماهي حلوة أهو يا كريمة، خليها تلم الدنيا مع الواد، لسه قدامه مصاريف شقة وتوضيب وعفش.”
“وتلم الدنيا ليه؟! دا الغالي كله رخيص قصاد غالية، وبعدين أخواتها وبناتي اللهم بارك جايبين دهب بشيء وشويات، هي أقل من حد يعني؟”
بصيت لكريمة اللي ردت على كلام ماما، مش مصدقة اللي بسمعه، فرحتها بيا وبفارس. زعلانة إن الموضوع مش حقيقة، ياريته كان خطب واحدة بيحبها فعلًا كانت تعيش أجمل أيامها وسط عيلته.
“وروني اخترتوا إيه؟”
كان سؤاله وهو جاي يقف جنبي بينقذني من رغيهم، فهمست له:
“أنا نسيت أسألك بجد، آسفة، أمي وأمك عاوزين حاجة تقيلة ومش راضين بالحاجات البسيطة اللي بختارها.”
بصلي باستغراب وهو بيقول:
“وتختاري حاجات بسيطة ليه؟!
أنا الحمد لله عامل حسابي بزيادة، شوفي إيه يعجبك وهاتيه، متشليش هم حاجة.”
“هم إيه يا فارس؟!
حرام تكلف نفسك كل الكلام دا، ضحك على الدقون، إحنا عارفين اللي فيها.”
ضحك لي وهو بيقول:
“آه لو يعرفوا الحوار اللي داير بينا دلوقتي… شكلنا حلو في عيونهم وإحنا بنتهامس كدة… على العموم، إحنا مش بنتجوز كل يوم، وللأسف لما ناخد ألقاب مُطلقين مش هتعرفي تعيشي الحاجات دي من تاني، فاستمتعي.”
هو الراجل دا بجد بيفكر إزاي؟!
اخترت دبلة ومحبس شكله حلو فعلًا، وفي نفس الوقت حبيت قد الإمكان ميكونوش غاليين، وبعد ما اخترت كانوا مُصرّين أشوف خاتم أو إسورة بخاتم، لكني عرفت أخلع منهم، وللأسف أصلًا اللي اخترته طلعوا بمبلغ كبير وهو وقف دفع بسلامة صدر مش طبيعية. وعدّى أربع شهور كان بيتعامل فيهم فعلًا أكنه خطيبي، بيجي يزورنا ويشتري هدايا ليا ولماما، رغم إن البيت كله قال له من لحظة الاتفاق إنه ميكلفش نفسه بأي حاجة من الكلام دا.
=====================================================================
كنت بجهز عشان هننزل نشوف الشقة، هي أصلًا في العمارة اللي عايشين فيها، لكن فوقيهم بدورين. الشقة اللي على بابها قولت له: تعال نتجوز. دخلنا، كانت مفروشة فرش بسيط جدًا جدًا لأنه كان بيقعد يذاكر ويشتغل فيها من سنين، رغم إنه طول عمره رافض يعيش فيها لأن المنطقة شعبية وكان عاوز يعيش بعيد، لكني أقنعته إن الموضوع مش مستاهل وإنه كدة كدة هيسافر. كان بيوريني الشقة هو وكريمة، ومنال بتزغرد بفرحة، وهو مال ناحيتي وهو بيسألني:
“المكان مريح بالنسبة لك؟”
بصيت بوجه لأول مرة من ساعة الخطوبة، استغراب وحيرة، الكل بيقول في موقف زي دا: الشقة عجباكي؟ التقسيمة، المساحة، الأوض، يسأل عن الديكور اللي عاوزه، لكنه سأل عن راحتي، سأل بطريقة جميلة كأنه عاوز يقول: لو مش مرتاحة هنغيرها. والغريب فعلًا إني ارتحت جدًا لما دخلت الشقة، حسيت إن الحيطان مألوفة وواسعة عليّا، سيبالِي مساحة أتنفس، بيوت العالم كله حساها بتطبق على قلبي عكس هنا، النفس خرج ودخل بشكل مريح. سكت شوية وأنا بنطق بصوت هادي وعيوني على الحيطان:
“الشقة حلوة.”
“أنا مقولتش حلوة.. أنا بسألك حسيتي براحة هنا؟”
هزيت راسي بأيوه، فابتسم وسابني أكمل الجولة في الشقة براحتي. وبعد أيام كان في البيت عندنا معزوم عادي عشان مش بيشوفني طبعًا غير في البيت.
“أنت كدة عقدك ينتهي كمان شهرين صح؟”
كنت قاعدة بحسبها، أصل الفرح كمان شهرين ونص، الفرح برضو اللي اخترنا مكان هادي وبسيط وصغير نعمله فيه، أنا كنت بحسب الأيام اللي هنضطر نعيش فيها سوا قبل ما يسافر… حوالي ٢٣ يوم، كتير.. كتير أوي، لكنه تقريبًا كان في كوكب تاني لما قال:
“إحنا عاوزين نكتب الكتاب الأيام دي، حبيت آخد رأيك عشان لو تمام أكلم أبوكي، أصلًا أبويا وأمي اللي عرضوا الفكرة وحبيتها.”
“حبيت إيه؟!
وإيه لا ميتة كتب الكتاب بدري؟!
مش ميتين في داديب بعض يعني، والضوابط مقيدانا، دا كدة أحسن، تخيل لو كاتبين كتاب هيعملوا فينا إيه!”
ضحك وهو بيرد عليّا وقال:
“أمك هتاخدني من إيدي وتقولي: انزلوا اخرجوا شوية واتهوا.”
“وأمك لما منال تيجي بعيالها هتقولي: تعالي قضي السهرة معانا.”
“سيبك منهم… أنا شايف إن دا صح وفي صالحنا، الكل مستغربنا، بنتعامل أكننا اتنين قرايب زمايل، مش اتنين هيتجوزوا بعد كام شهر.”
“عاوزني أتعامل إزاي يعني؟!
دا أنت نفسك كلمتني عن الضوابط وكلام ملوش علاقة باللي بينا.”
بصلي بغرابة زي كل بصاته لما بقول كدة، أكنه بيهاودني وبياخدني على قد عقلي، يمين شمال. مكنتش عاوزة كتب كتاب بدري عن الفرح، بس الفأس وقعت في الرأس، وفعلًا الكل عجبهم أوبشن إن ليه نستنى على الفرح شهرين ونص؟
حددنا ميعاد كتب الكتاب آخر الشهر… كتب كتاب وبس، مافيش فرح، أو يُعتبر إن دا الفرح، يعني مش هروح على بيت بابا بعده… ودا أكتر حاجة خوفتني.
===================================================
كنا بنلف على فستان كتب الكتاب، مشاعري كانت تايهة، كل ما أقيس فستان كنت بسرح، حلمت ألبس قبل كدة؟
تقريبًا ولا مرة زمان بصيت للي كنت مرتبطة بيه وحسيت إن آخرة الطريقة دي جواز وفستان أبيض وبيت يجمعنا، كلام بيتقال لكن عمري ما قلبي حس بيه، مكنش فيه نبضاته سريعة ونفس متقطع أكن الهوا بيخلص من المكان، زي لما كنت

بقيس الفساتين وعيوني تقع عليّا في المرايا.
معقول؟
كل حاجة حواليا أكنها حقيقة، تعاملات فارس، فرحة أهلنا، الحاجات اللي يختارها يوميًا أكني فعلًا بتجوز مش داخلة سكن مشترك، رهبة جميلة أوي حسيت بيها لما لبست آخر فستان، اللي عجبني فعلًا، وحسيته… أكنه معمول عشاني، حساني حلوة فيه، إحساس فيه مليون ذرة شك لكني حسيته، ودا إنجاز زي ما إسراء بتقول.
===============================
خلصنا فستان كتب الكتاب، بدأ الصنايعية يشتغلوا في السطح بتاع بيتهم عشان هنعمله عليه عشان هو واسع، كان فاضل يومين وكنت بشوفه يوميًا بحكم حاجات كتير تجمعنا، وما صدقت وقفنا لوحدنا والكل مشغول جنبنا وقولت:
“فارس، في حاجة مهمة عوزاك فيها.”
حط موبايله في جيبه مرّة غير ما حتى يقفل الشاشة وهو بيقول بانتباه واهتمام:
“في حاجة مش مريحاكِ؟ حاجة ضيقتك؟”
هو ليه كدة؟
ليه على طول مركز على راحتي، بيسأل عنها، واخدها أولوية في كل الاختيارات؟ هزيت راسي إن فعلًا في حاجة مش مريحاني فقال بسرعة:
“إيه هو طيب ونغيره أو نلغيه.”
بصيت في الأرض بحرج، بس دي حاجة مش مريحاني وخاوفني كمان، لكني قولتها بكل وضوح:
“حضن كتب الكتاب… مش هيبقى مريح بالنسبة ليا، اخلع منه بأي طريقة.”
ابتسم ونبرته كان فيها حنية وضحك وهو بيقول:
“بحسك بتطلبي المستحيل… دي حاجة الكل بيعملها، ألف علامة استفهام هتحصل لو الحضن دا محصلش، من عيوني معملوش، لكن هتلاقي أمك وأمي يسحبونا سحب، ممكن أخليه بسرعة، ألغيه وأعمل أي حركة قُرب تاني مضايقكيش، تخيلي كدة اتنين المفروض مبسوطين في خطوبتهم، متفقين جدًا واختاروا شقتهم على مزاجهم… فعلًا شكلنا من بعيد وإحنا سوا حلو أوي، يخلي أي حد يصدق إن دول مش بيحبوا بعض بس عاوزين بعض، هيبقى أغرب حاجة ممكن تتشاف إن يوم كتب كتابهم يتعاملوا عادي ناقص يسلموا على بعض ويقولوا مبروك… المفروض أي اتنين مخطوبين يتمنوا اللحظة اللي هيبقوا فيها في حلال بعض… صدقيني لو دا محصلش هييجي من وراه أسئلة كتير وحاجات إحنا في غنى عنها.”
كلامه كالعادة مقنع، لكنه قالي إنه مش هيتقل ولا يطول، وكمان هيحاول أول ما يكتبوا الكتاب يبوس راسي وناخد سيلفي وإحنا قريبين بدل الحضن، وبعدها نروح بقى لأهلنا.
وجي اليوم اللي كنت بترعش فيه من أوله لآخره، توتر وحيرة، ودماغي مش بتوقف أسئلة وضغط، اخترتي صح؟
فارس فعلًا شخص كويس زي ما إنتِ فاكرة، ولا هتبان حقيقته غير اللي هي فكراها لما تبقى مراته؟ هيفضل على اتفاقهم وميستناش منها أي حاجة تقدمها؟ مكنتش معاهم، الكل هايص وفرحان وهي شاردة، كانت في الكوافير من الصبح بدري، متعرفش ليه قالوا لازم تروح رغم إنها متفقة مع فارس على إن مافيش نقطة ميكب تتحط، لكن أخواته وأخواتها مُصرّين يروحوها ويعملوا شعرهم رغم إن برضو كلنا محجبات، ومافيش واحدة من أخواته حتى المتحولة تتجرأ تبين خصلة من شعرها في وجوده أو غيابه.
خلصت شعري، ووسط الأغاني والهيصة اللي معمولة عشانه، روحت بعيد عنهم وأنا بتصل بيه، وقبل ما يقول السلام عليكم حتى أنا سألته:
“فارس، إنت لسه عند اتفاقنا… أنا مش هبقى مراتك، يعني هبقى شرعًا لكن…”
صوتي كان متوتر وخايف وقلقان، الدنيا كلها ساكنة والتردد والحيرة بينهشوا في قلبي، عكس صوته، الثابت الهادي، المطمّن اللي يطمن، صوته الواثق في نفسه وفي كل خطوة بيخطيها.
“لسه عند كلمتي يا غالية، مش هطلب منك حاجة لا دلوقتي ولا بعد أربع سنين يا ستي، كل حاجة هتبقى زي ما إنتِ عاوزه… وزي ما يريحك إنتِ.”
“طب وإنت… مافيش أي مقابل بديه ليك؟ عارفة إنك مش بتحبني ومش عاوز مني حاجة، وقلبك مشغول بيها… بس مش ممكن بعدين تقول أنا متجوز ومراتي موجودة وتبقى عاوز كل حاجة تبقى بجد وحقيقي… أنا مش هقدر على كدة… تعالى نراجع نفسنا لو فيه احتمالية واحدة إن رأيك يتغير، بلاش الموضوع من أصله.”
كان ساكت مستنيني أخلص كل اللي عندي، وفعلًا خلصت واتنهدت بتعب وخوف، لكنه قال بحزم وتأكيد وحنية:
“أولًا… اعتبري إن حياتنا هتبدأ من النهاردة، أنا مش عاوز أسمع سيرة شخص تالت بينا، أنا آه قلبي مش مليان بيكي زي ما قلبك خالي مني، لكن قصاد ربنا أنا قلبي فاضي، مافيش فيه حد، أي حاجة كانت موجودة الزمن خلاص عفى عليها وراحت لحال سبيلها، بالنسبة للمقابل أنا مش عاوز منك حاجة يا ستي غير إنك تبقي مرتاحة…”
“دا مش منطق، إنت عارف إن أي شخص بيقدم حاجة بيتستنى مقابل، إنت أصلًا كفاية مصاريف الجواز اللي على الأرض دي، صدقني هتطلب مقابل بعدين ودا حقك أصلًا كاتنين بينهم اتفاق، خدمة قصاد خدمة، لكن فيه حاجات أنا استحالة أقدمها لك يا فارس… إنت أصلًا مش حابب فكرة إنك تبقى مطلق فيما بعد لما عقدك ينتهي… وإحنا أكيد مش هنعيش مع بعض أكتر من ٢٥ يوم، طبيعي هتبقى عاوز تتجوز بجد، وبعد الطلاق فرصتك هتقل في كدة وإنت عارف… فكر تاني، صدقني لسه معانا وقت.”
“تعرفي إيه اللي مش منطق؟
بداية الحكاية دي وكمان بداية المكالمة، الاتفاق اللي بينا، جواز متحدد معاد انتهائه، كل دا اللي مش منطق، لكن قبولي بيكي بدون مقابل هو اللي بالنسبة لكِ مش منطق، ودي حقيقة، لكن المقابل بتاعي بسيط وسبق وضحته… الإنسان بيتغير، بتتغير نظراته للناس، وجايز لما نعرف بعض… جايز لما تجمعنا حاجات كتير تبقى فيه فرصة، مش عشان ندبات قديمة في قلوبنا يا غالية هنضيع عمر كامل مننا، مش بقولك اديني فرصة دلوقتي أو بكرة أو الشهر الجاي… بقولك بس لو جات عليكي لحظة خلال جوازنا حسيتي فيها إنك مش عاوزة تطلقي… امسكي في اللحظة دي… خديها فرصة إنك تدي لنفسك فرصة ترجع تحيا من تاني، حتى لو برضو اللحظة دي كنا بعاد عن بعض، يمكن بعدها البعيد يقرب.”
كلامه دايمًا بيقنعها، بيعرف يسكت الدوشة اللي جواها ولو للحظات، بيجاوب على كل التساؤلات قبل ما تسألها، بيطمن المخاوف المدفونة فيها، بيتكلم عن فرصة…
فرصة إيه اللي تقدر تديها لنفسها عشان تديها ليهم؟ النصيب جه متأخر أوي يا فارس، هما بقايا وجع دلوقتي، مكنتش مصدقة إن قلبه خالي، وكانت عاوزة تقوله: أنا قلبي مش مليان بحد، قلبي مليان بوجع وخوف وأذى وكره لكل شبر فيه.
============================================
خلصت كل التجهيزات، كنت في العربية مع بابا اللي صمم أقعد جنبه وماسك يدي بيبوسها.
“معقولة العروسة تعيط في يوم زي دا… امسحي دموعك يا غالية.”
بوست يده وأنا بعيط أكتر وبقوله:
“حقك عليا في كل حاجة عملتها يا بابا، أي مرة زعلتك فيها أو ضيقتك مني، آسفة مليون مرة عليها.”
“عمري ما زعلت منك يا غالية، إنتِ الغالية عندي، اسمك مخترنهوش من فراغ، اخترته عشان كل ما أناديكي أفتكر غلاوتك.”
البنات ركبوا وأنا مسحت دموعي وبوست يده مرة تانية وأنا بقوله:

“أنا بحبك أوي يا بابا، إنت حبيبي الوحيد وسندي وأماني.”
“عشان كدة هتسبيني وتروحي مع فارس.”
ضحكت له وأنا بقول بهزار:
“يا حج نصر، ما ترسى لك على بر، عاوزين أتجوز ولا لا؟”
بصلي لثواني وهو بيضحك بفرحة وبيشدني لحضنه وبيقول:
“بقالي كتير أوي يا غالية مسمعتش منك يا حج نصر دي.”
هي هزرت مع أبوها فعلًا، أبسط الحاجات اللي مبقتش قادرة تعملها، كانت مبسوطة إن جزء منها ولو بسيط بدأ يتحرر من القيود اللي حبست نفسها بيها ومبقتش قادرة تفكها.
================================================================================
وصلنا البيت وطلعنا على السطح، الحبايب متجمعين، وفرحة كريمة وهي بتجري عليّا تضمّني لها وبتبوس فيا، والزغاريط، الكل كان مبسوط بينا، وهو في مكانه بعد ما سلم على الكل، وبابا قعد على شمال المأذون وهو على يمينه، رعشة في يدي كلها، ضربات قلبي كانت للسما، مش فرحة، خوف وتوتر، ودماغي اتمسحت، مكنش كلام، كانت أصوات إنذار في عقلي، دوشة حتى مش فاهمة ترجمتها، وعيون عليّا وصوته مع صوت بابا، المأذون اللي قال كلماته الشهيرة…
“بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.”
وبعد حضن بابا على طول لقيته قدامي ومادد يده، فرفعت يدي اللي رعشتها واضحة، فضم كفوفي الصغيرة لكفوفه اللي حبتها جواه، ونظرات قلق واضحة كانت في عيونه وهو مركز على كل تفصيلة فيا لأول مرة وبيهمس لي:
“إنتِ بتترعشي يا غالية!
إيدك متلجة… إنتِ كويسة؟”
هزيت راسي كتير وأنا بقول:
“توتر وخوف بس… أنا كويسة.”
معرفش إزاي، محستش أصلًا كان ناوي يعملها، لكن في لحظة خدي كان على صدره وذراعه محاوط خصري وراسه محنية قربي وهو بيهمس وبيقولي:
“طب اهدي، متخافيش من حاجة… انسي التوتر كله دلوقتي وركزي بس مع فرحة حبايبك، هتفرحي لهم… مافيش حاجة تخوف ولا توتر، إنتِ كويسة.”
هو طبيعي إني للحظة أرفع يدي وأضمه؟
أكذب على نفسي لو قولت ضميته عشان دا رد فعل طبيعي، أكيد مش هيحضني ومش هبدله، أنا بس للحظة… لجزء من الثانية مخوفتش لما قالي متخافيش، لكني خرجت من حضنه وأنا بقوله:
“أنا تمام…”
ابتسم لي وهو بيبص لشفايفي وبيقول:
“ابتسمي… اضحكي، عيشي اليوم اللي كله اتجمع فيه عشانك ومتخليهوش يضيع منك… في أيام مش بتتكرر… وبندرك قيمتها بعد ما بتعدي.”
هزيت راسي له، وبعدين بدأت أجواء المباركات وأحضان الأمهات والأخوات، واليوم كان جميل، كان الكل فرحان بيا والكل متجمع بس عشان يحبني، وقضينا يوم جميل. الحبايب انسحبوا ومبقاش غير القريبين اللي أخدونا كل واحد لوحده وبيوصلونا على بعض، كلامهم كان جميل، عاوزين فرحتنا تكمل ببعض ولو في يوم قريب ولا بعيد زعلنا من بعض، الزعل دا ميخرجش برا باب شقتنا، صحيح أبويا هيجيب حقي وأمه أكيد لو حكى لها هتفهمه وتحاول تحل مشكلته، لكن عمرنا ما هنعرف نكون مسؤولين عن نفسنا ومشاكلنا وإدارة غضبنا وإننا ندي لبعض حقوقنا حتى لو متخانقين. كلامهم كان جميل، أتمنى لو كل الأهالي يعرفوه لأولادهم وبناتهم.
بس هو إحنا ظلمناهم بكذبنا؟
أو أنا اللي ظلمت الكل وظلمت نفسي للمرة التانية باختيار من غير تفكير كفاية؟
الكل مشي واتقفل علينا باب واحد، وهو يا دوبك خلع كرافتته وفتح زرارين قميص وطار على المطبخ وهو بينادي عليّا:
“يا غالية… أمك عاملة حبة ورق عنب مينفعش يفوتك.”
اتوترت أكتر وفضلت مكاني، وهو دقايق وصوته خرج من المطبخ تاني:
“يا بنتي تعالي، دا الأكل جاي من الجنة من حلاوته… بسخن لك الرقاق والبشاميل أهو.”
قومت من مكاني ودخلت له، لقيته واقف جنب الرخامة رغم إن فيه ترابيزة يقعد عليها لكنه واقف جنب الميكرويف بيسخن البشاميل، وحلة الورق عنب تحت إيده وقال:
“أنا هموت من الجوع من الصبح… أكيد إنتِ كمان مكلتيش.”
أخدت صباعين من الحلة ووقفت برضو متنحة له، الوضع أكيد غريب، وأكيد أغرب من أي اتنين في أول ليلة في بيتهم، فضلت باصة له لغاية ما قالي:
“خطوتين لورا سيكا معلش.”
رجعت فعلًا لورا وهو فتح باب الميكرويف عشان كان جنب ذراعي، وحط ليا قطعتين في طبق وجابلي شوكة، وبعدين راح على التلاجة وهو بيقولي:
“قالوا إنك بتحبي العصير الفريش، تشربي إيه؟”
فضلت عيوني متعلقة عليه وأنا مستغرباه وقولت:
“إحنا مش هنتكلم؟”
ضيق حواجبه وهو بيطلع فراولة وبيصب لنا وقال:
“غالية… كلي يا ماما عشان متقعيش من طولك، وبعدين كل ما تشوفي خلقتي عاوزة تتكلمي وتتّفقي على حاجة جديدة… استمتعي بالأكل اللي مش هتاكليه غير مرة في حياتك… كلي، ووعد هنتكلم وهعمل كل اللي يريحك.”
هزيت راسي، وفعلاً بدأنا ناكل وإحنا واقفين، واللي ميعرفوش إني بحب جدًا الأكل في المطبخ وأنا واقفة، وبحب الرغي الكتير وأنا باكل. أكلنا، وبعدين خرجنا نقعد في الصالة لقيته بيقولي:
“اهدي بس عشان أنا سامع ضربات قلبك من هنا، الموضوع مش مستاهل التوتر والخوف دا كله، عندك أوضتك أهي بتاعتك، أنا مليش فيها غير شوية هدوم وبس، هنام في الأوضة التانية، بس بكرة أمهاتنا صمموا ييجوا بدري…”
قطعت كلامه بتوتر وخوف وهي بتقول:
“لا.. مينفعش… أنا إزاي مفكرتش في الحوار دا!”
رفع حاجبه باستعجاب وهو فاهم قصدها، وأكيد أكيد معترض عليه وهو بيقول بأعصابه المشدودة:
“صلي على النبي في قلبك بس كدة، أنا قولت لهم يأجلوها لبعد بكرة وهما أصروا، فقولت يجوا على العصر نتغدى كلنا وبس… نتغدى وبس يا غالية، تمام؟”
“نتغدى بس إزاي، الكل أكيد مستني الـ…”
“دا قرف وتعدّي على الخصوصية وحاجة مالهاش أصل شرعي، لو واحد أصلًا مستني حاجة زي كدة كدليل براءة يبقى مكنش راجل أصلًا عشان يقبل على نفسه يتجوز واحدة عنده ذرة شك فيها… قومي نامي يا ستي، فكرتك أعقل وأكبر من عادات ناس جاهلة.”
بصيت له باندهاش لأول مرة، عمرها ما سمعت راجل في حياتها بيتكلم كدة، وقبل ما يدخل الأوضة وقف على الباب وهو بيقول:
“طب معلش ادخلي إنتِ طلعي لي أي حاجة، عشان أكيد رصّيتي هدومي في الدولاب.”
فعلًا قامت وطلعت له هدوم، فقال وهو بياخدها:
“بكرة بس قبل العصر كدة دخلي الحاجة اللي في الأوضة التانية عندك هنا عشان محدش يلاحظ حاجة… ومتفتحيش باب الأوضة دي لحد، لا أمك ولا أمي، قبل أول ليلة ليكي هنا كان ممكن يشوفها، بس دلوقتي دي بقت بتاعتك وخصوصيتك إنتِ… لو أصرّوا معاكي اديني إشارة وأنا مش هخلي حد يعتب الباب حتى.”
هزيت راسي بصمت وموافقة على كلامه، فابتسم وقال:
“أنا داخل الأوضة التانية ونقفل عليّا، ادخلي خدي شاور وغيري هدومك براحتك ونامي مرتاحة، متشيليش هم حاجة… اتفقنا؟”
فضلنا واقفين باصين لبعض، كان فاهم إني عاوزة أسأل على حاجة، وتقريبًا هو توقعها لأني كل ما بشوفه بسأل عليها، فقال هو قبل ما أسأل المرة دي:
“عارف إنك بتدوري على أسرع شركة شحن عشان تسفريني، بس خلاص العقد قدامه أيام وينتهي، وأنا هستعجل في

ورق السفر والإقامة هناك… هحاول مقعدش أكتر من ٢٥ يوم.”
ابتسمت له وأنا بقوله:
“ربنا يوفقك… بس إنت أكيد لحد دلوقتي مقولتش لحد من أهلك.”
اتنهد بتعب وكأنه فعلًا شايل الهم دا، لكنه محبش يتكلم واكتفى إنه ضحك بخفة وقال:
“والله أنا ساعة أول مرة قولت لأمي على السفر قالت لي: لما تتجوز ابقى خد مراتك وسافر… غالبًا كانت يائسة إني أتجوز… على العموم هم دلوقتي مش هيقيدوا قراراتي أوي لأن خلاص بقى ليا حياة خاصة… ومتفتكريش في حاجة، ارتاحي بس من اليوم الطويل، بكرة وربك هيدبرها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...