الفصل 3 | من 8 فصل

رواية سكن مشترك الفصل الثالث 3 - بقلم نورهان علام

المشاهدات
35
كلمة
3,407
وقت القراءة
18 د
التقدم في الرواية 38%
حجم الخط: 18

خبطات على الباب بسيطة، إيقاعها هادي، مكنتش نايمة نوم عميق، لسه مش مرتاحة للمكان، لا المكان فعلًا مريح لكن محتاجة أتعود، وكمان التوتر والتفكير مش سايبني في حالي. قومت وحطيت طرحة بسيطة عليّا من غير ما ألفها وفتحت الباب لقيته واقف بيقول:
“الفجر أذّن… أنا نازل أصلي، قولت أصحيكي عشان مسمعتش منبهك للصلاة، فقولت يمكن نسيتي تضبطيه… لو محتاجة حاجة من تحت كلميني.”
قالها ونزل من الشقة بسرعة، كنت نعسانة ومش واخدة كفايتي من النوم، آخر سنة بقيت مهتمة بالصلاة أكتر من الأول بكتير، وبحاول أصلي قضاء من السنين اللي كنت عامية فيها ونسيت الحقوق اللي عليّا، لكن بكل صراحة مكنش عندي نية أقوم أصلي الفجر، اعتمدت إني هصليه الصبح لأني عارفة إني هنام بالعافية، بس بما إني صحيت روحت اتوضيت، وبعد الإقامة صليت، وبعد شوية قومت أشرب لقيته خبط خبطتين على باب الشقة، فروحت فتحت له وبقوله:
“إنت مش معاك مفتاح؟”
ابتسم وهو داخل وبيقول بهزار:
“يا ستي خبطتين أمان، يمكن حد خالع راسه ولا حاجة.”
قفلت الباب وراه بصمت، متوقعتش بصراحة، راحت ناحية الأوضة وهي بتقول:
“أنا داخلة أنام، اديني حس قبل الضهر كدة عشان أبدأ في الغدا.”
رفع حاجبه باستغراب وهو بيقولي:
“غدا إيه… ما عشا امبارح كتير، حرام يترمي، يتسخن وناكله، مش أول مرة أمي وأمك يحطوا لنا أكل بايت يعني… دول كانوا بيشربوني فراولة حمضانة عشان خسارة يدلقوا الشفشق.”
“برضو مينفعش، يعني مش دي الأصول إني أكل أهلك أكل بايت هما اللي عاملينه!”
“أهلي إيه يا غالية، دا إنتِ بتقولي لأمي يا كيمي وهي اللي مربياكي، يعني الحاجات دي مش بينا أكيد.”
“برضو مينفعش يا فارس، أمي ممكن تخلعني من رجلها لو معملتش كدة.”
زفر وهو مش راضي عن الموضوع وقال:
“طب نطلب أكل جاهز، ليه تتعبي نفسك؟”
بصيت له باستغراب، هو بيعمل كل دا عشان خايف أتعب يعني ولا إيه؟ أنا توقعت إنه زيه زيي شايف الحوار مش مستاهل، بس نعمل إيه بقى، مضطرين، واللي مضطرة عليه أكتر هي أخته الصغيرة، قربت تتم عشرين سنة دلوقتي ولسه تنحة زي ما هي.
“ولا تعب ولا حاجة، أنا بس هنام شوية وإنت قبل الضهر لو صحيت صحيني.”
قولت كلامي ودخلت الأوضة وقفلت طبعًا على نفسي، قلعت طرحتي والإسدال علقته مكانه، وبصيت للهدوم اللي في الدولاب بضيق، كنت بختار قطعة قطعة من الثانوي، كنت مهووسة بلبس البيت، البيجامات والكاشات وكل ما هو رقيق وأنثوي، بس دلوقتي مش طايقاهم، مش حاباهم، حاسة بقرف ناحيتهم، عشان كدة روحت اشتريت أربع بيجامات بكم وواسعة سيكا عشان أقعد بيهم المدة اللي قبل ما فارس يسافر.
================================
خبطات على الباب من تاني، قومت مخضوضة لكن استوعبت أنا فين لما سمعت صوته:
“غالية، الساعة ١١ ونص.”
“صحيت صحيت.”
نطقتها وأنا بقوم من مكاني، ودقايق وسرحت شعري، وبعدين رميت طرحة عليه وخرجت لبره لقيته في المطبخ فاتح التلاجة، فبقوله:
“بتعمل إيه؟”
“بقالي نص ساعة بحاول أختار هعمل فطار إيه، الأوبشنز كتير بصراحة.”
“فاتح باب التلاجة بقالك نص ساعة؟!”
قولتها بصدمة، دي كارثة، دا أمي كانت بتاكلنا لو وقفنا نشرب وسبنا الباب مفتوح الكام ثانية دول. خليته يوسع وطلعت بيض وجبنة ومربى، وبعدين فتحت الفريزر طلعت اللبن، وبدأت أعمل الفطار اللي ماخدش وقت، بس عملت كوباية شاي واحدة بلبن وحطيت له الأكل على صينية لوحده، لكنه سألني:
“إنتِ مش هتاكلي ولا مش عاوزة تاكلي معايا؟”
سكت لثواني بتردد، تقيل على قلبي إني أقول كدة، لكني نطقت وأنا بقول:
“قولت أرفع عنك الحرج، يمكن مش حابب تاكل معايا، الوضع في الأول والآخر معلوم، أكيد مش هنمثل قصاد الناس وقصاد نفسنا.”
بصلي باستغراب، وراح هو صب كوباية شاي بلبن ليا وحطها على الصينية وهو بيخرج بيها وبيقول:
“يهودية يعني عشان معوزش آكل معاكي؟ تاكلي لوحدك ليه يا بنتي، ما ناكل سوا، أصلًا مبحبش آكل لوحدي.”
خرجت وراه وأنا مش فاهمة، لكن مافيش وقت أفكر، فطرت بسرعة وقولت أجهز الأكل، إحنا كتير وتقريبًا معملتش أكل كامل لوحدي، كان ممكن نانا تعمل حاجة خفيفة جنبي أو قمر لما تبقى موجودة بتساعدني. طلعت الفراخ تسيح، وبدأت أجهز خلطة القلي والصلصة بتتسبك عشان الطبيخ، كنت أنا اللي رصيت كل حاجة مع البنات عشان كدة بتحرك بكل سلاسة. مر شوية وقت حلوين كنت قربت فعلًا أنسى إنه بره، لكن صوته ظهر من ورايا وهو واقف على باب المطبخ وقال:
“اللهم بارك… شكلك طلعتي ست بيت شاطرة كمان… الضهر على أذان خلاص، فضّي إيدك عشان تصليه وأنا نازل… محتاجة حاجة أجيبها؟”
“لا.”
قولتها وأنا ببص له، فخرج بره ونزل على طول، وأنا كنت اتوترت شوية لوجوده لكنه انسحب بهدوء، فسبت اللي في إيدي فعلًا وروحت صليت بسرعة، وبعد ما خلصت ضميت نفسي ونمت على سجادة الصلاة، تعبانة، بجد تعبانة وحاسة إني مرهقة، كل حاجة بعملها بتستهلك مني طاقة كبيرة، طاقة أصلًا مش عندي، عاوزة أنكفئ على نفسي وأقفل باب عليّا وأسكت، كل ما أنطق حرف براجع نفسي، هتقولي إيه وليه؟ ومين مهتم أصلًا ولا يستحمل يسمع؟ ومين ملزوم بكدة أصلًا؟ عشان كدة أغلب كلامي سكوت، أحيانًا السكوت بيبقى صوته عالي أوي جوانا لدرجة الصداع، لكنه قصاد عيون الناس سكوت، مش مدركين إن السكوت دا مكلف على روحنا أكتر من الكلام.
بس تكلفة الصمت بالنسبة ليا أهون من ضريبة الكلام اللي محدش مهتم ولا حابب يسمعه.
خبط على الباب، فقومت من مكاني وأنا برفع صوتي عشان يوصل له:
“ادخل.”
وفعلًا فتح بمفتاحه وأنا شيلت المصلية ودخلت المطبخ من غير كلام، وبعد مدة دخل وهو بيقول:
“أي مساعدة؟
أمي كانت بتخليني أغسل المواعين على فكرة.”
“أنا خلصت خلاص، هعلق على الرز قبل العصر، والفراخ هتتقلي لما يجوا عشان تبقى سخنة.”
“واو… طلعتي شاطرة بجد مش كلام يعني.”
كنت صح لما فهمت إنه من شوية لما قال ست بيت شاطرة كان بيقولها تريقة، ودلوقتي بيتكلم مجاملة، عشان كدة اكتفيت بهزة راس ملهاش معنى ودخلت الأوضة وأنا بحاول أشتت تفكيري، أكيد لازم ألبس عباية استقبال.
فعلًا خرجت واحدة كانت كريمة هديّاها ليا من قبل ما فارس يخطبني، كنت حابة أفرحها بصراحة، جهزتها وجهزت معاها شبشب شكله شيك، وبرفان ريحته حلوة، كل حاجة لازم تبقى مضبوطة وعلى الأصول، وفعلاً فضلت في الأوضة لغاية قبل العصر، وقبل ما هو يخبط فتحت أنا الباب، فابتسم وإيده متعلقة في الهوا:
“كنت لسه هفكرك بالرز.”
“أنا مركزة متقلقش.”
أكيد يعني مركزة، بعدت عنه ودخلت المطبخ، واديت وقت لتحمير الشعرية وحطيت الرز وضبطت الملح، وبلف لقيته واقف على باب المطبخ برضو فاتخضيت، لكني مسكت

أعصابي وأنا بسأله:
“عاوز حاجة؟”
ابتسم وبان عليه الضيق وهو بيقول:
“مش عاوز أضايقك والله، ولا بتعدى حدودي، بس أهلنا جايين، وكلهم بنات… قصدي يعني مافيش راجل غيري أنا وأبوكي، الطرحة قصادهم هتبقى حاجة غريبة… فهماني؟”
معرفش إزاي جه على باله التفصيلة دي، لكني افتكرت لما قال إن الطبخة عشان تبقى مقنعة لازم تظبط البهارات، فهزيت راسي وقولت:
“تمام، مش هلبسها لما يجوا.”
كان محرج وهيتعتذر، لكني خرجت عشان أجهز، خلاص العصر على أذان.
================================
نزل أتمشى، كان فاضل دقايق على أذان العصر، دماغي مشغولة بيها، ابتسم وأنا بتفكر المكالمة اللي كانت قبل كتب الكتاب، مين يصدق إني وأنا بهديها هديت؟ كنت متوتر يمكن أكتر منها، ألف سؤال كان في دماغي:
فارس، إنت متأكد من اللي إنت هتعمله دا؟
البنت دي مش هيكون ليها حق عليك؟
مش من حقها تبذل مجهود عشانها وتفرحها وتهتم بيها؟
بس دي من أولها ناوية تسيبك، وافقت ليه وإنت شبعت خلاص من اللي سابوك في نص الطريق؟ قبل المكالمة دي يومها كنت فعلًا بفكر في… البنت اللي ربنا يصلح لها حالها، قد إيه ندمان، مش لأني سبتها في الأول وبعدين رفضتني، ندمان إني أصلًا دخلت علاقة زي دي، مبقتش مستغرب زي زمان وأقول ليه محصلش نصيب، ليه رفضتني، أصل ما بُنيَ على باطل فهو باطل، علاقة بدأت من ورا أهلها، لعب عيال وتنطيط أول سنتين كلية، لما فوقت لنفسي كنت والله شاريها، بس قولت لها: يا بنت الحلال اللي بنعمله دا حرام، استنيني سنتين وأجي أخطب، لكنها فكرتني بخلع منها!
مع إن شخصيتي مش كدة أبدًا، أنا قد كلمتي، بعد مكالمة غالية ولما قولت لها مش عاوز سيرة طرف تالت بينا دا كان حقيقي، أنا أصلًا مسحت سيرة الشخص دا من سنين، وفعليًا مبقتش هاماني ولا مالي قلبي، لكن فكرة إن قلبك مبقاش بالكرتون… أنا اتوجعت وانكسرت أول لما سابتني، بس كنت بقول: من ترك شيئًا لله عوضه بخير منه، دُعيت لسنة كاملة إن ربنا يعوضني بيها هي في الحلال، ولما رحت اتقدمت لها رفضتني… كانت بتردها ليا!
كسرتني أكتر، من ساعتها محستش إني ممكن أأمن لوحدة وأحبها، وكمان لو عيشت قافل على قلبي خايف أظلم واحدة تانية ملهاش ذنب.
لحد ما ظهرت هي…
وخبطت على بابي ورمت اللي قالته زي المجانين ونزلت، قلبي ما دقش، منبهرتش بيها، لكني فكرت: إنت تعبت كتير والوحدة وحشة، وباين عليها تعبت أكتر، والكلام اللي بسمعه عنها خلاني عاوز أعرف إزاي حد بالبهجة اللي بيحكوا فيها يبقى بالمنظر اللي أنا شايفه، عيونها باين عليها وجع وانكسار أنا عارفه وعشته.
صليت ودعيت: يا رب عوضني وعوضها، أنا مدخلتش الجوازة دي عشان عقد طلاق بعد أربع سنين، أنا دخلت الجوازة دي بأمل إنها تكون مركز الصيانة اللي يعالجنا، أحيانًا شفاء العلاقات السامة مش علاقة حب، بل علاقة مريحة، عشان كدة حريص إني أريحها، لأن نفسيًا بالنسبة ليا رجولتي وراحتي في إن اللي معايا متخفش ومتزعلش ومتشلش هم حتى لو مبحبهاش.
فيمكن لو كوّنا أنا وهي علاقة مريحة نتعافى، يمكن متقدر لنا حاجة حلوة.
عديت على أمي وأنا طالع، نزلت مرتين من الصبح مدخلتش لها، دماغي فعلًا طول اليوم كانت مسحولة في غالية، سمعت كتير جدًا من شيوخ ومحاضرين ودكاترة عن إن الانطباع الأول في الليلة الأولى بيدوم، كنت ببذل أقصى جهدي عشان أخليها مرتاحة متخفش، حتى لو متوترة ميبقاش توتر بخوف، الخوف وحش أوي وشكلها خايفة على طول، من حقها تاخد نفس، استراحة. فتحت الباب وأول ما دخلت أمي زغرطت، وحبيبة جت تحضني وهي بتقول بدلع:
“بقى كدة يا فاروس، شوفتك وإنت نازل تصلي الضهر، وقبل العصر نزلت مدخلتش لينا، لقت مراتك خدتك مننا.”
آه دلوعة أخوها اللي هتشتغل حماة بدل أمي الغالية، متعلقة بيا بشكل مش طبيعي وكانت بترخم على غالية كتير أوي في الخطوبة، وكنت مستغرب إنها ولا مرة اشتكت.
“حبيبة قلبي الشطورة اللي هتبطل ترخم على غالية صح ولا إيه؟”
“على حسب، لو هي رحمت عليا هرخم عليها.”
“يا بت وهي غالية بتهش وتنش دلوقتي، أومال لو كانت زي زمان كنتِ تعملي إيه في البت؟”
قالتها أمي وهي بتهزر، فردت حبيبة عليها باندفاع:
“كنت هوريها شغل أخت الجوز على أصوله.”
كلمة أمي ضيقتني، على رأي منال حنين أنا بزيادة، بس مبحبش بنت تزعل، والله العظيم نفسي أقول للرجالة كلهم: يا جماعة دول أرق من الأكشن اللي بيعملوه دا، قرأت كتير في الأدب والتاريخ وفقه تعامل النبي مع زوجاته، وإزاي كان مع خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، وإزاي كان مع عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها وأمهات المؤمنين، قرأت كتب كاملة في وصيته بالنساء، عشان كدة أي بنت في حياتي من أول أمي وأختي الصغيرة ومراتي اللي بتضحك على نفسها دي، لازم أعملهم زي ما يستحقوا وزي ما النبي عامل نساءه.
لمحت أهلها من على أول الشارع فاتصلت بيها:
“ألو…”
“إحنا خمسة وطالعين كلنا، أمك وأخواتك على أول الشارع وأمي وأخواتي جهزوا، أبويا هيعدي على أبوكي في المحل جايين.”
“طب تمام.”
فعلًا دقايق وطلعنا، فخبطت زي ما بعمل، فاتسخبت حبيبة من لسانها وقالت:
“ما إنت معاك مفتاح، بتخبط ليه؟”
“يا بت وإنتِ مالك، افرضي مراتي بتلبس يا ستي ولا لسه مجهزتش.”
“هنشوف اللي ميتشافش يعني، افتح يا عم رجلي وجعتني لسه الجبس مفكوك من أسبوع.”
رخمت عليها وأنا بهزر وبقول:
“آه هتشوفي اللي ميتشافش يا ستي.”
قبل ما أفتح لقيتها قدامي، فتحت هي والكل دخل، وحبيبة دخلت وهي بتقول:
“يا ماما بصي بيرخم عليا إزاي، بيدافع عن حد غيري قصادي أنا.”
كانوا بيتكلموا ويسلموا عليها، بيضحكوا على حبيبة وأنا عيوني مترفعتش من عليها، شكلها عسل أوي بالعباية البيج في دهبي، ورافعة شعرها ديل حصان، ما شاء الله باين عليه طويل، حسيتها طولت، وأنا أصلًا شايفها منّا في الأرض، الكام سنتي الزيادة دول من إيه؟ بصيت على رجلها وفعلاً طلعت لابسة حاجة عالية، فضحكت وأنا بقعد جنب أمي وهي قاعدة جنب أمها ضماها وبتطمن عليها.
“قومي يا بنت من حضنها وتعالي اقعدي جنبي شوية، شبعتي من أمك؟”
قالتها أمي، أنا فضحكت عليها وهي بتقوم وتبتسم وجات تقعد جنب حبيبة، وأمي وحبيبة مرضيوش، فقعدت بيني أنا وأمي.
“أيوه كدة بقيتي بتاعتي، وسعاد مش هتاخدك مني تاني.”
متوقعتش أبقى مبسوط كدة، مش طاير من الفرحة، لكني مرتاح ومبسوط، قعدت سنين في الشقة دي ومحستهاش حلوة وفيها روح زي دلوقتي، يمكن عشان أصلًا أول مرة العدد دا يبقى موجود فيها. الباب خبط وقومت فتحت لأبويا ولعم نصر اللي حضني بحب أكني ابنه، وبعدين راح على غالية اللي ضمته بقوة والكل مستغرب، لكني فاهم، إحساس إن الدنيا كلها سابتك ومش عاوزاك، وحتى أهلك

بتحس ناحيتهم كدة لكن ملكش غيرهم، معندهاش غير حضن أبوها تشد عليه كدة، أصل أكيد مش هيسيبها، فاهم تفكيرها وصعبان عليا جدًا.
قامت تقلي الفراخ والبنات معاها بيساعدوها، وأنا مراقب تصرفاتها، وأقل حركة منها وهي بتشد طرف العباية من عند رقبتها أكنها بتغطي حاجة، مكنش باين أصلًا أي حاجة، لكن الحركة باين كدة إنها اعتيادية منها، أي توتر، أي تجمع، أي احتمالية إن حاجة تقلبها كانت بتعمل كدة، حتى الطرحة كانت بتشدها على المنطقة دي بالذات.
اليوم مر هادي، ومشيوا بعد كام ساعة، كنت مدرك إنها تعبت بجد وأكيد محتاجة تاخد دش وتتنفس، فعشان كدة عرفتها إني عندي مشوار في السريع بعد ما أصلي العشا، وروحت فعلًا جبت اللاب بتاعي من الصيانة، بطاريته فصلت قبل كتب الكتاب وديته ونسيت أعدي آخده، غبت حوالي ساعة لكني رجعت، خبطت كذا مرة لكن مكنش فيه رد، فتحت الباب وأنا بشوفها فين، مكنتش موجودة، قربت من أوضتها بقلق وأنا بخبط، لكنها فتحت بسرعة، وقبل ما أتنفس بارتياح النفس وقف في قلبي حرفيًا وأنا شايفها ماسكة ظفيرة في إيدها، وشعرها يا دوبك لامس تحت ودانها، بلعت ريقي بذهول وأنا بقول بتشكيك في عيني:
“شعرك… إنتِ قصيتي شعرك يا غالية؟”
هزت راسها، عيونها أصلًا كانت حمرا، أكنها قضاها مناحة ولسه واقفة متنحة مش مستوعبة إنها فعلًا عملت كدة، كنت عاوز أقولها: عملتي كدة ليه؟ مافيش زعل في الدنيا يستاهل، لكني متكتف، لساني معقود، عارف إنها شخصيًا مليش حق فيها، بس فين حقها على نفسها؟
“عاوز حاجة أعملها؟”
سألتني بنبرة هادية ثابتة ولا تكن فيه نار بتاكل جواها، غمضت عيوني لثواني من قوتها وثباتها وانتقامها من نفسها، ليه يا غالية؟
“كنت بطمن عليكِ بس.”
هزت راسها، ومن غير كلام دخلت وقفلت الباب بهدوء، وأنا دخلت أخد دش ومخّي بيفكر، شعر البنت غالي أوي عليها، كان فيه كتاب في علم النفس قريته، الدكتور كان كاتب إن إحنا بنشوف شعر البنت جزء من تكوينها الفيزيائي، اللي هو له طول وحجم وكثافة ولون، لكنه في الأصل جزء من تكوينها النفسي، البنت مُجبلة على حب الزينة، وأجمل أنواع الزينة بالنسبة لها هو شعرها، لكن علاقة البنت مع شعرها مش مقيدة في التزين والتجمل، علاقة البنت بشعرها مراية لعلاقتها بنفسها، يعني حب شعرها علامة كبيرة على حبها لنفسها، وكذلك تقبله وتقبل وجوده متعلق جدًا بتقبلها لنفسها، عشان كدة تلاقي بنات وستات كتير وقت زعلهم وتعبهم النفسي الشديد يتخلصوا من جزء من شعرهم، فيه بنات بتقص أطراف، فيه بنات تانية بتقص خصل عشوائي عشان كل ما تلمسها تفتكر وجعها، وفيه بنات تانية بتقص نصه أو أكتر، والأكثر وجع إن فيه حالات ممكن تحلقه تمامًا، ودا ممكن يكون من أكبر العلامات على رفض الذات.
خلصت الدش وأنا مش مركز، ولحظة إدراك إني ماخدتش هدوم من عندها، آسف يا غالية بس مافيش حل تاني، فتحت الباب سيكا بسيطة عشان صوتي يوصل لها:
“يا غالية… يا غالية.”
كررتها كتير بصوت أعلى كفيل أتأكد إن البيت كله سمعني، وأخيرًا فتحت الباب وهي بتقول بعصبية:
“إيه؟”
“معلش… نسيت آخد هدوم وفوطة ليا، ممكن تجيبيلي؟”
صوتها اختفى لفترة، وبعدين حسيت بحركة قصاد الباب وخطوات بتبعد وصوتها عالي وهي بتقول:
“سبتهم قصاد الباب.”
قالتها وقفلت الباب عليها على طول، صوت الرزعة بتاعة الباب عمل صدى في أبواب الشقة كلها. أخدت الهدوم من قدام باب الحمام، ودقايق ودخلت أوضتي وفصلان بجد، كنت مفكر إني تعبان وهلكان نفسيًا ومحتاج سكن وراحة واستقرار، والبنت متدمرة بالطريقة دي… والله والواحد يتكسف على دمه لما يشوف حالتها كدة، زعلان عليها زعل مش طبيعي، وياريت لو عندي مساحة أساعدها.
======================================================
مر حوالي عشرين يومًا على جوازنا، كمية الأسئلة اللي غرقت فيها من الكل عشان شعرها، لكني كنت أنا اللي برد، كنت بعرف أسكتهم إني بحب الشعر القصير وخليتها تقصه. طبعًا كنت في عيونهم الشرير لأن كلهم مجمعين إن غالية حلوة أوي بشعرها الطويل، وأنا معاهم والله، بس مسمحش لحد يضغط عليها بسؤال مش قادرة ترد عليه.
كنت بحضر ورق سفري، وحرفيًا بجهز الشنطة قبل الطيارة وهي بتساعدني.
“فارس… أنت بتجهز كل حاجة ولسه معرفتش أهلك.. دا غلط، أنت لازم تمهد لهم.”
“خبط لزق كدة هتبقى أحسن من إنهم يعطلوني يا غالية، المهم بكرة هيوصل ظرف الفيزا بتاعتك عشان لما أبعت مصروفك مبعتوش عن طريق أهلي.”
بصت لي برفض وهي بتقول:
“أنا قولت لك إنك ملزوم بمصاريف، كفاية عليك كل دا، أنا كدة كدة هنزل شغل الشهر الجاي.”
مش صدمة واحدة لا، دول صدمتين أخدتهم منها.
“كنسلي موضوع المصروف دا كدة… إيه حوار الشغل بتاع الشهر الجاي دا؟ كنتِ هسافري من غير ما تقوليلي؟”
سكتت للحظة وبعدين قالت باعتراض:
“كنت هعرفك لما أجي أنزل أكيد عشان أهلك أكيد هيسألوا، فتبقى عارف ترد.”
“لا بجد، كنتِ هتعرفيني بس عشان لما أهلي يسألوني أكون عارف؟!”
استغربت واتوترت وهي بتقول:
“أيوة، أكيد يعني مش هقولك عشان آخد رأيك وأشغلك، وأنت مشغول أصلًا في سفرك ووراك هم ما يتلم.”
اتنهدت وأنا بمسح على وشي، أقول إيه ولا إيه، لكني حاولت أبتسم بجد. كنت عاوز أسألها: ليه؟
ليه أقرب حاجة عندك إنك مش عاوزة تكوني تقيلة، مش عاوزة تشغليني، مش عاوزة تتعبيني، مش بتقولي حاجة ولا بتعترضي عشان ملكيش حق، مع إني والله شايف إن لها كل حقوق الدنيا. لكن الكلام دا دلوقتي مش هيجيب غير نتائج عكسية، عشان كدة قولت لها بهدوء:
“بصي يا غالية، أنا مش مشغول للدرجة، فممكن تقوليلي أي حاجة تخصك عادي وهبقى مركز. أنتِ مراتي، وحتى يا ستي لو قدامهم بس، لكنك مسؤولة مني. إزاي مبعتش لكِ مصاريف؟ عيب في حقي إنك تصرفي على نفسك. بصي للصورة النهائية، أنتِ في بيتي تحت اسمي، مبقاش راجل لو خليتك تدفعي جنيه أصلًا… دا رقم واحد.
رقم اتنين بقى هو الشغل، عاوزة تنزلي شغل ليه، وفين، ومواعيده، وكل تفاصيله، وإيه طبيعته، وهتختلطي بمين طول اليوم… كل الحاجات دي مهم أعرفها، ونتكلم ونتناقش أصلًا هل الشغل مهم، أنتِ عاوزة تنزلي شغل ليه؟ لو عشان المصاريف فدا مرفوض تمامًا.”
كانت معترضة، على كل حرف قولته كنت حاسسها هتقفش عنده وتقولي: لا وإزاي والكلام بتاعها دا، لكنها طلعت صابرة. الاندفاع قل شوية لكنه موجود، حتى إني حاليًا مستني قنبلة عصبية موقوتة أو حتى اعتراض بغضب واستنكار لكلامي.
“يعني إيه مرفوض؟ ليه أصلًا ترفض حاجة تخصني؟
أنا أول المشوار دا قولت لك هتكون لك حياتك وتكون ليا حياتي، محدش يتدخل في قرارات التاني. هو أنا ينفع أقولك متسافرش مثلًا؟ ينفع أتحكم في شغلك؟”
ضحكت لها وأنا بقول بابتسامة ساخرة:
“دا أنتِ اتجوزتيني عشان هسافر أصلًا، بس لو قولتي: يا فارس دلوقتي حالًا متسافرش، مش هسافر.

الإنسان عنده حاجات أهم يشتغل عليها ويديها مجهوده ووقته وطاقته، أهم من مشاريع الشركات.”
كنت بلمح، تلميح صغير والله، لكنها أخدته بحدة وقامت من الأرض قدامي وهي بتقول:
“والله أنت حر تسيب حد يتحكم ويختار حياتك، معندكش شخصية، معندكش رأي، أنت حر، لكن أنا محدش يختار لي حاجة يا فارس. الأول كنت هقولك على كل اللي عاوز تعرفه، لكن دلوقتي كفاية عليك أوي تعرف إني بس هشتغل، وملكش أي حق تتناقش وتقرر.”
خرجت زفير وأنا شادد أعصاب إيدي. مافيش عصبية، اهدى يا فارس كدة واهدَى نفسك، أنت عملت خطوة غبية ودي نتايجها. لكن مقدرتش مردش عليها، فقومت من مكاني ووقفت قصادها وأنا بقول:
“استهدي بالله، أنا مش زي ما بتقولي يا غالية، أنا بس راجل دماغي مش بتفكر في الشغل وبس، عاوز أعيش وأتبسط وأدي للست اللي معايا اهتمام، وأي حاجة من حقها أعملها لها بطيب خاطر. بخصوص حوار الشغل بتاعي، بالنسبة لي يطير لو لقيتك محتاجاني ومش هتعرفي تعيشي لوحدك… متفكريش إني لما أمشي هترتاحي، آه ترتاحي مني، هتبقي على راحتك، لكن صدقيني في حاجات تانية مش هتبقى مريحة بالنسبة لكِ.
الوحدة صعبة، مش عاوزك تجبري نفسك لسنين طويلة إنك تكوني لوحدك… ليه تعملي في نفسك كدة وأنتِ حواليكي ناس مهتمة بأمرك؟ لو عاوزة تنزلي تشتغلي عشان هتزهقي لوحدك، شايفة إن دا تسلية وحابة تضيعي وقت، أنا مش همنعك لو المكان كويس وقريب والناس فيه محترمة، والمجال نفسه مش متعب ومهلك، محدش هيتضايقك ومحدش هيتعرض لكِ، أنا موافق، بس أشوف المكان وأعرف الناس، والقرار لينا سوا. أنتِ مش قولتي يا ستي سكن مشترك؟
وكل سكن له قوانينه.”
سكتت خالص، أنفاسها بقت متقطعة، وعيونها محبوسة من ساعة ما قولت:
“ليه تجبري نفسك لسنين على الوحدة؟”
في كلام كتير خرج مني مكنتش عاوز أقوله، لكني انفعلت الأول منها، لكني بعد أول كلمتين بقيت منفعل عليها هي شخصيًا وعلى اللي بتعمله في نفسها. اتنفست بقوة وهي كالعادة بتسحب طرف بيجامتها عند منطقة الرقبة، وشدت عليه زي اللي بيخبي ألمه ويرجعه عشان لما يتكلم ميقعش منه في الكلام، وقالت:
“ماشي يا فارس، وجهة نظرك كويسة، لكني مش قبلاها في كل حاجة، هنقعد نتكلم على الشغل بليل عشان أنا دلوقتي تعبانة.”
هزيت راسي بتمام، وقبل ما تديني ضهرها وتروح للأوضة، باب الشقة خبط، وكان صوت أمي اللي خلانا إحنا الاتنين نبص لشنطة السفر برعب!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...