بداخل أحد الأحياء الشعبية في وسط القاهرة...
أصوات تتعالى وتردد تكبيرات صلاة العيد في مشهد يجعل قلبك يخفق بشدة من الفرح والسعادة وأنت ترى هؤلاء الذين يفترشون الأرض في ساحة شاسعة في الشوارع بسجاجيد الصلاة.. معظم الرجال والشباب يرتدون العباءة ذات اللون الأبيض الناصع، والنساء بعضهن ترتدي إسدال الصلاة الأنيق وأخريات ترتدي عباءة ذات اللون الأسود ويعلوها الحجاب، ولا ننسى الأطفال الذين يركضون هنا وهناك بين المصلين يرتدون ثياب العيد وبأيديهم البالونات والألعاب، والجميع مستمر في ترديد التكبيرات في صوت مهيب تخشع له القلوب.
"الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد. الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرةً وأصيلاً. لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده. لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، ومخلصين له الدين ولو كره الكافرون. اللهم صلِّ على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، وعلى أصحاب سيدنا محمد، وعلى أنصار سيدنا محمد، وعلى أزواج سيدنا محمد، وعلى ذرية سيدنا محمد، وسلم تسليماً كثيراً".
ونذهب إلى ذلك البناء القديم حيث مدخل الفناء الضيق الذي تصدر منه رائحة عطنة، والدرج الذي يحده الدرابزين المعدني الصدأ ذو مسند خشبي متشبع من المياه المتساقطة من السجادة التي قامت بوضعها إحدى السكان بالطابق الثالث منذ البارحة.
بينما في الطابق الثاني بداخل شقة الشيخ سالم البحيري، تقف تلك الجميلة ذات العينين الواسعتين بأهداب كثيفة وعدستيها البنيتين مثل لون البندق أمام المرآة المستديرة المعلقة على الحائط، ترتدي حجابها الأسود على شعرها البني القاتم ليحاوط وجهها ذو البشرة الناعمة باللون الحنطي.
انتهت من ارتداء الحجاب ثم خرجت من غرفتها ذات الحوائط المطلية باللون الوردي حيث يوجد بها مضجع من الطراز القديم الذي يعود إلى القرن الماضي، وخزانة خشبية تتكون من ضلفتين، ومكتب من الصاج يشبه المكاتب التي توجد في الهيئات الحكومية قديماً، يعلوه على الحائط مكتبة من أربعة رفوف، بكل رف تتراص عليه العديد من الكتب.
وقفت في الردهة أمام المنضدة المستديرة المحاطة بثلاث مقاعد خشبية يعلوها مفرش باللون الأبيض ومزهرية بداخلها ورود بلاستيكية، وبمحاذاتها هاتف خلوي تضيء شاشته بوميض واهتزاز واسم المتصل "شيماء".
انتبهت إلى الهاتف لتطلق تنهيدة ثم توجهت نحو الشرفة ذات السور المعدني والمسند الخشبي، وقفت بقامتها التي لا تتعدى 165 سنتيمتراً تنظر لأسفل لتجد تلك الفتاة ذات البشرة التي اكتسبت بعض السمرة من أشعة الشمس وعينيها التي تشبه أعين الهرة بلونها العسلي المزينة بكحل يعلو أهدابها، ترتدي إسدالاً من اللون الأحمر القاتم. زفرت بحنق وقالت بصوت جلي وهي تنظر لأعلى: -كل ده يا خديجة! أنجزي يا بنتي الصلاة قربت تبدأ. أشارت
لها خديجة بيدها وقالت: -حاضر نازلة أهو بسرعة. قالتها ثم خرجت إلى الردهة لتتناول محفظة النقود خاصتها من فوق البوفيه المجاور لباب الشقة، أخرجت المفتاح وفتحت الباب لتشهق بذعر وقالت: -هااا حرام عليك يا طه، مش تخبط الأول ولا ترن الجرس يا أخي؟ دلف ذلك الشاب الثلاثيني ذو البشرة السمراء والشعر البني الكثيف وحاجباه الكثيفان أيضاً فأجاب عليها بتهكم: -هو أنا كنت أعرف إنك ورا الباب! وبعدين نازلة لوحدك ورايحة فين؟
قطبت حاجبيها بضيق وقالت: -رايحة أصلي العيد هكون رايحة فين يعني! وأنت مش ناوي تركعها بقى؟ جلس على الأريكة وزفر بحنق وقال: -وأنتي مالك... أصلي ولا ما أصليش أنتي اللي هتدخلي جهنم بدالي يعني! ابتسمت بسخرية وقالت: -ربنا يهديك يا طه يا أخويا ويصلح حالك. وقف بغضب محذراً إياها بسبابته وقال: -خليكي في حالك أحسنلك ولا عايزة تاخديلك قلمين على الصبح! صاحت في وجهه وقالت:
-والله يا طه أنت لو ملمتش نفسك وتبطل تمد إيدك عليا لأقول لبابا وخليه يتصرف معاك. ضحك بسخرية وقال: -تصدقي خوفت! يلا يا بت من هنا روحي شوفي بتعملي إيه. زفرت بتأفف ولم تجب عليه ثم غادرت الشقة وهي تصفق الباب خلفها بقوة. في الأسفل ما زالت تنتظر صديقتها ليأتي أحد الشباب المتسكعين بالشوارع وقام بمغازلتها قائلاً: -إيه يا عم الأحمر الجامد ده ما...
قاطع جملته على الفور صفعة قوية على مؤخرة رأسه من ذلك الشاب ذو الواحد والثلاثين عاماً ليقف أمامه بطوله الفارع وبنيان جسده القوي يرمقه بنظرات نارية يمسكه من تلابيب قميصه وقال بصوت أجش: -جرى إيه ياض يا (... على الصبح. قالها ثم وجه له لكمة قوية فصرخت شيماء. وقع الشاب على الأرض وهو يضع يده في مكان اللكمة وقال بصوت مرتجف: -والله يا أسطى عبد الله ما أعرفش إنها تخصك. جذبه عبد الله من ذراعه لينهض وقال:
-حتى لو ما تخصنيش إياك أشوفك تبص لأي واحدة في الشارع ده، أنت فاهم ياض ولا أفهمك؟! قالها وهو يوجه يده في استعداد تسديد لكمة أخرى، صاحت شيماء وقالت: -خلاص بالله عليك يا عبد الله الناس عمالة تبص علينا. رمقها بنظرات حادة بعينيه ذات اللون الأخضر جعلتها تصمت ودب الخوف في قلبها فقال بنبرة أمر: -روحي على بيتكو يلا. قالت شيماء: -أنا رايحة أصلي. ترك الفتى من قبضة يده واقترب منها بجسده العريض لتقف أمامه بخوف وقال:
-شيماء أنا قولت إيه؟ جاء صوت خديجة لينقذها منه فقالت: -في إيه يا شيماء؟ قالتها وهي ترمق عبد الله الذي ما زال ينظر إلى شيماء بنظرات لو كانت نيران لأحرقتها حية، فأردفت: -في إيه يا عبد الله إحنا رايحين نصلي عايز منها إيه على الصبح. لم ينظر إليها فقال لشيماء: -روحي مع صاحبتك عشان تصلوا وحسابك معايا بعدين. ثم غادر من أمامهما. وضعت خديجة يدها على عضد شيماء وقالت:
-سيبك منه ده بق على الفاضي ويلا عشان نلحق الصلاة زمانها هتبدأ. وفي ساحة المصلين تجلس امرأتان إحداهما سيدة في بداية الستينات وبمحاذاتها فتاة في أوائل العشرينيات. قالت السيدة: -بت يا فاتن شايفة البت اللي لابسة عباية هناك دي؟ قالت فاتن: -أنهي واحدة ياما ما كل النسوان لابسة عبايات. لكزتها والدتها في كتفها وقالت: -البت اللي لابسة طرحة أزرق في أبيض دي. قالت فاتن: -أنت قصدك على البت رحمة بنت أم أسامة؟ لوت فمها جانبًا وقالت:
-أيوه يا آخرة صبري هي... إيه رأيك نروح نطلب إيديها للواد عصام أخوكي. قالت فاتن بامتعاض: -دول شحاتين ياما ومش لاقيين ياكلوا، ده غير عندها 25 سنة وعادل عايز عروسة في حدود 20 سنة. قطبت حاجبيها بضيق وقالت: -وأنت مالك يا بت هو أخوكي يقدر يقولي لأ! رمقتها فاتن وقالت بسخرية: -أنتي هتقوليلي عليكي ده الكلمة كلمتك والشورى شورتك. رمقتها بغضب فقالت: -بتتريقي!
ماشي يا بنت أبوكي شوفي مين بقى اللي هيخليكي تخرجي تتفسحي مع خطيبك بكرة. قالت فاتن: -لأ والنبي أبوس إيدك كله إلا الخروج ما صدقت رجع من السفر. قالت بتهكم: -اللي يسمع كلمة السفر يفتكر أنه راجع ومعاه مال قارون ما يعرفوش الوكسة اللي هو فيها. قالت فاتن: -حرام عليكي ياما يعني هو ذنبه إيه إنه اتنصب عليه. قالت والدتها: -طيب اسكتي يا اختي وقومي عشان الصلاة هتبدأ أهي.
وبداخل المسجد يقف الشيخ سالم البحيري إماماً للمصلين ورفع يديه وقال "الله أكبر"، ليردد من بداخل المسجد ومن بالساحة في الخارج خلفه التكبير. تقف خديجة بجوار شيماء، وتلك السيدة وبجوارها ابنتها فاتن، وتلك الفتاة التي تُدعى رحمة والحزن يرتسم على ملامح وجهها المستدير وعينيها اللوزيتين، شاردة في عالم آخر وهي تتذكر ليلة البارحة. فلاش باك...
تجلس على حافة السياج المطل على نهر النيل وبجوارها ذلك الذي يلقي بعض الصخور الصغيرة في المياه. قالت رحمة: -وبعدين يا طه آخرة حبنا ده إيه؟ أنا عمالة أرفض أي حد يجيلي على أمل إنك تيجي تكلم أمي وتطلب إيدي منها. التفت لها ورمقها بغضب وصاح في وجهها وقال: -عايزاني أعملك إيه يعني ما أنتي عارفة اللي جاي على قد اللي رايح، وصاحب المحل اللي بشتغل فيه يدوب بيديني كام ملطوش يدوب بجيب بيهم السجاير والباقي مصاريفي. صاحت
في وجهه هي الأخرى وقالت: -هو أنا بقولك هاتلي شقة ملك! ولا شبكة! أنا كل اللي قولتهولك إني مستعدة تتجوزني في شقة عم سالم ومش عايزة دهب غير حتة دبلة وممكن تجيبها دهب صيني. زفر بحنق وقال ساخراً: -وبعدين! هصرف عليكي منين؟ ده حتى أبويا يدوب معاشه مكفي مصاريفنا بالعافية هقوم أجيب له بلوة تزيد الحمل عليه. شهقت بصدمة وقالت: -هااا! أنا بلوة يا طه؟ قال باقتضاب: -ما كنتش أقصد أنا بديلك مثل. التفتت ثم نزلت من فوق
السور وقالت بصوت مرتفع: -ولا تقصد... عموماً متشكرة جداً وآسفة جداً بس الأسف ده ليا.. إني ضيعت وقتي مع واحد مستهتر وأناني زيك. رمقها بحدة ثم التف ونزل هو أيضاً وقال: -وطي صوتك يا رحمة صوتك ما يعلاش عليا. قالت بإصرار وتحدٍ وغضب كامن: -لأ هعلي وهخلي كل الناس تعرف إنك ندل و...
لم تكمل جملتها ليقاطعها هو بصفعة قوية على وجهها وهو يزفر ويلهث بقوة. لم تتفوه بكلمة سوى تعالي شهقات بكائها التي أجهشت به للتو، لتركض من أمامه وتتجه نحو منزلها. باك... انتبهت من شرودها لتجد الإمام قال: "سمع الله لمن حمده". ركع الجميع لتتعالى الهمسات، انحنت بجذعها وهي تسند يديها على ركبتيها وقالت بصوت غير مسموع: -سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد والشكر. في حديقة قصر آل البحيري...
قصر لا يوصف بالحديث عنه لابد من أن تراه بعينيك حتى تستمتع من رؤية ذلك البناء المعماري الضخم الذي شُيد بمزيج من الطراز الكلاسيكي والحديث في آن واحد، له العديد من المداخل بحري وشرقي وقبلي، وعلى كل مدخل لا يقل عن حارسين بأجساد ضخمة. وبالخارج حديقة شاسعة تحاوط القصر يوجد بها إسطبل للخيل ومنزل صغير متكون من العديد من الغرف وذلك للخدم وجميع العاملين بالقصر، وبخلف القصر يوجد مرآب يوجد فيه أسطول من السيارات بجميع الماركات العالمية الحديث منها والكلاسيكي.
نذهب إلى الداخل حيث عالم آخر غير الخارجي تماماً...
الجدران ذات الارتفاع الشاهق المليئة باللوحات الفنية لأشهر الرسامين وخاصة من عصر النهضة كأمثال دافنشي، البهو يشعرك بقشعريرة من نسمات الهواء البارد التي تلفح بشرتك عند دخولك لأول مرة، الإضاءة معتمة، الطلاء مزيج من الأسود والألوان القاتمة ولاسيما الديكورات والتماثيل البرونزية والفضية، تشعر وكأنك في قصر الخديوي. نصعد سوياً على ذلك الدرج المتسع تتوسطه سجادة باللون الأحمر القاني، على جانبيه درابزين من معدن النحاس في بدايته ونهايته تماثيل رومانية.
وفي الطابق الثاني يوجد رواق كبير وطويل يتفرع منه العديد من الغرف ذات المساحات الشاسعة، وبداخل أكبر الغرف أو بالأحرى "الجناح الملكي" كما يطلق عليه أبناء عزيز حكيم البحيري صاحب أكبر مجموعة شركات البحيري للصلب في الشرق الأوسط، رجل يرتسم كلاً من الهيبة والوقار على ملامحه التي تجعلك تشعر بالرهبة عندما تراه، يبلغ خمسة وستين عاماً.
يقترب مبتسماً من تلك الحسناء على الرغم من بلوغها الخامسة والخمسين عاماً لكن تمتلك جمال فتاة العشرينيات فهي جيهان الدالي، سيدة تتمتع بقدر عالٍ من الجمال والأناقة تتميز بعينيها ذات اللون الرمادي الممزوج بلون السماء وخصلات شعرها التي تشبه أشعة الشمس الذهبية وبشرتها الشقراء الممتزجة بالحمرة الطبيعية حيث أصولها التركية التي تنحدر منها سلالة عائلتها.
قال عزيز بصوته الرخيم وهو يحاوطها بذراعيه ليلتصق صدره بظهرها وهي تعدل من هندامها مرتدية العباءة المغربية ذات اللون الأبيض والمطرزة بالخيوط الذهبية: -كل سنة وأنتي طيبة يا حبيبتي. التفتت إليه لتصبح في مواجهته وقالت: -وأنت طيب يا زيزو. ثم أطلقت ضحكة. انفرجت أساريره بالضحك وقال: -زيزو! لسه ما نسيتيش الدلع ده. -ده أنا جد بقالي 7 سنين. حاوطت عنقه بيديها وقالت: -حتى لو بقيت عجوز خالص برضو هدلعك وهفضل أحبك.
ضمها إليه أكثر وقال: -أنا مقدرش على الكلام الحلو ده، كده هتخليني مخرجش من الأوضة خالص. كادت تنطق فأوقفها صوت مرتفع من إحدى الغرف. *** بداخل إحدى الغرف.. يمسك ساعدها بقبضته القوية ويصيح فيها قائلًا: -انسي يا هانم اللي قولتيه دلوقت ومفيش خروج خالص، أنتِ فاهمة؟ ردت عليه بنفس مستوى الصوت المرتفع وقالت: -ليه إن شاء الله! هو أنا مكتوب عليا كل عيد أتحبس في القصر ومروحش لبابي؟ دفع ساعدها وألقى به وقال:
-أنا مامنعتكيش تروحي لأهلك بس مش أول يوم العيد، وكمان هم مسافرين وأنتِ عارفة من آخر مرة وأنا مانعك. قامت جيهان بفتح الباب وتنظر إليهما وقالت: -في إيه يا يوسف أنت وإنجي؟ كل اللي في القصر سامع صوتكم، ينفع كده؟ ثم نظرت إلى ابنها وقالت بنبرة تهكم: -ينفع كده يا حضرة الدكتور؟ أجاب يوسف بغضب وقال: -يعني ينفع اللي الهانم عايزة تعمله ده؟ أجهشت إنجي بالبكاء وركضت نحو جيهان وقالت: -شوفتي يا عمتو يوسف بيعمل معايا إيه؟ صاح غاضبًا
وقال: -مش عايز شغل المحن ده وإلا... قاطعته جيهان وصاحت فيه بغضب وقالت: -ولد! اخرس، جرى إيه أنا مش مالية عينك! وإيه محن والألفاظ دي؟ نظر لأسفل بخجل وقال: -سوري يا ماما بس بصراحة بتخلي الواحد يخرج عن شعوره. قالت إنجي وهي ما زالت تبكي: -قصدك إيه يعني؟ أنت اللي بقيت عصبي ومبقتش تطيق ليا أي كلمة، حتى لوجي بنتك كل ما تيجي تقعد معاك تقوم مزعقلها. -صحيح الكلام ده يا يوسف؟ قالها عزيز الذي دلف إلى الغرفة للتو. أجاب يوسف وقال:
-يا بابا حضرتك فاهم غلط، كل القصة إن بقالي يومين منمتش بسبب العمليات اللي كانت عندي في المستشفى وإنجي هانم مش مقدرة ظروفي. اندفعت إنجي وقالت: -يا أونكل عزيز كل اللي طلبته منه قولتله عايزة أسافر مع بابي ومامي الجونة هيقضوا إجازة العيد هناك، ومن غير حتى ما يتناقش معايا فضل يزعق فيا. دفعت تلك الصغيرة ذات السبعة أعوام باب الغرفة وهي تقول: -كل سنة وأنتوا طيبين. التفت الجميع إليها وانحنى عزيز مهللًا وقال: -حبيبة وقلب جدو.
قالها وهو يفتح ذراعيه لتركض نحوه وترتمي على صدره ليحملها ويقف فأردف: -فين البوسة بتاعة جدو؟ طبعت الصغيرة بشفتيها التي تشبه الفريز قبلة على وجنتي جدها.. أردف بسعادة: -الله الله الله على العسل. قالت جيهان: -طيب وجي جي ملهاش بوسة؟ اقتربت الصغيرة وقالت: -أنتِ حبيبتي يا جي جي متزعليش. قالتها ثم قامت بتقبيل جدتها من وجنتيها. أخذ عزيز الصغيرة وفتح الباب وقال: -أنا نازل تحت في الجنينة.
قالها ثم ألقى نظرة ازدراء نحو يوسف وإنجي ثم غادر. التفتت إليهم جيهان وقالت بنبرة توبيخ: -عاجبكم اللي بتعملوه ده؟ أنتوا مش صغيرين على خناقتكم اللي مبتخلصش.. يلا هات مراتك في إيدك وانزلوا عشان نفطر.. شوية وعمك سالم جاي هو وعياله. قالتها ثم غادرت.. فقالت إنجي بغرور وسخرية: -جايين زي كل مرة ياخدوا الحسنة من أونكل عزيز. رمقها يوسف بعينيه السوداوين باحتقار ثم زفر بحنق وقال: -مفيش فايدة فيكي وعمرك ما هتتغيري.
قالها ثم غادر الغرفة وصفق الباب خلفه بقوة. (يوسف البحيري.. ذو ثلاثين عامًا.. يتميز بكونه طبيبًا ماهرًا في مجال الجراحة حيث أصبح مدير مشفى البحيري الاستثماري الذي يشاركه فيها خاله والد إنجي زوجته التي تصغره بعام ويدعى مهدي الدالي، وهو من أكفأ الأطباء الذين نالوا شهرة بداخل وخارج البلاد) *** وبعد انتهاء صلاة العيد.. ما زالت رحمة تجلس في مكانها ولم تشعر بعبراتها التي تتساقط على هاتفها الذي بيدها..
انحنت نحوها خديجة وقالت: -كل سنة وأنتِ طيبة يا جميل. لم تجب عليها رحمة حتى لاحظت خديجة صديقتها تبكي فقالت: -مالك يا بنتي بتعيطي ليه؟ رفعت وجهها وهي تكفكف عبراتها وقالت: -لأ مفيش حاجة عينيا وجعاني بس. رفعت خديجة إحدى حاجبيها وقالت: -عليا أنا الكلام ده؟ قوليلي هو طه زعلك؟ زفرت بضيق وقالت: -خالص بقى يا خديجة قولتلك مفيش. نهضت خديجة وقالت لها:
-براحتك يا رحمة أنا ياما حذرتك وقولتلك بلاش طه أخويا ده ليه دماغ لوحده.. مسمعتيش كلامي وروحتي مشيتي معاه. رمقتها رحمة بنظرات عتاب فأردفت خديجة بعد أن أطلقت زفرة بضيق: -والله ما قصدي حاجة، أنا أخويا عارفاه كويس كل ما تتمنعي عنه وتديله على دماغه وتفهميه إن سكته معاكي يجي يطلب إيدك من أهلك هيتعلق بيكي أكتر، لكن أنتِ يا رحمة خلتيه يخرج معاكي وبتكلميه من ورا أهلك وموقفة حالك عشانه، ليه كل ده؟ أجابت بصوت مبحوح من البكاء:
-عشان بحبه يا خديجة ومستعدة أضحي بأي حاجة عشانه حتى لو اتجوزني في أوضة فوق السطوح. لوت شفتيها جانبًا فقالت: -تبقي عبيطة وهبلة.. يا رحمة أنتِ مش شايفة نفسك؟ أنتِ ما شاء الله زي القمر ومعاكي بكالوريوس وكل يوم واحد يروح يطلب إيدك من مامتك وأنتِ بغباءك بترفضي حتى من غير ما تدي فرصة لحد، وكل ده ليه وعشان إيه؟ عشان أخويا اللي أصلًا مش عارف يبقى مسئول عن نفسه. ربتت خديجة على كتفها وأردفت:
-يا ريت تفكري في كلامي يا رحمة، أنا لو مش بحبك وبخاف عليكي زي أختي مكنتش قولتلك كده. نظرت رحمة إليها وقالت بتهكم: -طيب ما تنصحي نفسك بدل ما أنتِ معلقة نفسك في أوهام. رمقتها خديجة بامتعاض ولم تتفوه بكلمة ثم تركتها وغادرت وهي تبحث عن صديقتها الأخرى التي اختفت حيث قد نسيت هاتفها معها. *** تمشي بخطى مسرعة إلى البناء الذي تقطن فيه.. ودلفت إلى الفناء لتجد يدًا تجذبها إلى داخل غرفة صغيرة.. شهقت بذعر وقالت:
-هااا.. يخربيتك خضتني. رمقها بنظراته الحادة وقال: -مش قولتلك متلبسيش الإسدال ده قبل كده! قالها وهو يمسك بطرف حجابها ويقوم بخلعه. قبضت على يده وقالت: -أنت بتعمل إيه يا عبدالله؟ سيبني أطلع زمان أبويا راجع من الصلاة ولو شافني معاك هيطين عيشتي هو ومراته. قال بحنق: -ليه يعني هو أنا شاقطك؟ أنتِ خطيبتي والحارة كلها تشهد. قالت بسخرية:
-مخطوبين بقالنا خمس سنين يا عبدالله وسيادتك محلك سر، وكل ما تعملك قرشين تصرفهم على التوكتوك بتاعك. اقترب منها وهو يقترب بأنفاسه من وجنتها وقال: -يا بت أنا داخل جمعيات والتوكتوك اللي مش عاجبك ده هو اللي بيسد قسطها، وأول ما هقبضها هاجي لأبوكي وأحدد ميعاد الفرح. دفعته في صدره ليبتعد عنها وقالت: -طيب من هنا لحد ما تيجي لأبويا مش عايزة أشوف خلقتك. قالتها لتهم بالمغادرة.. فقبض على معصمها ليجذبها ويغلق الباب
ويدفعها نحو الحائط وقال: -عايزة تسيبي حبيبك كده من غير تصبيرة؟ قالت وهي تدفعه مرة أخرى: -أنت مابتزهقش؟ حرام عليك يا أخي. اقترب منها وهو يجذبها نحوه بين ذراعيه وقال: -لأ مبزهقش، حد يزهق من العسل ده؟ يا بت لما بزعقلك على الإسدال عشان لما بتلبسيه بيخليكي جامدة والشباب مبتنزلش عينيها من عليكي. -طيب أبعد عني وحياة أبوك لحد يشوفنا. قالتها شيماء وهي تدفعه في صدره وهو ما زال يعانقها بقوة. -لأ مش هسيبك غير لما أدوق العسل.
قالها وهو يقترب من شفتيها. بينما في الخارج تقف خديجة أمام البناء وهي تقول: -راحت فين دي بس؟ لما أطلعلها. دلفت إلى الفناء بخطى لم يشعر بها كلاهما، ولم يلاحظ أحدهما الباب الذي كان مواربًا.. توقفت متسمرة بمكانها وهي تراهما فأصدرت شهقة حتى ابتعد عبدالله عن شيماء والتفتوا نحو خديجة التي رمقتهم بازدراء. خرج عبدالله بدون أن ينظر لها وقال: -سلام عليكو. ثم غادر وهو يعدل من هندامه.
اقتربت شيماء نحو خديجة بخجل شديد وهي تمد يدها إليها بهاتفها.. أخذته منها بعنف وقالت: -مش عايزة أعرفك من النهاردة. ثم غادرت البناء وذهبت إلى البناء المقابل حيث يوجد منزلها. *** في منزل سالم البحيري.. دلفت خديجة إلى داخل المنزل بعدما فتحت الباب بالمفتاح.. وجدت شقيقها يجلس على الأريكة بأريحية يشاهد التلفاز وهو يدخن سيجارته ليدفس ما تبقى منها في المنفضة المعدنية. لم تعره أي اهتمام متجهة نحو غرفتها ليوقفها بصوت أجش:
-تعالي هنا عايزك في كلمة. رمقته بنظرات حادة وقالت: -نعم! اعتدل في جلسته وقال بنبرة تحذيرية: -اتعدلي معايا يا خديجة لأعدلك. عقدت ساعديها أمام صدرها فقالت باستهزاء: -بجد! طيب إيه رأيك يا طه لما بابا يجي هقوله على أسلوبك معايا ده، غير إيدك اللي مدتها عليا أول إمبارح، وكله كوم وموضوعك مع رحمة كوم تاني. نهض وعينيه كالبركان الذي يقذف حممه وقال: -أنتِ بتهدديني؟
ما تقولي لبابا ولا تغوري في داهية.. وموضوع رحمة ده ملكيش فيه حاجة متخصكيش. صاحت بغضب وقالت: -لأ ليا لأنها صحبتي وجارتي وعشرة عمر، اللي أنت معملتش حساب لكل ده وعمال ماشي معاها وتسرح بيها. -هي اللي غلطانة محدش ضربها على إيديها وقالها تحبني، وهي عارفة إن محلتيش حاجة ومش هقدر أتجوزها. قالها طه. ابتسمت بسخرية وقالت: -فعلًا هي اللي غلطانة أنها وثقت في واحد زيك ندل وجبان.
استشاط غضبًا من كلماتها فاقترب نحوها ورفع يده وكاد يصفعها ليوقفه صوت فتح باب الشقة والشيخ سالم يدخل وقال: -جرى إيه يا ولاد؟ إيه صوتكم جايب لآخر الشارع. أجاب كلاهما بخجل وقالوا في صوت واحد: -مفيش يا بابا. خلع حذاءه ووضعه جانبًا وقال: -يلا اجهزوا عشان رايحين لعمكم عزيز. قال طه بتهكم: -قصدك رايحين نشحت من عمنا عزيز. نظر إليه والده بحنق وقال: -اللي هنعيده نزيده تاني يا بني؟
قولتلك إحنا مبناخدش حسنة من حد، ده إيجار الأرض اللي ورثناها كلنا عن جدك البحيري الله يرحمه. قال طه: -وبالنسبة للقصر مش الأرض اللي مبني عليها لينا فيها برضو؟ زفر سالم بضيق وقال: -الكلام ده تقوله لجدك يحيى الله يرحمه هو اتنازل عن الأرض لأخوه حكيم، يعني يا أبو مخ تخين ملناش حق فيها.. ويلا عشان العربية اللي جاية تاخدنا زمانها على وصول. *** بداخل إحدى غرف القصر..
تقف بداخل الشرفة المطلة على المسبح وجهها كالملاك تنظر إلى السماء بعينيها التي قد ورثتها عن والدتها، وشعرها البني الممتزج بالأسود القصير الذي يصل إلى منتصف عنقها، وبشرتها البيضاء الناعمة.. تتحدث في هاتفها بشفتيها الوردية المكتنزة: -بتتكلمي بجد! -............. -مش عارفة بابي هيوافق ولا لأ. -............. طرقات على باب الغرفة فقالت:
-طيب أنا هقفل معاكي دلوقت في حد بيخبط على الباب شكلها مامي.. هبقى أرد عليكي ساعة كمان.. باي. أغلقت المكالمة ودخلت الغرفة لتجد والدتها. جيهان: -كل سنة وأنتِ طيبة يا ملوكة ماما. قالتها لتتجه نحو والدتها لتعانقها وقالت بسعادة: -وأنتِ طيبة يا جي جي يا عسل أنتِ. رمقتها جيهان بمكر وقالت: -اممم كلمة عسل مابتتقالش غير لما تكون وراها مصلحة، قولي عايزة إيه؟ ابتسمت بخجل وقالت:
-بصراحة أصحابي مسافرين بكرة الساحل وعايزيني أروح معاهم. قالت جيهان: -أنتِ عارفة يا ملك بابي مانعك إنك تسافري لوحدك. قالت ملك بتذمر: -يا مامي أنا مش لوحدي معايا أصحابي اللي في الجامعة، وبعدين أنا مبقتش صغيرة أنا عندي 20 سنة. ضحكت جيهان وقالت: -حتى لو بقى عندك 100 سنة هتفضلي في نظري ملوكة الصغيرة. زفرت بحنق وقالت بسأم: -أوك أنا عارفة مين اللي هيقنع بابي. ابتسمت والدتها وقالت: -هو كمان مش هيوافق. رمقتها بتحدي وقالت:
-ولو وافق؟ جيهان: -بنت أنتِ بتتحديني! ملك: -لأ يا مامي مش تحدي ده رهان. جيهان: -مش وقت رهان وكلام فاضي، يلا غيري هدومك عشان شوية وعمك سالم وولاده جايين. انفرجت أساريرها بالفرح وقالت: -أشطا ديجا جاية دي وحشاني أوي. تنهدت جيهان بسأم ثم قالت: -ربنا يهديكي يا ملك. قالتها وغادرت الغرفة.
أمام البناء تتوقف السيارة الفارهة من إحدى الماركات الشهيرة. خرج من الفناء الشيخ سالم وخديجة ويليهم طه الذي ارتسمت على وجهه ملامح الامتعاض. نزل السائق على الفور ليقوم بفتح الباب الخلفي. قال طه بصوت يكاد يكون مسموعًا ساخرًا: -بعتلنا عربية وسواق خايفين لنروحلهم بتوكتوك. قالت خديجة: -يعني هم غلطانين أنهم مش عايزنا نتبهدل في المواصلات. قالتها ثم ولجت إلى داخل السيارة. قام طه بدفعها وقال:
-متتكلميش معايا عشان أنا على أخري منك. رمقته بازدراء ثم أطلقت زفرة بحنق، وانطلقت السيارة. في قصر عزيز البحيري.. بداخل صالة الألعاب الرياضية يمارس تمارينه كالعادة، وجسده الرياضي تنسدل عليه قطرات عرقه بغزارة التي قد بلت معظم أنحاء القميص الأبيض القطني بنصف أكمام. توقف وتناول المنشفة القطنية ليجفف ذلك الانسدال الذي يزعجه، وقام بخلع القميص حتى أصبح عاري الصدر.
دلفت للتو تلك الخادمة التي يبدو عليها صغر عمرها الذي لم يتجاوز الثامنة عشر عامًا، تمسك بيدها صينية صغيرة يعلوها كوب من العصير الطازج، فقالت بخجل دون أن تنظر له: -ياسين بيه العصير. التفت إليها وقال بغضب: -أظن إن فيه باب المفروض تخبطي عليه ولو أنتي داخلة بيتكو!! تطلعت إلى عينيه الرماديتين وقالت بوجل: -أ.. أنا نسيت.
اقترب منها ليزداد توترها وخوفها أكثر حتى ارتجفت يدها لتندفع الصينية عنوة عنها بالكوب، فانسكب العصير على بنطاله الأسود ويقع الكوب على الأرض ليصبح حطامًا، فشهقت بذعر ووضعت يدها على فمها. وكأن الغضب يتأجج بداخله كالنيران المشتعلة، صاح في وجهها وقال: -برررررره. أجهشت بالبكاء ولم تقدر على النطق أو الحراك، فازداد غضبه أكثر وقال وهو يشير نحو أذنه: -أنتي مبتسمعيش!!! بقولك بره.
كان يمر من أمام الصالة ليفتح الباب عندما سمع صياح شقيقه. -بتزعق كده ليه يا ياسين؟؟ قالها يونس الذي لاحظ العصير المسكوب على بنطال شقيقه والكوب المحطم على الأرضية الخشبية. قال ياسين بغضب: -لو سمحت يا يونس خد الغبية دي وطلعها بره. تعالت شهقاتها أكثر، زفر يونس بضيق فقال: -روحي يا ياسمين على المطبخ وأنا هبقي أخلي حد يجي ينضف اللي على الأرض. غادرت الصالة على الفور وهي تركض نحو المخرج المؤدي إلى المنزل الصغير.
بينما في الصالة، قال يونس: -مكنش داعي للزعيق ده يا ياسين، البنت ملهاش ذنب أن الكوباية تقع تكسر، دي مهما كان أمانة عندنا ومينفعش تعاملها كده. ضحك بسخرية وقال: -والنبي يا حضرة الفنان نقطني بسكاتك... أنت عارفني طول عمري مابحبش الغباء، الهانم دخلت عليا من غير ما تستأذن وجاية تديني العصير وقعت الكوباية ودلقت عليا العصير، عايزني أعملها إيه أطبطب عليها!! يونس:
-برضو متكلمهاش بالطريقة دي، بابا لو عرف مش هيسيبك غير لما تعتذر ليها. فاه وقال بازدراء وعنجهية: -نعم!!! أعتذر لبنت الجنايني أنت اتجننت!! يونس: -ما تحترم نفسك وراعي أنك بتتكلم مع أخوك اللي أكبر منك. قال ياسين بسخرية: -يا عم هم 3 سنين فرق قارفني بيهم وخلاص كلها شهرين وهتم الـ 24 سنة. يونس: -طيب يلا عشان بابا مستنينا في الجنينة من بدري. في منزل الخدم حيث الطابق الثاني بداخل إحدى الغرف المتفرعة من الرواق الطويل..
تدفن وجهها في وسادتها وهي تبكي بشدة. طرق أحدهم على باب الغرفة، توقفت عن البكاء فقالت وهي تمسح عبراتها: -مين؟ أجاب الطارق: -أنا علا يا ياسمين. نهضت وهي تعدل ثوبها الأسود وحجابها الزهري، لتتقدم بخطوات نحو الباب وفتحت لتشير إليها بالدخول. قالت علا وهي تتفحص آثار عبراتها على وجنتيها: -أنتي كنتي بتعيطي؟ أومأت لها ياسمين بالنفي وقالت: -مفيش كنت مخنوقة شوية. علا: -يبقى ياسين بيه سبب دموعك.
وعندما ذكرت اسمه أشاحت وجهها بعيدًا عنها وهي تحاول أن تكبت عبراتها. اقتربت علا منها فقالت: -على فكرة أنا سمعت الحوار اللي حصل وأول ما لمحت يونس بيه جريت على طول... بس أنتي فعلًا غلطانة وقلبك هيوديكي في داهية، أنتي مش قدها والظاهر نسيتي هو مين وأنتي تبقي مين... فوقي لروحك يا بنت عم إسماعيل الجنايني. رمقتها ياسمين بغضب وقالت: -احترمي نفسك يا علا. تنهدت علا وقالت:
-آسفة مش قصدي معايرة أبدًا والله، أنا كنت عايزة أسمعك الكلام اللي هيتقالك لو مرجعتيش عن اللي في دماغك ده. نظرت ياسمين لها بدون أن تنبس بكلمة. بداخل حديقة القصر.. تتجمع عائلة عزيز البحيري جميعها حول الطاولة. عزيز يترأس الطاولة وتجلس على فخذيه حفيدته لوجي، وعلى يمينه جيهان زوجته، وبجوارها ابنتها ملك ويليها ياسين الذي يمسك بهاتفه، ومن الجهة الأخرى يجلس يوسف وتليه إنجي زوجته ثم يونس. قال يوسف:
-تعالي يا لوجي اقعدي جمب مامي خلي جدو يعرف يقعد. أجابت بتذمر وهي تعقد ساعديها وقالت بصوتها الطفولي: -لاء أنا عايزة اقعد مع جدو زيزو. ضحك الجميع فقال عزيز: -سيبها تقعد براحتها دي روح جدو. قالها ثم قام بتقبيل وجنتها. قامت بمعانقته وقالت: -وأنت كمان روح لوجي. قالت جيهان: -أومال فين آدم؟ يونس: -أنا شايفه من بدري وهو رايح ناحية الخيل. قالت ملك: -طبعًا رايح يصبح على رعد، هاروح له أنا وأندهله.
قالتها ثم نهضت وأزاحت المقعد للخلف وغادرت وهي تركض نحو إسطبل الخيول حتى اصطدمت بذلك الجبل الذي لم يهتز من ذلك الارتطام. رفعت عينيها التي تشبه السماء الصافية لتلتقي بتلك العيون الرمادية الحادة، حتى شعرت بفارق الطول حيث طولها لا يتعدى الـ 160 سم وهو فارع الطول الذي يتعدى 195 سم. رمشت عدة مرات فقالت: -سوري مصعب. قالتها وانحنت حتى تلتقط هاتفها الذي وقع من يدها، فسبقها هو وقام بالتقاطه ثم أعطاها إياه وقال بصوته الأجش:
-ولا يهمك يا آنسة ملك. أخذت هاتفها وهي تبتسم له، ليشرد في ابتسامتها التي أسرته ليفيق من ذلك الشرود على صوت الشيخ سالم. -السلام عليكم. رد الجميع عليه بنفس التحية. ركضت ملك نحو خديجة وهي تعانقها وقالت: -وحشاني أوي يا ديجة كده متسأليش عليا زعلانة منك. ابتسمت خديجة وقالت: -وميرضنيش زعلك يا ملوكة. قالتها ثم نظرت إلى الجميع وذهبت نحو عمها عزيز وقالت: -أزيك يا عمي كل سنة وأنت طيب. قال عزيز: -وينفع السلام من بعيد كده؟؟ سالم:
-روحي يا خديجة سلمي على عمك. تقدمت بخجل لتصافحه ثم صافحت جيهان بالعناق والقبلات، ومدت يدها إلى إنجي فرمقتها بزهو وكبرياء وقالت: -أزيك. شعرت خديجة بالإحراج فتراجعت، فقال يوسف: -أزيك يا خديجة عاملة إيه؟ خديجة: -الحمد لله. ركضت نحوها الصغيرة لوجي وقالت: -ديجة حبيبتي. فانحنت لتعانقها وتحملها وقامت بتقبيل وجنتيها وقالت: -عاملة إيه يا لوجي؟ لوجي: -أنا زعلانة منك مبقتيش تيجي وتحكيلي حدوتة. ابتسمت خديجة وقالت:
-حاضر يا قلبي أنا النهاردة هاحكيلك حواديت قد كده. جيهان: -يلا عشان نفطر سوا مع بعض. ثم قامت بمناداة الخادمة: -يا علا. جاءت علا لتنحني نحو جيهان التي تهمس في أذنها. فاقتربت ملك من خديجة وأمسكت يدها وقالت: -تعالي معايا يلا. كادت تتعثر خديجة في الطريق وقالت: -وخداني على فين؟ ملك: -تعالي معايا وأنتي هتعرفي. قالتها وهي تغمز لها بإحدى عينيها.
وصلت كلتاهما عند الإسطبل. وقعت عيناها ذات لون البندق نحو ذلك الذي يمتطي جواده الأسود، بجسده العريض حيث يرتدي قميصًا أسود أنيقًا يلتصق بمنكبيه العريضين مفتوحة أزراره العليا لتبرز عضلات صدره ذو البشرة الخمرية المكتسبة بعض الحمرة، ويرتدي أيضًا بنطالًا كلاسيكيًا باللون الأسود. يرمح بالخيل في الساحة المحاطة بسياج معدني يمسك لجام الخيل بقبضتيه بحزم وقوة وأيضًا السوط. خصلات شعره الأسود الكثيف تتراجع إلى الخلف وقطرات العرق
تنسدل على جبينه وحاجبيه الحادين، ينظر أمامه بعينيه ذات اللون البني تحاوطهما أهدابه السوداء الكثيفة، يغلق عينيه ويستنشق الهواء بأنفه المستقيم، وما زالت قطرات العرق في طريقها نحو لحيته المشذبة. فها هو آدم ذو الثلاثة والثلاثين عامًا الابن الأكبر لعزيز البحيري ومدير شركات والده.
لاحظ وجود شقيقته وابنة عمه فشد لجام الخيل ليتوقف ويطلق صهيله القوي. نزل من فوق الخيل بمهارة ليتقدم نحوهما بطوله الفارع الذي يصل إلى 192 سم يمسك بيديه السوط من طرفيه، ومع كل خطوة يخفق قلبها بشدة ومقلتاها التي تتلألأ عند رؤيته. قال آدم بصوته الرجولي العذب: -أزيك يا خديجة. ابتلعت ريقها وقالت بابتسامة وخجل في آن واحد: -الحمد لله بخير. ملك: -يلا عشان هنفطر. آدم: -طيب دقيقة هادخل رعد الإسطبل وجاي دلوقت. ملك:
-طيب إحنا جايين معاك. نظرت لها خديجة وقالت وهي تهمس: -هنروح فين؟ ملك: -تعالي بس معايا عشان عايزاه في موضوع مهم وعايزاكي تكوني موجودة عشان تقنعيه. خديجة: -موضوع إيه؟ فهميني بس الأول. ملك: -دلوقت هتعرفي. ذهبا إلى الإسطبل. آدم أدخل رعد إلى مكانه وأغلق البوابة بإحكام. ملك: -آدم عيزاك في موضوع قبل ما نروح نفطر. تنهد وقال: -قولي. ملك: -أصحابي مسافرين الساحل بكرة وعايزة أروح معاهم. قطب حاجبيه وقال بنبرة شبه غاضبة:
-تاني يا ملك؟ مش بابا آخر مرة محذرك وقايلك مفيش رحلات لوحدك غير لما يكون في حد معاكي سواء أنا أو يونس أو ياسين. زفرت بضيق وقالت: -أنت طول النهار والليل في الشركة ويونس في الجاليري بتاعه وعارف كويس أنا وياسين مبنطقش بعض. رفع إحدى حاجبيه وقال: -والمطلوب؟؟ ملك: -تقنع بابا يوافق. زفر بسأم وقال: -خلاص هقنعه أنه يوافق بس على شرط مصعب يطلع معاكي الرحلة. غرت فاها وقالت: -أنت بتهزر يا آدم هو أنا طفلة!! زمجر آدم وقال:
-بقولك إيه يا ملك أنتي عارفة أن بابا ليه أعداء كتير ومحدش فينا بيخرج من غير السكيورتي. خديجة: -معلش يا ملك بس آدم عنده حق. استشاطت غضبًا فقالت: -يعني أنا جايباكي عشان تقفي جمبي تقومي تأيدي كلامه. قالتها ثم تأففت وتركتهما وغادرت. كادت خديجة تنادي عليها فقاطعها آدم وقال: -متزعليش منها هي على طول كده بتغضب بسرعة وبعد كده بتهدى وبتنسى اللي حصل. خديجة بتوتر قالت: -طيب عن إذنك أنا هاروحلها.
قالتها لتهم بالمغادرة ليصدر الخيل صهيلًا بصوت مدوٍ فارتعبت لتتعثر قدماها وكادت تقع على ظهرها، فلحق بها آدم ليجذبها من خصرها وتشبثت بقميصه لتنقطع أزراره جميعها. تلونت وجنتاها بالحمرة وشهقت ثم ابتعدت عنه وقالت: -آسفة والله مكنش قصدي. ابتسم آدم وقال: -ولا يهمك... يلا عشان منتأخرش عليهم.
تقدمت هي أمامه وهو خلفها حتى وصل كليهما عند الطاولة، ولم تلاحظ خديجة عيني طه شقيقها والشرار يتطاير منهما حيث ظن السوء. جلست بجواره ليقترب منها ويهمس وهو يمسك بيدها بقبضة قوية: -كنتي بتعملي إيه مع آدم لوحديكو في الإسطبل؟؟؟ اتسعت حدقتاها بصدمة وقالت: -أنت اتجننت!!! -وزراير قميصه المتقطعة دي؟؟؟ جذبت يدها من قبضته وقالت: -لم نفسك يا طه وبطل تفكيرك الشمال ده.
كاد يتفوه لينتبه نحو إنجي التي تبتسم بمكر وخبث حتى أدرك أنها قد استرقت السمع، فقال هامسًا: -ماشي يا خديجة لما نروح البيت. لم تجب عليه وتصنعت النظر إلى شاشة هاتفها. صعد آدم إلى غرفته ليبدل ثيابه ثم نزل إليهم وجلس على يمين والده. كان الخدم قد وضعوا أطباق الطعام بشكل أنيق فوق المائدة، وبدأ الجميع في تناول الطعام.
حل المساء ليسطع نور القمر الذي يتسلل إلى شرفتها متوجهًا إلى تلك العينين المنتفختين من كثرة البكاء، وهي تمسك بحبل مصنوع من الشراشف والمفارش تقوم بعقده حول درابزون السور. دوى طرقات على باب غرفتها، لتنتفض وتنظر خلفها لتدلف إلى غرفتها وتجيب بحذر: -مين؟ أجاب الطارق وقال: -أنا زينات يا صبا هانم، عابد بيه بيقولك يلا عشان المأذون جه والمعازيم مستنية تحت. قالت صبا: -قوليله نازلة حالًا.
وفي البهو بالأسفل، يقف عابد الرفاعي صاحب مجموعة شركات الرفاعي ستيل للصلب، وبجواره ذلك الذي يزفر دخان سيجارته الكوبية الفاخرة ويستقبل المدعوين بشموخ... يبتسم فتبرز عظام فكيه العريضين وعينيه الحادتين التي يمتزج لونها بالأخضر والرمادي... يقطب حاجبيه الكثيفين عندما أخبره أحد الحراس شيئًا ما في أذنه.
وفي الحديقة، نجحت أخيرًا بأن تلوذ بالفرار لتستغل دخول وخروج المدعوين وهي تتنكر في ثياب رجالي، وترفع خصلات شعرها الكستنائي لأعلى وتخفيها أسفل القبعة التي يخبئ ظلها تلك الرماديتين ذات الجفون الملتهبة من البكاء... مشت بخطى هادئة حتى لا تجذب الأنظار إليها. وصلت إلى الطريق الرئيسي لتشير إلى سيارة أجرة... السائق: -ع فين يا كابتن؟
لم تجبه حتى لا يفتضح أمرها، فأخرجت من حقيبتها التي كانت تحملها على كتفها ورقة مالية لتعطيها للسائق، ثم أخرجت دفتر ملاحظات صغير الحجم ودونت بإحدى الورقات بعض الكلمات، ثم قامت بنزعها وأعطتها إلى السائق. بداخل فيلا عابد الرفاعي... صعد الدرج والغضب بداخله كالنيران المتأججة يضع يديه في جيوب بنطاله... وقف أمام غرفتها وطرق على الباب وقال بصوت مرعب: -افتحي يا صبا أنا قصي. لا رد من الداخل. وضع يده على المقبض
وأداره بعنف وهو يقول: -افتحي يا صبا الناس مستنية تحت والمأذون موجود من بدري. ليجد ما زال الهدوء يسكن الغرفة، ليدفع الباب بجسده مرة تلو الأخرى حتى انكسر المقبض وفتح الباب على مصراعيه، ليجد الغرفة شاغرة وباب الشرفة الزجاجي مفتوحًا... تقدم نحو الشرفة ليجد ذلك الحبل المتدلي لأسفل، فقام بجذبه لأعلى ثم ألقاه بقوة على الأرض ويزمجر كالأسد الذي وصل لقمة غضبه...
يرجع خصلات شعره البنية إلى الخلف وهو يزفر بغضب عارم، ثم نادى بصوت اهتزت له جميع جدران المنزل: -كناااااااااااان. وفي غضون ثوانٍ وصل ذلك الحارس الخاص به ذو البنية الجسدية الضخمة، فقال: -أمرك يا قصي باشا. قصي وهو يشير له بأصبعه بلهجة آمرة: -جهز العربيات والرجالة حالًا. كنان بعدم فهم: -أمرك يا باشا بس ليه؟ زمجر بغضب وقال: -من غير ليه. أومأ له كنان وقال: -دقيقة سعادتك وكل شيء هيبقى جاهز. (قصي العزازي...
ذو الخامسة والثلاثين عامًا... من أكبر تجار السلاح لكن ذلك في الخفاء، والظاهر في مجال العمل هو شريك عابد الرفاعي في مجموعته بنسبة كبيرة.) وقبل أن يغادر قصي الغرفة، لاحظ وجود ثوب الزفاف الملقى بجوار التخت، وكاد يمسك به ليلتفت إلى تلك الصورة التي يظهر جزء منها من أسفل الوسادة، ليلقي بالوسادة على الأرض ويتناول الصورة ليرمقها بنظرات نارية قاتلة، وأطلق ضحكة مرعبة وقال: -آدم البحيري يا أهلًا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!