تحميل رواية «صراع الذئاب» PDF
بقلم ولاء رفعت علي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بداخل أحد الأحياء الشعبية في وسط القاهرة... أصوات تتعالى وتردد تكبيرات صلاة العيد في مشهد يجعل قلبك يخفق بشدة من الفرح والسعادة وأنت ترى هؤلاء الذين يفترشون الأرض في ساحة شاسعة في الشوارع بسجاجيد الصلاة.. معظم الرجال والشباب يرتدون العباءة ذات اللون الأبيض الناصع، والنساء بعضهن ترتدي إسدال الصلاة الأنيق وأخريات ترتدي عباءة ذات اللون الأسود ويعلوها الحجاب، ولا ننسى الأطفال الذين يركضون هنا وهناك بين المصلين يرتدون ثياب العيد وبأيديهم البالونات والألعاب، والجميع مستمر في ترديد التكبيرات في صوت مهي...
رواية صراع الذئاب الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ولاء رفعت علي
تتسلل أشعة الشمس من بين فتحات الستائر، تهبط على جفونها تداعبها، لترمش عدة مرات بانزعاج، فالتفتت لوميض هاتفها معلنًا عن رسالة واردة على "الواتس".
أطلقت تنهيدة بملل ثم جذبت الهاتف من فوق "الكومود" لترى محتوى الرسالة، حتى انفرجت أساريرها بابتسامة جلية وهي توصد عينيها بسعادة، ثم أخذت تقرأ.
يونس: صباح الخير على أجمل عيون في الكون.
عضت على شفتها السفلى بخجل ثم أجابت كتابة: أعتبر دي مجاملة ولا غزل صريح!
يونس: اعتبريه رأي فنان في إبداع الخالق فيما خلق.
تنهدت وقالت بصوت مسموع: وبعدين معاك هتروح بيا على فين كده!!!
يونس: سكتي ليه؟؟؟ عمومًا لو بتضايقي من الكلام ده اعتبريني مقولتش حاجة.
كارين: أبدًا أنا عارفة إنك بتهزر.
يونس: بهزر!!!
أرادت تغيير مجرى المحادثة فأرسلت: نسيت أقولك ميرسي كتير على وقفتك جنبي الأيام اللي فاتت، بجد مش عارفة من غيرك كنت هعمل إيه.
يونس: العفو أنا معملتش حاجة.. المهم جهزي نفسك عشان شوية وهعدي عليكي عشان هاروح معاكي تسلمي الرسالة بتاعتك.
كارين: مفيش داعي أنا هطلب أوبر.
يونس: كارين قدامك نص ساعة بالكتير وهكون عندك، سلام.
ارتفع حاجباها باندهاش ثم ضحكت وقالت: مجنون وشكلك هتجنني معاك.
ألقت بالهاتف على فراش مضجعها الحريري ذو اللون الذهبي لتنهض وهي ترتدي ذلك "الشبشب" ذو الفراء على شكل أرنب وردي. دلفت إلى المرحاض لتزيل آثار النعاس من وجهها بالاغتسال وتنظيف أسنانها، عقصت خصلات شعرها للأعلى على شكل كعكة وهي تغادر الغرفة متجهة نحو المطبخ لتعد كوب القهوة التي اعتادت عليه صباحًا.
ما زالت البسمة لم تفارق ثغرها وكلماته التي تجول في ذهنها، تضغط على زر تشغيل ماكينة عمل القهوة وانتظرت حتى امتلأ الكوب فتناولته، قطبت حاجبيها بانزعاج من تلك الرائحة القوية الآتية من الردهة.
غادرت المطبخ متجهة نحو مصدر ذلك الدخان، شهقت بذعر وسقط منها الكوب ليتناثر حطامًا فوق الأرض، تنظر إلى ذلك الجالس واضعًا ساق فوق الأخرى يزفر دخان سيجارته التي لم تفارق إصبعيه.
قالت كارين وهي تبتلع ريقها بتوتر:
- قصي!!!
انحنى بجذعه قليلًا إلى الأمام وهو يطفئ ما تبقى من سيجارته في المنفضة الكريستالية، ثم تراجع بظهره بكل هدوء وسخرية:
- بونجور يا فنانة.
ومن نظراته التي يرمقها بها أيقنت بعلمه بكل ما حدث، عقدت ساعديها أمام صدرها وأجابت بسخرية مماثلة:
- بونجور يا قصي باشا... واضح إن رجالتك ما شاء الله عليهم شايفين شغلهم على الآخر.
نهض وعيناه على معصمها الأيمن الذي يحاوطه الجص واقترب منها وقال:
- لولا رجالتي كان زمانك مشرفة جنب الوالد وبقرأ عليكي الفاتحة.
ابتسمت بتهكم وقالت:
- ولما أنت خايف عليا للدرجة دي مش عايز تبطل شغلك الوسخ ده ليه!!!
احتدت عيناه بنظرات قد دق قلبها مرتجفًا وهو يقترب منها حتى توقف أمامها مباشرة يمسد على وجنتها مبتسمًا قال:
- كارين أنا جاي أطمن عليكي وأقولك ابعدي بمزاجك أحسن ما هخليه هو يبعد غصب عنك.
تسمرت بمكانها وهي ترمقه بنظرات ساخطة وهي تعلم مقصد حديثه وقالت بتحدي:
- ولو مبعدتش يا قصي هتعمل إيه!!!
وضع يديه بجيوبه بشموخ وأجاب بنبرة تهديد:
- حادث سير مروع أدى إلى انقلاب سيارة ابن رجل الأعمال المعروف مما أدى إلى وافته المنية.
اتسعت حدقتاها وصرخت في وجهه وقالت:
- أنت شيطان.
ابتسم بجانب فمه ثم تحولت ملامحه إلى الغضب وقال:
- طول ما عيلة البحيري بتقرب من اللي يخصني هتلاقيني ألعن من الشيطان... أنا مش بحجر عليكي ولا بقولك ما تعيشيش حياتك... لكن مع أي حد ما عدا أي كلب من كلاب العيلة دي بالذات.
انسدلت عبراتها لتجيب بصوت مختنق:
- أنت مش أخدت اللي أنت عايزه منهم واتجوزتها وخلاص في إيه تاني!!
صاح بغضب أكثر:
- لسه.. لسه في حساب كبير لازم أصفيه.. حاجة أنتي ملكيش دعوة بيها.
صاحت بمستوى نبرة صوته:
- وأنت كمان ملكش دعوة بحياتي وأحب مين وأكره مين.
أمسك بمعصمها الأيسر ورمقها بنظرات تحذيرية وقال غاضبًا:
- وقسمًا بالله يا كارين لو حسيت بس لسه على علاقة بيه هخليكي تقري خبره في الجرايد تاني يوم، وأنتي أكتر واحدة عارفاني بقول الكلام مرة واحدة.
قالها وهو يلقي يدها بقوة في الهواء ثم ابتعد ليهم بالذهاب متجهًا نحو باب المنزل فاستوقفته بصرخة مدوية:
- أنا بكرهك يا قصي.
جز على فكيه ثم أكمل سيره مغادرًا ولم يعيرها أي اهتمام ليصفق الباب خلفه بقوة لتهتز النوافذ بصوت اهتز له قلبها، وهي تبكي بقهر وألم وهي تجلس على الأرض تضم ركبتيها نحو صدرها، وأطلقت العنان لعبراتها حتى انتبهت لصوت رنين هاتفها من داخل غرفتها، نهضت لتذهب إلى الداخل لتمسك بهاتفها حتى قرأت اسم المتصل.
بينما يونس يخرج من المصعد متجهًا نحو منزلها وهو يضع هاتفه على أذنه منتظرًا أن تجيب عليه، زفر بسأم ثم أخذ ينقر على شاشة الهاتف ليرسل لها:
"كارين أنا قدام باب الشقة خلصتي ولا لسه؟؟"
كارين بالداخل تعتصر عينيها ألمًا، غادرت غرفتها وذهبت نحو باب المنزل تنظر من خلال تلك الفتحة التي تتوسط الباب لتجده ينتظرها حقًا.
ابتعدت قليلًا لترسل ردًا على رسالته وأرسلت:
"معلش يا يونس أنا نزلت من بدري شوية ريماس صحبتي عدت عليا وخدتني في طريقها".
قرأ الرسالة ليطلق زفرة بضيق ويوصد هاتفه ويضعه في جيب بنطاله ليعود إلى المصعد مرة أخرى ويغادر.
***
في قصر البحيري...
تصرخ خديجة من داخل غرفة آدم الذي قام بأسرها داخلها عنوة عنها، أخذت تضرب الباب من الداخل بقبضتيها.
صاحت خديجة بتكرار:
- افتح عايزة أروح لبابا...
وبالخارج في الرواق صاحت جيهان:
- والله لو ما فتحت لها يا آدم مش هتعرف إيه اللي هيحصلك، ده غير حسابك مع باباك.
جز على أسنانه وصاح وهو يشير نحو غرفته:
- يعني عجبك إنها مدت إيدها عليا ومفيش حد اتجرأ أبدًا وعاملها!
أجابته بامتعاض وغضب:
- هي عمرها ما هتعمل كده غير لما تكون عملت معاها حاجة ضايقتها، أنا عارفة خديجة كويس.
رفع إحدى حاجبيه بسخرية وقال:
- والله!! وأنا بقى اللي بقيت الظالم المفتري!!
قالت جيهان بنبرة أمر:
- ولد... وطي صوتك ومتنساش إنك بتتكلم مع مامتك... وروح افتح الباب.
أخفض بصره بخجل عندما تدارك انفعاله الحاد، فاتجه نحو الغرفة ليفتح الباب ويدفعه بقوة ليجد تلك المنكمشة على الأرض ترتجف من البرودة بسبب ثيابها المبتلة، ركضت نحوها جيهان لتمسك بها وتجعلها تستند عليها.
قالت جيهان بقلق:
- خديجة حبيبتي... أنتي بخير؟؟
أومأت لها إيجابًا وهي تقول بنبرة مرتجفة:
- ععع... ااا.. يي.. زه أروح ل.. بب. ا.. با.
قامت جيهان بضمها إلى صدرها بحنان الأم وهي ترمق آدم بغضب، ثم أخذتها إلى غرفتها لتبدل ث
قالتها ولم تنتبه لخطواتها فتعثرت بتصنع، ليتجه نحوها وهو يمسك بذراعها بيد والأخرى على خصرها. رفعت عينيها في عينيه الذي أنزلها ليرمق تلك الشفاه المثيرة. تخللت السعادة جوفها فها هي نجحت في أول مرحلة. شعرت بأنفاسه التي تقترب من بشرتها وهي على يقين من مبتغاه.
- أيوه يا خالتي جاية أهو...
صاحت بها وهي تبتعد عنه ليستفيق وقال بتلعثم:
- شكراً.. ع.. على الفطار يا...
قاطعته وهي تقول بضم شفاهها للأمام:
- موووحه.
قالتها وهي تفتح ذلك الباب الذي كان موارباً فكادت تصطدم برحمة التي كانت تتابع كل ما حدث في صمت.
رمقتها سماح من أسفل لأعلى ثم ذهبت لتلج إلى داخل شقتها.
***
انتبه طه لرحمة وهو كاد يغلق الباب، نظرات الازدراء التي تلقيها عليه كفيلة بكل ما كانت ستتفوه به.
قال طه بتوتر:
- أهلاً يا رحمة... اتفضلي.
رفعت حاجبها بتهكم وقالت:
- أنا شوفتك طالع فطلعت عشان أسألك على عم سالم بس الظاهر جيت في وقت غلط.. عن إذنك.
قالتها لتهم بالمغادرة فأمسكها من معصمها وقال:
- رحمة.. أنتِ فاهمة غلط والله العظيم هـ.....
قاطعته وهي تبعد رسغها عن قبضة يده وقالت:
- وأنا مالي بتبرر ليا بصفتي إيه!!... دي حياتك وأنت حر فيها ومش جديد عليك يعني.
عقد حاجبيه بضيق وقال:
- قصدك إيه بكلامك ده؟؟؟
رفعت كفها لتشير له إلى خاتم الخطبة خاصتها وقالت:
- قصدي كل واحد بياخد نصيبه.
قالتها ونظرات نارية تخرج من جحيم عينيها، فلم يدرك حاله وهو يجذبها إلى الداخل وأوصد الباب بالمفتاح وقام بوضعه في جيب بنطاله.
- يخربيتك بتعمل إيه... افتح الزفت ده... خطيبي لو عرف هيقتلك.
اقترب منها وعلى وجهه ابتسامة سخرية:
- ده مين اللي يقتل مين!!... ده عيل هتية آخره يروح يشتكي لأمه عشان تجيب له حقه.
أشارت له بسبابتها بتحذير وقالت:
- لو سمحت اتكلم عنه بأسلوب محترم ده كلها يومين وهيبقى جوزي.
أطلق ضحكة مدوية وهو يقترب منها أكثر وهي تتراجع إلى الخلف حتى ارتطم ظهرها بالباب.
ابتلعت ريقها بقلق وخوف وقالت:
- أرجوك يا طه لو لسه باقي على العشرة اللي ما بينا افتح الباب وخليني أمشي الله لا يسيئك.
اقترب منها أكثر حتى أحست بملمس كفه على وجنتها وهو يقترب بأنفاسه وقال بصوت مليء بالرغبة:
- وحشتيني أوي يا رحمة.
خفق قلبها بقوة حتى سمع دقاته المدوية تريد الابتعاد، لكن خانها ذلك القلب اللعين الذي ما زال يكن له الحب، فقالت بصوت ضعيف:
- أرجوك ابعد يا طه وكفاية لحد كده.
حاوط خصرها بذراعه وباليد الأخرى رفع ذقنها لأعلى ويرمق شفتيها قائلاً بنبرة رجاء:
- أرجوكِ أنتِ اللي متبعديش.. أنا محتاجلك أوي.
وإن انتهى من همساته التي بعثرت مشاعرها لتشتعل نار عشقها له التي طالما حاولت إخمادها ليأتي هو الآن يضرم تلك النيران. لم تشعر بشفتيها التي انهال عليها بنهم، لم يدرك كلاهما الوقت الذي استغرقته تلك القبلة المحرمة. ابتعد عنها وهو يلهث وترك لها مجالاً للتنفس، حتى أفزعها رنين هاتفه ليبتعد قليلاً وأخرج هاتفه من جيب بنطاله ليرى المتصل دكتور يوسف فأجاب على الفور:
- ألو يا يوسف خير بابا كويس؟؟
يوسف: ..........
طه وقد انفرجت أساريره:
- بتتكلم جد؟؟؟
يوسف: .........
طه:
- حاضر جاي على طول... سلام.
أغلق المكالمة ليقترب من رحمة مهللاً:
- أبويا فاق.. أبويا فاق.
قالها وهو يعانقها بسعادة.
ابتعدت عنه وقالت:
- الحمد لله ربنا يطمنكو عليه دايماً.
طه:
- استنيني 5 دقايق هاخد دش بسرعة وهغير هدومي وهاخدك معايا ونروح له.
تغيرت ملامحها وقالت بحرج:
- آسفة يا طه مش هينفع.
وبعد أن تدارك الأمر قال:
- معلش نسيت.
ثم أخرج المفتاح من جيبه وقام بفتح الباب لتركض مسرعة إلى الخارج وتهبط الدرج وهي تلتفت يميناً ويساراً حتى دخلت إلى البناء الذي تقطن فيه ودقات قلبها تكاد تقف من الخوف. فتحت باب منزلها لتوصده بدون إصدار صوت ثم ذهبت إلى غرفتها وأغلقت الباب وهي تسند بظهرها عليه، ترفع يدها وتتلمس شفتيها بأطراف أناملها لتنسدل عبراتها ندماً. ارتمت بجسدها على تختها وهي تكتم شهقات بكائها.
***
في شركة البحيري للصلب.
يجلس عزيز خلف مكتبه بأريحية مرتدياً نظارته الطبية يتفحص بعض الأوراق ثم وضعها أمامه على سطح المكتب بعد أن أطلق تنهيدة وقال:
- تمام كده يا وفدي... يا ريت تديهم لرقية بره عشان تعمل عليهم نسخ وبعد كده تروح على خط الإنتاج وتبدأ التنفيذ.
أخذ ذلك الموظف المدعو وفدي الأوراق وأومأ برأسه وقال:
- أمرك يا عزيز بيه.
ثم نهض وأردف:
- حضرتك تؤمر بحاجة تاني؟
عزيز:
- لأ شكراً.
وفدي:
- عن إذن حضرتك.
قالها ثم غادر المكتب ليصطدم بآدم الذي يلج إلى مكتب والده وهو يرتقب نظراته التي يعلمها جيداً.
- السلام عليكم.
قالها آدم وهو يتحاشى نظرات والده الثاقبة.
زفر عزيز بغضب ونهض كالبركان وصاح:
- وهيجي منين السلام طول ما دماغك اللي متركبة شمال دي بتتصرف بطيش وأنانية.
اتسعت عينيه بصدمة وقال:
- أنا!!!
ضيق عزيز عينيه وقال بسخرية:
- لأ أمك...
صمت ثم أطلق زفرة بنفاد صبر وأردف:
- عارف لولا إنك ابني كنت زماني رميتك بره الشركة.
ابتلع آدم ريقه وقال:
- بابا ممكن تفهمني فيه إيه؟
رفع عزيز إحدى حاجبيه بابتسامة تهكمية وقال:
- ياض ده أنا اللي مربيك ومشكلك على إيديا الاتنين دول... تقدر تقولي اللي خلاك تنبش ورا قصي العزازي وتبلغ عن مخازن السلاح اللي تبعه، اللي بسبب تهورك ده حرقالنا مخازن البضاعة بتاعتنا، ولولا أهالي المنطقة والحراس هناك كان زمان المخازن بقت رماد.
كان آدم يستمع لوالده وهو يعلم لا مفر من الكذب فأبتلع ريقه وقال:
- أيوه أنا اللي ورا البلاغ ولسه هفضل وراه لحد ما يشرف في السجن ونرتاح من الأشكال الو.... اللي زيه.
أطلق عزيز قهقهة مدوية ساخراً من نجله، ثم صمت فجأة وتحولت ملامحه ونظراته إلى نيران أتت من الجحيم وقال:
- وقسماً بربي يا آدم لو حسيت بس بحركة زي اللي عملتها دي تاني ساعتها انسى إنك من عيلة البحيري وأنا اللي هوقفلك، عشان مش على آخر الزمن كيان البحيري يضيع بسبب قصة حب تافهة وفاشلة.
جز آدم على أسنانه وقال:
- لو سمحت يا بابا ممكـ.....
قاطعه عزيز صارخاً في وجهه:
- ممكن أنت اللي تنسى وتركز في الشغل... واعمل حسابك هنتطمن على عمك سالم ويقوم بالسلامة وأول ما يروح بيتهم هاروح أنا وأنت نطلب إيد خديجة ليك.
فغر فاهه بصدمة أكبر حتى احتقنت الدماء في وجهه وأنفاسه تعالت وقال:
- مين اللي هيطلب إيد مين!!!!
عزيز بنبرة حاسمة:
- حضرتك هتتجوز خديجة بنت عمك سالم وده آخر كلام عندي.
أخذ يجز على شفته السفلى بغضب حارق فقال:
- كلامك على راسي يا بابا... لكن معلش دي حياتي الشخصية وأنا اللي هقرر أتجوز مين.
عزيز:
- أنت بتتحداني يا ولد!!!
آدم:
- لا سمح الله يا بابا... بس حبيت أعرفك إن عمري ما هتجوز بالطريقة دي.
عزيز:
- ومالها خديجة إن شاء الله!!... بنت حافظة كتاب ربنا ومتعلمة ومثقفة وكفاية إنها مننا.
آدم:
- عندك يونس وياسين اطلبها لحد فيهم إشمعنا أنا!!
عزيز بإصرار:
- أنا اللي عايز كده... وكفاية جدال لأن اللي عندي قولته... واتفضل روح على مكتبك عشان شوية وعامل اجتماع لجميع الموظفين.
اتجه آدم نحو الباب وقبل أن يغادر التف وقال بتحدٍ:
- يكون في علم حضرتك إن لو خديجة آخر بنت في العالم عمرها ما هتكون على ذمتي... عن إذنك.
قالها ليغادر فوراً وأوصد الباب خلفه.
تاركاً عزيز يبتسم بخبث وقال:
- ابقى وريني كلمة مين اللي هتمشي.
***
بداخل العيادة.
تدلف جيهان بلهفة وخوف من الباب باحثة عن ابنتها وتبعتها سميرة حتى تقابلت مع مصعب الذي نهض للتو عندما رآها.
- فين بنتي؟؟ حصل لبنتي إيه يا مصعب؟؟؟
صاحت بها جيهان وعبراتها تجري على وجنتيها.
تألم مصعب لحال جيهان فربت على كتفها وقال:
- اهدي بس يا هانم وهحكيلك على اللي حصل بس دلوقتي مينفعش تدخليلها بحالتك دي.
اتسعت عينيها بخوف أكبر وقالت:
- هي دي الأمانة اللي أمناك عليها!!!
خرجت رودي صديقة ملك من غرفة الطبيب على صوت جيهان فقالت:
- اهدي بليز يا طنط وإحنا هنشرحلك اللي حصل.
لم تستطع الوقوف أكثر حتى أحست بدوار داهمها فأسندها مصعب وجعلها تجلس على ذلك المقعد المعدني. وأخذت رودي تروي لها ما حدث وسط ذهول جيهان التي هرعت إلى الغرفة لتقوم بفتح الباب على مصراعيه، وولجت إلى الداخل لتجد ابنتها تغط في سبات وتلك المحاليل المعلقة متصلة بيدها، كما صعقت من تلك الخدوش والكدمات الموجودة ببشرتها وعلى أجزاء متفرقة من ذراعيها.
ركضت نحوها بقلب أم يحترق ألماً على ما أصاب ابنتها. جلست بجوارها وقالت بصوت منخفض:
- يا روح قلبي يا ريتني ما خليتك تخرجي.
قالتها فتعالت شهقاتها أكثر لتتساقط عبراتها على بشرة ملك التي اعتصرت عينيها وأطلقت أنيناً مكتوماً، وبدأت في فتح عينيها ببطء.
- أأ.. أنا فين؟
قالتها ملك بصوت ضعيف.
رمقتها جيهان بنظرات متلهفة وكذلك مصعب وصديقتها الذين دلفوا مسرعين إليها.
جيهان:
- متخافيش يا عمري أنا جنبك.
مصعب والذي كان في عالم آخر لا يرى فيه سواها:
- آنسة ملك حمد الله على سلامتك... أنتِ كويسة؟؟
حاولت أن تنهض بجذعها وهي تنظر من حولها في محاولة تذكر ما حدث حتى وقعت عينيها على الخدوش والكدمات. تحولت ملامحها من السكون إلى حالة هياج عصبي وبدأت بالصراخ:
- ابعد عني... ابعددددددد عنيييييييييييييييييييي.
جاء الطبيب مسرعاً ليخرج من معطفه الطبي حقنة يعلم ما سيحدث عندما تستيقظ:
- عن إذنكو.
قالها ليتجه نحوها ونظر إلى رودي وأردف:
- ممكن تمسكيلي دراعها كويس.
وقام بحقن وريدها بالمهدئ. وظلت تصرخ حتى بدأت صرخاتها تنخفض وبدأت أهدابها في الانغلاق.
- هاتولي الحيوان اللي عمل فيها كده والله ما هسيبه غير لما آخد حقها.
صاحت بها جيهان.
مصعب:
- اهدي يا مدام جيهان... الدكتور عملنا تقرير بحالة آنسة ملك ناقص بس نقدمه في محضر ضد الكلب اللي عمل فيها كده بس لازم عزيز بيه وإخواتها يعرفو الأول.
جيهان في محاولة تهدئة حالتها قالت:
- عندك حق... هبلغ عزيز وهو يتصرف ويجيب حقها.
قالتها ثم قامت بإخراج هاتفها وأجرت مكالمة:
- ألو... أيوه يا عزيز.
***
في قصر البحيري.
خرج ياسين من غرفته وهو يتثائب ليتقابل مع إنجي التي يبدو من ثيابها الأنيقة أنها تهم بالمغادرة.
- على فين العزم إن شاء الله؟
قالها ياسين ساخراً.
رمقته إنجي بابتسامة صفراء وقالت:
- وأنت بتسألني بصفتك إيه؟؟؟
نظر إليها بنظرات ذات مغزى وقال:
- عادي السؤال حرام يعني.
إنجي بنظرات ساخرة قالت:
- خليك في حالك أحسن.
ثم نادت بصوت مرتفع:
- سميرة... يا سميرة.
ركضت نحوها علا من آخر الرواق وقالت:
- نعم يا إنجي هانم.. مدام سميرة مع جيهان هانم في مشوار.
ياسين:
- راحو فين؟؟
علا:
- والله ما أعرف يا بيه.
إنجي:
- أوك هبقى أكلم جيجي وأطمن عليها... المهم خلي بالك من لوجي هي نايمة دلوقت لما تصحى خليها تتغدى وإديلها الدوا الموجود فوق الكومودينو في أوضتها... أوك؟
أومأت لها علا:
- أمرك يا إنجي هانم.
إنجي بكبرياء وزهو:
- يلا باي.
قالتها ثم غادرت المكان.
كادت تذهب علا ليستوقفها ياسين:
- علا؟
التفت إليه وقالت:
- نعم.
اقترب منها ياسين وقال:
- هي ياسمين فين؟... قصدي مبتجيش تنضف الأوضة ليه؟
ابتسمت علا بمكر وقالت:
- ياسمين واخدة إجازة الأيام دي عشان تقديم الكلية.
ياسين:
- أوك... روحي شوفي أنتِ بتعملي إيه.
ثم أكمل بداخل عقله:
"ولما نشوف حكاية الكلية دي كمان إيه يا ست ياسمين".
فأطلق صفيراً وهبط الدرج متجهاً نحو المنزل الملحق. وفي تلك الأثناء تدلف من البوابة تمسك بحقيبة يدها وتسير نحو الممر الذي يؤدي إلى مبنى الخدم.
أحس بخطوات تقترب من الغرفة، فاختبأ في المرحاض الملحق بالغرفة قبل أن يكشف أمره أحد من العاملين.
دخلت إلى غرفتها وهي تمسح قطرات عرق جبهتها من ذلك الطقس الحار. ألقت بحقيبتها فوق التخت وعادت نحو الباب لتوصده جيدًا، ثم اتجهت نحو خزانتها الصغيرة لتأخذ بعض الثياب ومنشفة قطنية كبيرة، ثم توجهت نحو المرحاض.
قامت بتعليق الثياب على المشجب المعدني المعلق على الحائط، وشرعت بخلع حجابها وما ترتديه، ولم تدرك تلك العيون المفترسة التي تراقبها عن كثب كالذئب الجائع.
وضعت أناملها على سحاب ثوبها الأمامي فاستوقفها رنين هاتفها بالخارج، فتأففت بكلل وقالت:
- ده وقته؟
ثم خرجت.
عض ياسين على شفته السفلى بحنق وهمس بداخله:
- ده أنا اللي هولع.
ثم أطلق زفرة متضايقًا، فانتبه لحديثها في الهاتف.
ياسمين:
- ألو.. مين؟
المتصل:
- ..........
ياسمين بنبرة حادة:
- وأنت عايز مني إيه تاني؟ مش مكفيك اللي عملته معايا زمان وسبتلك البيت اللي عمال تعايرني بقعدتي معاكوا فيه؟
المتصل:
- ..........
ياسمين:
- مش باعتة فلوس تاني وأعلى ما في خيلكوا اركبوه.. وياريت مسمعش صوتك المقرف ده تاني.
فأغلقت المكالمة وهي تقول:
- جاتك داهية راجل عرة.
ياسين بداخل المرحاض قد استرق السمع فأثاره الفضول وقليل من الغضب، لكن زين له شيطانه أمرًا آخر، فلم يدرك غضبه وهو يدفع الباب وصاح بها:
- ما شاء الله، عاملة عليا الخضرة الشريفة وطلعتي مدوراها يا ست ياسمين.
شهقت بفزع وقالت:
- أ.. أنت.. أنت دخلت هنا إزاي والباب مقف...
صمتت عندما استنتجت كيفية وجوده فكادت تصرخ، اقترب منها وهو يكمم فاهها بقبضته وقال محذرًا:
- فكري صوتي كده وشوفي إيه اللي هيحصل بعدها يا حلوة.. أولًا مفيش حد هنا، كل الشغالين في القصر ومبيرجعوش غير بالليل.. فخليكي عاقلة وشاطرة ونتفاهم بالعقل.. ولا إيه؟
أومأت له بالموافقة، فأزاح يده وقال:
- تمام.
ياسمين بنبرة رجاء واستعطاف:
- أبوس إيدك يا ياسين بيه سيبني في حالي، أنا محلتيش غير اللي أنت عايزه ده، وأنا قولتلك معنديش مانع بس قبلها أكون مراتك قدام ربنا والناس كلها.
قالتها وهي تلتقط حجابًا لتغطي به شعرها، فاختطفه من يدها ورمقها بابتسامة خبيثة وقال:
- قولتلك هنتجوز بس مش دلوقت، خاصة أنتي لسه هتدخلي الجامعة وأنا لسه ما اشتغلتش، يعني مسألة وقت.
ياسمين:
- وأنا مستعدة أعيش معاك إن شاء الله في أوضتك بس أكون حلالك.
ياسين وهو ينظر لها بإمعان:
- طيب ما تيجي نكتب عرفي حاليًا عقبال ما أظبط أموري وبعد كده أكتب عليكي رسمي.
ياسمين:
- عرفي!! لأ طبعًا ده حرام.
اقترب منها حتى حاوطها لتلتصق بصدره، وبنبرة شهوة جلية قال:
- ومش حرام كل ما أشوفك هبقى أموت وآخدك في حضني وأعبرلك عن حبي ليكي؟
دفعته في صدره في محاولة فاشلة وقالت:
- ياسين بيه بالله عليك.. أنا في عرضك بلاش.
اقترب من وجهها بأنفاسه ويده تداعب عنقها ذو الملمس الناعم:
- بلاش إيه بس.. أنا بحبك يا ياسمين.. أنا خلاص مبقتش عايز حاجة غيرك أنتي وبس.
قالها ثم أخذ يلثم عنقها من الجهة الأخرى وهي تغلق عينيها من أثر لمساته وقبلاته، لكن جاء في عقلها كصوت يقول لها: "انتبهي إنه مخادع".
فتحت عينيها وهي تستخدم آخر وسيلة لديها وهي سلاح معظم بنات حواء، ذرفت عبراتها لتتعالى شهقاتها بنحيب.
ابتعد برأسه قليلًا عنها وهو ينظر إليها وقال:
- مالك يا روحي بتعيطي ليه دلوقت؟
دفعته بعيدًا عنها وقالت:
- مش هقدر.
تأفف بغضب مصطنع وقال:
- يبقى مش بتحبيني.
ياسمين:
- والله بحبك ونفسي أرضيك.
تجهم وجهه وقال:
- وأنا عايزك يا ياسمين.. ولا اللي كان معاكي على التليفون مكفيكي؟
أخذت تمسح عبراتها لتتحول ملامحها نيرانًا متأججة، ولم تدرك يدها وهي تهوي بصفعة على وجهه وهي تصرخ:
- اخرس!
تحولت رماديتيه إلى جمرتين مشتعلتين من الغضب واضعًا يده على أثر الصفعة، فقال بصوت كالفحيح متوعدًا:
- أقسم بالله لأدفعك تمن القلم ده غالي أوي، واللي خايفة عليه هاخده منك سواء بمزاجك أو غصبًا عنك.
قالها ودفعها من أمامه بهمجية ثم فتح الباب وغادر الغرفة.
***
في قصر العزازي..
- أنا هموت وأشوفه يا دادة، قلبي هيجراله حاجة لو مشوفتهوش بعينيا وأطمن عليه بنفسي.
قالتها صبا الجالسة على طرف مضجعها تخلل أناملها خصلات شعرها المنسدلة. رمقتها زينات بنظرات شفقة وحزن:
- أبوس إيدك يا بنتي كفاية اللي بتعمليه في نفسك ده.. قصي بيه لو سمع حرف من كلامك ده هتكون نهايتك أنتي وآدم بيه على إيده، ولا نسيتي تهديده ليكي آخر مرة!
رفعت وجهها وهي تفكر في حديث مربيتها، جدتها على صواب لكن عنادها لا يستسلم بسهولة، فأمعنت التفكير بعمق وعيناها شاردة في الفراغ كمن أصابها البرق في ليالي شتاء ممطرة، ونهضت فجأة متجهة نحو غرفة الثياب.
زينات باستفهام وحيرة قالت:
- ناوية على إيه يا صبا؟
التفتت إليها وعلى وجهها ابتسامة غريبة وقالت:
- ممكن تروحي تشوفي هو موجود فين وتعالي بلغيني بسرعة من غير ما يحس.
تنهدت زينات بسأم وقالت:
- أنا قبل ما أطلعلك كان لسه جاي من بره وراح ناحية حمام السباحة.
وعلى الفور ركضت نحو النافذة لتجده يقف أمام المسبح شاردًا، واضعًا يدًا في جيبه والأخرى يمسك بها كأس النبيذ الذي يحتسيه بشراهة.
يتأمل مياه المسبح الشفافة لتعكس تلك الأضواء المتسلطة فوقها بشكل أمواج متأرجحة تنعكس على وجهه المتجهم الذي لا يبدو عليه أي تعابير عما يجول بداخله. يعم السكون الأرجاء ليقطعه صوت رشفاته من تلك الكأس الكريستالية. أوصد عينيه وقال بهدوء يرتسمه ببراعة:
- خير؟
كانت تقف خلفه حافية القدمين ترتدي ثوبًا حريريًا بلون الشراب الذي يحتسيه، تتراقص أطرافه بفعل نسمات الهواء، تاركة لخصلاتها العنان. أجابت بتوتر:
- أ.. أنا كنت قلقانة عليك من إمبارح وأنت سايب القصر.
ابتسم بسخرية وقال:
- ومن إمتى الحنية دي!
اقتربت منه أكثر وهو موليًا لها ظهره لكن يعلم جيدًا قربها منه مستنشقًا عطرها الفواح.
- قصي أنا...
لم تكمل حديثها حيث أصدرت شهقة بفزع من صوت حطام الكأس بيده، والتفت إليها ليرمقها بنظرات نيران العشق تتطاير منها كالشرر، فمناداتها اسمه بنبرة رجاء أضرم في كل خلاياه لهيبًا لم ينطفئ أبدًا.
جذبها نحوه محاوطًا خصرها بذراع واحدة محدقًا في رماديتيها لترى انعكاس صورتها في أشجار الزيتون التي ترمقها بنظرات ارتجف منها جسدها ودق لها قلبها وجلًا عندما نطق بصوته الرجولي:
- نعم؟
ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تحاول التملص من قبضة ذراعه التي اعتصرت خصرها:
- أنا.. أنا.. نفسي أخرج وأوعدك عمري ما هفكر حتى أهرب.. لأني عارفة كويس لو روحت آخر الدنيا برضو هترجعني.
قالتها ثم أخذت تتنفس كمن كانت تعدو الصحراء في عز الظهيرة. ارتسمت على شفتيه ابتسامة لم تستشف من خلالها أي إجابة. فأردفت بنبرة رجاء:
- أرجوك يا قصي.
ضمها نحو صدره ليقترب بأنفاسه لدى عنقها المرمري وأخذ يستنشق رائحتها الهائم بها فقال:
- موافق.
كادت تنفرج أساريرها لتتحول فجأة إلى وجوم عندما أردف:
- بس عن شرط، أو نقول شرطين.
ابتعد برأسه ليرى لؤلؤتيها الرمادية تلمع فقال:
- الأول إنتي عارفاه كويس.. وهعيده تاني زيادة توكيد؛ يوم ما رجلك تخطي بوابة القصر هتكون رجلي على رجلك، ولو مشغول هيكون كنان الحارس الشخصي ليكي.
أومأت له بإذعان فهي تعلم أن الخوض معه في مجادلة أو مناقشة لا فائدة من ذلك، فاكتفت بإيماءة بالإيجاب.
فأردف أيضًا لكن نظراته التي تخترقها جعلته يشعر بارتجافة جسدها التي تلازمها دائمًا عند قربه منها، فازدادت ابتسامته التي أظهرت غمازتيه التي جعلته أكثر وسامة وجاذبية:
- الشرط التاني...
فاقترب من أذنها وأكمل بنبرة مليئة برغبة عاشقة:
- تكوني ليا برغبتك.
اتسعت عيناها بذهول حين أدركت مقصد كلماته، لتمر أمام عينيها مشاهد اعتدائه عليها غصبًا، فانتفضت بذعر لتبتعد عنه وصاحت به بنبرة غاضبة:
- إياك تفكر عشان جيت لحد عندك يبقى هنسى اللي عملته معايا.. ويكون في علمك من عاشر المستحيلات إني هخليك تلمسني تاني.
قالتها ثم هرولت راكضة نحو الداخل قبل أن تدركها ردة فعله.
***
في قصر البحيري..
توقف بسيارته بداخل المرآب يحمل بداخله عاصفة نارية من الغضب. ترجل من السيارة وهو يوصد الباب خلفه بقوة ثم اتجه إلى داخل القصر، وفي طريقه اصطدم بياسين الذي كان على عجلة من أمره.
- مش تفتح يا ابني قدامك!
صاح بها ياسين.
آدم:
- بقولك إيه ابعد عن طريقي مش طايق حد.
قالها بنبرة تحذيرية متجهًا نحو الدرج. ظل ينظر إليه ياسين وزمت شفتيه لأسفل بتعجب وقال:
- وده ماله ده!
قالها ثم أطلق صفيرًا وذهب إلى سيارته.
بينما آدم صعد الدرج قاصدًا غرفة والدته، أراد أن يضع للأمر حدًا، فهذه حياته الشخصية ولم يتجرأ أحد ما تقرير حياته حتى لو كان والده.. فهل للقدر رأي آخر!
- ماما...
قالها وهو يطرق على الباب فلم يجد إجابة. زفر بضيق وكاد يذهب فوجد الباب يُفتح من الداخل وتخرج إحدى العاملات تمسك بصينية الطعام.
- مساء الخير يا آدم بيه.
قالتها الخادمة.
نظر إلى الطعام باستغراب ثم دلف إلى الداخل وهو يغلق الباب. كانت الإضاءة خافتة.
- جيجي.. مالك فيكي حاجة؟
قالها بنبرة قلق، فلم يتلقَ مسمعيه سوى أنين، فأسرع نحوها وهو يضغط على زر إضاءة المصباح الذي يعلو الكومود.
ليلتفت بعينيه وكاد يتفوه فتوقفت الكلمات بداخل حلقه وهو يمعن النظر إلى تلك النائمة بسكون. خصلات شعرها البندقية متناثرة فوق الوسادة، وبدأت تظهر قطرات العرق فوق جبهتها. مد يده ليلمس كفه وجنتها فوجد حرارة جسدها مرتفعة. لم يعلم لما هذا الشعور الذي يعتريه للتو.
أراد أن ينهض ليمسك بهاتفه من داخل جيبه ويده الأخرى يمسك بها يدها ليقوم بإزاحتها حتى يبعد ذلك الغطاء الذي يدثرها، وجد هاتفه فارغ البطارية فزفر بضيق، لكنه تفاجأ بيدها التي تتمسك بيده وكأنه طوق النجاة.
وصل إلى مسمعه كلمات تهذي بها:
- بابا.. أوعى تسيبني.
ظلت تردد تلك الكلمات. سحب يده من يدها بهدوء وأمسك بالهاتف الأرضي ليطلب الطبيب، وبعد أن انتهى من المكالمة توجه نحو المرحاض ليأتي بمنشفة قطنية صغيرة مبتلة بالماء، فوضعها فوق جبهتها لينتفض جسدها.
ربت على يدها ليطمئنها ويقول لها هامسًا:
- ما تخافيش.
ظل منتظرًا الطبيب حتى جاء. دلف بعد أن طرق على الباب فقام آدم بوضع الغطاء عليها.
- خير يا آدم بيه.. جيهان هانم مالها؟
قالها الطبيب وهو يضع حقيبته فوق الطاولة.
آدم:
- دي مش ماما.
فنظر إليه الطبيب ثم إلى خديجة فظن أنها زوجته. فاقترب منها ليبدأ الفحص حتى انتهى فقال:
- دي أعراض أنفلونزا، أنا هكتبلها على شوية أدوية ومضاد حيوي.. وبالنسبة للسخونية استمر على الكمادات وأسبوع كمان كده وهاجي أطمن على المدام.
قالها الطبيب وهو يدون أسماء الأدوية لينتزع الورقة ويعطيها لآدم، فأردف:
- ألف سلامة وبالشفاء إن شاء الله.
آدم:
- تسلم يا دكتور.
ثم غادر الطبيب. فذهب آدم لمناداة إحدى العاملين ليجلب له الأدوية المطلوبة، ثم اقترب منها ليكمل لها الكمادات، فانحنى نحوها ممسكًا بيدها ويضغط عليها بقبضته وقال:
- عايزك تقومي بالسلامة عشان ترجعي على حارتكوا ومشوفش وشك تاني.. وده لمصلحتك.
رفع رأسه ليرى علامات الامتعاض والانزعاج التي ظهرت على ملامحها وكأنها ترى كابوسًا في منامها، فارتسمت ابتسامة على ثغره.
***
يجلس خلف مكتبه يتصفح على حاسوبه، وكالعادة تلازم أنامله سيجارته، وعلى جانبه الآخر فنجان القهوة التي تفوح رائحته بكل أرجاء الغرفة.
هي بعدما تركته وصعدت إلى غرفتها ظلت تبكي ورأسها كاد ينفجر من التفكير.
تريد القليل من الحرية حتى تستطيع رؤية من يهواه قلبها غير آبهة لما سيحدث لها إذا تم اكتشاف ما تنوي على فعله.
نهضت من فوق تختها وذهبت لغرفة الثياب، وتوقفت أمام تلك الثياب المعلقة التي لا تمس منها أي قطعة منذ أن جاءت إلى ذلك القصر مرغمة.
تناولت ثوبًا قصيرًا شفافًا باللون الأرجواني ومعطفًا من الحرير المنسدل بنفس اللون... قامت بتبديل ثيابها بما اختارت... وعندما نظرت إلى المرآة فغرت فاها بخجل، فأمسكت بالثوب حتى تقوم بخلعه لكن شردت قليلًا، فانسدلت عبرة من عينيها وقالت بصوت مليء بالشجن:
- سامحني يا آدم.
ثم تناولت المعطف وقامت بارتدائه لتعقد على خصرها ذلك الحزام الحريري، وتوجهت نحو مرآة الزينة لتضع بعض الحمرة على شفتيها وترسم عينيها بقلم الكحل... تمشط خصلات شعرها التي قامت بنثرها على كتفيها.
نعود مرة أخرى إليه... ما زال منهمكًا في أعماله عبر الحاسوب... ارتشف آخر قطرة قهوة بالفنجان.
فُتح الباب بدون استئذان، وبدون أن يرفع عينيه فهو يعلم جيدًا من الذي يتجرأ على اقتحام مكتبه هكذا.
دقات قلبها تكاد تصل إلى أذنيه... تنظر إليه ثم أغمضت عينيها لتعتصرهما بألم وتفوهت بالآتي:
- أنا موافقة.
رواية صراع الذئاب الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ولاء رفعت علي
_ أنا موافقة .... قالتها بكل شجاعة ع الرغم من التوتر التي أخفقت أن تخفيه
رفع عينيه عن حاسوبه تاركا سيجارته ف المنفضة ثم أغلق الحاسوب وعينيه لم تفارق عينيها وسرعان أرتسمت إبتسامة سخرية ع محياه
أردفت بحنق : هو أنا بقول حاجه تضحك !!!
لم يستطع تمالك نفسه فتراجع بكرسيه إلي الوراء لينفجر ضاحكا بتهكم مما أثار غضبها .. فأقتربت منه ثم قامت بإدارة المقعد حتي أصبح ف مواجهتها وهي ترمقه بنظرات مختنقه ساخطه
_ أتفضل نفذ شرطك ... قالتها وهي تفك عقدة الحزام لتزيح المعطف عن كتفيها وينسدل ع الأرض أسفل قدميها ولم يتبقي ع جسدها سوي ذلك الثوب الشفاف الذي يصل إلي منتصف فخذيها ويظهر من أسفله قطعتي الثياب الداخلية
حينها نهض من مكانه لتتحول ملامحه إلي الوجوم يحدق بها من أعلاها لأخمص قدميها ... لتفاجأه مرة أخري بعانقها له وهي تنظر له بتحدي وقالت :
أي رجعت ف كلامك !!!
ظل يتأملها لثوان فجذبها من خصرها بيد والأخري غرز أنامله ف خصلات شعرها حتي ينهال ع شفتيها ... كاد يقبلها
_ هااااااا ... شهقه أطلقتها وهي تنهض بجذعها بفزع تلمس شفتيها بأطراف أناملها لتتأكد أن هذا مجرد حلم
أسرعت بالنهوض لتذهب إلي المرحاض تفتح الصنبور وتغترف منه وتلقي ع وجهها ... نظرت إلي مرآة الحوض التي تأخذ الحائط بأكمله لتجد إنها مازالت بثوبها الممتلئ برائحة عطره فقامت بخلعه ع الفور وولجت إلي كابينة الإستحمام الزجاجية وهي تدير المقبض لينهمر عليها الماء مختلطا بعبراتها التي أجهشت بها توا
_ يصعد الدرج بترنح بعدما أخذ يشرب إلي أن ثمل ... وصل أمام باب الغرفة ودلف إلي الداخل يبحث عنها بعينيه ف كل أرجاء الغرفة المظلمه لم يجدها فأستنتج إنها بالمرحاض من ذلك الضوء المنبعث من الباب الزجاجي ... ألقي نفسه فوق التخت وأخذ وسادتها يستنشق رائحتها مغمض العينين معانقا إياها وكأنها محبوبته ... ظل هكذا حتي
غلبه سلطان النوم
خرجت للتو من المرحاض تلتف بمنشفة قطنية وخصلات شعرها مبتلة متجهة نحو غرفة الثياب لكن لاحظت ذلك النائم ... أطلقت تنهيده بطمأنينه وكادت تتركه هكذا لكن لاتعلم ماذلك الشعور الذي أعتراها للتو .. أقتربت منه بخطوات حذره فأقتربت من أنفاسه لتجدها منتظمة رفعت ساقه المتدليه فوق التخت ثم قامت بخلع حذائه وجذب الغطاء لتدثره وأمسكت بالوسادة من بين زراعيه ووضعتها جانبا عابرة بجذعها من فوق وجهه فأنسدلت منها قطرة مياه ع وجنته أزعجته فأطلق زمجرة أفزعتها لتقع فوقه ليمسكها بين زراعيه غير مدرك ... أنقلبت ع التخت لتصبح ملتصقة بصدره ... حاولت النهوض والإبتعاد عنه لكن عضلات ساعديه الحديدية أقوي من مقاومتها فأستسلمت لذلك العناق الدافئ لكن مايزعجها رائحة الكحول التي تفوح منه ... ظلت شاردة بملامحه لتجدها هادئة تاره ومتألمة تاره أخري كمن يري كابوسا مخيفا فيشد من عناقه لها وكأنه يستنجد بها
مر الوقت حتي أنتابها النعاس لتتوسد صدره موصدة أهدابها لتغط ف سبات عميق
**************************************************
_ أشرقت الشمس لتطلق أشعتها الذهبية ف كل أرجاء الأرض تتخلل النوافذ ... لاسيما تلك النافذة الخشبية القديمة ف منزل عبدالله
تلك الجميلة النائمة يدثرها غطاء قطني تتقلب بحرية حتي بدأت تستيقظ وتفتح عينيها التي وقعت ع الذي يدخل حاملا صينية مليئة بالطعام
_ النهاردة فرحي ياجدعان ... وأخيرا أتجوزت ... يدندن بها عبدالله بطريقة فكاهيه
نهضت شيماء وهي تمسك بالغطاء تملأ البسمه ثغرها
فقالت : وربنا مجنون
ترك الصينية ع التخت وأقترب منها جالسا بجوارها وصاح :
مجنون بيكي يا شوشووووو ... يا أجمل عروسة فيكي ياجمهورية مصر العالمية ... صباحية مباركة ياعروسه
أبتسمت بخجل وأجابت : صباح النور ياحبيبي
عبدالله كالأبله غرا فاهه : يا أي؟؟؟؟
شيماء بدلال تفوهت : يا حبيبي
جذبها بين زراعيه وقال : أنا كده مش هفطر أنا هحلي الأول بيكي يا كنافة بالمانجا وبعد كده نفطر
أبتعد شيماء قليلا وقالت : يوه بقا ياعبده أنت مبتشبعش أبدا
أمسك كفها مقبلا إياه وقال : حد يشبع من المهلبية من طبق فواكه الجنة الي أدامه دي .. أنتي خليكي مريحه ع السرير وطلباتك كلها أوامر يا روح وقلب عبده ... قالها وأخذ يقبل يديها
شيماء : للدرجدي بتحبني ياعبدالله ولا عشان أخيرا نولت مرادك مني ... قالتها بخجل وهي تعض ع شفتها السفلي
رمقها بأمتعاض وقال : أخص عليكي دي أخرتها ... تنهد وأردف : هقولهالك تاني ياشيماء أنا عبدالله جوزك الي قلبه شافك قبل ماعيونو تاخد بالها منك والي بتقوليه ده يتقال لامؤاخذه لواحد شاقط بت من إياهم ... فهمتي ؟؟
نظرت له بملامح أسف وقالت : حقك عليا يا نور عيني متزعلش مني مكنش قصدي
رمقها بنظرات ماكره وقال : لاء أنا لسه زعلان
شيماء : طيب أي الي يرضيك ياحبيبي
أشار إلي فمه وقال : عايز الإصطباحه بتاعتي
أبتسمت بخبث وقالت : وأي هي الإصطباحه ياسي عبده ؟؟
عبدالله : غمضي عينيكي وهتعرفي دلوقت
شيماء : أديني غمضت
قالتها وأوصدت عينيها ... وكاد يقترب من شفتيها ليقاطعه رنين جرس المنزل
عبدالله متأففا : يووووه ده مين ابن الرزله الي بيقطع علينا ده
أطلقت ضحكه مثيرة وقالت : روح شوف مين ليكون أبويا
وضع يده ع فمها وقال : يخربيت ضحكتك ... أنكتمي وهاروح هاشوف مين ع الباب وهطرءو وجايلك يا عم الكوكتيل أنت ياحلو
*********************************************
ذهب إلي الباب قائلا : حاضر يالي بترن مش بايتين لك ع الباب يعني
فتح الباب ليجد شاب مظهره مريب
_ صباحو عنب ياشبح .. محسوبك برشامه وجايلك من طرف المعلم العوامي بيباركلك وبيقولك فين حساب البضاعه
دفعه عبدالله إلي الخارج وأغلق الباب خلفه وقال : هششش الله يخربيتك أنت جاي تسيحلي ف بيتي
برشامة : لامؤاخذه ياشبح بس دي أوامر وأنت سيد العارفين
عبدالله : بلغ المعلم واقوله يصبر عليا ع أخر الأسبوع وهاروحلو بنفسي أديلو الفلوس
برشامة : كان ع عيني يا نجم بس زي ماقولتلك دي اوامر لأن مش ضامن المرة الجاية هاجيلك أخد الفلوس ومعاها رقبتك البيضة دي ياعريس ... قالها وهو يخرج سلاح أبيض يشهره نحو رقبة الأخر
قبض عبدالله ع معصم ذلك البرشامة وقال : هي هبت منك ولا أي يالا أنت جاي تهددني وف بيتي ... بقولك اي تاخد مطوتك الحلوة دي وتروح لمعلمك الي قولتهولك بدل ما أناديلك شبيحة الحارة يعملو عليك حفلة بالكتكوته الي ف أيدك دي فاهم يا ... ياشبح
_ مين ياعبدالله ؟؟؟ ... صاحت بها شيماء من الداخل بعدما أرتدت معطف وتقف خلف الباب
عبدالله بصياح : خليكي عندك ... ده ضيف رزل خد وقته وماشي
قالها محدقا ف الأخر بنظرات مرعبة ليتراجع وهو يرجع سلاحه إلي جيب بنطاله وقال مهددا :
أشطا أوي ياشبح أبقي أستلقي وعدك من المعلم ... يلا ومن غير سلام
قالها وركض ع الدرج مغادرا
بصق عبدالله خلفه وقال : كتك داهيه تاخدك أنت ومعلمك ف يوم واحد
دخل إلي المنزل ليجد شيماء تنتظره عاقده ساعديها أمام صدرها ترفع حاجبيها وقالت : مين الي كان معاك بره ده يا عبدالله ؟؟
تمتم بصوت غير مسموع :يووووه أهو أبتدينا
ثم أردف مبتسما بتصنع : أي ياحب ... ده وقت أسئلة .... قالها ليهم بمعانقتها فدفعته ف صدره
وقالت : بقولك اي متاكلش بعقلي حلاوة وجاوبني مين الي كنت بتزعق معاه بره
تجهم وجهه وقال : أنتي كنتي واقفه من أمتي وسمعتي أي بالظبط ؟
شيماء : متجاوبش السؤال بسؤال ... أنا لبست الروب وطلعت اشوف اي لما لاقيتك بتزعق
عبدالله : مفيش دي كانت مصلحة فكسانه وراحت لحالها
لوت فمها بسخريه وقالت : اممم مصلحة
رمقها بحنق وقال : واحد كان عايز يشتري التوكتوك وأنا رفضت أرتاحتي خلاااااص
شيماء بعدم إقتناع قالت : ماشي ونشوف أخرتها أي
أحب أن يغير مجري تلك المشاحنه فأقترب منها وقال : كده يا قلبي أنا ماصدقت ترضي عليا قلبتي تاني ليه ؟
قالها وطبع قبلة رقيقة ع عنقها
أنتابها التوتر مصاحبا بالخجل فقالت : أأ أنت ال....
ليقاطعها عبدالله : أنا أي ها ؟؟؟
قالها ليلتقم شفاهها بقبلة أختطفتها إلي عالم وردي ... وبعد مدة من الزمن أبتعد عنها لاهثا يسند جبهته فوق جبهتها وقال بصوت مليئ بالحب والرغبة : مقولتليش أنا أي ؟؟
أبتعدت عنه وصاحت وهي تركض نحو الغرفه :
أنت عايز تاكل كوكتيل ولا لاء
أتسع فمه بإبتسامة كادت تصل لأذنيه وصاح مهللا : الله أكبر .. ودي عايزه سؤال ... جايلك يا فاكهاني
*********************
_ في قصر البحيري ....
أستيقظ ليجد نفسه فوق الأريكة ليدرك إنه بالجناح الخاص بوالديه نهض ف وضع الجلوس وزفر مابين كفيه ثم أرجع خصلات شعره مخللا أنامله بينها ... تذكر أحداث الأمس فنهض وأقترب منها مازالت نائمة ... وضع يده فوق جبهتها وجد حرارتها أصبحت طبيعية ... جلس بجوارها وهو يأخذ الترمومتر من فوق الكومود ووضعه بفمها أسفل لسانها
فتحت عينيها لتبدو لها الرؤية غير واضحة وبحركة طفولية منها تفرك يديها بعينيها حتي يتثني لها الرؤية فتفاجاءت بتلك العسليتان الحاده ترمقها بنظرات بارده
شهقت بفزع وهي تحاول النهوض تتلفت من حولها : أأ أنا فين ... وأنت بتعمل أي هنا ؟؟؟
أجابها بنبرة سخرية : كنتي هتموتي وتريحيني بس قلبي مطاوعنيش أسيبك
وضعت يدها فوق رأسها لتجد إنها بدون حجاب فسرعان جذبت الغطاء ودثرت نفسها ولم يظهر منها شيئا
_ لو سمحت ممكن تخرج بره وتخلي حد من البنات تجبلي تحجيبة
ضحك من هيئتها وقال : بتخبيه ليه ما أنا شايفك طول اليوم إمبارح
صاحت بغضب : وسيادتك كنت بتعمل أي يا محترم !!
جز ع شفته السفلي بحنق وقال : يعني كنتي عيزاني أسيب الدكتور لوحدو معاكي !!!
شهقت مرة أخري : استغفر الله العظيم يارب ... سامحني يارب ... ظلت ترددها من أسفل الغطاء
آدم بنبرة تهكمية : جري أي ياست الشيخه هتخلصي إستغفار امتي
صاحت بغضب : اسكت خالص .. المفروض تكون مكسوف من نفسك لما تخلي راجل غريب يكشف عليا وأنا بشعري
آدم ساخرا : معلش بقي يا خديجه هانم هابقي اخد بالي المرة الجاية
خديجة : بتتريئ !! ونعم النخوه والرجولة
لم تستطع أن تري تلك النيران التي تندلع من عينيه لتجد الغطاء يجذبه بعنف من فوقها وأقترب منها بنظرات حاده ومرعبه :
وأقسم بالله يا خديجة لو ما أحترمتيش نفسك معايا بعد كده هنسي إنك بنت عمي خالص واستحملي بقي ... قالها قابضا ع كتفيها ف وسط ذهول منها وصدمة ليردف بنفس الوتيره : أظن إنك أتحسنتي وبقيتي كويسه تقومي تفطري عشان أوصلك عند عم سالم المستشفي وما اشوفش وشك خالص بعدها حتي لو صدفه ... أنتي فاهمه ؟؟؟
تسمرت ولم تستطع التفوه أحست كأن شئ يكبل لسانها وعبراتها تحجرت بمقلتيها أبت أن تبكي أمامه فتشعر بالذل والمهانة
أبتعد عنها ليأخذ هاتفه الذي مازال فارغ الشحن ... وقبل أن يغادر أغمض عينيه عازما ع التفوه بسهام مسمومه ... فتح عينيه وقال بكل قسوة :
ياريت لو عندك ذرة كرامة متخطيش باب القصر ده تاني ... وأحلمي ع أدك بدل ماتصحي تلاقي نفسك ف كابوس مش هتفوءي منه أبدا
غادر الغرفه بكل جمود تاركا تلك المسكينه تبتلع غصتها بمرار قلب جريح مدركة خبايا كل حرف تفوه به ... كبريائها تحطم أمام عينيها كالقارورة الذي ألقاها فوق صخره صلدة لينسكب منها سائل أحمر وهي دماء قلبها الذي تمزق لأشلاء ... يلعن كل لحظه أحس فيها بمشاعر إتجاه ذلك القاسي متبلد الإحساس
دخل غرفته يعتصر قبضتيه حتي هرب منها الدماء ... لم يكن يريد أن تصل الأمور بينهما هكذا لكنه يوقن جيدا أن والده لم يتفوه هباء وإنه عقد العزم ...
لذلك لم يجد مفرًا ويجعلها تمقته بشدة حتى يأتي الرفض منها شخصيًا، وهكذا يزيل حملًا ثقيلًا من فوق عاتقه.
*********************
بداخل بهو القصر تستند ملك على ذراعي كلا من أبويها بملامح شاحبة شاردة في الفراغ يتبعهم مصعب وسميرة وصديقتها رودي... كان يهبط الدرج لينتظرها بالأسفل لكنه تفاجأ بذلك المشهد.
- قافل موبايلك من إمبارح ليه يا أستاذ؟ (قالها عزيز بغضب).
آدم: أبدا البطارية فصلت وملحقتش أشحنه عشان... عشان...
جيهان: مش وقت عتاب يا عزيز... وأنت تعالى شيل أختك وطلعها فوق في أوضتها.
آدم بقلق وخوف قال: مالها ملك؟ وإيه اللي معورها كده؟ (قالها ليلقي بنظراته نحو مصعب الذي يخفض بصره خجلًا).
مصعب: ده...
قاطعه عزيز: دي حادثة بسيطة والحمد لله أختك بخير.. ويلا اسمع اللي والدتك قالتلك عليه.
اقترب آدم من شقيقته ليحملها على ذراعيه وهو يتفحص ببصره مصعب الذي بكامل أناقته، فأدرك أن هناك شيئًا حدث ولم يرد أحد أن يخبره.
وبالأعلى بعدما ارتدت ثوبها وحجابها التي جلبتهم إليها الخادمة... ركضت مسرعة لتغادر ذلك القصر قبل أن يأتي أحد... وفي طريقها اصطدمت بياسمين فتعثرت ووقعت على الأرض، ساعدتها الأخرى بالنهوض وهي تربت فوق ظهرها وقالت:
- سلامتك يا آنسة خديجة... محتاجة أي مساعدة؟
ابتسمت لها خديجة وقالت: شكرًا.
قالتها لتكمل خطواتها السريعة تهبط من درج العاملين حتى وصلت إلى الحديقة... ظلت تسير مسافة كبيرة حتى وصلت إلى البوابة تتلفت قبل أن يراها أحد.
- أي خدمة يا هانم؟ (قالها عم شكري السائق).
أومأت له خديجة وبصوت منخفض للغاية: معلش يا عم شكري ممكن توديني عند بابا في المستشفى بس من غير ما حد يعرف.
شكري: ثواني يا بنتي هاروح أستأذن عزيز باشا الأول.
خديجة: لاء أرجوك يا عم شكري... خلاص أنا هاخد أي تاكسي من هنا.
شكري: مش هتلاقي عشان الكمبوند هنا كله فلل وقصور ونادرًا لما هتلاقي تاكسي... ثواني هجيب العربية وجايلك.
خديجة: شكرًا لحضرتك.
شكري: العفو يا خديجة هانم.
******************************************************
في منزل رحمة...
- وده مين اللي قرر كده إن شاء الله؟ (صاحت بها رحمة).
والدتها: أخوكي كان خطيبك قاعد معاه ع القهوة واتفقوا مع بعض.
رحمة: وبيتفقوا من غير ما ياخدوا رأيي!
والدتها: بت مش ناقصة صداع ودلع بنات... ما أنتي عارفة من الأسبوع اللي فات إن كتب كتابك ودخلتك في آخر أسبوع للمحروس خطيبك في مصر.
رحمة: ده لسه الأسبوع اللي جاي مش ده.
والدتها: هو قال لأخوكي الكفيل اتصل عليه وقاله لازم يرجع قبل ما إجازته تخلص بأسبوع.
رحمة: وأنا مالي خلاص خليه يستنى للإجازة الجاية.
تركت والدتها ما في يدها وصاحت بها:
- نعم يا حلوة!!! الناس فرشولك الشقة وأنا خلصتلك اللي علينا وباعته مع أخوكي في توكتوك ليهم النهاردة... مش ناقص غير إننا نروح نحجز عند كوافير البت سالي اللي ع ناصية الحارة ونأجر الفستان من الأتيليه اللي جنبها.
رحمة وهي في محاولة استيعاب الحديث فقالت:
- أنا بقى هقولك ع حل أحسن، أنتي تاخدي شبكة ابن أمه ده وتروحي تودهيلهم وقوليلهم كل شيء قسمة ونصيب.
والدتها بصياح دوى بكل الأرجاء:
- يالهوي تعالوا الحقوني يا خلق بنتي ع آخر الزمن عايزة سيرتنا ع كل لسان.
دلف أسامة شقيق رحمة من باب المنزل وصاح بغضب:
- مالك يا أما صوتك جايب لآخر الحارة ليه؟
نظرت إليها رحمة برجاء حتى لا تخبره.... لكن الأخرى ضيقت عينها وقالت:
- تعالى شوفلك صرفة مع أختك مش لادة عليها الجوازة وعيزاني ارمي للناس شبكتها.
رمقها أسامة بنظرة قاتلة وقال بصوته الغليظ:
- صحيح اللي أمك بتقوله ده؟؟
رحمة وهي تبتلع ريقها بخوف:
- أأنا... أنا بصراحة خايفة من العيلة دي يا أسامة خاصة الولية اللي اسمها عديلة بتفكرني بالست اللي كانت طالعة حما في فيلم الشقة من حق الزوجة.
ساد الصمت ليدوي قهقة كلا من أسامة ورحمة.
والدتهما: يا فرحتي بيك هو ده اللي ربنا قدرك عليه بدل ما تعقل أختك.
أسامة: أمي رحمة مش عيلة وعمري ما هغصبها ع حاجة وكلنا عارفين إن فعلا حماتها ست شديدة وقوية يمكن اللي خلاني أوافق الواد هياخدها معاه الكويت لكن غير كده ورحمة أبويا ما كنت وافقت.
ركضت نحو شقيقها وعانقته:
- ربنا ما يحرمني منك يا أسامة ويخليك ليا.
ربت على مؤخرة رأسها بمزاح وقال:
- يا عبيطة أنتي بنتي مش أختي... ولو فعلا مش عايزة تكملي مع الناس دي قوليلي وأنا هتصرف.
تراجعت وهي تفكر في أمر ما فقالت:
- طيب مش الفرح المفروض بعد بكرة؟ أديني مهلة أفكر لحد بالليل.
تنهد أسامة وقال:
- حاضر يا ست البنات وأنا مستنيكي.
انفرجت أساريرها بسعادة فذهبت إلى غرفتها وأغلقت الباب وأخرجت هاتفها لترسل ما يلي:
"عايزة اشوفك ضروري ف المكان اللي أنت عارفه"
أرسلتها ثم انتظرت لتأتي رسالة ردًا عليها:
"ساعة وهاكون عندك"
ضمت الهاتف نحو قلبها وتلمست شفتيها وهي تتذكر قبلته الأخيرة لها.
*************************************************
- يعني أفهم من كلامك عايز تضيع حق بنتك عشان خايف ع سمعة شغلك!!! (صاحت بها جيهان).
عزيز محذرًا إياها بسبابته:
- وطي صوتك يا جيهان... أنتي مبتتكلميش مع حد من عيالك.
جيهان ومقلتيها تهتز بجنون:
- لاء مش هوطي صوتي أنا هعليه عشان عيالك يسمعوا وييجوا يشوفوا عزيز باشا اللي عنده شغله أهم من بنته وسمعتها.
رفع كفه لأعلى وكاد يصفعها ليتوقف عندما دلف كلا من ياسين وآدم ويونس على هذا الوضع.
صاحت جيهان بانفعال وبنبرة هستيرية:
- مستني إيه!!! اضربني.
ركض آدم نحو والدته:
- ماما اهدي.
يونس: في إيه يا بابا إيه اللي حصل؟؟
عزيز: اطلعوا بره وسيبوني أتكلم معاها لوحدينا.
ابتعدت جيهان عن صدر آدم وصاحت:
- ماليش كلام معاك تاني... ويكون في معلومك لو مجبتش حق بنتك من الكلب اللي عمل فيها كده أنا هاروح أجيبه بنفسي.
صاح ياسين بغضب:
- إيه الكلام اللي بتقوله ماما ده يا بابا؟
جيهان: قولهم يا عزيز باشا... إن بنتك كان هيضيعها حتة عيل صايع لولا مصعب أنقذها من إيده ع آخر لحظة.
وبغرفة إنجي التي تتحدث بالهاتف...
إنجي: وبعدين بقى مش كنت معاك إمبارح.
مروان: أنا عمري ما بزهق منك يا أنوجة قلبي.
ضحكت ثم قالت:
- ياااه تصدق نسيت خالص الكلمة دي محدش كان بيدلعني غير مامي وأنت بس.
مروان بنبرة ساخرة:
- طب والدكتور مش بيدلعك خالص؟
ابتسمت بسأم وأجابت:
- يوسف مراته المستشفى مش أنا.. عمري ما أفتكر إنه قالي كلمة حلوة غير نادرًا وبتبقى مجاملة مش أكتر.
مروان: تستاهلي أنتي اللي عملتي كده في نفسك.
عقدت حاجبيها بحنق وقالت:
- تصدق إن أنا غلطانة بفضفض معاك.
مروان: بهزر معاكي يا أنوجة انتي زعلتي ولا إيه؟
صمتت قليلًا لتسترق السمع إلى صراخ وأصوات.
إنجي: مروان اقفل وابقى اكلمك بعدين باي.
خرجت إلى الرواق لتجد جيهان تركض خلف آدم وياسين ويونس يلحقان به وعزيز يتحدث في الهاتف يأمر الحراس بعدم مغادرة آدم.
على الدرج تمسك جيهان بذراع آدم وترجوه:
- اهدى يا ابني الحق مبيرجعش بالدم والسلاح.
ياسين: ماما عندها حق يا آدم إحنا نمسك الواد ده ونحبسه في مخزن من المخازن ونعدمه العافية.
يونس: بطلوا همجية وفكروا بالعقل القوانين اتغيرت وبقت في صالح الضحية وممكن نوديه في ستين داهية بس بالقانون.. بس لازم يبقي فيه شهود.
جيهان: عندك حق يا يونس صح كده.
زمجر آدم بغضب:
- القانون هيعملنا إيه أكتر ما هنتفضح في الجرايد والمجلات وهنبقى سيرة ع كل لسان.
ابتعدت جيهان بصدمة عنه وقالت:
- طبعًا مش ابن ابوك ما أنت نسخة منه.
تبادل الجميع النظرات ما بين الأسف والغضب.
- طنط جيجي تعالي بسرعة ملك عمالة بتعيط ومش عارفة أهديها... (صاحت بها رودي).
ركض الجميع إلى غرفة ملك.
***********************************************
في قصر العزازي....
فتحت عينيها لتنصدم بوجودها على صدره واضعة ذراعها على خصره وساقها فوق ساقه... اتسعت عينيها فجاءت تنهض فأمسك بها وقال بصوت ناعس:
- خليكي في حضني شوية متسبنيش... (قالها ودفن وجهه في جيدها).
أجابته بتلعثم:
- أنا.. أقوم.. عايزة... (صمتت لتتأفف): أووف بقى أنا عايزة أقوم.
قصي وهو يضمها إليه أكثر بتملك:
- مش هينفع تقومي يا حبي.
صبا: ليه بقى؟؟؟
ابتسم بمكر وبدون أن يفتح عينيه أخذ يلمس ظهرها العاري من أسفل الغطاء بأطراف أنامله.
شهقت عندما وجدت نفسها بدون ثياب ولا يدثرها سوى ذلك الغطاء الخفيف.
- إزاي... أنا كنت لافة نفسي بالبشكير وبعدين جيت أغطيك فمسكت فيا ومعرفتش أقوم....
قاطعتها ضحكاته التي زادته جاذبية ووسامة فاتحًا عينيه ويحدق برماديتيها المتلألئة من الخجل وقال:
- أنا صاحي من بدري لقيت البشكير مفكوك فخوفت عليكي لتبردي فغطيتك ودفيتك جوه حضني لقيتك كلبشتي فيا.
ضربته على صدره بقبضتها الناعمة وقالت:
- طيب تسمح تبعد عشان عايزة أقوم أدخل التويليت.
قصي بابتسامة زادت من حنقها:
- تؤتؤ.. مش هتقومي.
حاولت أن تتملص منه:
- قصي بطل هزار عايزة أقوم بجد.
قصي: هخليكي تقومي بس بشرط.
قالت بسخرية:
- مش ملاحظ إن شروطك كترت يا قصي باشا.
أبعد خصلاتها المبعثرة عن وجهها ووضعها خلف أذنها وقال:
- بما أني عارف الشرط التاني اللي طلبته إمبارح هيبقي صعب عليكي شوية فممكن أكتفي بالشرط التالت.
صبا: وإيه هو بقى؟؟؟
لم يتفوه واكتفى بالإشارة إلى شفاه.
صبا: اهاا بقى كده... ده بعينك.
قصي: لاء بشفايفي... (قالها وقهقه باستفزاز).
صبا: ع فكرة أنت انتهازي.
قصي: عارف وضيفي عليها عاشق ومتيم ونفسي تشوفني حبيبتي زي ما أنا شايفها.
قالها ليحدق بداخل عينيها بعمق فشردت في أعماق زيتونيتيه ولم تشعر بأنفاسه على شفتيها لينهال من رحيقها الذي يشتهيه بعشق ووله جعلها تائهة في عالمه تبحر في أنهار حبه المتدفقة ليذيقها غرامه بجميع النكهات المختلفة... زادت خفقات قلبها عندما أوشكت على الاستسلام بين يديه... ابتعدت بهدوء جاذبة الغطاء الذي يدثرها ونهضت وبدون أن تنظر إليه قالت بخجل:
- عن إذنك.
وذهبت إلى المرحاض.... نهض وجلس على طرف التخت ليلتقط سيجارة وقام بإشعالها ليستنشق دخانها ثم زفره في الهواء مبتسمًا حينما أحس بتقدم ولو بقليل بينهما.
صبا بالداخل تقف أمام المرآة تضرب وجنتيها عدة صفعات وتتمتم بغضب:
- غبية.. غبية.. غبية... كنتي هتستسلميلو بعد كل اللي عملو فيكي!! نسيتي!!!
*************************************************
تسير في الشارع وتتلفت من حولها لتطمئن أن لن تكون مراقبة... ظنت هكذا تابعت السير حتى وصلت أمام بوابة إحدى الحدائق العامة الهادئة... أرسلت له:
"أنا عند البوابة أنت فين؟"
يجلس طه بداخل سيارة أجرة فتلقى الرسالة فأجاب عليها برسالة أخرى:
"خليكي عندك ثواني وهتلاقيني قدامك"
وضع الهاتف بداخل جيب بنطاله وقال:
- ع جنب يا أسطى... (قالها وهو يعطيه الأجرة ثم ترجل من السيارة).
على الرغم من قلبها الذي يقفز من السعادة لرؤيته ارتسمت ملامح الجمود لكن عينيها تكشف مدى كم الاشتياق والحب التي ما زالت تكنه له.
- عاملة إيه؟؟ (قالها طه وهو يصافحها).
بادلته بالمصافحة وقالت:
- الحمد لله بخير... وعم سالم صحته عاملة إيه دلوقتي؟
أومأ لها وقال:
- الحمد لله... تعالي ندخل مش هنفضل واقفين ع البوابة كده....
قالها وأمسك بكفها بدون رفض منها، بل عندما لامس يدها حلق قلبها في السماء يرفرف جناحيه كالطير.
بعد أن دفع رسوم الدخول توجه كلاهما إلي إحدى الأشجار الضخمة، فاستندت بظهرها تحدق في عينيه ولا تعلم بأن هناك عيون أخرى تحدق بكليهما.
استنشقت الهواء براحة فقالت:
- ها مقولتليش عم سالم أخباره إيه دلوقتي؟
عقد ساعديه أمام صدره وهو ينظر بحزن نحو الفراغ وقال:
- بابا فاق بس للأسف مش بيتكلم ولا بيتحرك.
رحمة بنبرة أسف وحزن:
- ربنا يشفيه ويعافيه يارب.
طه:
- يارب.
ثم نظر إليها وأردف:
- خلاص هتتجوزي؟
رحمة:
- قبل ما أجاوب عايزة أعرف حاجة واحدة بس، أنت بتحبني ولا كنت بتتسلى بيا؟
زفر بسأم وقال:
- مش عارف.
صاحت بغضب:
- هو أي اللي مش عارف... سؤالي واضح يا طه.
طه بهدوء غريب:
- أنا مش عارف أحدد مشاعري إيه بالظبط من ناحيتك، بس كل ما أتخيل إنك هتبقي متجوزة دماغي هتنفجر وباتجنن.
كادت تبتسم فتفوهت قائلة:
- يعني بتحبني.
طه:
- اللي بيحب ده يا رحمة يبقى لازم معاه اللي يسند به نفسه، ويروح يتقدم للي بيحبها بقلب جامد، لكن أنا واحد زيي ما أنتي شايفة يدوب لو اشتغلت بكفي نفسي بالعافية.
بدأت عبراتها تتجمع على وشك الانسدال:
- وأنا يا طه مش عايزة أكون غير ليك... وأنا واثقة وعارفة كل اللي كنت بتعمله معايا عشان أنساك وابعد عنك ومتعلقش بيك.
طه:
- أنا لسه قدامي المشوار طويل ومش عارف هاقدر افتح بيت ولا لأ.
رحمة:
- أنا هستحمل أي حاجة عشانك بس أنت ريح قلبي وطمني.. وهقولك على خبر حلو أنا خلاص هفسخ خطوبتي وأسامة بنفسه موافق على كلامي.
طه:
- رحمة أنا....
قاطعته فأجهشت بالبكاء:
- أرجوك يا طه كفاية عذاب، أنا عمري ما حبيت حد ولا هحب غيرك.
لم يتمالك نفسه عندما رأى عبراتها فتألم وجذبها لترتمي على صدره ويضمها بقوة.
- آه يا بنت الـ..... يا فاجرة ده اللي عايزة تفسخي خطوبتك عشانه...
صاح بها أسامة وهو يجذبها بعنف من بين ذراعي طه.
رحمة:
- هافهمك يا.....
لم تكمل ليهوي على وجهها بصفعات متتالية.
وكاد يدافع عنها طه ليتلقى ضربة من الخلف من شخصين، ليقول الذي يقف خلفهم:
- خدها يا أسامة على العربية وأنا هاتصرف أنا والرجالة مع ابن الـ....... ده.
أخذ شقيقها يكيل لها الصفعات والركلات حتى غادر كلاهما الحديقة، ليدفعها بقسوة وعنف بداخل السيارة.
تصرخ من الألم وتصيح:
- اسمعني يا أسامة ورحمة بابا.
صاح في وجهها بغضب وهو يصفق الباب عليها:
- اخرسي مش عايز اسمع منك ولا كلمة، شكلي دلعتك كتير وكنت مديكي الثقة وطلعتي متستهليش.
قالها ثم بصق في وجهها بازدراء.
جاء الآخر وخلفه الرجلين يحملان طه الذي فقد وعيه.
قال أحدهم:
- هنرميه فين ده يا معلم عادل؟
عادل:
- خدوه في العربية الثانية وارموه قدام أي مستشفى وطيروا على طول قبل ما حد يمسككم.
الرجل:
- أمرك يا كبير.
كادت تفقد عقلها من رؤية طه والدماء نازفة من كل أنحاء وجهه وثيابه الممزقة... فاقد الوعي ومن يراه يحسب إنه في تعداد الموتى.
قاطع نظراتها صوت شقيقها:
- وربنا ما عارف أودي وشي منك فين يا عادل.
ربت عادل على كتفه وقال:
- عيب عليك يا أبو نسب ومتقلقش، أنا سكت الواد بتاع البوابة بقرشين والحمد لله مفيش حد في الجنينة والحته هادية ومقطوعة زي ما أنت شايف.
أسامة:
- أرجوك تخلي اللي حصل ده ما بينا.
عادل:
- اطمن أنا مش هسيب رحمة وكلها يوم وليلة وتبقى مراتي.
قالها وهو يرمقها من خلال النافذة بتوعد.
نظر إليه أسامة بانكسار لكن كان يساوره سؤال يحيره؛ لماذا يصر عادل على الزواج بشقيقته على الرغم من رؤيته ما حدث!
غادرت السيارتان، إحداهما متجهة إلي الحارة وبداخلها قلب يعتصره الألم والخوف من المصير الذي ينتظره.
والسيارة الأخرى متجهة نحو مشفى حكومي ليلقي به الرجال أمامها وفروا مسرعين قبل أن يلحق بهم أحد.
***
في مشفى البحيري...
تركض بقوى منهكة يتملك منها الوهن فما زالت تشعر بالتعب... توقفت قليلاً عندما انتابها السعال... تستند على الدرابزين المعدني الموجود بالأروقة حتى وصلت أمام غرفة العناية لتنظر من الزجاج لتجد السرير فارغ والظلام يعم الأرجاء.
التفتت بذعر تبحث عن يوسف أو أي طبيب آخر فتقابلت مع إحدى الممرضات.
- لو سمحت والدي كان محجوز في الأوضة دي راح فين؟
قالتها خديجة.
نظرت إليها الممرضة بأسف وحزن وأجابت:
- ادعيله بالرحمة البقاء لله لسه متوفي الصبح.
وضعت يدها على فمها وأصدرت شهقة أرادت أن تصرخ بكل ما أوتيت من قوة، لكن مرضها هزم قواها فلم تتحمل ففقدت وعيها، لتصيح الممرضة التي لحقت بها زميلتها وأخذوا خديجة في إحدى الغرف.
فتحت عينيها واتضحت لها الرؤية فنهضت وهي تصرخ:
- باباااااااا.
أمسك بها يوسف يحاول تهدئتها:
- اهدي يا بنتي عم سالم بخير.
خديجة بعدم تصديق:
- أنت بتضحك عليا... بابا بابا....
لم تكمل لتجهش بالبكاء.
يوسف:
- طيب لو قادرة تقومي تمشي تعالي أوديكي بنفسي ليه.
خديجة:
- بجد؟
ابتسم وقال:
- لأ بهزر... معلش الممرضة كانت تقصد حالة جاتلنا بالليل واتحجزت في نفس الأوضة وتوفي الصبح فمكنتش تعرف قصدك على عم سالم.
- آسفة يا آنسة والله ما كنت أقصد.
قالتها الممرضة التي تقف للمساعدة.
نظرت إليها خديجة بملامح هادئة وقالت:
- حصل خير.
يوسف وهو يمد يده لها لتستند عليه قال:
- يلا تعالي أوديكي أوضة عم سالم.
رفعت عينيها له بإحراج وقالت:
- أنا هاروح معاها... معلش يا دكتور.
تفهم خجلها فابتسم من ردة فعلها وقال:
- أبداً أنا مش متضايق بالعكس.. وعموماً خدي راحتك ولو محتاجة أي حاجة ابعتيلي أي ممرضة.
أومأت له شاكرة إياه:
- شكراً يا دكتور.
يوسف:
- العفو... يلا عن إذنكوا.
قالها ثم غادر متجهاً نحو مكتبه، وعندما دخل إليه جلس شارداً في كلمات زوجته في آخر مشاجرة بينهما.
أحس بالضيق فأمسك بهاتفه ليرسل لها:
"إنجي حبيبتي قدامي ساعتين وجاي، حضري نفسك هنتغدى بره، وبوسيلي لوجي كتير".
قام بإرسالها ثم ترك هاتفه على المكتب ليرجع إلي الوراء مستنداً على ظهر المقعد بأريحية.
فتحت الباب وولجت بهدوء حتى لا تزعج والدها، وإن وقعت بندقيتيها على ذلك الراقد في سكون لم تشعر بقدميها وكأنها حلقت إليه، جلست بجواره وهي تمسك بيده أخذت تقبلها:
- حمد الله على سلامتك يا حبيبي... أسأل الله أن يشفيك ويعافيك وترجع لنا بالسلامة وتنور البيت والحارة كلها يا أبو طه.
ابتسم والدها بدون أن يتفوه فأدركت حالته فلم تتمالك عبراتها فأردفت:
- متقلقش يا شيخ سالم هترجع أحسن من الأول عارف ليه.. لأن بحبك يا بابا ومليش غيرك في الدنيا...
مسحت وجنتيها وهي تستنشق الهواء وما زالت تمسك بيده تطبع القبلات الحانية في باطن كفه ثم تضعها على وجنتها... لاحظت عبرة منسدلة من عين والدها الذي يعلم ما بداخلها، فهو لن يكون لها مجرد أب بل الأخ والصديق والسند... يرى فيها شبابه وأخلاقه وطباعه الطيبة والقلب المتعلق بطاعة الخالق... طالما افتخر بها وللعديد ممن تقدم لخطبتها لكنه كان متفهماً واحترم رغبتها عندما كانت ترفض.. فهو يعلم جيداً ما تتمناه لكن ما باليد حيلة.
- لو سمحت يا آنسة خديجة كده مينفعش أي انفعال على والد حضرتك مش في صالحه، والحمد لله ما صدقنا إنه فاق من الغيبوبة.
خديجة:
- حاضر متقلقيش هو بإذن الله هيكون بخير وأنا متأكدة من ده... صح يا بابا.
قالتها وهي تمسك يده بين يديها وتربت بخفة عليها.
أومأ لها بأهدابه وارتسمت ابتسامة باهتة على محياه.
انحنت لتقبله فوق جبهته وقالت:
- هبقي أجيلك بكرة إن شاء الله من بدري أطمن عليك... معلش هاسيبك بقى ترتاح... مع السلامة يا حبيبي.
غادرت وعيناها لم تفارقه سوى عندما أغلقت الممرضة الباب.
***
سارت بالرواق تبحث عن غرفة الطبيب المسؤول عن حالة والدها والدموع تحجب رؤيتها، تخفض بصرها حتى لا يرى أحد تلك اللآلئ... اصطدمت بأحد ما.
خديجة بخجل وبنبرة اعتذار:
- آسفة حضرتك.
قاطعها الآخر وهو يقدم لها محرمة ورقية:
- ولا يهمك... محتاجة أي مساعدة؟
أجابت وهي تواري عينيها:
- لأ شكراً حضرتك.
وكادت تذهب ليستوقفها:
- أنا عارف ممكن أكون برخم عليكي بس حاسس إنك محتاجة لمساعدة... أنا أبقى دكتور هنا بس جراح على رأي الفنان جورج وسوف طبيب جراح.
كادت تبتسم رغماً عنها لكنها أبعدت وجهها جانباً وهو لاحظ ذلك.
خديجة:
- شكراً لحضرتك... عن إذنك.
- على فكرة أنا اسمي آسر و....
قاطعه صوت آخر:
- جرى إيه يا دكتور بتعاكس بنت عمي عيني عينك كده؟
آسر رافعاً يديه باستسلام:
- أبداً والله يا جو أنا لقيتها ماشية وبتعيط حبيت أساعدها مش أكتر.
رمقه يوسف متوعداً بمزاح وقال:
- طيب روح يا أبو قلب حنين على العمليات عندنا حالة طوارئ وأنا جاي وراك.
آسر مازحاً:
- طبعاً ليك حق تأمرني وتمرمطني... شوفتي ابن عمك كل ده عشان أنا بشتغل عنده.
ابتسمت خديجة من حديث آسر الفكاهي، فقال يوسف:
- وشكلي هرميك في الشارع لو روحت العمليات وملقتكش قبلي دلوقتي.
آسر:
- وأهون عليك ده أنا بجري على يتامى... عموماً أنا ماشي... وفرصة سعيدة يا آنسة ولو عيطي تاني وعايزة حد يضحكك قولي جزر هتلاقيني طالعلك زي عفريت علاء الدين... سلام.
قالها وذهب... أخذت خديجة تكتم ضحكاتها ويوسف الذي دوت ضحكته ثم قال:
- معلش هو كده... هو دكتور شاطر جداً بس دماغه لاسعة زي ما أنتي شايفة.
عادت ملامحها إلي الحزن وقالت:
- بابا مش بيتكلم ولا بيتحرك ليه؟
يوسف:
- ده شيء طبيعي بعد الغيبوبة وواحدة واحدة بإذن الله هيستجيب مع العلاج عشان يقدر يتحرك، بس الأهم من كل ده العامل النفسي وده اللي بنوفره ليه بالهدوء والراحة، ومتقلقيش أنا وطه مش بنسيبه أبداً.
خديجة:
- شكراً جداً يا دكتور يوسف.
يوسف:
- مفيش شكر ما بينا عم سالم في مقام والدي وأنتي وطه أخواتي، ولو احتاجتي لأي حاجة متتكسفيش من أخوكي الكبير سواء أنا أو يونس وياسين أو آدم.
تحولت ملامحها عند ذكر الاسم الأخير إلي تجهم وهي تتذكر كلماته لها.... أردف:
- مالك يا خديجة؟
تصنعت الابتسامة وقالت:
- مفيش... حسيت بتعب شوية.
يوسف:
- طيب تعالي ارتاحي في مكتبي عقبال ما اخلص عمليات وجايلك.
خديجة:
- شكراً... أنا ماشية وفي عربية مستنياني تحت هتوصلني لحد البيت.
تنهد بسأم وقال:
- على راحتك وخدي بالك من نفسك.
خديجة وهي تهم بالذهاب:
- حاضر... عن إذنك.
قالتها وغادرت المشفى بأكمله واستقلت السيارة.
وفي طريقها تستند بجوار النافذة وعبراتها رفيقة دربها كلما تذكرت نظراته الحادة وكلماته الخالية من الرحمة والمليئة بالقسوة كنصل خنجر غير مسنن ينغرز بألم لم يتحمله أعتى الرجال فما بال هذا القلب الرقيق...
لكن أقسمت بداخلها سوف ترد له الصاع صاعين وستعلمه جيداً إنها ليست بالأنثى الضعيفة مهما بلغ ذروة عشقها له.... أخطأ كل من قال لا كرامة ولا كبرياء في قانون الحب، هل يُعقل هذا؟ فالحب الذي لا يُبنى على احترام كلا من الطرفين لبعضهما البعض لن يكون حباً بل عذاب ومذلة وإهانة تحت مسمى الحب.
***
- والله يا عزيز بيه مكدبش على حضرتك الآنسة ملك جالها انهيار عصبي وده محتاج تدخل خارجي، وأنا إديتلها حقنة مهدئة دلوقتي.
قالها الطبيب بعدما انتهى من الفحص.
كاد عزيز يتفوه فقاطعته جيهان بخوف وقلق:
- قصدك يعني.....
أومأ لها وقال:
- أيوه لازم تروح لأخصائي نفساني وهو هيقدر يخرجها من الحالة اللي هي فيها، وكل ما كان الموضوع أسرع هيبقي أحسن لها.
ظل كل من عزيز وجيهان يحدقان بتلك الملاك النائم.... ثم قال عزيز:
- أرجو من حضرتك يا دكتور الموضوع اللي حصل مع ملك يكون ما بينا بس.
الطبيب:
- إحنا عشرة سنين يا عزيز بيه وآنسة ملك زي أختي الصغيرة...
- ومن رأيي الشخصي قدّم بالتقرير الطبي محضر في اللي عمل فيها كده.
تجهم وجه عزيز وقال:
- إن شاء الله... شرفت يا دكتور.
أحس الطبيب بالإحراج وقال:
- عن إذنكو...
ثم غادر.
التفتت جيهان إلى عزيز وهي تحدق في عينيه بنظرات خيبة وقالت باقتضاب:
- يا خسارة.
زفر بغضب وجز على أسنانه تاركًا لها الغرفة قبل أن يقترف فعلًا أو قولًا سيندم عليه بعد ذلك.
ولم تمر ثوانٍ فدق الباب.
جيهان وهي تجلس بجوارها تمسد على خصلات شعر ابنتها:
- اتفضل.
دلف مصعب يحمحم:
- احم احم... مدام جيهان.
اعتدلت في جلستها وقالت:
- اتفضل يا مصعب.
وقف أمامها احترامًا وقال معتذرًا:
- أنا آسف والله مكنتش أعرف اللي هيحصلها.
جيهان:
- أنا اللي بعتذر لك عن انفعالي عليك في العيادة... وبالعكس ده لولاك كانت هتضيع، فأنا بشكرك.
مصعب:
- العفو يا مدام جيهان، ربنا يعلم أنا بخاف عليها قد إيه.
كان يتحدث وطرف عينيه لا يفارق ملاكه.
ابتسمت جيهان وبداخلها ترى ذلك الشوق والحب الذي يكنه لابنتها فقالت:
- عارفة طبعًا إنك بتخاف عليها... فاكر لما ولدتها وجيت أنت ووالدك الله يرحمه تزوروني، لقيتك شيلتها بين إيديك وكنت فرحان لما ضحكتلك بعينيها، فطلبت مني أسميها ملك... من يومها وأنا مبطمنش عليها غير وهي معاك، لأن نظرتك ليها من يومها نظرات خوف ولهفة.
ابتلع ريقه بخجل وإحراج تفهم ما بين كلماتها فقال:
- طبعًا لازم أخاف عليها دي أمانة وواجبي حمايتها... وربنا يطمنا عليها وتقوم بالسلامة.
جيهان:
- تسلم يا مصعب.
مصعب:
- أنا تحت في الجنينة، لو حضرتك محتاجة أي حاجة أنا تحت أمرك.
جيهان:
- شكرًا.
مصعب:
- العفو حضرتك... سلام.
غادر الغرفة وقلبه يخفق بشدة يكاد يخترق ضلوعه، يفك رابطة عنقه يتحدث بداخل عقله:
"فوق يا مصعب، متنساش أنت تبقى بالنسبة لها إيه... هي فين وأنت فين، ده غير فرق العمر 15 سنة ما بينكو... عمرها ما هتشوفك زي ما أنت شايفها... ولو عزيز بيه حس بمشاعرك ناحيتها أقل حاجة هيطردك بره القصر، وأنت مش هتستحمل يوم واحد وهي بعيدة عنك... احتفظ بمشاعرك لنفسك أحسنلك."
***
أسيرة غرفتها بعدما ألقاها شقيقها بالداخل وانهال عليها بالسباب والشتائم... جفونها شديدة الاحمرار ومنتفخة من كثرة البكاء، ووجنتيها تكسوها آثار صفعاته.
- بقولك إيه ياما، البت دي مش هتخرج من أوضتها غير على بيت جوزها، أنتي فاهمة؟ إلا ورحمة أبويا في تربته لأكون مخلص عليها هي والـ... اللي كانت مرمية في حضنه زي الـ...
صاح بها أسامة والشر والغضب يتطاير من مقلتيه بشكل مرعب.
والدته بنظرات خجل من فعل ابنتها:
- حقك عليا يا ابني، والله ما أعرف حاجة.
أسامة:
- أعمل إيه قدام ابن عديلة لما ألاقيه يتصل عليا يقولي تعال لي على الجنينة بسرعة، ومرضاش يقولي غير لما روحتله، افتكرت المحروسة بنتك معاه، أتاريه مراقبها من بدري ومرضاش يواجهها، وراح مشاورلي عليها هي وابن الـ... اللي مراعيش العيشة ولا الجيرة اللي كانت ما بينا... بس وربنا، يخلص بس فرحها وتغور في داهية وهاروح أصفي حسابي معاه.
أخذت تبكي والدته وقالت:
- أبوس إيدك يا ابني مش ناقصين فضايح، كفاية اللي عملتوه فيه واللي عملته في أختك.
خرجت إليهم رحمة وهي تصرخ باكية:
- أنا مش هتجوز الزفت ده لو آخر راجل في العالم... وأيوة أنا وطه بنحب بعض، وكان هيطلب إيدي منك، بس أنت اللي مدتنيش فرصة أنا وهو نتكلم معاك، وعملت اللي عملته أنت والحيوان التاني.
اتسعت حدقتاه بشكل جعلها ترتجف رعبًا وهي تتراجع إلى الخلف، وقبل أن تبتعد أمسكها من خصلات شعرها قابضًا عليها بقوة يكاد يقتلعه من جذوره وصاح بها:
- سمعيني تاني بتقولي إيه؟
أمسكته والدته ترجوه:
- عشان خاطري يا أسامة، دي عيلة متاخدش على كلامها.
أسامة بصياح مفزع:
- ابعدي أنتي ياما.
ثم حدق في عيون رحمة التي تنازع لتحرر خصلاتها من قبضته فأردف:
- كتب الكتاب والدخلة بكرة، ولو فكرتي تعملي حركة كده ولا كده هاكون مخلص عليكي، وقبلها على سي روميو اللي كان واخدك في حضنه يا سافلة يا...
قالها ثم ألقاها صفعة تردد صداها في أرجاء المنزل، ليلقي بها بداخل غرفتها وأوصد الباب من الخارج بالمفتاح، فلا مفر للهرب خاصة نافذة غرفتها عليها من الخارج سياج من الحديد.
رواية صراع الذئاب الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ولاء رفعت علي
بداخل إحدى المشافي الحكومية...
يجلس طه على طرف التخت المعدني تضع له الممرضة بعض اللاصقات الطبية على جروح وجهه بعدما قامت بتعقيمها جيدًا... يصدر تأوهات من الألم الذي يشعر به في كل أنحاء جسده.
- بس أنا كده يا أستاذ طه لازم أعمل محضر ضد اللي عمل فيك كده.
قالها الطبيب وهو يدون شيئًا ما في الدفتر الذي بيده.
قال طه بصوت ضعيف:
- ما أنا قولتلك يا دكتور دول حرامية طلعوا عليا وأنا راجع من الشغل، ولما قولتله معيش حاجة نزلوا فيا ضرب ومحستش بحاجة غير وأنا هنا.
نزع الطبيب الورقة قائلًا:
- انزلي اصرفيلو الأدوية دي من الصيدلية.
أخذتها الممرضة وقالت:
- حاضر يا دكتور.
جذب الطبيب أحد المقاعد الخشبية المتهالكة وجلس أمام طه محدقًا بعينيه:
- مش غريبة الحرامية دول ماخدوش بالهم من موبايلك والمحفظة بتاعتك!!!
رمقه طه بتوتر وقال:
- أنا معرفش حاجة.
تنهد الطبيب وقال:
- عامة أنا هكتفي بتقرير عن حالتك إنها خناقة، بس ياريت تاخد بالك من نفسك لأن كان ممكن يجيلك نزيف في المخ من الضربة اللي خدتها على راسك، بس الحمد لله هي عملت كدمة هتروح مع العلاج.
طه:
- متشكر جدًا يا دكتور.
الطبيب:
- العفو يا طه، ودلوقت ممكن تقدر تروح.
يصدح رنين الهاتف الموجود فوق الكومود...
تقلبت شيماء بين ذراعي عبدالله الذي يغط في النوم ومعانقًا إياها.
شيماء:
- عبدالله... تليفونك بيرن... شوف مين.
أطلق زمجرة وقال بصوت ناعس:
- امممم... نامي يا شوشو وفكك من اللي بيرن.
انتهى الرنين ليعيد مرة أخرى... نهضت بجذعها تمد يدها لتأخذ الهاتف وقرأت اسم المتصل:
- ده طه ابن عم سالم بيرن عليك.
عبدالله:
- هاتي كده ليكون فيه حاجة.
أخذ الهاتف منها وأجاب:
- ألو يا نجم.
في مطعم فاخر...
جذب يوسف لزوجته المقعد المخملي لتجلس عليه:
- اتفضلي يا حبيبتي.
ثم التف ليجلس في الجهة المقابلة تحت نظرات إنجي المندهشة وهي تقول:
- حبيبتك!!!
ابتسم يوسف جاذبًا يديها بين يديه وقام بتقبيلهما وقال:
- اه حبيبتي ومراتي وأم أجمل هدية ربنا رزقنا بيها... مالك مستغربة ليه؟؟؟
سحبت يديها وقالت بتوتر:
- أصل أول مرة أسمع منك الكلام الحلو ده من ساعة الهني مون.
يوسف:
- أنا عارف إني مقصر من ناحيتك جامد، بس غصب عني والله زي ما أنتي عارفة مهنتي كدكتور جراح وقتي مش ملكي، ولازم أبقى موجود في المستشفى بشكل مستمر عشان حالات الطوارئ اللي بتيجي لنا على طول.
ابتسمت بتصنع وقالت:
- طبعًا طبعًا يا حبيبي ربنا يقويك.
يوسف:
- أنا بقولك الكلام ده عشان تقدريني، ولما شديت معاكي يوم حفلة لوجي فده من غيرتي عليكي... أنا عارف إن مروان بتعتبريه ابن خالتك لكن هو مش بيعتبرك كده.
إنجي:
- وإيه اللي خلاك تقول كده؟ هو كان بيسلم عليا بكل احترام.
قاطعها يوسف:
- إنجي أنا راجل وأفهم الراجل اللي زيي ونظراته وإيه اللي بيفكر فيه... خصوصًا مروان مش قادر ينسى لما أنتي سبتيه واتخطبتيلي.
ابتلعت ريقها بتوتر وقالت:
- أنا مليش دعوة بمشاعره من ناحيتي... ولما سبته عشان لقيته كان مستهتر ومابياخدش خطوة خالص لقيت نفسي بضيع وقت معاه ومش هيتغير، وقتها عمتو جت كلمتني عنك والباقي أنت عارفه... يعني مش أنانية وبتاعت مصلحتي زي ما أنت كنت بتقولي.
يوسف:
- حقك عليا، من غيرتي وحبي كنت متعصب جدًا.
قاطعهم النادل قائلًا:
- تؤمر بحاجة يا فندم؟؟
يوسف:
- عايز ريزوتو وستيك مشوي وكول سلو...
ثم نظر إلى إنجي وأردف:
- تاكلي إيه؟؟
إنجي:
- نفس اللي طلبته.
النادل وهو يدون الطلبات:
- عايزين حلويات يا فندم؟؟
إنجي:
- لأ ميرسي.
النادل:
- عن إذنكم.
قالها وابتعد.
يوسف:
- مقولتليش صح ليه مخلتنيش أعدي عليكي في القصر؟؟؟
ابتسمت بتوتر فكانت لا تريد أن تفسد تلك النزهة عندما يعلم بما حدث لشقيقته...
- أنا قولت بلاش عشان لوجي متشبطش معانا وكمان دي أول مرة نخرج فيها لوحدنا.
يوسف:
- وإن شاء الله مش آخر مرة... وزي ما قولتلك اصبري معايا وهتلاقيني هعوضك.
أومأت له مبتسمة وتقول بداخل عقلها:
"جاي تتغير دلوقت يا يوسف بعد إيه".
يوسف:
- سرحتي في إيه؟؟؟
إنجي:
- فرحانة أوي.
يوسف:
- بمناسبة الفرح ممكن في الويك إند نروح الساحل ونعيد ذكريات الهني مون.
إنجي:
- بجد يا جو؟؟
يوسف:
- بجد يا عيون جو وهنسيب لوجي مع جيجي... بس ادعي إن مايطلعليش عمليات في اليوم ده.
اختفت ابتسامتها وقالت:
- اه إن شاء الله.
جاء النادل وقام بوضع الأطباق على الطاولة.
في الحارة...
- بس هنا على جنب يا أسطى.
قالها عبدالله للسائق.
ترجل من السيارة ليلتف إلى الجهة الأخرى يفتح الباب ليساعد طه في النزول مستندًا على كتفه.
طه:
- آآآه...
تأوه عندما كاد يتعثر.
عبدالله:
- على مهلك يا ابني.... متشكرين يا أسطى طير أنت بقى.
وبالطابق الثاني تقف في الشرفة وهي تعلق الثياب المبتلة فرأت طه بحالته تلك.
سماح:
- يا لهوي... لما أنزل أشوفه وأطمن عليه.
ركضت للداخل وهي تلتقط عباءتها على عجالة من أمرها... وغادرت المنزل متجهة لأسفل.
وبالأسفل كان هناك العديد من الشباب يمسكون أوتادًا خشبية مرتفعة لأعلى المباني يعلقون عليها مصابيح ملونة وأغطية مزركشة.... يقف عادل مع أحدهم ولاحظ وجود طه ليرمقه بحقد وكراهية.
ركضت سماح نحو طه وقالت بنبرة خوف وقلق:
- إيه ده يا سي طه مين اللي عمل فيك كده؟؟؟
نظر نحو عادل يرمقه شزرًا... فأجابها عبدالله الذي كان ينظر نحوه بازدراء:
- طلعوا عليه ولاد حرام كانوا عايزين يقلبوه... بس على مين مبقاش عبدالله إلا لو خليت ولاد ال..... دول يتربوا.
ولى عادل لهما ظهره وكأنه لم يسمع شيئًا.
ألقت سماح نظرة عابرة حتى أدركت أن هناك خطب ما فقالت وهي تهم بإمساك طه:
- عنك يا أستاذ عبدالله.
طه مبتعدًا:
- شكرًا يا آنسة سماح وشكرًا لسؤالك.
سماح:
- العفو يا طه وألف سلامة عليك... بالإذن بقى عشان ورايا غسيل عايز يتنشر.
قالتها وسارت نحو مدخل البناء وهي تميل خصرها ليشرد عبدالله بنظرة شهوانية نحو خصرها الذي يهتز يمينًا ويسارًا.
طه:
- تصدق بالله أنت خسارة فيك مراتك، اللي زيك ميملاش عينه غير التراب.
عبدالله:
- جرى إيه يا صاحبي ما هي اللي ماشية عمالة تتقصع وإحنا بني آدمين برضو.
طه:
- طيب إنجز يا بني آدم خليني أطلع... خليني أطلع أريح حبة عشان أروح لأبويا.
قطب حاجبيه وقال:
- تروح لأبوك فين!!
طه بنبرة ساخرة:
- ما أنت عاملنا فيها عريس ومبتنزلش من شقتك، أنا بابا محجوز بقاله يومين في المستشفى.
عبدالله متفاجئًا:
- وربنا ما أعرف... خلاص لما تروح رن عليا ولا اندهلي وأنا جاي معاك وهنزل البت شوشو تقعد مع أختك تونسها لحد ما أرجع.
طه:
- ماشي يا حنين... مش عارف خديجة رجعت من عند عمي ولا لأ... يلا أنا رجلي ورمت من الوقفة.
عبدالله:
- لا مؤاخذة يا صاحبي.
صعد كلاهما الدرج حتى وصلا أمام باب المنزل، فأخرج طه المفتاح الخاص به وقال:
- اطلع أنت بقى لمراتك وأنا قبل ما هروح هنادي عليك.
عبدالله:
- اشطا وأنا مستنيك.
قالها وصعد للأعلى.
ولج طه إلى الداخل يسير بحذر ليجد غرفة شقيقته مضيئة.
طه:
- خديجة...
لا رد.
توجه نحو الغرف ووقف على الباب المفتوح ليجدها مستلقية على تختها بثيابها التي لم تبدلها تغط في النوم وعلى وجنتيها آثار البكاء.
رمقها بحزن فهو يعلم شدة تعلقها بوالدهما، اقترب منها ليدثرها بالغطاء وربت بحنان على ظهرها وقام بتقبيل رأسها ثم ابتعد وأطفأ المصباح حتى يتركها تنعم بالنوم.
ذهب إلى غرفته ليجلس فوق تخته يتذكر ملامح رحمة وهي تستغيث به... قاطع شروده صوت مرتفع للغاية صادر من تلك السماعات الضخمة المتراصة على جوانب الحارة.... بدأت الأغاني تدوي بصوت مزعج...
نهض طه بثقل لينظر من بين فتحات النافذة الخشبية فارتسمت على ثغره ابتسامة سخرية بعد أن علم بأنها ليلة الحناء... ساخرًا من حاله ومن الحياة ومن واقعه المؤلم، لو كان بيده لكانت ملكه هو... لو كان بيده لم يسمح لها بالبكاء وهي تتوسله بأن لا تريد أن تكون سوى له فقط... لو كان بيده لذهب إلى ذلك الذي يدعو نفسه رجلًا وأبرحه ضربًا حتى تنقطع أنفاسه ليأخذ بثأره لكنه يخشى أن يسبب لمن أحبها الفضائح... رغمًا عنه سيتنازل عن حقه... حق نفسه وحق قلبها.
يوم آخر مليء بالأحداث... وبداخل قصر البحيري...
- مالك يا بت يا ياسمين... بقالك يومين ساكتة وتفضلي سرحانة زي اللي ندهتها النداهة.
قالتها علا بسخرية مازحة.
ياسمين وهي تمسك بالوسادة تبدل لها الغطاء أجابتها قائلة:
- كل ما أقول الدنيا هتضحكلي ترجع تديني على قفايا لما خلاص قربت أتعمي.
رمقتها علا بنظرة مبهمة وقالت:
- قصدك على ياسين بيه؟؟؟
ابتسمت بتهكم:
- قولي ياسين ولا جوز أمي ولا أمي نفسها.
علا:
- مال جوز أمك تاني ليكون أمك زقاه عليكي عشان الفلوس.
ياسمين:
- أيوه أمي اللي المفروض أقرب الناس ليا وأحن من أي حد، للأسف لو تطول تبيعني بالفلوس تعملها.
لوت علا فمها يمينًا ويسارًا أسفًا على حال صديقتها فقالت:
- فعلًا مكذبتش نوال الزغبي لما غنت ملعون أبو الناس العزاز.
ألقت ياسمين الوسادة في وجهها بمزاح:
- عبو شكلك أنا غلطانة أحكي معاكي في حاجة تقومي تقلبيها بتريقة وضحك.
علا وهي في محاولة التوقف عن الضحك:
- والله ما قصدي أتريق أنا لقيتك هتعيطي قولت أخليكي تفكي شوية... وبعدين افتكرت صح اسكتي عشان تعرفي الدنيا دي غدارة ودايرة على الغني والفقير بالقفا وبكل حاجة.
رمقتها باندهاش:
- حصل إيه؟
علا بصوت منخفض:
- قربي لحد يسمعنا وهروح في داهية...
أخذت تسرد لها ما حدث لملك ومشاجرة جيهان وعزيز واستراقها للسمع لحوار آدم وخديجة.
ياسمين:
- لا حول ولا قوة إلا بالله... ربنا ينتقم من كل ظالم.
- الله الله سايبين الشغل وعمالين ترغوا أنتي وهي.
قالتها سميرة التي دلفت توًا.
علا:
- آسفين يا مدام سميرة إحنا بس...
قاطعتها سميرة:
- سيبي اللي في إيدك وروحي حضري الفطار مع أمينة تحت، وأنتي يا ياسمين انزلي في صالة الجيم ولمعيها وامسحيها كويس مش ناقصين تعليقات وشكاوي من البهوات.
أومأت كل منهما لها لتذهب كل واحدة لوجهتها.
ظلت منهمكة في التنظيف تلمع تلك الألعاب الرياضية حتى يضوي بريق معدنها... شاردة فيما أخبرتها به علا... فقالت بداخل عقلها:
"معقول اللي حصل للآنسة ملك عظة وعبرة لياسين عشان يعرف الدنيا دي سلف ودين... لأ حرام عليكي يا ياسمين كله إلا الشماتة والست ملك اسم على مسمى ربنا يحفظها من ولاد الحرام".
أمسكت بعصا ملمعة الأرضيات ثم تنهدت:
"ربنا يهديك يا ياسين وتحبني زي ما بحبك وما تستسلمش للشيطان اللي بيحرضك عليا".
أطلقت شهقة عندما وجدت ذلك الجالس على الجهاز المعدني الذي أصدر صوتًا أفزعها من شرودها... وكما توقعت هو لكنها لم تعيره أي اهتمام بينما هو يرمقها بنظرات مليئة بالتعجرف والعنجهية.
وجدت أنها انتهت من التنظيف... حملت الدلو وبداخله الأدوات وهمت بالمغادرة... أثارت حنقه بتجاهلها له فتعمد وقوع إحدى الحوامل الصغيرة في طريقها بدون أن تلتفت لها وتأخذ حذرها وبالفعل تعثرت بها ووقعت على وجهها... وهي تنهض تجده أمامها يقف بشموخ يرمقها بنظرات جعلتها تشعر بالإهانة.
- مكانك هو ده بالظبط.
قالها مشيرًا لها أمامه وتحت قدميه.
نهضت على الفور ورمقته باحتقار وهي تمتم:
- ربنا على الظالم والمفتري.
قالتها وكادت تغادر ليسبقها بإغلاق الباب وأوصده.
تراجعت إلى الخلف بعدما رأت ملامحه القاسية وهو يرمقها بنظرات نارية.
ياسين:
- عيدي اللي كنتي بتقوليه كده تاني؟؟؟
تلعثم لسانها:
- أأنا... حاجة.. مقولتش.
رفع إحدى حاجبيه وقال بسخرية:
- اوعي تفتكري إني نسيت الموضوع...
أنا بس عندي شوية مشاكل تتحل بس وهفضالك ع الآخر.
لم تتمالك أعصابها أكثر من ذلك فصاحت في وجهه:
- أنت إيه يا أخي مبترحمش!!! مفكرتش إن اللي حصل لأختك دي رسالة ليك ولا البعيد شيطان؟؟؟
تسمر في مكانه من كل ما تفوهت به لكن زادت كلماتها ثورته فلم يشعر بقبضته إلا وهي تحاوط عنقها الصغير، وبصوت مرعب:
- لو لسانك الوسخ ده جاب سيرة أختي تاني هخليكي خرسة طول عمرك... ده غير اللي هعملو فيكي... وإياكي تكوني فاكرة إني مش قادر أخد اللي عايزو منك، أنا قادر وقادر أوي كمان بس بصراحة مليش مزاج دلوقتي... بس لما يحضر مزاجي اعرفي إنك هتكوني بين إيديا وقتها ومحدش يقدر يرحمك مني... فاهمة يا بنت الجنايني؟؟؟
دفعها محررًا قبضته فأخذت تسعل بقوة كادت تختنق... هبطت عبراتها منسدلة على وجهها الطفولي البريء... شعرت وكأن الدنيا من حولها تدور كالساقية لم تتحملها ساقاها لتقع مغشيًا عليها... فأسرع وحملها قبل أن يرتطم رأسها بأي شيء معدني... لا يعلم ما مصدر تلك الغصة التي تملكت من قلبه والشعور بالضيق الذي اكتسح صدره لكن ما يدركه الآن هو الشعور بالندم على ما ألقاه عليها من كلمات قاسية.
وضعها فوق أريكة جلدية متمددة، أمسك بزجاجة المياه وأخذ منها ليقوم بنثره على وجهها.
- ياسمين.. ياسمين.. اصحي أنا مكنتش أقصد.. أنا....
زفر بضيق متأففًا وهو يربت على وجهها حتى تفيق، واستطرد مناداته لها:
- ياسمين يخربيتك فوقي.
اطمأن قلبه عندما انكمشت ملامحها لتنسدل من طرفي عينيها عبرات، لتبدأ بفتح أهدابها وتنهض بروية لتجهش بالبكاء كالأطفال تمامًا.
كره نفسه في تلك اللحظة فأخذها على صدره في عناق يمسد على ظهرها.
- آسف... متعيطيش... حقك عليا يا ياسمين...
قالها وكأنه بلا وعي كالتائه في عالمها.
توقفت عن البكاء بعد محاولة وصعوبة لتنظر إليه بعدما جلست باعتدال وهو يجثو على ركبتيه أمامها بنظرات اعتذار وندم، يمسح بأنامله عبراتها وقال:
- لسه زعلانة مني؟؟؟
لم تصدق عينيها ولا مسمعيها مما يحدث... كيف يتحول الشيطان في لحظات!!!
لم تجب لكن شفتيها الورديتين اللتين ترتجفان من نوبة بكاء على وشك الانفجار جعلته أراد أن يخبئها بين ضلوعه... أنفاسه تتسارع وهو يقترب منها، أرادت شفاه أن تعتذر لها على ما بدر منه... أخذ تلك الورود المرتجفة في قبلة يخبرها من خلالها أنه نادم... حاوطها بعناق وهو ينهض بها لينتهي من تلك القبلة التي لم يشعر بمثيل لها لاسيما من تلك الحسناء البريئة... ضم رأسها في صدره ليشتد من معانقتها ولأول مرة يعتريها الشعور بالأمان معه.... فهل يدوم ذلك الحال أم ماذا يخبئ لهما القدر!!!
****************************
وصل بالقرب أمام البناء الذي تقطن فيه يترقب مغادرتها... يمسك بهاتفه ليجري العديد من المرات للاتصال بها لكن لا رد ولا ترى الرسائل... فقرر النزول وأن يصعد إليها لكن توقف عندما رآها تخرج من البوابة تتحدث في الهاتف.
كارين:
- أنت فين يا ابني... أنا قدام العمارة أهو... أوك شوفتك تعالى يلا.
قطب يونس حاجبيه عندما رآها تشير لشخص ما، ومرت ثوانٍ ليأتي إليها أحد أصدقائها يركب دراجة نارية وهي تصعد خلفه وترتدي خوذة الحماية وتتشبث به بيدها اليسرى. جز على أسنانه بغضب ليتحرك خلفهما ليرى ما سبب تجاهلها له ومن برفقتها هذا... لم يتحمل فأرسل لها رسالة.
أمسكت بهاتفها لتقرأ محتوى الرسالة حتى شحب لونها:
(خلي اللي أنتي راكبة وراه ده يقف بدل ما أقلبك أنتي وهو من فوق الكوبري).
ألقت نظرة إلى الخلف لتجده خلفهم بالفعل.
كارين:
- سوق بسرعة يا هيثم.
هيثم:
- أنا عشانك والله وأنتي مش ناقصة حوادث.
كارين وهي تتلفت خلفها لتراه يقترب منهما أكثر صاحت قائلة:
- إنجز يا هيثم بدل ما أرميك من فوق الموتوسيكل وهسوق أنا.
هيثم:
- مجنونة وتعمليها... الله يسامحك يا ريماس حبكت تسافري وتدبسيني في المجنونة دي.
كارين:
- بطل رغي لأوريك الجنان على حق.
ظلت تلك المطاردة إلى أن توقفوا أمام بناء يشبه القصر، هبطت من فوق الدراجة وكذلك هيثم الذي يؤمن إغلاق دراجته، فأسرعت بجذبه من يده إلى الداخل.
توقفت وهي تلهث وقالت:
- اسمعني طالبة منك خدمة.
رمقها بنظرات تعجب:
- خير؟؟
كارين:
- اللي هقولهولك تنفذو بالحرف الواحد ومن غير ليه.
هيثم:
- فهميني بس الحوار إيه؟؟؟
كارين وهي تتلفت يمينًا ويسارًا:
- هقولك....
دلف من البوابة بنظراته الثاقبة يبحث عنها في كل الأرجاء... وأخيرًا وجدها تخرج من إحدى الممرات... ركض نحوها ليجذبها من ساعدها وقال:
- تقدري تفهميني مش بتردي على مكالماتي ولا الرسايل ليه؟؟؟؟
سحبت ساعدها من قبضته وأجابته بغضب:
- مزاجي كده.
جز على فكه بحنق وقال من بين أسنانه:
- كارين أنا مبحبش اللف والدوران... أنا بسألك فتجاوبي على طول وإلا...
قاطعته بتحدٍ مصطنع:
- وإلا إيه يا فنان؟؟؟؟
يونس:
- طيب ممكن تيجي معايا دلوقتي نتكلم في أي كافيه قريب من هنا؟
أجابته باقتضاب:
- مش فاضية.
يونس:
- مش فاضية ولا مستنية الأستاذ اللي كنت راكبة وراه الموتوسيكل؟
رفعت إحدى حاجبيها، فقال:
- أنا مش بتجسس عليكي... أنا كنت طلعالك وبعد كده شوفتك مع الزفت اللي كنتي معاه.
كارين بنبرة غضب مصطنعة:
- لو سمحت متغلطش فيه.
قالتها لتجد نظراته كالجحيم المستعر. قاطعهم صوت آخر:
- يلا يا حبيبتي عشان نروح.
قالها هيثم وهو يمد ساعده لتضع كارين يدها عليه.
كان بداخلها يتحطم وهي ترى نظرات يونس إليها لكن لا بد من أن تتصنع بما تفعله حتى يبتعد عن نيران انتقام شقيقها حتى لو كان الثمن عذاب قلبها. ابتلعت غصتها بمرارة وارتسم الجمود على ملامح وجهها وقالت:
- أحب أعرفكم على بعض... يونس البحيري زميلي...
ثم أشارت إلى هيثم وأردفت:
- هيثم الوكيل خطيبي.
هيثم وهو يمد يده إلى يونس بالمصافحة:
- أهلاً بحضرتك يا فنان.
تجهم وجهه وعيناه محدقة بعينيها بنظرات لم تحدد معناها... لتجدها تتحول إلى ازدراء وهو يرمقها من أعلى لأسفل ثم تركهما وغادر المكان بأكمله.
هيثم انتبه إلى كارين التي تعتصر ساعده بقبضتها وعينيها التي امتلأت بالدموع.
هيثم:
- كارين أمسكي نفسك المكان مليان ناس... مش أنتي اللي عايزة كده؟؟
أجابته بصوت مختنق:
- أنا عايزة أمشي من هنا.
هيثم:
- طيب تعالي أروحك.
ذهب كلاهما على الدراجة التي انطلقت بسرعة.
وصل إلى المعرض خاصته... أغلق الأبواب خلفه ليجلس بكل هدوء وهو ينظر إلى اللوحة التي قد رسمتها له... نهض نحو علب الألوان الزيتية ليسكبها بعنف فوق اللوحة... جميع عروق جسده تنتفض من غليان دمائه... توقف فجأة يلهث فغادر المعرض وقفز إلى سيارته وقرر ألا يستسلم... فانطلق إليها.
****************************
تهبط الدرج وهي تملأ وجنتيها بالهواء وتزفره بضيق وحنق... أوقفت أحد العاملين:
- لو سمحت قصي فين؟؟؟
الخادمة:
- موجود في الجاردن بره مع كنان بيه ومعاهم ناس.
لوت فمها جانبًا بسخرية وقالت:
- طيب ممكن تروحي تقوليلو صبا هانم عايزاك.
رمقتها الخادمة بتوتر وقالت:
- حاضر أمرك.
صبا وهي تعقد ساعديها أمام صدرها:
- وهاشوف آخرة حبستك ليا إيه يا قصي باشا.
جاءت إليها الخادمة وقالت:
- بيقول لحضرتك استنيه في مكتبه وأول ما هيخلص هيجيلك.
صبا وقد تملك منها العناد:
- أوك روحي أنتي على شغلك دلوقتي.
خرجت إلى الحديقة لتراه يجلس مع رجال تحفظ وجوههم جيدًا فهم أكثر رجال الأعمال منافسة وكراهية لشركات آل البحيري... قد رأتهم من قبل في إحدى الحفلات بقصر والدها... انتابها الفضول لتسترق السمع حتى تتأكد من حدسها فاقتربت منهم أكثر مختبئة خلف الأشجار كثيفة الأوراق.
- بس معنى كده هتبقى خساير جامدة لعزيز البحيري...
قالها أحد الرجال. ضيق قصي عينيه وهو يحدق بذلك الرجل وقال:
- وهو ده المطلوب... وبإمكاني هخليه يعلن إفلاسه في لمح البصر... بس أنا أحب ألاعب عدوي وأشوفه بيموت بالبطيء.
- بس كده في حاجة يا قصي بيه، لو كسبنا الصفقات دي كلها محتاجين سيولة قد ميزانية دولة...
قالها الرجل. قصي بنبرة ثقة وتحدٍ:
- وأنا هكون الممول الرئيسي من الألف للياء ملكوش أنتو دعوة... نفذو بس اللي اتفقنا عليه.
كنان وهو يبتلع ريقه بتوتر:
- اعذرني يا باشا بس حضرتك كده بتعلن عن حرب كبيرة مش عارفين خسايرها إيه، وإحنا لسه ورانا صفقات تانية وحضرتك فاهم، والتجار اللي بنتعامل معاهم مبيتفهموش غير بحاجتين؛ يا الفلوس يا السلاح.
أجابه قصي بنظرة مرعبة جعلته ندم على ما تفوه به فأردف:
- آسف حضرتك... بس كنت بقول رأيي مش أكتر واللي حضرتك شايفه في الآخر اعمله.
ما زالت تقف وتضع يدها فوق فمها حتى لا تصدر أي صوت ويكتشف أمرها... عادت إلى داخل القصر تبحث عن مربيتها حتى وجدتها في المطبخ.
صبا:
- دادة عايزاكي.
تركت ما بيدها واقتربت منها:
- خير يا حبيبتي عايزة حاجة؟
أجابتها بصوت منخفض وهي تتلفت يمينًا ويسارًا:
- عايزة الفون بتاعك أعمل مكالمة ضروري.
زينات:
- أبوس إيدك يا بنتي بلاش مش كل مرة تسلم الجرة.
صبا:
- متخافيش هخلص بسرعة وأديهولك.
زينات:
- طيب خدي بالك وربنا يستر.
أومأت لها وقالت:
- يارب.
ولجت إلى غرفة المكتب واقتربت من النافذة تطمئن من وجوده في الحديقة ريثما تنتهي من مهاتفة آدم لتخبره. أخذت تنقر على الأرقام بسرعة وعيناها على قصي... ضغطت علامة الاتصال فانتظرت. بينما آدم كان في اجتماع مع والده والموظفين تاركًا هاتفه على الوضع الصامت.
صبا:
- أرجوك رد بقى بسرعة.
حاولت تكرارًا لكن لا رد... فزفرت بحنق وقالت:
- هبعتلو مسدج وأمري لله ويبقى كده عملت اللي عليا.
وبدأت بكتابة الرسالة وتلقي نظرة إلى الخارج في ذات الوقت فاتسعت حدقتاها وهي ترى المقاعد شاغرة وكأنهم اختفوا جميعًا.
- كنتي عايزاني في إيه؟؟؟
قالها قصي الذي دلف للتو بدون أن تشعر. فالتفتت له وهي تشهق بفزع وسقط الهاتف من يدها على الأرض... تجمدت الدماء في عروقها عندما وقعت عيناه على الهاتف.
قصي وكأنه الهدوء الذي يسبق العاصفة تقدم نحوها واضعًا يديه في جيوبه:
- جبتي الموبايل ده منين؟
صبا:
- ده ده... أأ أنا.
انحنى بجذعه ليلتقطه وضغط على زر التشغيل... قلبها وكأنه وقع في قاع الهاوية خشيت أن يقرأ الرسالة... نظراته تدب الرعب في كل خلايا جسدها وهو ينتظر أن يعمل الهاتف... أخذ يتفحص ليعلم أنه يخص زينات مربيتها.
أخرج هاتفه وتحدث:
- كنان هاتلي زينات على المكتب حالاً.
صاحت صبا بخوف:
- دادة زينات متعرفش إنه معايا... أنا بصراحة خدته من وراها... أرجوك متأذيهاش.
رفع إحدى حاجبيه وقال بسخرية وجمود:
- وكان بيعمل معاكي إيه؟؟؟
صبا:
- ككك كنت عايزة أكلم بابا عشان واحشني ونفسي أشوفه.
أطلق ضحكة ثم تجمدت ملامحه في لحظة وقال:
- فاكراني عبيط يا صبا؟؟؟
فصاح بغضب جعلها انتفض جسدها خوفًا:
- قوليلي كنتي عايزة تكلمي مين... ولا أقولك أنا؟؟
دق الباب الذي أنقذها... ليدلف كلا من كنان وزينات... أشار قصي لها بأصبعيه... وعندما رأت هاتفها بيده هربت الدماء من وجهها. اندفعت صبا قبل أن تخطئ زينات ويكتشف كذبتها:
- أنا آسفة يا دادة أخدت الفون من وراكي.
زينات بتصنع وهي تسايرها:
- هو معاكي؟ أنا كنت قالبه عليه الدنيا في المطبخ.
بادلهما قصي بنظراته فأعطى كنان الهاتف وقال:
- كنان تروح تلم كل الموبايلات من الشغالين في القصر وقولهم ممنوع الموبايل طول فترة شغلهم ويستلموه لما يخلصو ويروحو.
كنان:
- أمرك يا باشا.
قصي:
- وأنتي اتفضلي روحي على شغلك ولو اتكررت حركة زي دي تاني مش هراعي وقتها إنك ست كبيرة، أظن إنك فهماني.
أومأت له ثم قالت:
- آسفة يا باشا مش هتتكرر تاني...
عن إذنك
قالتها وهي تسرع بالمغادرة تتنفس الصعداء
صبا : أنا عايزه اعرف وأخرة معاملتك دي ليا اي ممنوع الخروج غير وانا معاك ممنوع الموبايل ... ده لو كنت ف سجن حقيقي كنت هاخد حريتي عن كده
أقترب منها واضعا كفه ع وجنتها وقال :
سميها بخاف عليكي يا حبيبتي
أبعدت يده عنها وتفوهت بما لا تدرك عقباه :
لا هاسميه إن أنت الي خايف أهرب منك لأنك متأكد أول ما هتجيلي الفرصة هاعملها ... وبالنسبة للفون خايف إن أكلمه
أنتهت من حديثها وأخذت تتنفس لتزيد دقات قلبها من الرعب عندما رأت ذلك الظلام الذي تحول إليه لون عينيه ... وضعت كفيها ع وجهها لتتفادي أي صفعه وأغمضت عينيها ... حتي أحست بيديه تمسك بيديها وقام بثنيهم خلف ظهرها لينقض ع شفتيها بقبلة أفرغ فيها كل الغضب الذي يسري بداخله ولم يترك شفتيها إلا عندما أحس بإنها ع وشك الإختناق ... وضعت أناملها ع شفاها تتحسسها بألم لتري دماءها آثر أسنانه التي غرزها متعمدا
أجهشت بالبكاء وأسرعت بالذهاب فأمسكها من خصرها جاذبا إياها نحوه
صرخت ف وجههه :
أبعد عني أنا بكرهك
أحكم قبضته عليها بيد والأخري رفع وجهها إليه فأقترب نحو شفتيها بقبلة رقيقة يمسح دماءها بلسانه ... ثم أبتعد وقال هامسا بجوار أذنها :
المفروض مكنش ده عقابك ... ولا وحشك عقاب البدروم تحت !!
قالها لترتسم ع ثغره إبتسامة ماكرة ... أنتفض جسدها خوفا بين يديه
طبع قبلة فوق جبهتها وأردف :
متخافيش مش هاجي جمبك تاني غير لما تكون برغبتك وأنا عند وعدي
أبتعدت عنه لتتركه وتذهب إلي غرفتها فأوقفها :
جهزي نفسك بعد ساعه عشان خارجين
لم تجيب وذهبت ... بينما هو أخذ من فوق مكتبه سيجارته فأشعلها متنهدا وقال :
شكل مشوارنا هيبقي طويل ياصبا
****************************
_ في شركة البحيري ....
عزيز : دلوقتي تقدرو تتفضلو ع مكاتبكو ... قالها مشيرا إلي الموظفين فغادر الجميع
نهض آدم وهو يخرج هاتفه من جيبه ليجد العديد من المكالمات الفائته واسم المتصل (دادة زينات )
آدم : عن أذنك أنا يا بابا رايح ع مكتبي
أشار له ليتوقف وهو يتفحص الورق الذي أمامه ثم تركه وخلع نظارته الطبية ونهض :
أنت هتيجي معايا نطمن ع عمك سالم بقالنا كام يوم مقصرين معاه
آدم : حاضر بس هعمل مكالم......
قاطعه والده بحزم :
يلا يا آدم
زفر بضيق أذعن لأمر والده وغادر معه متجهين نحو المشفي
_ و أمام المشفي ترجلت من سيارة الأجرة فصدح رنين هاتفها
أجابت : الو ياطه أنا وصلت خلاص دقيقه وهاكون عندك ... سلام
أغلقت المكالمه وولجت عبر البوابة الزجاجية .. وصلت إلي المصعد ودلفت إلي داخله .. ضغطت ع زر الطابق وكاد يغلق المصعد ليوقفه آسر بقدمه
_ هوب هوب ... دلف وهو يعتدل من مأزره الطبي مبتسما إلي الخديجة وقال :
وأنا بقول الأسانسير ماله منور ليه أتاري القمر جواه
تجاهلته خديجة ... فمد رأسه نحوها بشكل مضحك وقال :
هو القمر لسه زعلان ؟؟
وفجاءه توقف الأسانسير وأنقطع التيار بداخله
خديجة : اي الي حصل ده ؟؟؟
شعر آسر بخوفها من نبرتها فقال :
متخافيش ثواني وهيشتغل
شعرت بالخوف أكثر فأخذت تقول بعض الأدعية
_ ياه لو الأسانسير فضل معلق كده ونفضل محبوسين جواه ... أحلي حبسه دي ولا أي ... قالها آسر
أزداد توترها فصاحت بتحذير :
أرجوك يادكتور آسر التزم حدودك
أحس بالإحراج فقال :
أنا مش اصدي اضايقك والله كنت عايز الطف الجو خصوصا لما لاقيتك خايفة عموما آسف لو ضايقتك
خديجة : طيب ممكن نخلينا نشوف صرفه للعطل ده
آسر : ثواني و ....
لم يكمل ليقاطعه المصعد متحركا لأسفل بإهتزاز فأطلقت صرخة بفزع ... أقترب آسر منها ليطمئنها ... عاد المصعد للطابق الأسفل كما كان
_ دخل كل من آدم وعزيز من الباب
رن هاتف عزيز فتوقف ف المدخل وقال : أطلع أنت وأنا هخلص المكالمه وجاي وراك
ذهب آدم متوجها نحو المصعد وضغط ع الزر الجانبي ... فأنفتح المصعد ليتفاجاء بخديجة ممسك بزراعها آسر وهو يقول لها :
خلاص أهدي الباب أتفتح
هدأت وهي تسحب زراعها الممسك به لتجد من يقف أمامها يرمقها بنظرات سخرية
آدم : أزيك يادكتور آسر عاش من شافك
آسر : الحمدلله يا باشمهندس اديني موجود وفاضي كمان أنت الي مبتسألش
لم يبعد عينيه عنها وقال :
ماهو واضح فعلا
غادرت خديجة المصعد ووجهها تجمعت به كل ألوان الخجل ... فبالرغم إنها غاضبة منه لكن لاتريد أن يظن بها السوء
صعدت الدرج حتي وصلت وهي تلتقط انفاسها بصعوبة ... وقفت أمام الغرفة حتي تهدأ ... ثم ولجت إلي الغرفه فوجدت شقيقها الذي يملأ وجهه الكدمات وبعض الجروح وبجواره يجلس آدم
أسكتها طه حتي لا تسأله ما سبب مابي وجهه فقال : أي ده أنتو اتقابلتو ع كده
آدم : اه بس الظاهر خديجه معجبهاش الأسانسير فطلعت السلم
أشتد حنقها من نظراته وتلميحاته فقالت :
الاسانسير اتعطل لما كنت فيه وبعد كده رجع اشتغل تاني
بادلها آدم بإبتسامة ساخره
طه : أنا قلقت عليكي قعدت أتصل بيكي اداني غير متاح
خديجة وهي تبحث عن هاتفها ف الحقيبة : بالتأكيد عشان كنت ف الأسانسير و .....
لم تجد هاتفها ... تنهدت ثم أردفت : ثواني هاروح أشوف الموبايل شكله وقع مني
آدم وهو ينهض : ثوان أنا جاي معاكي
فلم تهتم له لتغادر وهي تبحث ف الرواق فقام بجذب يدها واضعا بداخلها الهاتف وقال :
خدي موبايلك أهو بعتهولك معايا دكتور آسر
أنتفخت أوداجها من ذلك الآدم فقالت :
أنت فاهم غلط الاسانسير كان عطلان ولما اشتغل نزل لتحت فغصب عني صرخت من خوفي محستش إنه مسك دراعي عشان يهديني وقتها أنت وصلت ... وبعدين أنت مالك متضايق ليه
قطب حاجبيه وأحتدت عينيه وقال :
وأنا أي الي هيضايقني يا شيخة خديجة ... لاكون بغير عليكي مثلا !ولا أكون بحبك وأنا مش عارف
كلماته الساخره جعلت قلبها أنتفض و ف نفس اللحظة أرادت صفعه فقالت :
لاء وأنت الصادق يكون عجبك القلم وهو نازل ع وشك فعايز واحد كمان
قالتها وقبل أن تثور أغواره ويدركها غضبه ركضت بأقصي سرعه وعادت إلي الغرفة
زمجر بغضب جارف وود لو يمسك بها يلقنها عقابا ع ماتتفوه به
***************************
_ حل المساء ليسود الظلام ...
لتبدأ مصابيح الزينة بالإضاءه وتتصاعد الموسيقي الصاخبة من الآلات الموجوده فوق المنصة الخشبية وع يمينها مقاعد مخملية مزينه للعروسين
_ تنتهي تلك الفتاه من وضع حمرة الوجنتين لرحمة ذات العينين التي تكاد تذرف دما من كثرة البكاء
الفتاه :
حرام عليكي ياعروسه دي سابع مره أمسحلك الميك أب وأعيدو من أول وجديد ... أنتي مغصوبة ع الجوازه دي ولا أي
والدة رحمة : خالص يابنتي هي بس كان نفسها يبقي معاها ابوها الله يرحمه ف اللحظه دي
فاتن شقيقة عادل التي تقف وتتابع الموقف قالت :
فرفشي كده يا رحومه ده الليله ليلتك انتي وابيه عادل مش معقوله هتنكدي ع أخويا من أولها
والدة رحمة : ربنا مايجيب نكد إن شاء الله ... فأنحنت نحوها هامسه :
افردي بوزك الناس هتاخد بالها ومش ناقصين فضايح
كانت رحمة تكتفي بالإماءه لوالدتها ... ذهنها ف ملكوت أخر تمنت أن يكون زوجها طه وليس ذلك عديم الدم والإحساس أو كما تلقبه ( إبن أمه ) .... لاتنسي تلك اللحظه عندما عقد قرانها وكأنها تباع بأرخص الأثمان
_ خلاص كده خلصنا ... قالتها الفتاه
فاتن : لما أتصل ع أبيه عشان ياجي ياخدك
وبعد قليل تعالت الزغاريد من المعارف والجيران ويخرج عادل برفقة عروسه ليندفع نحوهم الكل يهنئهم
أقتربت والدة عادل من رحمة التي كانت عبارة عن جسد بلا روح جذبتها بمعانقه أعتصرت جسدها بقوة حتي شعرت بطقطقة فقراتها فهمست ف أذنها :
مبروك يا مرات ابني ... قالتها بصوت مسموع ثم قالت بهمس :
اعدلي خلقتك مش ناقصين فضايح واحمدي ربنا إن ابني ستر عليكي ومسبكيش لأخوكي يقطعك حتت ويرميكي للكلاب
قالتها وأبتعدت وهي تبتسم لها إبتسامة صفراء
لاتصدق ماتسمعه الآن ... تدعو الله إن ما تعيشه حاليا يكون مجرد حلم مزعج وستفيق منه ... لكن التهنئات والزغاريد والأغاني والموسيقي التي تخترق أذنيها تؤكد لها إنها أصبحت ف واقع مرير لامفر منه
_ صعد العروسين إلي مقاعدهم وبدأ الإحتفال كباقي الأفراح الشعبية التي تقيم بالشوارع
_ عاد كلا من خديجة وطه الذي وقف أمام البناء ينظر صوب رحمة التي تجلس بمفردها وعادل يتراقص مع أصدقائه
خديجة : طه ممكن اروح أبارك لرحمه ولو هيضايقك بلاش وممكن هابقي اروح اباركلها ف وقت تاني
ربت طه ع كتفها وقال : روحي ياخديجه انا مش هزعل بالعكس عايزك تواسيها وتخففي عنها
خديجة : حاضر اطلع أنت وأنا شوية وهاجي عشان احضرلك العشا
طه : لاء أنا هاتمشي شويه عايز اشم هوا
خديجة : طيب خد بالك من نفسك
تركته وذهبت لتهنأ صديقتها فتقابلت مع شيماء وذهبا معا إليها
قابل طه عبدالله فأرتمي ع صدره وأجهش بالبكاء
عبدالله : اي يا صاحبي ما تنشف كده هي مش أخر واحده ف العالم
طه بنبرة باكيه : انا ياما ظلمتها معايا ولما جيت انوي خير عشان تكون ليا ظلمتها اكتر
عبدالله : وحد الله يا طه ... ده نصيب .. اهدي انت بس وخد السيجاره دي هتنسيك رحمة والحاره كلها وهتحس إنك مسافر ف دنيا تانيه
نظر إليه طه بتعجب وقال : أنت رجعت تشرب تاني ؟؟
عبدالله وقد أنتابه التوتر قال : لا ابدا ياصاحبي دي كانت عزومه من ايام الفرح وشيلتها لوقت الشده واديها جت ف وقتها فجبتهالك معايا وأنا جاي ... خد أنت بس وادعيلي ده صنف أفغاني لأصحاب المزاج العالي أوي ... عيش يانجم
أخذها منه ليضعها بين شفتيه ويشعلها له عبدالله ليتصاعد دخانها لأعلي
_ ونعود إلي رحمة التي ترتمي ع كتف خديجة تبكي بقهر :
مش قادره استحمل ياخديجة ... نفسي اموت قبل ما يتقفل عليا باب مع البني ادم ده
خديجة : استهدي بالله ياحبيبتي متعلميش الخير فين ... يمكن يطلع كويس
شيماء بنبرة ساخره : وربنا انتي الي طيبة وع نياتك ياخديجة ... اقطع دراعي لو مكنش هو وامه ناوينلها ع نيه سوده
رمقتها خديجة بغضب وقالت :
شيماء ياتقولي كلمة عدله ياتسكتي خالص ... ملكيش دعوه بكلامها يارحمه
أنقطعت شهقاتها فأحست خديجة بثقل رأسها ع كتفها فقامت بهزها :
رحمة ... يا رحمة
ألتفت شيماء لتراها فشهقت وصاحت : الحقي دي أغمي عليها
توجهت النساء نحوها ف محاولة إيقاظها فقامت إحداهم بنثر العطر بالقرب من أنفها فأستعادت وعيها لكن يبدو عليها الأعياء والتعب ...توقفت الأغاني
والدة عادل : يا حبيبتي يابنتي ماكلتش حاجه من بدري هتلاقيها عشان كده اغمي عليها ...
- عااااادل أنت يا ولاه.
جاء راكضًا:
- أيوه ياما.
ابتعد الجميع عن العروس فأردفت والدته:
- شيل عروستك وفوقها في شقتكو يلا، وخليها تاكل وابقى انده عليا عشان أطلع أطمن عليها.
قالتها ثم غمزت له.
جاء نحوه أسامة الذي كان منشغلًا مع الحاضرين وقال:
- رحمة أنتي كويسة؟
رمقته رحمة بنظرات لوم وعتاب فأومأت له ثم ذهبت مع زوجها.
ليعود الاحتفال كما كان، وبعد مرور أكثر من ساعتين والكل ذهب وانتهى الفرح.
كادت تصعد والدة رحمة إلى ابنتها لتطمئن عليها فأوقفتها عديلة:
- خير يا أم رحمة عايزة حاجة يا حبيبتي؟
اندهشت والدة رحمة من ردة فعل عديلة فقالت:
- طالعة أطمن على بنتي قبل ما أسيبها أمانة عندكو يا أم عادل.
ابتسمت بتصنع وقالت:
- متخافيش يا أم أسامة بنتك في عنينا، وبعدين هي مع جوزها فوق ومينفعش نزعجهم دول عرسان والليلة دخلتهم.
تنهدت بسأم فقالت:
- عندك حق هبقى أطمن عليها بكرة في الصباحية إن شاء الله.
عديلة:
- طبعًا يا حبيبتي تجيلها وتنوري، عن إذنك بقى هطلع أريح.
- اتفضلي يا اختي..
قالتها وذهبت مع نجلها وقالت:
- أنا قلبي مش مطمن على البت يا أسامة.
أسامة:
- كلها الليلة وابقى روحيلها الصبح اطمني عليها.
ولجت عديلة إلى منزلها لتجد شقيقتها في انتظارها فقالت:
- يلا يا سيدة.
سيدة:
- ما تشوفي يا اختي ليكونوا ناموا.
عديلة:
- ناموا إيه أنا مأكدة عليه يبقوا صاحيين.
سيدة:
- والله ما عارفة لازمته إيه يا اختي.
فاتن وهي تمسك بهاتفها تتصفحه:
- أنتي طالعة لهم ليه ياما؟
عديلة:
- خليكي في حالك يا بت واقفلي الباب عليكي وإحنا نازلين على طول.
فاتن:
- من غير زعيق ياما حاضر.
وبالأعلى... تتمدد رحمة فوق التخت بعدما أبدلت ثوبها بعباءة سوداء فضفاضة، فانتفضت عندما سمعت رنين جرس المنزل، وبعدها ولجت إليها عديلة فشهقت:
- هاااا يا ليلة سودة إيه اللي أنتي لبساه ده يا منيلة!!!
نهضت رحمة وهي تعتدل من مظهرها فقالت:
- إزاي حضرتك داخلة عليا من غير ما تخبطي؟
اتسعت عيناها بالغضب وقالت:
- وليكي عين وبتتكلمي يا صايعة ياللي بتتحضني في الجناين.
صاحت بها رحمة وهي تحذرها:
- لو سمحت اتكلمي معايا باحترام أحسن، وقسمًا بالله لأسيبلكوا البيت وأروح لأمي.
قهقهت بسخرية وقالت:
- ليه يا حلوة هو دخول الحمام زي خروجه!! ولا عايزة تجرسينا في الحارة وتجيبي العار لابني.
رحمة:
- أنا كل اللي عايزاه محدش ليه دعوة بيا وتسيبوني في حالي.
عديلة:
- هنسيبك يا اختي بس لما ابني يدخل عليكي.
اتسعت عيناها بصدمة وقالت:
- أظن دي حاجة خاصة ما بيني وبين ابنك.
عديلة:
- أنتي فاكراني باخد رأيك يا بت.. واد يا عادل هات خالتك وتعالى.
دلف عادل برفقة خالته... تراجعت رحمة بذعر إلى الوراء وكادت تصرخ فأمسك بها عادل يضع كفه على فمها، ثم ألقى بها على التخت لتمسك بها والدته وشقيقتها مقيدين ذراعيها... ظلت تصرخ وتتوسل لهم لكن لم يرحمها عادل الذي أمسك بساقيها رافعًا عباءتها لأعلى، وقام بجذب ما ترتديه من أسفل وتساعده في ذلك والدته حتى تمنعها من الركلات... أبعد فخذيها بعنف فأمسك بتلك القطعة القماشية البيضاء وقام بلفها حول أصبعه.
عديلة وهي تصفعها بقوة على فخذها وتصيح بها:
- انكتمي يا بت الـ..... هو إحنا بندبحك.
رمقتها رحمة بنظرات كراهية إلى أن أطلقت صرخة وصلت إلى جميع سكان الحارة عندما أخذ عذريتها بتلك الطريقة الوحشية بدون شفقة... لم تقدم لها الحياة سوى القسوة والألم، فهي رحمة لكن لن يكون لها من اسمها نصيب... وقعت بين أيدي قساة وغليظي القلوب... وما زال هناك ما يخفيه لها القدر.
رواية صراع الذئاب الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ولاء رفعت علي
يقف أسفل البناء منذ ساعات عقله يكاد يجن من كثرة التفكير بها، قد أحبها قلبه حقًا لا يريد سواها، وأخيرًا قرر مواجهتها.. ترجل من سيارته ليصعد إليها.
وبالأعلى تجلس بغرفة الرسم كما تسميها، تلون بالفرشاة تلك القلوب المنقسمة إلى نصفين وتذرف دماءها.. كانت عبراتها تتساقط على اللوح التي تمزج عليه الألوان فتختلط عبراتها بها، لتنتهي من رسم لوحة بعنوان "قلوب متألمة".
توقفت عندما رن جرس المنزل، ذهبت لترى من الطارق.
حارس البوابة: معلش اتأخرت عليكي يا كارين هانم.. اتفضلي الحاجات اللي طلبتيها.
كارين وهي تأخذ منه الأكياس البلاستيكية: ولا يهمك يا عم حامد.
ثم أخرجت من جيب معطفها بعض النقود وأردفت: اتفضل يا عم حامد.
حامد: العفو يا هانم خيرك وخير قصي بيه سابق.
كارين: خدهم عشان خاطري.
تنهد بسأم فأخذ النقود وقال داعيًا: ربنا يسعدك ويريح قلبك دايماً يارب.
ارتسمت ابتسامة باهتة على محياها فقالت: تسلم.. عن إذنك.
فأغلقت الباب، واتجهت نحو المطبخ لتترك تلك الأكياس على الطاولة الرخامية.. رن الجرس مرة أخرى.
كارين: ده بالتأكيد نسي حاجة.
وذهبت لتفتح الباب، حتى تسمرت عندما رأت ذلك الواقف أمامها، مظهره المشعث وخصلات شعره المبعثرة على جبينه، يلتقط أنفاسه.
كارين: أنت عارف الساعة كام دلوقت؟!
دفعها للداخل ثم أغلق الباب وقال: ميهمنيش.. أنا عايز أعرف حاجة، الزفت اللي كان معاكي ده يبقى مين؟!
ابتلعت ريقها بتوتر وهي تتراجع إلى الخلف وهو يقترب منها، تنظر إلى أسفل وقالت: ما قولتلك يبقى خطيبي.
يونس بنبرة مليئة بالغضب: عايزك تقوليها وعينك في عينيا.
لم تستطع أن ترفع عينيها وتنظر إليه، فأمسك وجهها بكفيه رافعًا إياه ليحدق بها بنظرات اخترقت قلبها وقال: ها؟ قوليها يلا.
لم تقو أكثر من ذلك، فانسدلت عبراتها تغلق شفاها المرتجفة لتكبت شهقاتها، وضعت يديها فوق يديه وقالت: أرجوك ابعد عني.
اتسعت مقلتيه بجنون فصاح بصوت اهتز له قلبها: مش قادر أبعد عنك.. وده مبيدقش غير عشان بقيتي جواه.
قالها وهو يمسك يدها ويضعها على موضع قلبه، وتابع: عيزاني أبعد إزاي؟ وإلا لو عيزاني أموت.
وعندما ذكر كلمة الموت تذكرت على الفور تهديد شقيقها، فأجهشت بالبكاء وتفوهت بنبرة باكية: قربك مني هو الموت نفسه يا يونس.
جذبها لترتمي على صدره تدفن وجهها وظلت تبكي، يضمها بداخله يستنشق عبق عطرها، فقال بنبرة عاشقة: الموت وأنا في حضنك أهون بكتير من الموت وأنا بعيد عنك.
ابتعدت برأسها قليلاً وما زالت بين ذراعيه وقالت: أنت متعرفش عني حاجة و...
قاطعها واضعًا سبابته فوق شفاهها التي تحولت للون الكرز من كثرة البكاء: بسسس.. مش عايز أعرف حاجة خالص.. كل اللي عايز أعرفه أنا إيه بالنسبة ليكي؟
مسحت عبراتها بأناملها لتحدق بداخل عينيه بنظرات عاشقة وقالت: أنت.. أنت روحي وأنت النفس اللي عايشة بيه.. أنت قلبي يا يو...
لم تكمل جملتها ليقاطعها بقبلة مليئة بالحب واللهفة والاشتياق، يزيد في ضمها إليه أكثر بقوة.. شعرت بكل دقات قلبه لتحاوط عنقه بذراعيها تبادله نفس مشاعره، تخبره بشفتيها المتلاحمة بشفتيه أنها لن تعرف معنى للحب سوى به.
هو فارس أحلامها الذي يحلق بها في سماء الحب الوردية، لكن نيران انتقام شقيقها تبعث دخانها الذي كون سحابة سوداء لتحول ذلك اللون الوردي إلى غيوم ضبابية تصدر صوت الرعد الذي جعلها تنتفض من بين يديه تلتقط أنفاسها.
يونس: أ.. أنا آسف.. من شوقي ليكي مقدرتش أمنع نفسي.
كارين بنظرة خجل قالت: أنا ماكلتش حاجة من الصبح، تاكل معايا؟
ابتسم وقال: ده لو مش هيضايقك فياريت، لأن أنا برضو ماكلتش حاجة النهاردة خالص.
ابتسمت فظهرت غمازتيها التي أذابت قلبه وسلبت لب عقله فقالت: دقايق هاسخن البيتزا عشان زمانها بردت، ولا مبتحبهاش؟
أمسك يديها التي إحداها محاطة بالجص وقام بتقبيلهما وقال: أي حاجة يا حبيبتي من إيديكي هتبقى حلوة.
سحبت يديها بخجل فقالت: خلاص روح استناني في الليفنج وأنا هجيب الأكل وجاية.
يونس وهو يجذب يدها متجهًا إلى المطبخ: تعالي هاحضرها معاكي.
تناول كليهما الطعام معًا بسعادة أمام التلفاز، وظلا يتسامران طوال الليل فذهبت لتحضر مشروبًا لتأتي وتجده قد غفا فوق الأريكة ممددًا جسده.. ذهبت لغرفتها وأحضرت له غطاء لتدثره وهي تتأمل ملامح وجهه، وهمت بالنهوض لتجده يجذب يدها، فظلت بجواره لتغط في النوم تجلس على الأرض وتسند رأسها على صدره.
***
حل الصباح لتلج أشعة الشمس في كل منزل، لتوقظ رحمة التي فتحت عينيها وبدأ يداهمها الألم.. تأوهت وهي تنهض بثقل لترى أنها ترتدي ثيابها الداخلية المكونة من قطعتين فقط لتتذكر أحداث ليلة أمس.
فلاش باك
عاد إليها بعدما تركتهما والدته وشقيقتها، وقبل أن يلج إلى الداخل أخرج شيئًا صغيرًا من جيب بنطاله وابتلعه ثم ارتشف الماء.
تجلس على طرف التخت كالتمثال وكأنها فقدت روحها، تضم ساقيها بألم.. خصلات شعرها مبعثرة بفوضوية، وتحت أهدابها سواد من الكحل الذي أذابته عبراتها، وإلى أن أحست بيده على كتفها فارتجفت بفزع.
عادل: إيه مالك خايفة ليه؟
قالها وجلس ملاصقًا بجوارها يبعد شعرها عن عنقها، ووضع يده على أزرار مقدمة العباءة ليبدأ بفتحها وهو يقبل عنقها يقول بهمس: حقك عليا يا رحومتي.. متزعليش مني.. كان لازم أتأكد إنك بنت.
ابتعدت عنه وهي تصرخ: كفاااااااااية.. حرام عليكو.. عايزين تعملو فيا إيه تاني!
يحدق بها بنظرات شهوة فقال: اعذريني أي واحد مكاني وشاف خطيبته في حضن غيره هيعمل أكتر من كده.
رمقته بكراهية فقالت: وإيه اللي خلاك تتجوزني مادام كرامتك وجعاك أوي كده وكان بإمكانك تاخد شبكتك وتسيبني؟
قهقه وتعالت ضحكاته المريبة وهو يقترب منها وقال: أنا فعلاً كان نفسي أولع فيكي وقتها بس عملتك جت في مصلحتي أوي.
رمقته بعدم فهم وقالت: تقصد إيه؟
اقترب منها أخذها في عناق وقبلات في كل أنحاء وجهها وعنقها بطريقة مقززة وهي متسمرة في مكانها، ظل هكذا لبعض الوقت فابتعد عنها لاهثًا وهو يحدق بجسدها الذي لا يغطيه سوى ثيابها الداخلية بعد أن نزع العباءة.
فقال: الله يخربيت جمالك.. عليكي جسم بس يا خسارة، أخري معاكي للأسف أكتر من بوسة ما اوعدكيش.
فاقترب بجوار أذنها وقال: فهمتي ليه كنت مصمم أتجوزك؟ ولو نطقتي بكلمة ساعتها هافضحك وسط أهلك والدنيا كلها وهقول إنك مكنتيش بنت والحمد لله أخوكي شاف بعينه لما قفشناكي في الجنينة.
اتسعت حدقتيها بعدما أدركت مقصده أنه عاجز جنسيًا، وقعت ضحية في فخ ذلك الذئب ومن حماقتها هي من أوقعت نفسها في تلك الكارثة.
تعالت أنفاسها لتسمع ضحكاته الهستيرية، ركضت نحوه وهي تضربه بقبضتيها في صدره وهي تصرخ: يا ابن الـ...... يا ابن الـ...... الله يحرقك أنت وأمك.
وما أن تفوهت بسيرة والدته ليتوقف عن الضحك ليمسك بمعصميها ودفعها فوق الفراش وصاح بها وهو يصفعها: كله إلا أمي يا بنت الـ......
باك
انتبهت لصوت باب المنزل يفتح وخطوات تقترب من غرفتهم، جذبت الغطاء لتقوم بستر جسدها فتفاجأت بدخول تلك الشمطاء إليهم.
عديلة بنبرة ساخرة وهي ترمقها من أسفل لأعلى: صباحية مباركة يا عروسة.
تقلب عادل مستيقظًا على صوت والدته: أنتي جيتي ياما؟
عديلة: قوم وجهز نفسك أنت والمحروسة، أمها اتصلت وزمانها جاية.
رحمة: ماما...
عديلة: بصي بقى يا حلوة.. حسك عينك تنطقي لو بحرف واحد من اللي حصل إمبارح.. أمك هتيجي تاخد واجبها هي وأخوكي وهيمشو على طول.
وبعد قليل جاءت والدة رحمة وشقيقها، وما أن خرجت رحمة من الغرفة كادت والدتها تطلق زغرودة لكنها توقفت عندما ركضت ابنتها ترتمي على صدرها وتبكي بشدة.
والدتها: مالك يا ضنايا حصل إيه؟
أسامة بملامح جامدة: مالك يا رحمة؟
خرج إليهم عادل وقال: مفيش هي من إمبارح عمالة تعيط وعايزة مامتها.. صح يا رحمة؟
قالها وهو يرمقها محذرًا.
أمسكت بيد والدتها تستغيث بها: أبوس إيدك يا ماما خدوني من هنا.
رمقها أسامة وقال: بطلي دلع أنتي بقيتي واحدة متجوزة، ويوم ما تعوزي تيجي لأمك هتيجي ضيفة تاخدي واجبك وترجعي على بيت جوزك.
والدتها: أخوكي بيتكلم صح يا بنتي.. ملكيش دلوقت غير بيتك وجوزك.
عادل: قوليلها والنبي يا حماتي.
أحست حينها بالتخاذل من نحو هم أقرب الناس إليها، تركتهم ودلفت إلى غرفتها لم ترد رؤية أحد داعية الله أن ينجدها من براثن هؤلاء الوحوش.
***
في مستشفى البحيري..
تجلس خديجة بجوار والدها تتلو بعض الآيات، وتمسك بيده، وإن أحست بحركة يد والدها الذي كان يغط في النوم فيتحدث بصوت واهن يكاد مسموع مناديًا: خديجة يا خديجة.
خديجة: صدق الله العظيم.
قالتها لتضع المصحف بداخل حقيبتها وقالت بلهفة وسعادة: بابا.. حبيبي أنت كويس؟
سالم: ع.. عايز أشرب.
أمسكت بدورق المياه وملأت الكوب الزجاجي فاقتربت منه وهي تسنده من خلف ظهره لينهض قليلاً وتسقيه.
خديجة: اتفضل يا بابا.
أخذ يرتشف ثم رجع إلى الوراء وقال: سيبي اللي في إيدك يا بنتي وتعالي اقعدي جمبي.
تركت الكوب جانبًا وجلست بجواره وقالت: أنا جمبك أهو يا حبيبي.. بس عايزة أروح للدكتور أبلغه إنك بقيت تتكلم.
سالم وهو يمسك يدها بحنان: اصبري لما أتكلم معاكي الأول.
خديجة: اتفضل يا بابا أنا سمعاك.
تنهد بأريحية وقال: أنا عايز أطمن عليكي يا بنتي ومش عايزك تتبهدلي من بعدي.
قطبت حاجبيها بخوف وحزن وقالت: ربنا يديك الصحة ويباركلنا في عمرك ليه بتقول كده.. أنا بخير الحمد لله، وبعدين أنت عايز تخلص مني ولا إيه؟
قالتها وابتسمت.
سالم: أنا بتكلم بجد يا خديجة أنا خلاص هاخد إيه من الدنيا تاني.. بس قبل ما أقابل وجه كريم عايز أبقى أديت رسالتي وأشوفك في بيت جوزك وطه يكون ربنا هداه ويكمل نص دينه.
خديجة: أنت بس تقوم بالسلامة وبعد كده هنشوف الموضوع ده.
سالم: أومال فين طه؟
خديجة بنبرة توتر: طه مقدرش يجي زي ما أنت عارف الحادثة اللي حصلتله تعباه شوية.. سيباه يريح في البيت النهاردة وأنا هبات معاك النهاردة.
دق باب الغرفة ليلج يوسف وبصحبته آسر.
يوسف: عمي عامل إيه النهاردة؟
أجابه سالم: الحمد لله يا بني.
يوسف مبتسمًا: إيه ده حمد الله على سلامتك.
سالم: الله يسلمك.
تقدم آسر نحو سالم ومد يده للمصافحة وقال: أهلاً يا عمي وحمد الله على سلامتك، أنا أبقى صاحب دكتور يوسف وبشتغل دكتور جراح هنا في المستشفى.
صافحه سالم: أهلاً وسهلاً يا دكتور.
كان يقف يحدق بخديجة التي تصنعت انشغالها بالهاتف ولاحظ ذلك يوسف فقال: خلاص أنا هاروح أبلغ الدكتور يجي يطمن على حضرتك.
قالها ليهم بالمغادرة وينظر إلى آسر الشارد بنظراته إلى خديجة، أردف وهو يلكز آسر في كتفه: يلا يا دكتور.
انتبه آسر وقال: ها؟
يوسف: بقولك يلا نمشي.
آسر: طيب جاي معاك أهو.. عن إذنك يا عمي.
ذهب كليهما وفي الرواق..
يوسف: أنت إيه حكايتك بالظبط؟
انتابه التوتر فقال: حكاية إيه بالظبط؟
رفع حاجبه بسخرية وقال: حكاية عينيك اللي منزلتش من عليها وأول ما عرفت إني رايح أطمن على عمي لاقيتك زي ضلي.
توقف آسر وقال: بصراحة يا جو أنا من ساعة ما شوفتها أول مرة وحسيت بحاجة غريبة من ناحيتها.. حاجة بتشدني ليها.. مختلفة عن أي بنت تانية.
يوسف: خديجة بنت ملتزمة جدًا وملهاش في جو الصحوبية بتاعك أنت والأشكال اللي تعرفها.
آسر: عارف بس أنا اللي حاسه من ناحيتها مش صحوبية..
- بصراحة كده هي دي اللي ناوي أكمل معاها حياتي وأنا مطمن.
يوسف: أنت قصدك...
قاطعه آسر بإيماءة وقال: اه عايز أتجوزها.. وعارف مش وقته الكلام ده... مستني عمك يقوم بالسلامة وهروحلهم البيت وهطلبها منه.
يوسف: والله يا آسر أنت فاجأتني بس أنا شايف قبل ما تروحلهم تعرف رأيها الأول.
آسر: ليه هو في حد في حياتها؟
يوسف: معرفش ومقدرش أفيدك لأن مليش معاها كلام أوي، أقرب حد ليها هي والدتي.
آسر: هو ده... كلم والدتك وخليها تعرض عليها الموضوع بطريقة غير مباشرة.
زفر باستسلام: ماشي يا سيدي عد الجمايل.
آسر: إحنا لينا حد غيرك يا جو.
تقف في الحديقة تتأمل حوض الزهور البنفسجية... قطفت إحداها لتستنشق عبيرها الفواح وهي تغمض عينيها... أحست بهواء ساخن يلفح عنقها وذراعيه تلتف حول خصرها ليلتصق ظهرها بصدره العاري المبتل حيث خرج لتوه من المسبح.
شهقت بفزع لتلتف وتصبح في مواجهته.
تحدث بنبرة رجولية عذبة:
- دي زهور اللافندر... ريحتها تشبه ريحتك بالظبط.
قالها وهو يستنشق عنقها ثم طبع قبلة رقيقة.
انتفضت مبتعدة عنه وقالت: خد بالك إحنا في الجنينة.
التفت يمينًا ويسارًا ثم ابتسم وقال:
- مفيش حد، أنا قايلهم طول ما تكوني في الجنينة محدش يقف، لأنهم عارفين لو حد فيهم بصلك بنظرة بس هيحصل معاه إيه.
صبا: للدرجة دي بتغير عليا!
قهقه بصوت مرتفع ثم صمت ليتحول لون عينيه الزيتوني إلى لون مظلم فقال:
- أنا اللي يفكر فيكي بس همحيه من الدنيا.
رمقته بتوتر ونظرات خائفة فأردف وهو يجذبها من خصرها ودفن وجهه في عنقها وقال بهمس:
- أنا مش بعشقك بس يا صبا... أنا كل حاجة فيا بتموت فيكي.
أمسك يدها ووضعها على عينيه فأردف:
- عينيا بتعشق رؤيتك...
ثم وضع أطراف أناملها على أنفه:
- بعشق ريحتك ونفسك...
أنزل أناملها إلى شفتيه:
- شفايفي بتعشق الشهد اللي بدوقه من شفايفك...
أنزل يدها على صدره فوق الوشم:
- وده عاشقك من أول ما شوفتك وهو بينبض عشانك وبيموت فيكي... من الآخر يا صبا أنا روحي ما بين إيديكي.
بدأت عيناها تلمع من تجمع الدمع بمقلتيها.. ابتعدت عنه لتركض قبل أن يراها تبكي ولم تنتبه لأنبوب المياه فتعثرت به والتوى كاحلها... صرخت... ركض نحوها وهو يحملها.
قصي: اهدي يا قلبي... أنا هكلم الدكتور دلوقتي..
حملها ليضعها فوق المقعد بجوار المسبح.
أخذت تتأوه من الألم وتبكي... جثا على ركبتيه يمسك بقدمها يخلع لها الحذاء ليرى موضع الإصابة.
صبا: آآآآآه.
نظر إليها بقلق ولهفة وقال: معلش مش قصدي أوجعك أنا بشوف إن كان ده التواء ولا لأ.
ظلت تصرخ وتصيح: بتوجعني أوي يا قصي... مش قادرة أستحمل.
رفع ساقها برفق ليقترب من موضع الألم بشفتيه يقبلها بحنان بالغ.
- لسه بتوجعك؟
صمتت وهي تجز على شفتها السفلى بألم وتأن... تومأ له بنعم.
صاح مناديًا: كناااااان.
ركض إليه كنان من داخل القصر فقال وهو يخفض بصره:
- أمرك يا باشا.
قصي: هاتلي شنطة الإسعاف من المكتب.
كنان: أمرك.
وبعد ثوانٍ أتى بها ثم ذهب... أمسك قصي بالحقيبة ليخرج منها علبة معدنية وضغط على المكبس لتنثر سائلًا مرشوشًا نحو الإصابة... ثم أخرج رابطًا للكاحل يشبه الجص في وظيفته... وحين قام بوضعه تأوهت بصوت دوى بالأرجاء.
قصي: استحملي يا حبيبتي... خلاص خلصت.
وإلى أن انتهى ليمسك بساقها أخذ يقبلها صعودًا لأعلى فأحس بصمتها ليرفع عينيه يجدها قد هدأت تمامًا مغلقة عينيها وكأنها بعالم آخر... تصاعدت أنفاسه ليبتلع ريقه وتتحرك تفاحة آدم بعنقه... خشي أن يفقد السيطرة على نفسه وينقض وعده لها... ابتعد ونهض يمسك وجهها بين كفيه وقام بطبع قبلة فوق رأسها ثم قال وهو يحملها على ذراعيه:
- تعالي أطلعك ترتاحي شوية فوق.
مالت برأسها على صدره الذي شعرت بحرارته الحارقة كاللهب... قالت بصوت هادئ ومتحشرج من أثر البكاء:
- هو الدكتور جاي دلوقتي؟
ابتسم فظهرت غمازتيه وقال:
- أظن يا روحي إن علاجي كان أحسن ولا لسه حاسة بوجع؟
قالها ثم غمز لها بعينه.
جزت على شفتها السفلى بخجل وتوهجت وجنتاها احمرارًا فدفنت وجهها في صدره.
صعد الدرج ثم دخل إلى غرفتهما ليضعها فوق الفراش برفق.
صبا: شكرًا.
جلس بجوارها وأمسك بيدها وطبع قبلة بداخل كفها وقال:
- مفيش شكرًا ما بينا... كل اللي عايزه منك حبك وحنانك مش أكتر... ولو حبيتي تزودي الأوبشن (الاختيار) ده يبقى يا سعدي يا هنايا....
قالها ثم غمز لها لتدرك مغزى كلماته ليزداد خجلها.
نهض وقال: أنا هروح آخد شاور وبعد كده هخليهم يطلعولنا الغدا هنا.
دلف إلى المرحاض... وهي ترجع بظهرها إلى الخلف مستندة على الوسادة تنهدت ثم ظلت تتذكر كلمات عشقه ونظرات حبه الصادقة لها... وضعت يدها فوق القلادة التي ترتديها خلعتها لتنظر بداخلها وهي تفتح القلب لترى أنه استبدل صورة آدم بصورته هو... زفرت بحنق لتلقي بها فوق الكومود.
في قصر البحيري...
تجتمع العائلة حول المائدة لتناول الغداء...
عزيز: أخبار عمك سالم إيه يا يوسف؟
ابتلع يوسف ما بفمه فقال: الحمد لله رجع يتكلم والدكتور عمله فحوصات وأشعة طمنا إنه بقى كويس، هو محتاج لراحة نفسية ومع العلاج هيبقى أحسن.
جيهان: ربنا يشفيه ويقومه بالسلامة.
آدم: وطه عامل إيه؟ كان متبهدل خالص بيقول إنها حادثة بس مش مقتنع، ده واضح إنه واخد علقة موت.
يوسف: مجاش النهارده وخديجة قاعدة مع باباها بداله واحتمال كبير تبيت هناك.
جيهان: وإزاي تسيبها لوحدها افرض احتاجت حاجة.
يوسف: ما أنا وصيت الممرضات هناك وكمان آسر صاحبي نبطشاية هيبقى يطمن عليها.
وإن ذكر اسم آسر حينها يقطع آدم قطعة اللحم فغرز السكين بغضب لتصدر صوتًا لفت الأنظار إليه.
ياسين مازحًا: براحة يا عم آدم ده أنت قطعت الطبق مع اللحمة.
رمقه بنظرة محذرة.
- اه صح بالمناسبة... خديجة جايلها عريس...
قالها يوسف وهو يرمق شقيقه بطرف عينيه.. فانتبه له كل من جيهان وعزيز.
قالت إنجي بسخرية: ده بالتأكيد واحد من السكيورتي بالمستشفى ولا ممرض.
نظر إليها يوسف بضيق متنهدًا بسأم من كلماتها فقال:
- لأ متقدملها دكتور... وكمان يبقى آسر صاحبي.
يتناول آدم طعامه وتصنع عدم الاهتمام لكن ساقه لم تتوقف عن الاهتزاز بغضب أسفل المائدة.
صاح ياسين متأوهًا: آآآه الله يخرب بيتك صوابعي اتهرست من جزمتك.
رد عليه آدم بغضب: وإيه اللي جاب رجلك عندي.
جيهان: خلاص أنت وهو هتتخانقوا زي العيال الصغيرة.
ياسين وهو يكتم ضحكاته: معلش يا ماما أصل كل ما تيجي سيرة خديجة بيركبه اللهم احفظنا.
نهض آدم وصاح به: لم نفسك يا ياسين وخليك في حالك.
عزيز: ما شاء الله يا فرحتي بيكو.
ياسين: على فكرة أنا كنت بهزر... ولو هتكلم جد بقى هقول على أسلوبك وكلامك الزفت مع خديجة.
رمقه بنظرات قاتلة ليصمت فأردف: ما تبصليش كده.
جيهان: إيه اللي حصل يا آدم؟
آدم: مفيش يا ماما محصلش حاجة.. ابنك شكله كان بيحلم ونسي يتغطى.
ياسين باندفاع قال: لا يا أخويا صوتك كان جايب لحد أوضتي اللي آخر الممر بإمارة لما كنت بتطردها وبتقولها مش عايز تشوف وشها في القصر أكمل ولا تكمل أنت.
جز على فكه يرمق ياسين متوعدًا له فقال: أنا طالع أوضتي بدل ما ارتكب جريمة.
وكاد يذهب.
أوقفه صوت والده الغاضب: استنى عندك.
آدم: بابا لو سمحت نبقى نتكلم بعدين.
جيهان: أنت طردت خديجة فعلًا؟
تعالت أنفاسه وقال: مش بالظبط.
عزيز
جيهان: إزاي تعم...
قاطعها عزيز مشيرًا إليها بالصمت:
- اعمل حسابك بكره هتروح المستشفى وتعتذر ليها.
آدم: بابا أ...
قاطعه عزيز: انتهى الكلام.. اتفضل شوف انت رايح فين.
ذهب آدم ونيران الغضب تتصاعد بداخله.
جيهان: عزيز أنت بكده هتخليه يكرهها مش هيحبها... أنت عارف آدم كويس عنيد وعمره ما بيعتذر لحد.
عزيز: عنيد على نفسه.. ومادام غلط لازم يعتذر... ابنك عمل معاها كده عشان لما نروح نطلب إيدها هي ترفضه لأن الأستاذ أهانها.
جيهان: انت إزاي تتسرع بالقرار ده قبل ما ابنك ينسى صبا!
- إيه ده إزاي آدم وخديجة انت كده بتظلمه يا عمو دي ولا مستواه ولا تعليمه ولا تفكيره...
قالتها إنجي.
يوسف: إنجي ملكيش دعوة ومتدخليش.
إنجي وهي تنهض بحنق: يوووه بقى أنا كل ما أقول رأيي في حاجة تقوم كاسفني كده... عن أذنكم.
قالتها فغادرت بتأفف وصعدت إلى غرفتها.
عزيز: ابنك طول ما هو بيفكر في بنت عابد الرفاعي هيخرب بيتنا ويخلينا نشحت.
جيهان: وذنبها إيه خديجة لما تجبر ابنك على جوازة منها... أديك شوفت أقل حاجة عملها معاها اللي حكاه ياسين.
ياسين: بس أنا شايف يا ماما إن الصنارة غمزت... أقصد إن لما يوسف قال إن صاحبه طلب إيديها مش عايز أقولك آدم كان منظره إزاي، كان ناقص يطلع دخان من ودانه غير صوابع رجلي اللي بقت كفتة بسببه.
عزيز: وأنا مش هستنى يا جيهان... بكره هيحبها بعد الجواز.
تنهدت بسأم فقالت: براحتك يا عزيز اعمل اللي أنت عايزه وأنا طالعة لبنتي الأخصائي النفسي زمانه على وصول.
فتح عينيه ثم أمسك بهاتفه ليجد العديد من المكالمات الفائتة... نهض وهو يفرك في عينيه وخصلات شعره مشعثة بشكل مضحك.
- ناموسيتك كحلي يا فنان... كل ده نوم ده الشمس قربت تغيب...
قالتها كارين وهي تحمل أكياسًا مليئة بالطعام.
يونس: معلش بقى كنت بقالي أيام منمتش.
وضعت ما بيدها على الطاولة وهي تولي ظهرها له فقالت:
- وإيه اللي كان مطير النوم من عينيك؟
فاجأها بإحاطته خصرها بذراعيه من الخلف وقال:
- أنتي يا حياتي.
أبعدت ذراعيه عنها لتلتف إليه وقالت بنبرة خجل: طـ طـ طيب أنا هروح أحضر الغدا.
ابتسم من خجلها وقال:
- وأنا هروح التويليت أغسل وشي وأيدي وهاجي أساعدك.
كارين: لأ خليك مريح عندك مش ناقصة تحرقلي حاجة زي ما حرقت البيتزا إمبارح في الميكرويف.
رمقها بنظرات ماكرة ثم قال:
- أنا اللي حرقتها برضو ولا أنتي نسيتيها وأنتي بتبوسـ....
لم يكمل حين دفعته بثمرة تفاح في وجهه.
تأوه عندما اصطدمت في شفتيه فقال: ينفع كده!
ضحكت وقالت: أحسن عشان تحرم.
يونس: مااااشي... طيب إيه رأيك لو أي حد سألني مين اللي عمل كده في شفايفي هقولهم كارين وكل واحد ونيته بقى.
كانت بيدها سكين رفعته وهي تحذره: هااااااا.
رفع يديه باستسلام وقال:
- وربنا بهزر يا كابيرة.
- إنجز يلا عشان بعد ما هناكل هننزل.
يونس: هنروح فين؟
كارين: هتعرف في السكة.
- ها يا آنسة ملك عاملة إيه النهارده؟...
قالها الطبيب النفسي.
ملك بصوت يكاد مسموع: الحمد لله.
الطبيب: أنا شايف إنك النهارده بقيتي أحسن... عندك استعداد ندردش مع بعض شوية؟
جيهان: طيب أنا هسيبكو تتكلموا براحتكو ولا محتاجين حاجة أنا في الأوضة اللي جمبكو.
وكادت تنهض فأمسكت بها ملك وقالت: خليكي معايا...
قالتها وهي تنظر للطبيب بخوف.
أومأ الطبيب إلى جيهان فجلست.
ملك: فين مصعب؟
تعجبت جيهان فقالت: موجود تحت عايزاه ليه؟
ملك: بليز يا مامي خليه يجي...
قالتها وهي ما تزال تنظر إلى الطبيب بريبة.
أمسكت جيهان بهاتفها وضغطت بالاتصال:
- ألو يا مصعب اطلعلي في أوضة ملك.
الطبيب:
- مصعب يبقى أخو الآنسة ملك؟
جيهان:
- ده الحارس الخاص بملك ومتربي معانا كأنه واحد مننا.
أخذ الطبيب يدون في بعض الكلمات في الدفتر الذي بيده.
وبعد ثوانٍ دق الباب ليلج مصعب بهيبته، وما إن رأته ملك فارتسمت على محياها ابتسامة وكأنها وجدت ملاذها.
مصعب:
- أمرك يا جيهان هانم.
جيهان:
- مش أنا، دي ملك اللي عايزاك.
- أمرك يا آنسة ملك.
قالها وهو يخفض بصره لأسفل يتحاشى النظر إليها.
ملك:
- عايزاك جنبي.
وما إن تفوهت لتتلاقى النظرات، والدتها متعجبة والطبيب يراقب تعابير وجهها، ومصعب الذي رفع عينيه لتتلاقى بزرقاويتيها الساحرة... نهضت جيهان من جوارها وتشير له بالجلوس.
تحمحم ثم جلس لتفاجئه ملك عندما أمسكت بيده وكأنها لا تشعر بالأمان سوى معه، فقالت:
- ممكن ندردش يا دكتور؟ اتفضل.
الطبيب:
- كلميني عن أي حاجة حابة تتكلمي فيها، عن حياتك، أصحابك.
بدأت بالتحدث، وكلما شعرت بالتوتر والقلق تضغط بيدها في راحة يد مصعب، فيطمئنها بإيماءة من عينيه إنه معاها ولن يتركها.
وبعد مرور الوقت...
نهض الطبيب وقال:
- كفاية كده وهسيب آنسة ملك تستريح، وإن شاء الله هبقى أجيلها بعد يومين في نفس الميعاد... يلا سلام.
جيهان:
- اتفضل يا دكتور.
ثم ذهبت معه إلى الخارج فتوقف وقال:
- واضح إن آنسة ملك ما بتحسش بالأمان في وجود أي راجل غير بوجود أستاذ مصعب.
جيهان:
- عشان هو أقرب حد ليها وعلى طول معاها أغلب الأوقات.
الطبيب:
- ويمكن عشان هو اللي أنقذها من الولد اللي كان بيعتدي عليها فترسخ عندها شعور الأمان من خلال وجوده جنبها... عمومًا ده هيساعدنا في العلاج النفسي، وحاولوا خلوها تخرج وتقابل ناس لأن الانعزال في أوضة لوحدها غلط هيخليها تفضل العزلة.
غادر الطبيب... وذهبت جيهان إلى ملك، وقبل أن تدخل سمعت ضحكات ملك بسبب النكات التي يلقيها عليها مصعب... ابتسمت وقالت بداخل عقلها:
"يا ترى يا عزيز هيبقى موقفك إيه لو عرفت بإن سعادة بنتك متعلقة بالحارس بتاعها؟!".
***************************
توقف يونس بسيارته أمام منزل مكون من طابق واحد...
يونس:
- مش هنزل غير لما تقولي لي إحنا رايحين لمين؟
زفرت كارين بضيق وقالت:
- يخرب بيت فضولك، قولتلك خليك معايا وأنت هتعرف.
يونس:
- أمري لله، لما نشوف آخرتها معاكي.
قامت بالضغط على زر بجوار بوابة حديدية صغيرة... فتحت إليهما امرأة في أواخر الخمسينات، سيدة يبدو على ملامحها الوقار والطيبة.
ابتسمت السيدة بسعادة وقالت:
- أهلاً.. أهلاً حبيبتي وحشتيني أوي.
عانقتها كارين وقالت:
- أنتي اللي وحشاني أوي يا فيفي.
فيفي:
- يا بكاشة، لو كنت وحشاكي بجد ما كنتيش غبتي عني شهر بحاله.
كارين:
- والله كنت مشغولة في رسالة الماجستير بتاعتي ولسه باعتها لجامعتي في إيطاليا.
نظرت إلى الجص الذي يحاوط معصمها:
- ألف سلامة عليكي، إيه اللي حصل؟
كارين:
- دي حادثة خفيفة كده وعدت على خير.
فيفي:
- طبعًا الموتوسيكل السبب...
حدقت بيونس الذي يقف عند الباب ولم يدلف إلى الداخل.
كارين وهي تمسك بيد يونس:
- أعرفك يا فيفي، يونس البحيري... فنان زينا وعنده جاليري روعة.
فيفي:
- أهلاً وسهلاً بيك يا ابني.
يونس وهو يصافحها:
- تسلمي حضرتك.
فيفي:
- تعالوا اتفضلوا جوه في التراس.
كان يونس يتأمل تلك اللوحات التي تنتمي للفن السيريالي وأخرى للفن التشكيلي... تعجب من روعتها وجمالها، لم يرَ مثلها في معارض من قبل.
جلسوا بالبالكون ذي المساحة الشاسعة المطل على حديقة مليئة بالأزهار النادرة.
يونس هامسًا:
- هي قريبتك؟
كارين:
- فيفي تبقى زي مامتي، أو بعتبرها ماما اللي اتحرمت منها وماتت وهي بتولدني... المهم ماما فيفي كانت مدرسة الآرت (الرسم) بتاعتي من أيام الابتدائي، شافتني موهوبة واتبنت هوايتي، فضلت تعلمني كل ما يخص مجال الرسم وشجعتني إنه يبقى مجالي في المستقبل، وفضلت على تواصل معاها حتى بعد ما سافرت إيطاليا، وهي الحضن الدافي لما بكون مخنوقة بترمى جواه.
يونس:
- طيب وحضني أنا؟
قالها مبتسمًا بمكر.
لكزته في كتفه وقالت:
- اتلم.
يونس:
- بموت فيكي وأنتي مكسوفة.
- ها يا يونس ما قولتليش أنت متخصص في أي فن أكتر؟
قالتها فيفي وهي تضع أمامهما على الطاولة صينية يعلوها كأسان من العصير وأطباق كعك.
يونس:
- أنا متخصص في رسم البورتريهات واللوحات المجسمة أو المعبرة اللي بتحاكي مأساة أو حالة.
فيفي:
- جميل جدًا... صاحبتك كارين الحاجة الوحيدة اللي فشلت فيها لوحات البورتريه.
ضحك يونس وقال:
- عارف ده، رسمت واحد صاحبي خلته طالع شبه عم شكشك.
رمقته كارين بتوعد فقالت:
- ما أنت فاشل في الفن التشكيلي.
يونس:
- لأني مش من هواة النوع ده.
فيفي:
- خلاص أنتوا هتتخانقوا... والله يا ولاد بتفكروني بشبابي وأنا في سنكوا أنا ورأفت جوزي الله يرحمه... على رغم إن اللي ما بينا عدى مرحلة العشق بس ما كناش نبطل خناق.
كارين:
- ولسه بتحبيه يا فيفي زي ما كان عايش؟
فيفي:
- لو قولتلك إن أنا عشقته أكتر لما فقدته مش هتصدقي... أنا وهو مش مجرد زوج وزوجته، كان ليا كل حاجة؛ الزوج والحبيب والعاشق والصديق والأب والأخ... ولما عرفت إن استحالة أحمل وأخلف طلبت منه يتجوز عشان ما يحرمش نفسه من إنه يكون أب... رفض بشدة وقالي جملة عمري ما هنساها: "أنا مش عايز أولاد لأن ربنا رزقني بيكي، أنتي بنتي وزوجتي وحبيبتي".
يونس:
- إحنا نتعلم منكوا بقى الحب.
فيفي:
- الحب يا يونس زي الزرع بالظبط، كل ما تسقيه اهتمام وحنية يكبر ويطرح أجمل ثماره.. لكن لو أهملته واديته جفاء هيدبل ويموت.
ظلوا يتسامرون ثلاثتهم بأجواء مرحة... محلقة قلوبهم بالسعادة.
وبالخارج أمام المنزل بمسافة تقف سيارة سوداء وبداخلها هذان الرجلان، أحدهما يتحدث في الهاتف:
- ألو يا باشا، هي معاه دلوقت عند مدام فايزة.
قصي:
- خليكوا متابعينهم لحظة بلحظة وتبلغوني بكل حاجة.
أغلق المكالمة وهو يعتصر الكأس بيده حتى تحطم في قبضته، وقال بنبرة مرعبة:
- بتتحديني يا كارين... استحملي بقى.
********************************
وبعد منتصف الليل...
يولج إلى الفناء يترنح بثمالة... يردد كلمات إحدى أغاني المهرجانات الشعبية... يصعد درجة تلو الأخرى، يمسك بالدرابزين ويميل عليه، ومن يراه يعتقد إنه سيسقط من أعلاه.
وكالعادة تقف سماح في انتظار قدومه، خاصة بعد أن تأكدت من عدم وجود شقيقته.
وصل للطابق الثاني يمسك بالمفتاح لتأتيه "حازوقة" (زغطة) جعلته يوقع من يده... انحنى ليلتقطه... ليجد يدًا أخرى بأظافر ملونة بالأسود تمسك بالمفتاح، ليعتدلا معًا كلاهما يحدقان ببعضهما.
طه بنبرة ثملة:
- أهلاً يا...
قاطعته بنبرة مغناج وبدلال سافر:
- مووحة يا طه، مووحة.
رمق شفتيها برغبة جامحة وكاد يقبلها، فابتعد عندما جاءت في مخيلته صورة رحمة وهي تبكي.
طه:
- بتعيطي ليه يا حبيبتي، أنا مش هسيبك... عشان بحبك.
تفوه بها بنبرة متقطعة.
ارتمى على سماح التي أمسكت به وقالت:
- يخرب بيتك، تعالى جوه لحد يشوفنا، شكلك متبهدل على الآخر خالص ومتقل في الشرب.
حاولت بعد معاناة في إسناده، ودلفت به إلى منزلها، واتجهت نحو غرفتها وألقت به فوق مضجعها... ذهبت سريعًا تغلق الباب ثم عادت لتجده يجلس على طرف التخت يتمتم بكلمات غير مفهومة.
اقتربت منه لتجلس بجواره فقالت:
- ما قولتليش مين دي اللي مبهدل حالك عشانها... ما أنا عارفة بختي الأسود، رضينا بالهم والهم مش راضي بينا... رد عليا مش بكلمك.
أمسكت بيده ليرفع وجهه وينظر لها ويراها حبيبته:
- بحبك أوي.. ما تخافيش... مش هسيبك.
اقترب منها أكثر ليقبلها وهو يضمها بقوة إليه... وبعد مرور دقائق من تلك القبلات المحرمة، ابتعدت وهي تلتقط أنفاسها وتقول بخفوت وهي تتملص من قبضة ذراعيه:
- كفاية يخرب بيتك... خالتي لو رجعت وشافتنا هتولع فيا وفيك.
لم يمهلها فرصة لينقض عليها مجددًا غير واعٍ للتهلكة التي يلقي بنفسه بداخلها... وهي تستجيب لرغباته المحرمة لكن بعقلها مخطط شيطاني... أغرقته في مستنقع الرذيلة وعلاقة آثمة، أبطالها هي وهو، وعنوانها الفاحشة، والمؤلف والمخرج شيطان الملذات اللعين.
- هي البت دي راحت فين وقافلة تليفونها ليه؟
قالتها صباح التي تفتح الباب وولجت إلى الداخل.
تركت حقيبتها فوق الأريكة وهي تخلع حذائها.. وكادت تنادي:
- بت يا...
صمتت عندما لاحظت إضاءة غرفة سماح والباب مفتوح قليلًا، انتابتها الريبة والقلق فذهبت لترى ما بالداخل.
وإلى أن خطت أول خطوة حتى وقعت عيناها على هذين النائمين عاريين.
شهقت بصياح وهي تضرب بكفها على صدرها:
- يا نهار أسود!
رواية صراع الذئاب الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ولاء رفعت علي
تقترب من تلك النائمة وهي تجذبها من خصلات شعرها لتستيقظ بفزع.
- آآآآآآآه.
صرخة أطلقتها سماح التي شهقت بفزع عند رؤية خالتها.
صباح: آه يا و..... يا صايعة جايباه فـ سريرك!
قالتها وهي تصفعها على جسدها فتصرخ بصوت مرتفع.
استيقظ طه بفزع ليجد ما يحدث.
سماح بصراخ: هافهمك يا خالتي... أبوس إيدك...
قاطعتها خالتها بالضرب والسباب.
طه وهو يدرك الوضع ويرى جسده عاريًا من أعلى ويغطيه من الأسفل غطاء خفيف، قال: اهدي يا ست صباح وبلاش فضايح.
صباح بصياح وسخرية: واللي عملتوه ده مش فضايح... ده أنا هموتها بنت الـ..... دي.
وهمت بصفعها مرة أخرى لتوقفها قبضته وقال: ما تمديش إيدك عليها.
سماح بتصنع وهي تتشبث بذراعه: الحقني يا سي طه... خالتي مش هتسكت غير لما تموتني.
صباح: لأ يا روح خالتك أنا هتصل على عمك في الصعيد ييجي يغسل عاره.
صرخت باكية باحترافية وإتقان وهي تمسك يد خالتها: أبوس إيدك يا خالتي كله إلا عمامي... حقك عليا.
صباح وهي ترمق طه فقالت: خلاص خلي الأستاذ يصلح غلطته ويكتب عليكي.
- نعم!!!!
صاح بها طه.
صباح: نعم الله عليك يا أخويا... عايز تضحك على البت وتعمل عملتك وتخلع!
زفر بحنق وهو يخلل أنامله بخصلات شعره فلاحظ بجواره بقعة دماء فوق الفراش... ضرب جبهته بيده.
أجهشت سماح بالبكاء وقالت: يا مصيبتك السودة يا سماح... يا ميل بختك يا سماح.
طه بصياح: خلااااص اسكتي... أنا هاكتب عليها بس مش دلوقت، لما أتطمن على بابا الأول ويخرج من المستشفى.
صباح بنبرة تهديد: اسمعني كويس يا ابن الشيخ سالم، قدامك يومين ما لهمش تالت تكتب على البت يا إما هروح لأبوك، وده غير الفضيحة اللي هعملهالكوا في الحارة، قولت إيه؟؟؟
ابتلع ريقه فتنهد باستسلام وقال: حاضر يا ست صباح.
***
في مشفى البحيري.
- يوه وده وقته.
قالتها خديجة بضيق وهي تمسك بهاتفها.
سالم: خير يا بنتي؟
خديجة: بتصل على طه أشوفه ما جاش ليه لاقيت الباقة خلصت... ودكتور يوسف لسه ما وصلش... طيب أنا هنزل أدور على أي سنترال قريب هاشحن وجيالك تاني.
سالم: ثواني يا بنتي.
قالها وهو يخرج محفظته الجلدية من درج الكومود ويخرج منها بعض النقود.
خديجة: يا حبيبي أنا معايا فلوس وبزيادة الحمد لله.
مد يده بالمال وقال: خلي دول معاكي برضو أنتي كل شوية بتنزلي تشتري حاجات وأنا قاعد ولا بنزل ولا بروح فـ حتة.
خديجة وهي تقبل رأسه: ربنا ما يحرمني منك أبدًا.. وبرضو أنا مش هاخد حاجة ولو احتجت هطلب منك.. خد بالك من نفسك.
أومأ لها مبتسمًا فذهبت ليرفع يده داعيًا: ربنا يسعدك يا خديجة يا بنتي ويرزقك بالزوج الصالح يا رب.
بالخارج تهبط الدرج... لتتقابل مع الذي كان يصعد.
- صباح الخير.
قالها آسر مبتسمًا.
- صباح الخير.
قالتها بدون أن تنظر إليه وأكملت هبوطها.
- خديجة.
ناداها آسر، فتوقفت وقالت: نعم يا دكتور.
آسر بنبرة متوترة: ممكن طلب لو سمحت؟؟
خديجة بنبرة جدية: اتفضل.
حك فروة رأسه بإحراج وقال: مش هينفع على السلم وإحنا واقفين كده.
رفعت عينيها لترمقه باستفهام: حضرتك عايز إيه بالظبط؟؟؟
آسر: فيه تحت كافيتريا ممكن نقعد فيها ومكان عام ومليانة دكاترة وممرضين.
تنهدت ثم قالت: دكتور آسر اعذرني أنا ورايا كذا حاجة عايزة أعملها عشان المفروض بابا هيخرج النهاردة.
آسر: والله ما هاخد من وقتك كتير.. أنا عارف إنك متضايقة بس لما تعرفي عايزك فـ إيه هتتأكدي إن نيتي خير.
أشارت له بالنزول وقالت: اتفضل حضرتك وأنا نازلة وراك.
وفي مدخل المشفى يدلف كل من يوسف وبرفقته آدم.
يوسف: رجلي على رجلك ده أمر عزيز باشا.
زفر آدم بحنق وقال: يوسف بطل تريقة أنا مش ناقصك.
قهقه يوسف ثم قال: بصراحة أنا مستني اللحظة دي أشوفك واقف بتعتذر لخديجة.
آدم بنبرة غضب: والله لو ما سكت هسيبك وأمشي.
يوسف: طيب يلا قدامي.
قالها ليلج كليهما إلي المصعد.
بداخل الكافتريا.
خديجة: أنا لغاية دلوقت مفهمتش منك جملة مفيدة، حضرتك ادخل فـ الموضوع من غير ما تلف وتدور.
أخذ نفسًا عميقًا ثم زفره وقال: من الآخر أنا معجب بيكي وعايز أتجوزك على سنة الله ورسوله.
انتابها الشعور بالصدمة وبدا ذلك على ملامحها فقالت: أأ.. أنت حضرتك بتقول إيه؟
آسر: زي ما سمعتي كده بالظبط، أنا كلمت يوسف على فكرة وقولتله مستني لما والدك يخرج بالسلامة وهاجي أطلب إيدك منه.
رمقته بتهكم وقالت: وإيه لازمته بقى إنك تقولي ما دام مقرر كل حاجة؟
آسر: ااحم... بصراحة خوفت ليكون فيه حد فـ حياتك فعشان كده طلبت منك المقابلة دي.
بالأعلى في الغرفة.
يوسف: أنت بقى يا عمي تخرج النهاردة وتروح معانا على القصر تاخدلك فترة نقاهة هناك.
سالم: معلش يا ابني أنا ما برتحش غير فـ بيتي وأول ما أشد حيلي هاجي أزوركوا بإذن الله.
آدم لم يكن منتبهًا لهما بل كانت عينيه تجول أرجاء الغرفة بحثًا عنها.
يوسف: أومال فين خديجة وطه؟
سالم: طه ما نعرفش عنه حاجة من ساعة ما مشي وخديجة نزلت تشحن رصيد عشان تكلمه.
يوسف: مفيش داعي يا عمي أنا هوصلكوا بس هقوم أنا وآدم هنروح نخلص إجراءات الخروج وهنطلع ناخد حضرتك ونمشي.
نهض كليهما فأردف: حضرتك مش محتاج أي حاجة؟؟؟
سالم: تسلم يا ابني الله يكرمك.
آدم: عن إذنك يا عمي.
غادر كليهما الغرفة.
آدم: بص أنا نازل أشرب قهوة دماغي هتنفجر من الصداع، ولما الهانم ترجع من بره خليها تقابلني فـ الكافتريا تحت.
يوسف: إيه يا ابني التناكة اللي أنت فيها دي! عايز تبقى الغلطان وتجيلك برجلها لحد عندك.
آدم: أهو ده اللي عندي يا إما همشي.
زفر بسأم وقال: أمري لله هجيبها وأجيلك.
تركه آدم ليهبط إلي الكافتريا بالطابق الأول.
ونعود مرة أخرى لآسر وخديجة.
آسر: أنا سؤالي واضح.. ومش بتدخل فـ حياتك الشخصية.
نهضت وقالت: وأنا أظن ردي على طلبك كان واضح من الأول أنا مش موافقة... وعن إذنك بقى.
قالتها وهي تأخذ هاتفها من فوق الطاولة لتغادر فأسرع آسر بإمساك يدها وقال: ممكن أعرف سبب رفضك؟؟؟
اتسعت عينيها بغضب وهي تحاول إفلات يدها من قبضته: سيب إيدي من فضلك.
آسر بإصرار: مش هسيب غير لما تسمعيني الأول وإلا.....
- وإلا إيه يا دكتور آسر؟؟؟
قالها آدم الذي كان يقف منذ لحظات.
ترك آسر يدها... ازداد احمرار وجهها غضبًا فتركتهما وغادرت.
انحنى آدم نحو آسر بنظرات لو كانت قذائف من الجحيم لأحرقته حيًا للتو فقال: الأشكال الزبالة اللي تعرفها كوم وبنات البحيري كوم تاني.. فخد بالك لأن المرة الجاية هنسى إنك صاحب أخويا وخلي الدكاترة أصحابك يحتاروا يخيطوا أي حتة فـ جسمك.. وصلت يا دكتور؟؟؟؟؟
ابتلع آسر ريقه فقال: أنت فاهم غلط.
ابتسم آدم بشر فقال: وطلبك مرفوض.
قالها وتركه حتى يلحق بها لكنه لم يجدها بالمشفى حتى رآها تغادر البوابة الزجاجية فأسرع بخطواته التي تسبق الرياح العاتية خلفها.
وقفت تنتظر مرور السيارات حتى تعبر الطريق، وحين تسنى لها العبور جذبها من يدها يسحبها إلي سيارته.
- أنت بتعمل إيه أوعى كده.
صاحت به بنبرة غاضبة.
لم يُجب عليها وأكمل سيره حتى فتح باب سيارته ودفعها بالداخل وأوصد الباب ليلتف إلي جهة القيادة وولج إلي الداخل وأوصد الباب.
خديجة بصراخ مدوٍ: نزلني يا آدم بدل ما أصوت وألم عليك الن.....
قاطعها وهو يضع كفه على فمها وأشار إليها بالصمت وقال: ممكن تهدي؟ عشان لو ما بطلتيش صوتك العالي هسكتك أنا بطريقتي.
شعر بانتظام أنفاسها على ملمس كفه وهي تجلس متسمرة في المقعد لكن رغمًا عنها تجمعت عبراتها لتنسدل عبرة متلألئة فـ ضوء الشمس الساطع... أخرج لها مِحرَمة من جيب سترته فأردف: أنا عارف إن كان كلامي ليكي قاسي وجارح بس ده لأسباب خاصة بيا أنا وكان عندي ضغوط كتير فانفعلت عليكي يومها... عشان كده جاي بعتذر منك وبقولك بيتنا هو بيتك وتتفضلي تيجي فـ أي وقت.
مسحت عبراتها بمحرمته الخاصة التي تملؤها رائحته العطرية التي اخترقت قلبها قبل أنفاسها... رفعت أنفها لأعلى بشموخ وكبرياء أنثى وقالت: آسفة مش قابلة اعتذارك.
تجهم وجهه واحتدت عينيه فتعالت أنفاسه الغاضبة وقال بتهكم: وخديجة هانم مش قابلة اعتذاري ليه؟؟
خديجة: بص لطريقة كلامك وأنت هتعرف... وبعدين الكلام اللي أنت معترف بإنه جارح وقاسي مش هيداويه اعتذارك اللي أنت واضح إنك مجبر عليه من عمي.
رفع حاجبيه بسخرية وقال: أولًا مفيش حد يقدر يجبرني على حاجة مش عايز أعملها، ثانيًا إيه اللي يرضي سعادتك بدل الاعتذار؟؟
ابتسمت بسأم وقالت: اللي يرضيني إنك تيجي حارتنا المتواضعة اللي مش من مستواك ولا من مقامك وتعتذر لي بكلمة آسف قدام بابا وأخويا، ويا عالم هكون سامحتك على الكلام ده ولا لأ.
- نعم يا أختي!!!!!!
صاح بحنق ساخرًا.
اعتدلت فـ جلستها لتنظر أمامها عاقدة ساعديها أمام صدرها وقالت بنبرة هادئة جعلته يستشيط غضبًا: أهو ده اللي عندي يا باشمهندس آدم.
أقسمت بداخلها إنه لو فقد السيطرة على غضبه الجامح لكانت نهايتها على يده... صدره يعلو ويهبط وجهه محتقن بالدماء التي تغلي بداخله.. نظراته التي تحرق الأخضر واليابس.
انتفضت عند سماع صوت زر فتح أبواب السيارة وقال بصوت أجش: انزلي.
ترجلت من السيارة لترمقه بتحدٍ وكبرياء فأوصدت الباب بقوة وعادت إلي داخل المشفى فوجدت يوسف يمسك بمقعد متحرك يجلس عليه والدها وكان آسر يقف بعيدًا يحدق بها بنظرات لوم وعتاب... تجاهلته لتغادر المشفى برفقة والدها ويوسف.
يوسف: إيه ده فين آدم؟
نظرت إليه بتوتر وقالت: معرفش.
ألقى نظرة على ساحة الانتظار فلم يجد سيارته، علم إنه لا بد من أن حدث أمر ما.
***
تقف أمام طاولة الزينة تمشط خصلات شعرها فاقتربت من المرآة وهي تلمس أثر الصفعات التي تلقتها من خالتها.
- آه إلهي تتشكي فـ إيدك يا صباح يا بنت تفيدة.
قالتها سماح.
صباح وهي تطوي الثياب وتضعهم بداخل الخزانة: بتدعي عليا يا بنت بتاع الروبابيكيا... ما هو لو ما كنتش عملت كده كان المحروس بتاعك اكتشف إنه ملعوب ومكانش هيرضى يكتب عليكي طبعًا.
ابتسمت سماح بخبث وقالت: يكتشف إيه... ده أنا مخططة له من بدري... آه صح يا خالتي هو أنا ليا أعمام فـ الصعيد؟
صباح: أعمام إيه يا موكوسة، ده أبوكي الله يرحمه مقطوع من شجرة ولا كنا نعرفله بلد ولا أصل... أنا قولت كده عشان يخاف لما يعرف إن الموضوع هيوصل للدم.
سماح: ده أنتي طلعتي داهية يا خالتي.
ضحكت صباح بسخرية وقالت: ده أنتي اللي أستاذة ورئيسة قسم... مبقعة الملاية بنقطتين دم عشان الواد يفتكر إنك كنتي بنت.
سماح: أومال كنتي عايزاه يقتنع إزاي... عيب عليكي ده أنا موحة.
قالتها وهي تراقص إحدى حاجبيها.
صباح: طيب يا موحة اعملي حسابك يا ختي أول ما أبوه يرجع من المستشفى هنملي لهم شنطة ونزوروه.
سماح: شنطة!!
- منين يا حسرة أنا كل اللي أحتكم عليه هم 500 ملطوش يقضونا لآخر الشهر ابقي هاتي من معاكي.
زفرت بنفاد صبر وقالت:
- ماشي على الله يطمر.
***
تغني بصوت عذب وتراقص خصرها بدلال وهي تقطع الخضروات فوق الطاولة الرخامية... وهو يتسحب من خلفها بهدوء ليمد يديه حول خصرها ويقبل كتفها العاري حيث ترتدي ثوب فيروزي بأكتاف ساقطة يحدد منحنياتها ويصل إلى فوق ركبتيها.
شهقت بفزع والتفتت إليه وبيدها السكين فابتعد بحذر وقال:
- كده يا حبي عايزة تغوزيني!
ألقت بالسكين جانبًا واقتربت منه وهي تحاوط عنقه بيديها وقالت بنبرة مغنج:
- بعد الشر عليك يا عبده ده أنا كنت أموت وراك يا روحي أنا.
جذبها من خصرها لتصبح ملتصقة به وقال وهو يحدق بها بحب وهيام:
- اشمعنا هونت عليكي في ليلة فرحنا لما رفعتي عليا المطوة؟
شيماء:
- ميبقاش قلبك أسود بقى ولا أنت زي القطط بتاكل وتنكر!
اقترب بأنفه من وجنتها وقال:
- بالعكس أنا قلبي أبيض حتى افتحي القميص اللي أنا لابسه وأنتِ هتعرفي.
ابتسمت بخجل وهي تلكزه في صدره وقالت:
- بس بقى أنت إيه مبتشبعش أبدًا.
قام بتقبيل وجنتها وقال:
- حد يبقى متجوز مهلبية بالقشطة ويشبع ده حتى إحنا لسه في الهني مون.
شيماء:
- اللي يسمعك كده وأنت بتقول الهني مون يقول إن إحنا بنقضيه في شرم ولا الساحل.
عبدالله:
- والله لو كان معايا كنت فسحتك في المكان اللي تشاوري عليه بس أعمل إيه آديكي شايفة الحال.
شيماء وقد شعرت بالندم من كلماتها فقالت:
- حقك عليا يا حبيبي... بكرة هتفرج بإذن الله بس أنت اسعى وقول يارب وأنا البت فاطمة صاحبتي اللي في المشغل كلمتني إمبارح وقالتلي إن المهندس عماد صاحب المشغل بيقول إن ممكن أنزل على أول الأسبوع.
تجهمت ملامحه ليقبض على ذراعها بقوة وقال بغضب:
- ده مين ده اللي هينزلك شغل؟
شيماء:
- ما أنا كنت بشتغل بقالي سنين وكنا مخطوبين إيه اللي جد يعني وبعدين أهو قرشين مني على قرشين منك نقدر بيهم حالنا.
ترك ذراعها وولى ظهره غاضبًا وقال:
- وأنا مش هقبل مراتي تشتغل وتصرف على البيت أنتِ مش متجوزة واحد لطخ لا مؤاخذة.
اندفعت بحنق وقالت:
- اشمعنا كنت بتاخد مني فلوس أيام الخطوبة ودلوقتي رافض!
التفت إليها ورمقها بنظرات لوم وقال:
- بتعايرني يا شيماء! شكرًا شكرًا أوي.
قالها وذهب إلى الردهة ويفتح خزانة الأحذية ويأخذ حذاءه ويهم بارتدائه.
ركضت خلفه وهي تمسك بذراعه وقالت بنبرة اعتذار:
- يقطعني... وربنا ما كان قصدي أنت عارف أنا عمري ما فكرت كده وأنا وأنت واحد... حقك عليا متزعلش.
قالتها لتقف على أطراف قدميها وتحاوط رقبته بذراعيها وتقبل وجنتيه ثم أردفت:
- لسه زعلان يا روح شوشو؟
تنهد محاوطًا وجهها بكفيه وقال:
- أنا عمري ما بزعل منك بس خدي بالك من الدبش اللي بترميه.
زمتت شفتيها لأسفل وقالت:
- قصدك أنا دبش!
ضحك ثم قال:
- لأ أنتِ أرق وأجمل واحدة شافتها عينيا.
شيماء:
- طيب يلا اقعد اتفرج على التليفزيون عقبال ما أخلص السلطة وهاحط الغدا على طول.
عبدالله:
- لأ اتغدي أنتِ أنا مش جعان وأنا أصلًا كنت نازل رايح أخلص مصلحة وجاي على طول مش هتأخر.
شيماء:
- رايح فين؟
عبدالله:
- ابتدينا بقى تحقيق... متقلقيش مش هاروح أقابل بنات يعني... عمومًا اطمني ده واحد صاحبي قاصدني في خدمة هقضيهاله وجاي... خدي بالك من نفسك ومتفتحيش الباب لحد ما عدا عم فتحي طبعًا لكن لو أم جلامبو مراته دي سيبك منها إحنا ما صدقنا ارتحنا من وشها.
ضحكت وارتمت على صدره وعانقته وقالت:
- ربنا يخليك ليا يا روحي أنا.
بادلها العناق ويقبل رأسها وقال:
- وميحرمنيش منك يا قلب عبده.
ابتعد وقال:
- يلا سلام.
قالها وفتح الباب وغادر.
شيماء:
- تروح وترجعلي بالسلامة يا حبيبي.
***
عاد يوسف إلى القصر بعدما قام بإيصال عمه سالم وخديجة...
ترجل من سيارته ليجد ابنته تلك الحورية الصغيرة تلهو في الحديقة تحتضن دمية تشبهها في جمالها وبراءتها... ركضت نحو والدها ليفتح ذراعيه وعانقها بحنان.
يوسف:
- قلب بابي وحشاني أوي.
لوجي:
- بس أنا زعلانة منك أوي يا بابي.
يوسف بحزن مصطنع:
- ليه عروسة بابي زعلانة مني؟
لوجي:
- عشان خدت ماما وفسحتها وأنا لأ وسمعتها وهي بتقول لميرو إمبارح في التليفون إنكو هتروحو الساحل من غير ما تاخدوني معاكو.
احتضنها وقال:
- أبدًا يا قلب بابي أنا مقدرش على زعلك وهاخدك النهاردة هاوديكي مسرح العرايس اللي بتحبيه ولا تحبي نروح الملاهي؟
لوجي بسعادة طفولية قالت:
- لأ نروح مسرح العرايس الملاهي كنا لسه فيها أنا ومامي وأنكل ميرو وجابلي العروسة دي.
تبدلت ملامحه للتجهم عاقدًا حاجبيه فسألها:
- مين أونكل ميرو يا حبيبتي؟
لوجي:
- أونكل مروان يا بابي أنت عارفه.
تصنع البسمة وقال:
- أه يا حبيبتي عارفه روحي كملي لعب وإحنا بعد الغدا هاخدك ونخرج.
ولج إلى داخل القصر وجد والدته ووالده يجلسان في الصالون.. ألقى عليهم السلام ثم قال:
- هي إنجي فوق؟
جيهان:
- لأ خرجت من بدري راحت النادي.
يوسف:
- طيب أنا طالع فوق هارتاح شوية عن إذنكو.
عزيز الذي ترك الصحيفة التي كانت بيده قال:
- أخوك عمل إيه مع خديجة؟
يوسف:
- معرفش يا بابا لما هيجي يبقى يحكيلك.. عن إذنكو.
صعد الدرج ثم وصل إلى غرفته قام بمهاتفتها لكن كالعادة تأتيه رسالة صوتية غير متاح... زفر بغضب وهو يلقي بالهاتف فوق الفراش.
***
بداخل شقة فاخرة مطلة على نهر النيل...
يخرج مروان من المرحاض ملتفًا حول خصره منشفة قطنية وأخرى بيده يجفف بها شعره المبلل... وتلك الخائنة تقف أمام المرآة تحاول غلق سحاب ثوبها من الخلف.
فاقترب منها مروان وقال:
- عنك يا حبيبتي.
رفعت خصلات شعرها على إحدى كتفيها... فأمسك السحاب يغلقه رويدًا ثم قام بتقبيل عنقها.
ابتسمت بدلال وقالت:
- بس بقى.
مروان:
- أعمل إيه بحبك وهتوحشيني لغاية ما هاشوفك المرة الجاية.
إنجي:
- ما أنا بصراحة عايزة نخف مقابلات بقى.
مروان:
- لأ قولي بقى إن من خروجة وسفرية هتسافريها مع الدكتور أحيت ضميرك المخلص.
إنجي بحنق قالت:
- قصدك إيه يا مروان... أنا على فكرة مش بفكر كده خالص بس يوسف حساه مركز معايا اليومين دول وخايفة ليكون بيراقبني وتبقى مصيبة.
مروان:
- أنتِ اللي غبية مبتعرفيش تصرفي أمورك.
اشتد حنقها فقالت:
- ميرسي ده من ذوقك.
قالتها وهي تمسك بحقيبتها وتذهب... فأمسكها من رسغها وقال:
- سوري يا حبيبتي مكنش قصدي.
ثم قام بتقبيل يدها.
إنجي:
- أوك... ممكن تسيبني أمشي بقى الميعاد اللي برجع فيه من النادي عدى بقاله ساعة وخايفة ليكون يوسف رجع من المستشفى.
تنهد بسأم وقال:
- ماشي بس أنا كنت عايز منك حاجة بس محرج جدًا.
إنجي:
- قول هو فيه ما بينا إحراج!
مروان:
- ميرسي يا حبي... بصراحة محتاج مبلغ عشان داخل مشروع هيبقى الربح 5 أضعاف الفلوس اللي هحطها فيه بس للأسف واقفة معايا ربع مليون جنيه.
جلست على طرف التخت وهي تفكر فيما قاله ثم ابتسمت بمكر وقالت:
- أنا مستعدة أسلفهملك بس على شرط.
مروان:
- متخافيش هرجعهملك أول ما استلم الأرباح.
إنجي:
- قولي الأول هو مشروع إيه؟
مروان:
- هنستورد منتج للتخسيس مطلوب جدًا في السوق العلبة منه واقفة علينا بـ 100 جنيه وبتتباع بـ 500 جنيه.
نظرت إليه وهي تفكر بسعادة وقالت:
- ينفع تدخلني معاك شريك؟
أجابها بتوتر وقال:
- ممكن طبعًا بس طبعًا مكسبك على قد اللي هتشاركي بيه.
إنجي:
- خلاص أنا ممكن أفكلك وديعة لوجي على الفلوس اللي شايلاها في البنك وهدخل معاك بيهم المشروع بس خايفة للبنك يبعت ليوسف رسالة بفك الوديعة.
مروان:
- متخافيش أنا ليا واحد صاحبي في البنك اللي بيتعامل معاه يوسف هو هيظبط كل حاجة.
إنجي:
- بس أوعدني يا مروان إنك هترجعلي الفلوس بالمكسب ده أنا هديك كل اللي محوشاه غير فلوس بنتي.
ارتسمت ابتسامة على ملامحه فجذبها معانقًا إياها وقال:
- أوعدك يا حبيبتي بس على شرط.
إنجي:
- إيه؟
دفع جسديهما على الفراش وقال:
- احتفال صغير بمناسبة الشراكة.
قالها وانهال عليها بالقبلات... يغرقان معًا في ملذات محرمة مستسلمين لأهوائهم لشيطانهم الذي سيؤدي بهما إلى طريق نهايته الهاوية وقعرها الجحيم الأبدي.
***
توقف (التوكتوك) بداخل منطقة عشوائية... ترجل منه عبدالله الذي يتلفت يمينًا ويسارًا ثم ولج إلى بناء مظهره مريب يبدو إنه وكر للمجرمين وبائعي المحرمات...
دق على باب خشبي متهالك فوجده مفتوحًا... شعر بالقلق والريبة فنادى:
- مكاوي... يا مكاوي... مك...
قاطعه شخص دفعه بالداخل وأشهر في وجهه سكينًا.
مكاوي بصوت أجش:
- أنت مين ياض؟
التفت إليه عبدالله وقال:
- أنا عبدالله يا صاحبي.. أنت نسيتني ولا أنت مصطبح؟
اقترب من وجه عبدالله ليتمعن في ملامحه فأغلق السكين ثم وضعها في جيب بنطاله وقال:
- لا مؤاخذة يا صاحبي... الاحتياط واجب.
عبدالله:
- قولي عملت إيه في البضاعة؟
مكاوي وهو يحك ذقنه قال:
- عيب عليك يا نجم اتباعت ومكسبها عدى كمان.
عبدالله:
- طيب لايمني على الفلوس ألحق أوردها للمعلم ده قالب عليا الدنيا وباعتلي أشكال و.... على بيتي والجماعة عندي متعرفش اللي فيها.
ضحك مكاوي ساخرًا وقال:
- سيطرة سيطرة يعني.
عبدالله:
- بتتريق يا أخويا مصيرك هاتتجوز وهيبقى الحال من بعضه.
مكاوي:
- فال الله ولا فالك جواز مين دول حتى بوزهم فقر تعرف الواحدة منهم والنحس يلزق فيك بغراء.
عبدالله:
- يا شيخ اجري مين اللي هتبوصلك بوشك اللي دهسه قطر مليون مرة.
مكاوي:
- الله يسامحك يا صاحبي من حقك ما أنت حليوة وعينيك خضرا.
عبدالله بداخل نفسه:
- قل أعوذ برب الفلق... الله أكبر في عينك يا ابن البومة.
صاح بصوت مسموع وهو يضع يده على فم مكاوي:
- كفاااااااية هتحرق وأنا واقف.
تركه والتفت ليخرج من أسفل الأريكة جورب رائحته كريهة فأخرج منها رزمة نقود وقال:
- خد الفلوس أهي.
أخذها عبدالله بملامح مشمئزة وقال:
- أففف الله يقرفك ملقتش غير شرابك المعفن وتشيل فيه الفلوس.
مكاوي:
- ده تمويه يا صاحبي عشان ميجيش عيل ابن حرام يقلبني وأنا مش موجود.
عبدالله:
- لأ حويط يا أخويا.. يلا ألحق أنا بقى المعلم... سلام.
مكاوي:
- سلام والقلب داعيلك.
غادر عبدالله ولم يأمن غدر من يحتسبه صاحبًا.
مكاوي يتحدث في هاتفه:
- لسه خارج من عندي... ابقى سلملي على المعلم.
خرج عبدالله من البناء ليسير عبر أزقة وحواري ضيقة حتى يجد وسيلة مواصلات... شعر بخطوات تسير خلفه فتوقف ليلتفت وراءه فلم يجد أحدًا ليلتف مرة أخرى ليفاجئه شخص ملثم وجه له لكمة قوية فترنح عبدالله وكاد يقع إلى الخلف ليمسك به شخص آخر وقام بضربه وجاء ثالث.. قام ثلاثتهم بركله وسحله ولم يعطوه فرصة للدفاع عن نفسه...
- كفاية كده عليه المعلم قال علموه الأدب بس.
قالها الرجل لينحني ويضع يده في جيب عبدالله وأخذ النقود فأنزل لثامه وقال وهو ينظر لعبدالله الغارق في دمائه النازفة:
- متخلفش اللي يعمل نفسه دكر على برشامة يا... يا شبح.
نهض وبصق عليه ثم أردف:
- يلا بينا يا رجالة.
تركوه في حالة يرثى لها... تنعدم أمامه الرؤية حتى فقد وعيه.
***
- أنا يا ستي على طريق مصر إسكندرية الصحراوي.
قالها يونس وهو يقود سيارته.
كارين:
- وكنت بتعمل إيه بقى؟
يونس:
- كنت في مشوار في إسكندرية بقابل مزز هناك.
كارين:
- يوووونس... لم نفسك وقول كنت بتعمل إيه هناك.
يونس:
- هههههه... ده إحنا طلعنا بنغير أوي... بصي هقولك بس تقوليلي بحبك الأول.
انتابها الخجل فقالت:
- بطل بقى إيه جو العيال ده.
يونس:
- عيال!
.. طيب أنا عيل ومش هقولك ها...
كارين: والله يا يونس لو مقولتش أنت كنت فين هاروح الجاليري بتاعك وهقطعلك كل لوحاتك.
ضحك باستفزاز وقال: عم عليش أجازة النهاردة والجاليري مقفول.
لاحظ في المرآة الجانبية سيارتين تسيران خلفه.
كارين: سايبني أتكلم ومابتردش عليا.
يونس: سلام دلوقتي هاكلمك بعدين.
قالها ليضع الهاتف بجواره وظن أنه أنهى المكالمة.
كارين بصياح: يونس... يونس...
صمتت عندما دوى في مسمعها صوت إنذار سيارات.
حاوطت السيارتان يونس من الجانبين.
زفر يونس بحنق وقال: ودول عايزين إيه كمان!
فانطلق أسرع لكن لحقوا به مرة أخرى، فسبقته إحداهما ثم انعطفت حتى تجبره على الوقوف في منتصف الطريق... ضغط على مكابح سيارته فجأة حتى أصدرت صرير احتكاك الإطارات بالأسفلت.
فتحت أبواب كلا من السيارتين وترجل منها مجموعة من الرجال ذوي البنية الضخمة... انقبض قلبه وكاد يلتفت خلفه ليتراجع بسيارته إلى الخلف ليجد السيارة الأخرى تقف خلفه مباشرة.
نزل من سيارته فقال: عايزين مني إيه؟
تقدم نحوه رجل أصلع يرتدي حُلة ونظارة باللون الأسود، فقال بصوت غليظ: الباشا بيقولك ياريت تبعد عن اللي يخصه أحسنلك.
ثم وجه له لكمة قوية جعلته يقع أرضاً.
نهض وصاح بوجه الرجل وهو يمسك وجهه أثر اللكمة: باشا مين وحاجة إيه يا حيوان أنت؟
أشار الرجل للرجال الذين في انتظار أوامره وقال: احمد ربنا هو كان ناوي على موتك، بس ميمنعش أنه يسيبلك تذكار صغير عشان متفكرش تقرب منها تاني.
حاول النهوض قبل أن يمسكوا به لكن كانوا أسرع منه، ليتكاثروا عليه وينهالوا عليه بالضرب المبرح، ليطلق صرخة تردد صداها في تلك الصحراء القاحلة عندما قام أحدهم بكسر ذراعه... ابتعدوا ليعودوا أدراجهم تاركين ذلك العاشق المسكين غارقاً في دماء وجهه ورأسه يتلوى من ألم ذراعه.
كارين ما زالت على الهاتف تصرخ بجنون عندما أدركت ما حدث له... على وشك أن تفقد صوابها فأجرت اتصالاً بهيثم شقيق صديقتها وانتظرت حتى أجاب عليها فقالت: هيثم أرجوك تعالى بسرعة الحقني.
تتأمل في السماء ذلك القمر المنير... تلفح بشرتها نسمات الهواء العليل ويتطاير طرف ثوبها الأسود القصير... انتبهت إلى ذلك الصوت الذي يصدر من الطابق الأسفل، فإنها موسيقى عذبة تصدر من آلة الكمان بإحساس نابع من قلب مليء بالألم.
نهضت لترى مصدر الصوت فتأوهت عندما سارت على قدمها المصابة... فحاولت أن تستند على كل ما يقابلها حتى غادرت غرفتها وأمسكت بدرابزين الدرج تقفز هبوطاً على قدم واحدة حتى وصلت إلى أسفل، وتتلفت إلى مصدر الصوت فلاحظت إحدى الغرف بابها مفتوح قليلاً وبها إضاءة خافتة... دفعها فضولها للدخول إلى تلك الغرفة وهي تتحمل السير قفزاً على قدم واحدة حتى ولجت إلى الداخل فاتسعت عيناها بذهول وانبهار.
يقف في وسط الغرفة يمسك آلة الكمان التي يسندها على كتفه ويسند ذقنه فوقها... يعزف مغمض العينين بإحساس حزين ينبع من ذكريات الماضي الذي يطارده في أحلامه... ما زال يعزف بكل طاقة لديه حتى شعر بأن تجمعت أسفل جفونه المغلقة عبرات تريد النزول لكن يأبى ذلك، لا يريد الشعور بالضعف حتى لو أمام نفسه... بدأ يبطئ في العزف عندما وصل إلى أنفه عطرها الذي يميزه من بين آلاف العطور... انتهى من المعزوفة فقامت بالتصفيق له وقالت: برافو عزفك حلو أوي.
قال وهو يضع الكمان جانباً: معزوفة لأندري ريو من المسلسل الإيطالي The Godfather.
- آه عارفاها بس أول مرة أعرف إنك بتعزف كمان.
قالتها وهي تستند على البيانو.
ابتسم بعينيه الساحرتين واقترب منها وقال: أديكِ عرفتي... أنا بقى عارف إنك بتعزفي تشيللو.
رمقته باندهاش وقالت: وعرفت إزاي؟!
استند بمرفقه على البيانو بجوارها وقال: أنا كنت بحضر كل حفلاتك في الأوبرا وأنتِ بتعزفي.
قالها ثم ابتعد ليجلب شيئاً مغلقاً من إحدى الأركان، فقام بفتح سحاب ذلك الغطاء ليظهر منه آلة التشيللو.
اتسعت ابتسامتها وهي ترى تلك الآلة وقالت: واو واحشني أوي العزف عليه.
قالتها ليجذب أحد المقاعد وقام بحملها ليجلسها عليه وهو يحدق في عينيها، ثم شعرت بملمس يديه على ساقيها وهو يرفع طرف ثوبها لأعلى ثم أبعد فخذيها عن بعضهما فشهقت بخوف وخجل، لكن وجدته يضع الآلة ما بين ساقيها لتتمكن من العزف عليه... ابتعد ليجلس مقابلها فأمسكت بعصا الوتر لتبدأ في العزف بإحساس مرهف وهي توصد عينيها تعزف إحدى المقطوعات الشهيرة لأشهر عازفي تلك الآلة وهو العازف الكرواتي سبيستيان هاوزر.
انتهت من العزف ليقطع تلك الجلسة الفنية طرق على الباب... فنهض قصي مسرعاً وهو يأخذ منها الآلة ويضعها جانباً وينزل طرف ثوبها ثم قال: ادخل.
ولج ذلك الرجل الأصلع وقال وهو يخفض عينيه إلى أسفل: كله تمام يا باشا و...
قاطعه قصي بإشارة من يده وقال: اسبقني أنت على المكتب واستناني.
أومأ له الرجل وأذعن لأمره.
شعرت بأن هناك أمر ما ويعتريها إحساس بأنه يخص عائلة خالها فقالت باندفاع: هو كان بيقولك كله تمام على إيه؟
اقترب منها وهو يحملها على ذراعيه وقال: وعايزة تعرفي ليه؟
صبا وهي تتشبث به قالت: بسأل عادي.
ابتسم وهو يفهم ما يجول في عقلها فقال: دي مهمة كنت مكلفه بيها وعملها.
ابتلعت ريقها بتوتر وخشيت أن يكون حدث مكروه لأحدهم وخاصة آدم.
أردف قصي: يلا عشان أطلعك أوضتك وهخليهم يحضروا العشا ويطلعوه فوق عقبال ما هاروح أشوفه وأجيلك.
صبا: لأ أنا عايزة أتعشى في الجنينة.
أومأ لها وقال بنبرة عشق: سمعاً وطاعة يا ملكة قلبي.
نظرت إلى أسفل تتهرب من نظراته إلى أن وضعها على الأريكة الصغيرة وأردف: دقايق وراجعلك.
قالها وقام بتقبيل جبهتها وكاد يذهب، فأوقفته بصوتها الذي عزف على أوتار قلبه وهي تنطق حروف اسمه: قصي.
عاد إليها ليجثو أمامها على إحدى ركبتيه وأمسك بيدها وقال: نعم يا حياتي.
رمقته بتوتر تريد أن تريح قلبها لكن تعلم إنه لن يخبرها شيئاً، فحاولت بطريقة أخرى فوضعت كفها على ذقنه تتلمسها بحنان لتشعر بارتفاع درجة حرارته ونظراته الهائمة فقالت: عشان خاطري وحياتي عندك متأذيش خالي أو حد من أولاده دول مهما كان أهلي.
نهض ليقف بهيبته أمامها تاركاً يدها ووضع يديه في جيوبه وملامح وجهه لا تدل على أي تعبير... استندت على مسند الأريكة الجانبي ووقفت أمامه تسند يدها على كتفه لتتمكن من الوقوف وقالت بنبرة رجاء: أرجوك يا قصي.
التمعت عيناها التي على وشك البكاء... جذبها بين ذراعيه بقوة ودفن وجهه في عنقها وقال بداخل عقله: سامحيني يا صبا دي الحاجة الوحيدة اللي مقدرش أوعدك بيها لأن عمرك ما هتحسي بنار العذاب اللي جوايا.
بداخل إحدى المشافي الخاصة...
يدفع الممرضون ذلك التخت المعدني المتحرك متمدد فوقه يونس فاقداً للوعي...
كارين تبكي بشدة وهي تركض خلفهم ويلحق بها هيثم.
أوقفها الطبيب وقال: ممنوع الدخول يا فندم دي غرفة عمليات.
كارين بإصرار قالت: لأ... أنا مش هسيبه بليز يا دكتور.
هيثم وهو يمسك بيدها ويهدأها قال: كارين الدكتور عنده حق مينفعش، إحنا هنستناه هنا لغاية ما يخرج بالسلامة ونتطمن عليه.
تراجعت إلى الوراء لتسند بظهرها على الحائط وقالت بنبرة بكاء: أنا السبب... أنا السبب كنت عارفة اللي هيحصله وبرضو كملت معاه... آه يا حبيبي سامحني.
هيثم وهو يربت على كتفها مواسياً لها قال: اهدي يا كارين وادعي له والحمد لله إحنا وصلناله، تخيلي لو مكنتيش كلمتيه وسمعتي اللي حصله!
أتى في ذهنها كل شيء مكروه ممكن إنه كان يحدث له وتتذكر كلمات قصي التي جعلتها وقفت شاردة في الفراغ وبدون أن تتفوه ذهبت لينادي عليها هيثم: كارين... كارين... استني يا بنتي رايحة فين!!
كانت تركض وتدفع كل من يعارض طريقها حتى خرجت من المشفى وأشارت إلى سيارة أجرة فتوقفت لها لتدلف بالداخل وأخبرت السائق بالعنوان.
بداخل السيارة...
جيهان: أنا من رأيي نخليها زيارة عادية وأي حاجة نأجلها بعدين.
التفت لها عزيز الذي يجلس بجوارها في المقعد الخلفي وقال: أنا عارف بعمل إيه كويس... ولازم ابنك يعتذر للبنت.
قال آدم الذي يقود السيارة: والله يا بابا اعتذرت لها وهي ماقبلتش أعملها إيه بقى.
عزيز: عندها حق... الكلام اللي قولتهولها مش سهل إنها تنساه أو تسامحك عليه... وربنا يستر وميكونش عمك سالم عرف حاجة هيبقى شكلك وحش.
آدم: بابا متخلنيش أندم إني جيت معاكوا... قالها بصوت مرتفع.
صاح عزيز بغضب: وأنت كنت تقدر تقولي لأ!!!... أنا لولا بس رايحين الزيارة كان هيبقى ليا معاك تصرف تاني.
جيهان في محاولة تهدئة الأجواء: خلاص بقى اهدوا، وأنت يا آدم مفيهاش حاجة لما تكرر اعتذارك ليها، هي عايزة يكون الأسف من جواك مش مجرد إن باباك طلب منك كده.
آدم: حاضر يا ماما بس عارفين لو أحرجتني قدامكم هامشي ومش هعتب بيتهم ده تاني.
كاد عزيز يتفوه فسبقته جيهان وقالت: متقلقش هتقبل اعتذارك.
ثم قالت بداخل عقلها: لأن اللي بيحب بيسامح وياريت تحس بقلبها اللي قسيت عليه.
في شقة الشيخ سالم...
- طه... يا طه.
تنادي بها خديجة، فلم يجب عليها فذهبت لتراه فطرقت على باب غرفته فقال: نعم.
دلفت إلى غرفته وقالت: بنادي عليك مبتردش.
طه وهو يدثر نفسه بالغطاء قال: عندك كل اللي طلبتيه في المطبخ.
خديجة: طيب مش هتقوم تغير هدومك عشان هم زمانهم على وصول وأنت هتقابلهم.
قال طه بضيق: هم جايين يطمنوا على بابا مش عليا.
جلست بجواره وقالت: أنت لسه متضايق؟... انساها يا طه خلاص هي مش نصيبك، ويمكن ربنا يرزقك باللي تعوضك عنها وتحبك في الحلال.
كلماتها جعلته انتفض كلما يتذكر ما اقترفه مع سماح وأنه عليه أن يتزوجها بأسرع وقت ممكن.
- خديجة ممكن تخرجي برة وتسيبيني لوحدي ومتقلقيش لما يجوا هطلع هقعد معاهم... خلاص!!
تركته بهدوء لتذهب ترتدي حجابها الأخضر الزمردي وثوب باللون الرمال الذهبية... دلفت إلى غرفة والدها لتعطيه الدواء.
رن جرس الباب فنهض طه واعتدل من مظهره وذهب ليفتح الباب.
عزيز: السلام عليكم.
رد طه السلام.
جيهان: إزيك يا طه.
طه: الحمد لله... أهلاً يا جيهان هانم.
فدلف آدم خلفهما يحمل باقة أزهار وعلبة قالب حلوى.
آدم: مساء الخير.
طه: ليه التعب ده طيب.
آدم: دي حاجة بسيطة.
عزيز: سالم صاحي ولا نايم؟
طه: لأ صاحي هاروح له و...
أشار له عزيز وقال: لأ يا ابني خليه مرتاح إحنا هنقعد معاه جوه... بس ناديلي خديجة الأول.
رمقهم طه بتعجب فقال: حاضر يا عمي هادخل أنادي لها.
تجلس على طرف تختها تشعر بالتوتر منذ أن سمعت صوته بالخارج... دق طه الباب وقال: خديجة عمي عزيز عايزك بره.
ازدادت خفقات قلبها فأجابت: حاضر.
نهضت وهي تأخذ نفساً عميقاً وتزفره بهدوء... ألقت نظرة على مظهرها في المرآة كعادة كل البنات.
خرجت إليهم لتصافح عمها أولاً.
عزيز: أهلاً أهلاً بالقمر.
خديجة بخجل قالت: ميرسي يا عمي.
جيهان: أنا بقى زعلانة منك.. كده تمشي من غير ما تقوليلي؟
تصنعت شبه ابتسامة وقالت: وأنا ميهونش عليا زعلك يا طنط جيجي.
قالتها وعانقتها بحب، وكانت جيهان تنظر لآدم باللوم وعتاب.
تنحنح آدم وقال: احم... إزيك يا خديجة.
لم تنظر إليه وقالت: الحمد لله... واقفين ليه اتفضلوا اقعدوا.
عزيز: إحنا هندخل نقعد مع الشيخ سالم جوه بس كنت عايزك في حاجة.
قالها ثم أشار بعينيه لآدم الذي جز على فكه ثم اقترب منها وهو يقدم لها باقة الأزهار وقال: حقك عليا أنا آسف.
وأخفض صوته في الكلمة الأخيرة وكأنها تخرج من روحه وليست شفاه.
رمقته للحظات فقال عزيز:
- وحقك عليا أنا كمان يا بنتي، وآدي راسك أبوسها.
قالها وقبلها فوق حجابها.
خديجة بخجل:
- حقك ع راسي يا عمي، أنا مش زعلانه.
جيهان:
- أنا عارفه ابني وقت غضبه بيبقى زي الحداد اللي بيقرب منه بينكوي بناره، بس هو طيب وحس بغلطه... وأتمنى تكوني سامحتيه.
ابتسمت خديجة وقالت:
- متقلقيش يا طنط أنا مسمحاه، إذا كان نبينا الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام كان بيسامح من أساء إليه من الكفار.
قهقه عزيز ثم قال لآدم الذي ابتسم وبداخله ود لو يدفس الورود بفمها:
- أهي شبهتك بأبو لهب... الله يحظك يا خديجة.
فقال آدم بداخل عقله: "أنا تشبهيني بالكفار!! أما وريتك عذابهم ع حق مبقاش أنا آدم البحيري".
أعطى لها باقة الأزهار فأخذتها وقالت:
- شكراً.
ذهب جميعهم إلى سالم، وفي الخلف خديجة وطه الذي همس لها:
- هي إيه الحكاية؟ ورد واعتذار... هو عملك حاجة؟
خديجة بهمس قالت:
- هبقى أحكيلك بعدين.
جلسوا مع سالم يتسامرون ويتبادلون الضحكات، بينما ذهبت خديجة إلى المطبخ لتحضر الفواكه والعصائر وتضع الحلوى بالأطباق... قدمت كل هذا، وفي طريقها وهي تحمل صينية العصير سمعت عزيز وهو يقول:
- وبمناسبة رجوعك لبيتك بالسلامة زيادة الفرح فرحين، ومن غير مقدمات إحنا بنطلب منك إيد خديجة لآدم ابني ع سنة الله ورسوله.
سالم والسعادة في كلماته جلية:
- دي بنتك يا عزيز وآدم ابني، ومن غير ما تسألني طبعاً عمري ما هتمنى زوج صالح ليها أحسن من آدم.
رمق آدم والدته بصدمة من والده الذي وضعه أمام الأمر الواقع، وجيهان تنظر لابنها وكأنها ترجوه بأن يتماسك وألا يتهور بقول أو فعل أحمق.
عزيز:
- يبقى كده فاضل نعرف رأي العروسة.
ولحظة دخولها وضعت الصينية أمامهم بيدٍ مرتجفة، فأردف عزيز:
- إيه رأيك يا عروستنا؟
ابتلعت غصتها ونظرت إليهم، لتجد آدم ينظر إلى الأرض وساقه تهتز بغضب، فقالت:
- مش موافقة.
***
نهض من جوارها بعدما غلبها النوم، طبع قبلة رقيقة فوق شفتيها ثم دثرها بالغطاء وقال:
- تصبحي ع خير يا صبا روحي وقلبي.
غادر الغرفة ليهبط الدرج ويذهب إلى غرفة مكتبه ليتابع بعض أعماله، لا سيما تلك الصفقات التي سيطيح بها باسم آل البحيري... فهل سيتمكن من ذلك؟
***
بالخارج أمام بوابة القصر ترجلت من سيارة الأجرة... فتح الحارس لها البوابة وقال:
- أهلاً وسهلاً يا كارين هانم.
تابعت سيرها للداخل ولم تجب حتى دخلت إلى القصر، ومن ثم اتجهت إلى مكتبه عندما رأت إضاءته من أسفل الباب.
دفعت الباب بقوة وأصوات أنفاسها المرتفعة ومظهرها كمن فقدت عقلها.
- يا ريت تكوني اتعلمتي الدرس وعقلتي.
قالها قصي ببرود أثار غضبها أكثر.
اقتربت منه ليقف أمامها، فصاحت في وجهه وقالت:
- أنا لحد قبل اللي عملته ف يونس كنت بعتبرك أخويا، لكن بعد اللي عملته فيه أنت لا أخويا ولا أعرفك، ومن النهاردة انسى إن ليك أخت.
قهقه باستفزازية وقال:
- أنا جيتلك لحد عندك وحذرتك وأنتي اتحدتيني فمتلوميش غير نفسك.
احتدت عينيه واستطرد حديثه:
- احمدي ربنا إن لسه فيه الروح.
لم تشعر بيدها سوى وهي تهوي ع وجهه بصفعة قوية.
رواية صراع الذئاب الفصل السادس عشر 16 - بقلم ولاء رفعت علي
يدلف إلى المطبخ باحثًا عن أي شيء يأكله، فلم يجد سوى بقايا أطعمة تنبعث منها رائحة حمضية... فتأفف ثم قال بضيق:
- وبعدين في السفيرة عزيزة اللي نايمالي لحد الضهر دي.
ذهب ودخل إلى الغرفة ليجدها ما زالت نائمة... فلكزها بغلظة وقال:
- قومي يا حلوة كل ده نوم.
استيقظت بفزع وهي تشعر بوخز في ذراعها من أنامله التي كادت تخترق بشرتها الناعمة. صاحت بها رحمة:
- إيه التخلف ده؟ فيه حد يصحي حد نايم كده!!!
جز على أسنانه وقال:
- مين اللي متخلف يا بنت الـ...؟؟؟
نهضت وهي تقف على الفراش بركبتيها وصاحت بتحدٍ:
- أهو أنت اللي ابن...... ومتشتمنيش بأبويا الله يرحمه تاني.
وما إن تفوهت هكذا، حتى تحول ذلك العادل إلى وحش كاسر، ليجذبها من خصلاتها بقوة، فصرخت بأعلى صوتها:
- اااااااااه... سيب شعري يا حيوان.... ااااااه.
أخذ يصفعها على كل مكان بجسدها وهي تصرخ تحاول التملص من قبضته، ويل لها من خصلاتها التي كادت تقتلع في يده، أو ويلها من يده التي تشبه مطرقة الحداد في قوة ضربها.
وفي منزل عديلة بالأسفل...
فاتن تقف أمام المرآة تقوم بفرد شعرها بمكواة الشعر... ليأتي من خلفها شقيقها الأوسط ويصفعها على مؤخرة رأسها.
صاحت بها فاتن:
- ما تلم نفسك يا علاء، وقسمًا بالله لو ضربتني بالقفا تاني لهقول لأمك على الفيديوهات إياها اللي لقيتها على موبايلك.
جذبها بعنف من ذراعها وقال:
- وأنتي يا روح أمك بتفتشي في موبايلي ليه وبتتفرجي كمان... ده أنتي كده عيزالك علقة مش قفا.
وكاد يعتدي عليها بالضرب، فأمسكت المكواة وقامت بتهديده:
- وربنا لو قربت مني لألسعك بالمكواة في وشك الحلو ده.
قالتها عديلة:
- أنتي يا زفتة حسك جايب لآخر الحارة.
فاتن:
- يعني عجبك ابنك اللي بيعمله ده!!!
علاء:
- وهكسر رقبتك لو ما احترمتيش نفسك معايا.
أشارت إليهم عديلة بالصمت حينما وصل إلى مسمعها صوت صرخات رحمة، ثم صوت عادل الذي يسبها بأفظع الشتائم والسباب.
عديلة بصياح:
- ناوليني الطرحة يا بت لما أطلع أشوف بنت الرفدي عملت في أخوكي إيه.
أعطتها فاتن الحجاب وقالت:
- هي برضو؟ ده ابنك شكله بيفرمها فوق.
ركض ثلاثتهم وصعدوا للأعلى... أخرجت عديلة المفتاح من فتحة الصدر لعباءتها وقامت بفتح الباب.. لتقع أعينهم على رحمة الملقاة في الأرض وخصلات شعرها مشعثة وثيابها ممزقة، يكاد يغطي مفاتنها ثيابها الداخلية. وقف علاء محدقًا بها بنظرات شفقة وحزن، ليخلع قميصه ويعطيه لشقيقته لتستر جسد تلك المسكينة... ركضت نحوها فاتن وهي تساعدها في النهوض، ووضعت فوقها القميص وتدخلها غرفتها.
عديلة:
- عملتلك إيه بنت البوسطجي خلاك تحرق دمك كده؟؟؟
كان يجلس يلتقط أنفاسه بصوت مرتفع وقال بعد لحظات:
- صاحي من صباحية ربنا وسايبها نايمة، قومت فطرت وقعدت شوية قدام التليفزيون، قولت هتصحى تشوف اللي وراها وتجهز الغدا، برضو نايمة. روحت أحضرلي أي حاجة أتصبر بيها، لقيت سايبة الأكل من يوم الدخلة على البوتاجاز لحد ما حمض... جيت أصحّيها علت صوتها وبتشتمني كمان.
عديلة واشتد حنقها دلفت إلى الغرفة كالعاصفة، فوجدت فاتن تحتضن رحمة التي تبكي وتشهق بقوة.
عديلة بنبرة غاضبة:
- فاكرة نفسك السفيرة عزيزة يا حلوة؟ مبتقوميش ليه تخدمي جوزك؟ ولا هو متجوزك عشان تنامي 24 ساعة!!
لم تجب عليها وما زالت تبكي... صاحت بها عديلة وهي تلكزها بغل في كتفها:
- لما أكلمك تردي يا بت.
قالتها فاتن وهي تحمي رحمة بوضع يدها حاجز:
- حرام عليكي ياما، مش كفاية اللي ابنك عامله فيها.
عديلة:
- حرمت عليكي عيشتك منك ليها... قومي يا بت من هنا وسيبيني أفهم بنت الـ..... دي هي عايشة هنا تخدم ابني وتشوف طلباته.
نهضت رحمة وهي تتحامل على آلام جسدها وصرخت بصوت غاضب:
- كفاااااية بقى أنا عملتلك إيه؟.. اتقي الله ده أنتي عندك بنت مش خايفة يحصل فيها نفس اللي بتعمليه فيا أنتي وابنك.
رمقتها فاتن بشفقة وحزن... لكن عديلة حدقت بها بشر وقالت:
- لأ مش خايفة؛ لأن بنتي محترمة مش و...... زيك، وخطيبها مقفشهاش مع واحد في الجنينة.
مسحت عبراتها ولم تظهر ألم قلبها من تلك المعايرة والإهانة فقالت:
- طيب لما أنا و....... زي ما بتقولي، ليه جوزتيني ابنك؟
ثم صرخت بصوت مدوٍ وأردفت:
- ولا عشان ابنك مش راجل ولا محصل حتى الولايا.
وكادت تهجم عليها، ليدفع عادل الباب وهو يصيح ويسب:
- مين ده اللي مش راجل يا بنت الـ...... يا و........
لحق به علاء الذي وقف لشقيقه وقال:
- خديها يا فاتن على تحت بسرعة.
جذبتها فاتن من يدها وغادرا مسرعين... وعلاء كان يمسك بشقيقه ووالدته، فعلى الرغم من أنه يصغر شقيقه بثلاث سنوات لكن يتمتع ببنية جسدية قوية.
- سيب إيدي يا ولة، دي آخرتها بتمد إيدك على أمك!!
ترك يدها ثم قال:
- مش قصدي ياما، لكن لو سبتك أنتي وابنك كنتو موتو البت.... حرام عليكو.
عادل:
- يعني ما شايف بتقول إيه!!!
علاء:
- معلش امسحها فيا المرة دي... بس خد بالك البت دي لو حصلها حاجة هتروحو في داهية... وأنتي ياما راعي إن عندك بنت زيها، ده كلها شهر وفاتن تتجوز، يرضيكي يحصل فيها كده؟؟
عديلة:
- بنتي لو قليلة الرباية تستاهل قطم رقبتها، بس الحمد لله بنتي متربية.
علاء:
- ربنا يهديها ويهديكي ياما، وخفي على البت شوية.
عديلة:
- خليك في حالك أنا عارفة بعمل إيه... وأنت يا واد يا عادل تعالى يا ضنايا اتغدى معايا، أنا عاملة كل اللي بتحبه.
زفر علاء بسأم، ثم أخذ يتذكر ملامحها الباكية ونظراتها الحزينة التي تقطع القلوب لأشلاء أسفًا عليها... حك فروة رأسه وقال لنفسه:
- أنت عبيط ولا إيه؟ دي مرات أخوك يا أهبل.
زفر بتأفف وذهب قبل أن تحدث كارثة أخرى بالأسفل.
تهبط الدرج وهي تستند على ساعد مربيتها...
زينات بنبرة سأم:
- مكنش ليه لزوم تنزلي يا بنتي، أنا بجبلك طلباتك لحد عندك.
صبا:
- مش هفضل محبوسة في أوضتي لحد ما قصي يرجع، أنا مخنوقة وعايزة أقعد شوية في الجنينة.
تنهدت زينات فقالت:
- على راحتك يا بنتي.
وما إن وصل كلتاهما أسفل الدرج، حتى أتى صوت صرخات أنثوية تصدر من القبو... عقدت حاجبيها وتساءلت:
- إيه الصوت ده يا دادة؟ هو قصي حابس حد من الشغالين تحت؟؟
زينات وهي تحاول إخفاء الأمر:
- د.. ده هتلاقيه حد مشغل راديو ولا تليفزيون.
- افتحووووو... عايزة أخرج من هنااااا.
صرخت بها كارين حيث ألقاها قصي منذ الأمس بداخل غرفة بالقبو عقابًا لها. أخذت تبكي بيأس وأسندت ظهرها على الباب وهي تقول:
- أنا عايزة أخرج.. عايزة أشوفه وأطمن عليه.. حرام عليك.
ظلت ترددها بصوت ينخفض تدريجيًا.
بالخارج، بعد إصرارها هبطت إلى القبو لترى ما يحدث...
صبا وهي تشير إلى ذلك الحارس ذو الجسد الضخم:
- افتح الباب ده.
الحارس وبدون أن ينظر لها:
- آسف يا هانم، ممنوع دي أوامر الباشا.
صاحت بغضب:
- أوامره دي عليكو مش عليا، افتح أحسنلك.
الحارس:
- آسف يا هانم مقدرش.
انفرجت أساريرها عندما سمعت صوت صبا، فنهضت وصاحت وهي تضرب بكفيها على الباب:
- صبا... افتحي أرجوكي.
زفرت بغضب عندما وجدت لا فائدة منه، فلاحظت وجود سلاح معلق بحزامه... فاقتربت منه لتشتت انتباهه وقالت:
- خد بالك هقول للباشا بتاعك إنك منعتني، ولما حاولت، مديت إيدك عليا، وأنت عارف كويس عقابك هيبقى إيه ساعتها.
توتر الحارس وتبدل لونه للاصفرار وكاد يتفوه، فجذبت منه السلاح بخفة يد وصوبته نحوه وصاحت بقوة:
- افتح البااااااب.
الحارس بنبرة رجاء:
- أرجوكي الباشا لو عرف هيقتلني.
صبا:
- أنت كده كده ميت، افتح وإلا...
وجهت فوهة السلاح صوب رأسها وقالت بتهديد:
- هتفتح ولا....
أوقفها رافعًا كفيه باستسلام وقال:
- حـ.. حاضر، هاتي المسدس الأول.
صبا:
- مفيش زفت غير لما تفتح الباب.
أذعن لتهديداتها فقام بفتح القفل، فدفعته جانبًا وولجت إلى الداخل.
كارين وهي ترتمي على صدر صبا تبكي:
- صبا أرجوكي خرجيني من هنا.
قالتها وهي تتشبث بها.
ربتت صبا على ظهرها وقالت:
- اهدي يا حبيبتي بس، وفهميني حصل إيه، وليه قصي حبسك هنا؟؟
قالتها وعيناها تتفحص المكان المحفور في ذاكرتها بذكريات مؤلمة، لاسيما ذلك التخت المعدني الذي يشهد على اعتدائه عليها... شعرت بالاختناق من وجودها في هذه الغرفة فقالت:
- يلا تعالي نخرج من هنا.
الحارس:
- ممنوع يا هانم.
صاحت صبا في وجهه وقالت:
- غور من وشي.
قالتها وهي تسير بعرج وتستند على كارين، وغادرا الغرفة وصعدوا للأعلى.
كارين وهي تلتفت من حولها ثم همست إلى صبا:
- أرجوكي خليني أمشي من هنا، عايزة أروح أطمن عليه.
صبا:
- فهميني بس وأنا هعملك اللي أنتي عيزاه، بس تعالي ندخل المكتب لحد يسمعنا.
وبداخل المكتب... سردت كارين لها كل ما حدث تحت نظرات صبا المصدومة...
كارين:
- أنا هتجنن يا صبا، دلوقتي يونس زمانه خرج من العمليات من إمبارح ومعهوش حد، ومعرفش خالك يعرف ولا لأ.
صبا:
- أخوكي مانع الموبايلات كلها من الشغالين عشاني.
كارين:
- أنا مش عايزة موبايل، أنا عايزة أخرج من هنا.
ابتسمت صبا بتهكم وقالت:
- كنت عرفت أنا أهرب على الأقل.
كارين وهي تمعن التفكير في كيفية الهروب فقالت:
- أنا عندي فكرة بس تساعديني، بس بسرعة عشان بالتأكيد بلغوا قصي إنك خرجتيني من الأوضة.
صبا:
- قولي وربنا يستر.
كارين:
- .......
تضغط زر الجرس بتواصل ويدها الأخرى تطرق بقوة. فتح طه الباب بفزع ليجد الطارق شيماء تبكي وتقول:
- الحقني يا طه... عبد الله.
قالتها ثم انهارت بالبكاء أكثر.
ركضت خديجة نحوها وجذبتها للداخل وقالت:
- مالك يا شيماء في إيه؟
طه:
- فهميني عبد الله عاملك حاجة؟؟؟
أومأت بالنفي وقالت:
- لأ، عبد الله خرج إمبارح ومرجعش وموبايله كان مقفول، روحت لأبويا لقيته مسافر البلد، فضلت مستنية قولت يمكن يرجع، والنهاردة لقيت رسالة جاتلي بتقول موبايله متاح، فاتصلت عليه لقيت راجل كبير بيقولي إنه في المستشفى؛ لأن لقاه مرمي في الشارع سايح في دمه.
طه:
- ثواني هغير هدومي وجاي معاكي.
خديجة:
- وأنا جاية معاكو.
طه:
- لأ خليكي أنتي عشان بابا مينفعش يقعد لوحده.
شيماء:
- حمد الله على سلامة عم سالم، معلش أنا اتلهيت في عبد الله.
خديجة:
- ولا يهمك يا حبيبتي وربنا يطمنك عليه.
شيماء:
- يارب آمين.
طه وهو يخرج من غرفته متجهًا نحو الباب ليرتدي حذاءه قال:
- يلا يا شيماء.
عانقتها خديجة وقالت:
- بطلي عياط واذكري الله وادعيله، وإن شاء الله هتلاقيه بخير.
شيماء:
- يارب آمين.
خرجت شيماء ثم يليها طه، لتوقفه خديجة وتهمس إليه وهي تضع في جيب بنطاله شيئًا.
خديجة:
- خلي معاك دول عشان لو احتاجتو حاجة.
طه:
- أنا معايا متقلقيش.
خديجة:
- برضو أنت مش ضامن الظروف، وخلي بالك منها وابقى طمني لما توصلوا له.
طه:
- حاضر وأنتي خلي بالك من بابا واقفلي الباب كويس... سلام.
خديجة:
- في حفظ الله.
هبط الدرج... وكادت تغلق الباب لتجد سماح تخرج دلو القمامة أمام الباب وقالت:
- ازيك يا آنسة خديجة، الحاج عامل إيه؟
خديجة:
- الحمد لله بخير.
سماح:
- أنا وخالتي هنيجي نطمن عليه شوية كده، هيكون صاحي ولا نايم؟
خديجة:
- ملهوش لزوم التعب، أنا هبلغه إنك بتسألي عليه.
سماح:
- لأ طبعًا زيارة المريض واجب، ومتقلقيش مش هنطول عليه عشان مش نزعجوه... ولو محتاجة أيتها حاجة قوليلي إحنا جيران برضو.
ارتسمت على وجه خديجة شبه ابتسامة وقالت:
- شكرًا لحضرتك... عن إذنك.
قالتها ثم أغلقت الباب.
سماح بنبرة توعد:
- مالها كل ما تشوفني مش طيقاني وبتكلمني من تحت ضرسها... ماشي صبرك عليا، أخوكي يتجوزني بس وأنا هعرفك تتكلمي معايا إزاي.
- بتكلمي نفسك يا هبلة...
قالتها خالتها التي وصلت لتوها تحمل أكياس ابتاعتها من السوق.
سماح وهي تفسح لها مجالًا للدخول قالت:
- متاخديش في بالك دي أشكال عايزة تتربى وأنا اللي هربيها.
صباح:
- يا اختي اتوكسي روحي شوفي اللي روحتي رميتي نفسك في حضنه... لسه شايفاه راكب تاكسي ومعاه واحدة وإنتي هنا نايمة على ودانك.
سماح:
- إنتي متأكدة من اللي شوفتيه ده؟؟؟
صباح وهي تلقي بالأكياس على المنضدة وتجلس لتريح قدميها قالت:
- بقولك لسه شايفاهم بعينيا إلهي اتعمي لو كنت بكدب عليكي.
سماح وقد اشتد حنقها وثار غضبها قالت:
- وديني وما أعبد لهطربقها على دماغه النهاردة الجربوع المعفن ده.
صباح:
- ناوية على إيه يا بنت سيدة؟؟
سماح وهي تحدق بشر وتوعد قالت:
- هتغدى بيه قبل ما يتعشى بيا.
***
في داخل المستشفى الحكومي...
- خليكي واقفة هنا لما أسأل حد من الاستعلام أو الممرضين.
قالها طه.
شيماء وهي تمسح عبراتها بالمحرمة:
- لأ رجلي على رجلك.
زفر بضيق وقال:
- طيب تعالي.
طه:
- لو سمحت في واحد جالكوا إمبارح اسمه عبدالله أمين الخولي.
الموظفة وهي تنظر إلى الدفتر قالت:
- عبدالله أمين...
وظلت ترددها حتى توصلت إلى الاسم وأردفت:
- اه موجود في الدور التاني في عنبر الطوارئ على إيدك اليمين.
طه:
- شكرًا.
قالها وصعد مع شيماء إلى أن وصل كليهما إلى العنبر، حتى وجدوا عبدالله راقدًا فوق التخت رأسه يحاوطه الشاش الطبي وذراعه معلقة على حبل حول رقبته، ووجهه مليء باللاصقات الطبية، ويجلس بجواره رجل في الخمسينات يرتدي جلبابًا وعمة فوق رأسه...
- عبدالله حبيبي مين اللي عمل فيك كده؟؟؟
قالتها شيماء بلهفة وبكاء وهي تجلس بجواره.
تأوه عبدالله بألم:
- حاسبي يا شيماء أنا مش مستحمل.
شيماء:
- آسفة يا حبيبي...
ثم نظرت إلى الرجل.
الرجل:
- أهلاً يا بنتي أنا أبقى عمك خليفة اللي كلمتك على المحمول.
طه:
- مين اللي عمل فيك كده؟؟
نظر إليه عبدالله ليفهم طه أنه لا يريد التحدث أمام شيماء... فقال:
- مش قادر أتكلم... اااه.
شيماء:
- أنا هاروح أشوفلك الدكتور بسرعة.
خليفة:
- خديني معاكي يا بنتي لأجل أطمن على ولدي اللي في العمليات.
جلس طه بالقرب من عبدالله وقال:
- احكي بسرعة قبل ما مراتك تيجي.
عبدالله بنبرة واهنة:
- كنت باخد فلوس مصلحة وطلع عليا ولاد الحرام وعملوا فيا زي ما أنت شايف، بس المصيبة خدوا الفلوس ودي بتاعت ناس وهاروح في داهية لو مسلمتهاش.
رمقه طه بحدة وقال:
- مصلحة ولا الزفت اللي بتشربه وبتاجر فيه.
أشاح بوجهه إلى الجهة الأخرى ولم يُجب.
طه:
- فعلاً اللي فيه داء عمره ما هيبطله... تستاهل اللي جرالك... مش خايف لو مراتك وأبوها يعرفوا!! ولا لو أبويا عرف هيبقى منظرك إيه قدامه وأنت حالف إيمانات إنك ما هتقرب من الزفت ده تروح تتاجر فيه!!
تأفف عبدالله وقال:
- هو أنا بحكيلك عشان تأنب فيا؟ أديك شايف الحال والجوازة اللي مكنتش حاسب ليها، وبكرة شيماء تبقى حامل ومصاريف وقرف ملهوش أول من آخر، تقدر تقولي أجيب منين؟؟؟ ولا عايزني استنى أبوها يصرف علينا!!
طه بنبرة لوم:
- يا عم وأنت بتفكر في كل ده مفكرتش لو الحكومة مسكتك هيحصلك إيه؟ دي أقلها تأبيدة.
عبدالله:
- نقطني بسكاتك وخليك في حالك محسسني إنك ماشي على الصراط المستقيم.
طه:
- بس عمري ما اشتغلت في الحرام وبشتغل وبصرف على نفسي بعرق جبيني، وكان بإمكاني أمشي في سكتك بس العمر مش بعزقة عشان أخاطر بيه.
عبدالله بسخرية قال:
- فالح يا أخويا عشان كده قدرت تحافظ على رحمة وياريتك عرفت تتجوزها.
طه وهو يجز على أسنانه قال:
- أنا هراعي اللي أنت فيه وإنك واخد خبطة على دماغك مخلياك تهرتل بالكلام، غير كده كنت سيبتك زي الكلب وانسى إنك صاحبي.
زفر عبدالله وقال:
- حقك عليا يا صاحبي متزعلش مني.
طه:
- طيب اسكت عشان مراتك جاية.
شيماء وهي تلهث:
- الدكتور عنده حالات في عنبر تاني ولما هيخلصها هيجي.
طه:
- تعالي اقعدي جنبه وأنا هاروح مشوار وجاي على طول.
جلست شيماء بالقرب منه وهي تمسك بيده السليمة وقبلتها وقالت:
- كده تخضني عليك؟؟
عبدالله:
- معلش يا حبي قدر ومكتوب.
شيماء:
- مقولتليش مين اللي عمل فيك كده وأنت كنت فين أصلاً؟ عم خليفة قالي إن الإسعاف جابتك من حتة كلها وش وعوء مليانة تجار مخدرات وممنوعات... إياك تكون رجعت للهباب ده تاني؟؟؟
عبدالله:
- يوه يا شيماء إنتي مش شايفة منظري ونازلة فيا سلخ حرام عليكي.
رمقته بامتعاض وقالت:
- براحتك يا عبدالله بس مصيري أعرف كل حاجة بس ساعتها متزعلش مني.
***
في قصر البحيري...
تخرج من غرفتها بالمنزل الملحق بالقصر مرتدية ثيابًا مهندمة... خرجت إلى الحديقة ثم إلى داخل القصر تبحث عن رئيستها في العمل حتى وجدتها بالطابق العلوي.
ياسمين:
- مدام سميرة أنا بستأذن حضرتك رايحة المشوار اللي قولتلك عليه.
سميرة:
- استأذنتي من مدام جيهان الأول؟
ياسمين:
- اه طبعًا... متقلقيش مش هتأخر.
قالتها ثم ذهبت ولم ترَ ياسين الذي كان يسترق السمع فقرر أن يتبعها ليرى إلى أين تذهب...
غادرت القصر وظلت تسير حتى تجد سيارة أجرة... وانتظرت كثيرًا لتتوقف لها سيارة واستقلتها أخيرًا.
السائق:
- على فين يا آنسة؟
ياسمين:
- رمسيس يا أسطى لو سمحت.
انطلق السائق وخلفه ياسين بسيارته ذات اللون الفضي.
وبعد السير وازدحام المرور توقف السائق بالقرب من محطة مصر... ترجلت من السيارة لتجد والدتها في انتظارها.
ياسمين:
- إزيك يا ماما.
والدتها:
- ماما!! والله ولسانك خد على عيشة السرايا والبهوات... ها فين الفلوس؟؟
أخرجت من حقيبتها مبلغًا من المال وأعطته لها وقالت:
- اتفضلي.
اختطفت منها النقود والحقيبة وقالت:
- بتضحكي عليا بشوية جنيهات.
ياسمين بصدمة قالت:
- بتعملي إيه أنا اديتلك ألف جنيه ومش عاجبك.
أخذت محفظتها وفتحتها رغمًا عنها في محاولة من ياسمين وهي تأخذها منها:
- سيبي حرام عليكي دي الفلوس اللي هجيب بيها لبس الجامعة ومصاريفي.
والدتها:
- لبس إيه يا بت ابقى خدي من السنيورة الصغيرة فستانين ومشي حالك..
قالتها وألقت في وجهها الحقيبة والمحفظة وأخرجت ورقة مالية وقالت:
- خدي 100 جنيه دي عشان تروحي.
ياسمين بنبرة باكية:
- إنتي ليه بتعملي فيا كده؟ ده إنتي المفروض تاخديني من إيديا وتشتريلي هدوم زي أي أم بتعمل مع بنتها وتكون فرحانة ليها.
ضحكت بسخرية وقالت:
- عشان إنتي مش بنتي، إنتي طول عمرك وإنتي بنت أبوكي بتحبيه وفضلتيه عليا، ولا كأن البطن اللي شالتك ولا رضاعتي ليكي طمروا فيكي.
صاحت بغضب وقالت:
- عشان عمرك ما حبتيني ولا حبيتي بابا، ومهما كان بيرضيكي مكنتش بتحمدي ربنا وبتبصي دايمًا للي في إيد غيرك... وأول ما تعب بيعتيه واتطلقتي منه وروحتي لواحد مايسواش في سوق الرجالة قرش واحد واتجوزتيه ومخليكي دايرة بتشحتي من الناس.
صفعتها والدتها بقوة وصاحت بها:
- اخرسي.
- عرفتي ليه أنا بنت بابا الله يرحمه؟؟... عشان عمري ما حسيت إن أنا بنتك غير اسمك اللي مكتوب في شهادة ميلادي وبس...
قالتها بصوت مختنق مليء بالألم.
ركضت ياسمين مبتعدة لا تعلم أين ستذهب... شعرت بالانهيار والتعب وجلست على الرصيف وظلت تبكي... فرفعت وجهها عندما أحست بشخص يقف أمامها ويد ممدودة إليها.
تلاقت عيناها الباكية برماديتيه... مدت يدها ليده ونهضت وهي تمسح عبراتها:
- ياسين بيه!! اللي جابك هنا؟
ياسين:
- جيت عشانك وبقولك اطمني أنا جنبك ومحدش يقدر يأذيكي طول ما أنا عايش.
ياسمين:
- أنت سمعت اللي حصل؟
أومأ لها وضمها نحو صدره وربت على ظهرها وقال:
- أنا هعوضك عن كل القسوة اللي شوفتيها.
ابتعدت عنه بخجل وقالت:
- ممكن نروح؟؟
أمسك يدها وذهب نحو سيارته وفتح الباب لها فدلفت إلى الداخل وكذلك هو في الجهة الأخرى... وبعد مسافة من الطريق توقف أمام مجمع تجاري شهير...
ياسين:
- انزلي هنا واستنيني هاركن العربية وجايلك على طول.
رمقته باندهاش وقالت:
- وقفنا ليه هنا؟
ابتسم من طيبتها وقال:
- لما هندخل السنتر هتعرفي.
كانت كالطفلة وهي ممسكة بيده تنظر من حولها بانبهار تتأمل المتاجر ومعروضاتها خاصة التي تعرض ثياب الفتيات التي تناسب عمرها... توقفت وتركت يده لتتسمر أمام لوح زجاجي يعرض خلفه ثوبًا باللون الوردي مطعمًا باللؤلؤ على الصدر والأساور والأطراف.
يتأملها بسعادة وهي تنظر إلى الثوب فجذبها من يدها ودلف بها إلى داخل المتجر.
جاءتهم فتاة ترتدي ثيابًا أنيقة وقالت بنبرة رقيقة:
- تؤمر بحاجة يا فندم؟
ياسين:
- عايز الفستان وكام فستان زيه لخطيبتي...
قالها وهو يضم ياسمين إليه من كتفيها.
اتسعت عيناها لم تصدق ما تفوه به وقالت:
- ياسين أنا....
قاطعتها الفتاة وقالت:
- تعالي يا فندم عشان تقيسي الفساتين في البروفة.
ذهبت معها ولكنها في حالة تشبه الحلم تحت نظراته وهي تحدق به حتى اختفت بداخل غرفة القياس.
***
- متأكدة إنك هتعرفي تهربي من بوابة الشغالين؟؟
قالتها صبا.
كارين وهي تغلق زر قميصها حيث ترتدي زي الخادمات:
- متقلقيش زمان الحرس اللي على البوابة بيتغدوا دلوقت واللي موجود حارس واحد بس.
صبا بقلق قالت:
- طيب لو وقفك وسألك رايحة فين؟
كارين:
- هقوله رايحة أشتري حاجات، عمومًا مبيدققوش مع الشغالات.. بس إنتي ابقي راقبيلي الجو من البلكونة عندك لحد ما أخرج أوك؟؟
صبا:
- حاضر خلي بالك من نفسك وأنا هحاول أوصل لخالي وهاطمن على يونس.
عانقتها كارين وقالت:
- وإنتي خدي بالك من نفسك... وعلى فكرة قصي بيحبك أوي، أي نعم مش طيقاه بسبب اللي عمله بس عمري ما أتمناله الأذى وأتمنى إنك تغيريه للأحسن.
تنهدت صبا وقالت:
- ربنا يسهل.
هبطت كارين الدرج حتى وصلت إلى الباب.
- خطوة كمان وهخلي ممرضة بنت حلال تديله حقنة هواء في المحلول، وأظن إنك أكتر واحدة عارفة بقول الكلام مرة واحدة بس...
قالها قصي بصوت جهوري مرعب وصل إلى الأعلى لصبا التي ارتجفت من الرعب وتخشى ردة فعله عندما يعلم ما حدث.
التفتت كارين إليه وهي تعتصر قبضتيها على الرغم من خوفها من الداخل وقالت بتحدي:
- ولو قربت منه يا قصي هموت نفسي وساعتها خلي تهديدك ينفعك.
وضع يديه في جيوبه وارتسمت ابتسامته المعهودة عندما تثور أغواره فقال:
- وحتى دي كمان مش هسمحلك تعمليها.
أثار غضبها فركضت نحوه وصرخت في وجهه:
- أنت عايز مني إيه!!! سيبني أعيش مع اللي بحبه وبيحبني... أنا مليش دعوة بحساباتك ولا القرف ده كله... أنا... أأ ن....
لم تكمل لتشعر بوخز حاد في قلبها وكادت تقع ليمسكها قصي بخوف وصاح:
- كاااارين.
وجد الشحوب يتمكن من وجهها غير قادرة على التنفس بشكل طبيعي.. حملها على ذراعيه مسرعًا إلى الخارج ليدخلها سيارته وغادر بأقصى سرعة نحو المستشفى.
***
تناول والدها كوب الماء بعد ابتلاعه قرص الدواء....
سالم:
- تعالي اقعدي جنبي يا بنتي.
جلست بجواره وأردف:
- أنا مش هسألك ولا عايز أعرف سبب رفضك لآدم، بس عايز أعرفك إني متأكد إن اللي بيدق جواكي...
أشار نحو قلبها.
- ...نفسه يعيش العمر كله معاه بس اللي بتفكري بيه..
وأشار على رأسها ومقصده عقلها.
- ...بيكابر.
ابتلعت ريقها بتوتر وقالت:
- بابا حضرتك فاهم.....
قاطعها وقال:
- أنا أكتر حد فاهمك يا بنتي، إنتي حتة مني يا خديجة وعارف ومتأكد قلبك بيحبه من زمان والحب مش عيب ولا حرام طول ما هو في الحدود اللي ربنا أمرنا بيها..
عشان كده بقولك فكري وخدي وقتك، آدم شاب محترم وبيتقي الله في أهله، يمكن حكايته مع صبا كان حب تعود لأنهم أتربوا مع بعض، بس خلاص هي بقت على ذمة واحد تاني، وهو الزمن هينسيه، ومفيش حد بيوقف حياته على حاجة راحت منه.
خديجة: بس يا بابا آدم مبيحبنيش وبحس إنه بيكرهني، إزاي هقبل أتجوز واحد وأعيش معاه العمر كله وهو مش طايقني؟
ابتسم سالم وهو يربت على يدها وقال:
- الحب لما بيتولد في القلب بينوره... فتلاقي عيون العاشق بتلمع من النور اللي في قلبه.
خديجة: ده أنت كنت عاشق أصيل بقى.
تنهد واعتدل في جلسته وقال:
- أنا حبي لمامتك الله يرحمها مكنش حب بتوع قصص الحب والروايات، ده كان عشق من نوع خاص، لما كنت ببص في عينيها ببقى عارف اللي جواها، وهي كمان من غير ما أتكلم عارفة أنا عايز إيه... ياااااه الله يرحمك يا عائشة.
خديجة: وحشتك؟
ابتسم وقال:
- عمرها ما بتوحشني لأنها دايما معايا، ومستني لقاها قريب أوي.
رن جرس المنزل...
خديجة: شكله طه، هروح أفتح له.
فتحت الباب...
- مساء الخير يا حبيبتي... أنا خالتك صباح جارتكو اللي في الشقة اللي قدامك.
خديجة وهي تشير لها بالدخول: اتفضلي حضرتك.
دلفت وهي تضع حقيبة ممتلئة جانبًا وقالت: دي حاجة بسيطة للشيخ سالم.
خديجة: تسلمي.
صباح: ثواني هنادي على بنت أختي، أصلها عايزة تيجي ومكسوفة أوي، خاصة عايزة الشيخ في موضوع مهم.. بت يا سماح.
خرجت سماح من شقتهم وولجت إلى منزل طه مرتدية عباءة سوداء محتشمة، وحجاب غير مرتب، وعيناها منتفخة أثر البكاء.
رواية صراع الذئاب الفصل السابع عشر 17 - بقلم ولاء رفعت علي
_ خرج الطبيب إلي قصي الذي كان ينتظر ع أحر من الجمر ....
قصي : خير يادكتور ؟؟
الطبيب : واضح جدا من الأعراض الي كانت عليها عندها مشكله ف القلب وشكلها مولوده بيها
قصي : هي فعلا كان عندها بس لما كانت صغيره وبقت كويسه لما انتظمت ع علاج بتاخده ع طول
الطبيب : واضح إنها مبتاخدوش بقالها فترة ... إحنا هنخليها تحت الملاحظه 24 ساعه فممكن حضرتك تروح دلوقت وتيجي بكره تطمن عليها
قصي : لاء أنا هستني معاها
كنان الذي يقف بجواره : الدكتور عنده حق يا باشا ووجودك مش هيفيدها بحاجه روح أنت وأنا هفضل هنا بدل حضرتك
زفر مابين كفيه ثم خلل أنامله ف خصلات شعره ويرجعها إلي الخلف فتذكر صبا ...
_ خليك أنت هنا ولو ف أي حاجه بلغني ع طول ... قالها قصي ثم ذهب وغادر المشفي متجها نحو القصر الذي لايبتعد كثيرا
_ وبداخل القصر ...
_ نفسي أفهم بتعيطي ليه دلوقت وعامله ف نفسك كده ... قالتها زينات
صبا : عشان أنا السبب لو مكنتش خرجتها مكنش حصل الي حصلها ده وطبعا قصي مش هيعدي لي الي عملته
زينات : متخافيش قصي بيه بيحبك وبيموت فيكي وعمره ما هيأذيكي
ضحكت من بين دموعها وقالت بخفوت : ماهو آذاني وياعالم ممكن يعمل معايا أي تاني لسه
زينات : قومي اغسلي وشك وغيري هدومك و أنا هاروح اعملك كوباية لمون تهديكي
ذهبت زينات ... ودلفت صبا إلي المرحاض تغسل وجهها وترطب عنقها ببعض الماء ... ثم ذهبت لغرفة الثياب تبدل ماترتديه بمنامه حريرية قصيرة أرجوانية قاتمه تصل إلي فخذيها وتكشف زراعيها ... فإنها أرتدت هكذا ظنا منها إنه لن يأتي الليله و سيمكث مع شقيقته بالمشفي
طرقت زينات الباب ثم ولجت و أعطت لها كأس عصير الليمون
صبا : تسلم إيدك يا داده
زينات : بالهنا والشفا يا حبيبتي ... اشربيه ونامي ريحيلك حبه عشان رجلك
أومأت لها صبا وأنتهت من شرب العصير فتمددت ع التخت ودثرتها زينات بالغطاء وأطفأت الأنوار وتركت لها إضاءه خافته ثم خرجت
**********************************
_أخذت تتقلب ع جانبيها يجافيها النوم حتي سمعت صوت سيارة وصلت للتو ... قفزت من الفراش متجهه نحو الشرفه تتأكد من حدثها ... وما أن وقفت مستنده ع السياج المعدني لتجده يترجل من سيارته فشهقت عندما نظر لأعلي وجاءت عينيه ف عينيها ... تراجعت بخوف وركضت إلي الداخل تختبأ أسفل الغطاء وتصتنع النوم ....
صوت خطواته ع الدرج كانت تتسابق مع دقات قلبها لتوصد عينيها عندما أنفتح الباب بهدوء ... شعرت به وهو يتجه نحو المرحاض ليولج إلي داخله ومن صوت المياه المنهمره علمت إنه يستحم وبعد دقائق خرج وذهب إلي غرفة الثياب وأرتدي سروال قطني فقط يصل إلي منتصف فخذيه ... أتجه إلي الفراش وتمدد بأريحيه جوارها موليه ظهرها إليه
جذب الغطاء ببطء ... فلاحظ إنتفاضة جسدها
_ متعمليش نفسك نايمه ... قالها قصي وهو يجذب الغطاء من فوقها
لم تتحرك ولم تجيب عليه ومن خوفها قد نست ماترتديه ... وما أن جذب الغطاء حتي حدق بها من أعلي كتفيها وظهرها العاري إلي المنتصف ثم خصرها المنحني وسروال منامتها الذي أرتفع لأعلي فخذها من الحركة ليكشف عن جسدها البض ذو الحمرة المرمرية ... شهقت وأتسعت عينيها عندما التصق بها محاوطا خصرها بزراعه بقوة ... حاولت الإبتعاد عنه ...
زمجر بغضب وقال : حظك إن مش رايق لك لأن تعبان وعايز أنام .. بس ده مش معناه إن هعديلك الي عملتيه النهارده ... فبطلي حركة أحسنلك ونامي ... قالها ليجذبها أكثر يحاوطها بزراعيه واضعا ساقه فوق ساقها ... دفن وجهه مابين كتفها وعنقها يستنشق عطرها
حاولت التملص وقالت بحنق : أبعد عني مش عارفه أنام
صاح مزمجرا : نامي يا صبا
لم تكف عن الحركه لكن أنفرجت أساريرها عندما أبتعد عنها ولكن تحولت فرحتها إلي صرخة مؤلمة عندما عض مؤخرتها بحنق ثم جذبها مرة أخري إليه كالوضع السابق
وهمس ف أذنها وقال بتشفي :
عشان تبقي تسمعي الكلام بعد كده
لم تجيب عليه لكن صوت شهقاتها المكتومه شعر بها فأردف :
وجعتك العضه ؟
فلم تجيب أيضا وأخذت تشهق ... لتصمت حين فاجاءها بوضع يده فوق موضع آثار أسنانه ويمسد بلمسات حانيه ... فأمسكت يده لتبعدها وقالت بنبرة مرتفعه :
أبعد أيدك
عاود لمساته فقال محذرا :
متعليش صوتك ونامي ... صمت ثم قال بمكر : إلا بقي عجبك موضوع العض
أحمرت وجنتيها من شدة الخجل ... أبعد يده ليلامس وجنتها ثم رفع رأسه وقبلها منها وأردف :
تصبحي ع خير يا روحي
وبعدها بدقائق شعرت بإنتظام أنفاسه فعلمت إنه قد غط ف النوم وهي أيضا غلبها النعاس بين زراعيه
*******************************
_ فتحت شيماء الباب بالمفتاح وهي تقول : ع مهلك يا أخويا
دلف إلي الداخل عبدالله مستندا ع طه ... ليذهب به إلي غرفة النوم ويضعه ع الفراش
فتأوه عبدالله من ألم جسده عندما تمدد ...
طه : اسمع كلام الدكتور وخد علاجك ولو محتاج اي حاجه اتصل عليا
عبدالله : تشكر ياصاحبي
طه : أنا نازل بقي عشان من ساعة ماخرجنا من المستشفي وخديجة مبطلتش رن
عبدالله : خلاص انزل ليكون فيه حاجه
شيماء: ماتقعد يا طه واتغدي مع عبدالله
طه : غدا اي دي العشا أذنت من بدري ... يلا بالهنا والشفا ... سلام عليكم
رد كليهما السلام ... وغادر طه ...
ظلت شيماء واقفه لدي باب الغرفه تحدق بعبدالله رافعه إحدي حاجبيها
عبدالله : مالك واقفه بتبصلي كده ليه؟؟
أجابت بسخرية : اصل بتملي ف جمالك ياحبيبي
فهم ما ترمي إليه من نظرات وهي تريد معرفة سبب ما حدث له
فقال : طيب مفيش لقمة يتقوي بيها حبيبك الي هيموت من الجوع ؟
شيماء : دقايق والأكل هيكون جاهز ... ذهبت إلي المطبخ وهي تردف :
ورحمة أمي ليطلع وراك مصيبة ومخبي عليا و هيطلع الهباب الي بتتعطاه هو السبب ... بس لو طلع الي بقوله صح يا ويلك وسواد ليلك مني يا عبده .
******************************
_ ولج طه إلي المنزل ... ليجد خديجة تسرع إليه وتجذبه إلي غرفتها وتوصد الباب من الداخل تحت نظراته المندهشه
طه : ف أي ياخديجه ؟؟؟
ألتفت إليه ووضعت مصحفا أمامه وقالت بنبرة حازمه :
لو أنت ع وضوء أحلف ع المصحف بإنك معملتش حاجه مع البت الي اسمها سماح دي
تلعثم لسانه وقال : سس سماح ... احلف ... أنا
خديجه : ماله لسانك اتلجلج ليه ... يعني أنت مش فاهم قصدي اي؟؟
صمت منكس رأسه إلي أسفل وقال : مينفعش احلف ع المصحف
ضيقت عينيها بحديه وقالت : ليه يا طه ؟ ليه يا ابن الشيخ سالم ؟ ليه يا ....
_ كفااااااااايه ... صاح بها طه بغضب
خديجة : كلامي واجعك ؟؟ والي أنت عاملته ده مش واجع ضميرك !!
طه : مكنتش ف وعيي ساعتها ومش فاكر اي حاجه
أبتسمت بتهكم وسخريه وقالت :
يعني كنت كمان واخد مخدرات
طه : لاء ابدا والله دي كان ويسكي
_ كمان !!... ماشاء الله خمرة وسكر وختمتها بزنا ... ده أي الي أنت فيه ده يا أخي ... أنا عرفت ليه ربنا نجد البت رحمة منك
صاح بغضب كامن : وهي السبب ف الي حصل ... لو مكنتش وافقت من الأول كان زماني خطيبها ع الأقل
خديجة : أنت بجد مصدق نفسك !! اومال لما كنت كل شوية تذلها وتقهر قلبها والاقيها كل يوم مقهوره من العياط ... كنت عيزاها تعمل اي ؟؟ ... دي كانت ناقص تبوس جذمتك عشان تاخد خطوه صح وتروح تطلب إيديها من أخوها ... بس عارف أنت بالعمله السوده الي عملتها دي عرفتني معني دين تدان ولو بعد حين ... برافو يا أخويا يالي المفروض تبقي مثلي الأعلي
_ خديجة ... يا خديجة ... نادي بها سالم
خديجة : قوم روح لبابا وربنا يستر وميحصلوش حاجه بسببك لأن الهانم جت هي وخالتها و حكو لأبوك كل حاجه وخلو منظرك زبالة
نهض قبل أن يتهور عليها أو يذهب إلي تلك اللعوب ويفتك بها هي وخالتها ...
دلف إلي والده ع إستحياء ....
وقال : نعم يا بابا
نهض والده وهو يحاول الوقوف مستندا ع عكاز معدني ... ركض نحوه ليساعد والده ليدفعه والده من أمامه وقال :
مش عايز مساعده كل الي عايزو منك حاجه واحده أنت غلطت مع سماح ؟؟
نظر لأسفل بخزي ... وما مرت من ثوان إلا وصفعة هبطت ع وجهه من أبيه
_ يا خسارة تربيتي فيك يا طه ... أنا مكنتش أتوقع إنها توصل بيك للدرجدي زنا ... زنا يالي أبوك إمام جامع وبيخطب ف الناس بالحكم والمواعظ واعلمهم كلمات ربنا وانصحهم بالبعد عن الفواحش ... يجي ابني يعمل الفاحشه ومع جارته كمان !!
تفوه بضعف : أنا مكنتش ف وعيي وبعدين كان بإرادتها مش غصب و.. ..
قاطعه بصياح : اخرس ... سواء أنت وهي متفرقوش عن بعد ف الذنب والعقاب ... عارف حكم الدين ف الي عملتوه أي !!
طه : عارف بس ربنا غفور رحيم
سالم : ونعم بالله ... بس لو كان بيطبق حكم الدين صح مكنتش أنت والا الي زيك اتجرءو يعملو كده ... مكنش يبقي ف وجود لبيوت الدعاره و العهر الي مالي الكباريهات و القانون يسمح لهم يمارسو الفواحش برخصه ... يبقي منجيش نشتكي من غضب ربنا علينا وإحنا بنرتكب الكبائر والمعاصي من غير خوف منه وناسين إنه الديان لايغفل ولا ينام
طه : يا بابا من غير ما تسمعني كل ده أنا ناوي اصلح غلطي واكتب عليها وبعد كده اطلقها
سالم : اولا مش عايز اسمع منك بابا دي تاني ... ثانيا تروح لمأذون دلوقت وتكتب عليها وتاخدها وتغور بعيد عن هنا
كاد يتفوه فرمقته خديجة بأن ينصاع لأوامر والده ولا يجادله
طه : أمرك يا ... يا شيخ سالم
جلس سالم ع طرف الفراش وهو يستغفر الله عدة مرات ... ذهب طه تاركا والده رافعا يده ف وضع الدعاء :
ربي لا أسالك رد القضاء لكن أسألك اللطف فيه .
ظل يرددها ثم تمدد ع الفراش وأمسك بالمصحف وأخذ يقرأ آيات الله ف خشوع و بكاء من عظمة كلمات ذو الجلال والإكرام
ألقت خديجة نظره ع والدها لتطمأن عليه فوجدته ف خلوته مع ربه فتركته وذهبت إلي غرفتها لتصلي العشاء .
***********************************
_ نزلني هنا الله يخليك لحد يشوفني من الحرس ويقول لعزيز بيه ... قالتها ياسمين
أمسك يدها وقبلها ف باطن كفها وقال : متخافيش من حد طول ما أنا جمبك ومعاكي وإن شاء الله كلها مسألة وقت وتعدي المشاكل الي إحنا فيها وهكلم بابا عن خطوبتنا
أبتسمت بسعادة وقالت : بجد يا ياسين ؟؟ ولا هيطلع كله كلام ف الهوا وخلاص !!
رمقها بنظرة أسف وقال : مش هلومك لأن الي كنت بعملو معاكي خلاني مكسوف من نفسي وعايز انسيكي اي لحظة خوف عيشتهالك ... أنتي كل ما كنتي بتبعديني عنك كنت بتجنن بس بلاقيني اتشد ليكي أكتر وقلبي بيتعلق بيكي كل مرة عن الي قبلها
ياسمين: ياسين
ياسين : نعم يا عيون ياسين
حدقت بعينيه التي آسرت عقلها وأحتلت قلبها وقالت : أ أ أنا ... أنا ....
قاطعها وقال : أنا بحبك يا ياسمين ... ومن غير ماتقوليها أنا قريها ف عنيكي من أول ما شوفتك وده عندي كفاية
رن هاتفها فأخرجته من حقيبتها لتري المتصل فقرأت ( مدام سميرة )
_ يالهوي أنا أتأخرت أوي وزمانها بتتصل بيا هتديني كلام زفت
ياسين ويربت ع يدها بحنان قال : متخافيش أنا هدخل وراكي وأول ما هشوفها ههدها طلبات لحد ماتنسي إنها عايزة تكلمك ... أي خدمة
ياسمين بفرح قالت : ربنا يخليك ليا وميحرمنيش منك أبدا وشكرا ع الفساتين والحاجة الي جبتهالي
ياسين : متقوليش كده عشان مزعلش منك ... أنتي هتبقي مراتي يعني مسئولة مني واي حاجة نفسك فيها تيجي تقوليلي ع طول حتي لو حاجة عبيطه
ضحكت ع كلمته الأخيرة ببراءه وقالت : حاضر يا حبيبي
ياسين : يا أي ؟؟؟
نظرت إلي أسفل بخجل وقالت : أنا هنزل بقي بسرعة
ياسين : ماشي ع راحتك ياقمر ... وخلي بالك من نفسك
ياسمين وهي تترجل من السيارة وتأخذ الحقائب قالت : تصبح ع خير ... سلام
ياسين : وأنتي من أهل الخير ... أبتسم وأردف : ومن أهلي يا ياسمين
_ وصلت إلي المنزل الملحق فتقابلت مع علا ....
_ اش اش اش اي الشنط دي كلها تعالي هنا ... قالتها علا
ياسمين : تعالي أفرجكك فوق وعشان أحكيلك ع حاجة عمرك ما هتصدقيها ... بس هاطلع الشنط وهاروح لمدام سميرة الأول
علا : متقلقيش زمانها نامت هي فعلا كانت بتسأل عليكي يس لاقتها بتسألني عن حاجة للصداع فأدتلها من الي عندي وراحت أوضتها
ياسمين وهي تتنفس الصعداء : الحمدلله ... تعالي بقي لما افرجكك
صعدا إلي الأعلي ... وأخرجت ياسمين كل محتويات الحقائب وهي تسرد لعلا كل ما حدث معها وتطور علاقتها بياسين ... وكانت نظرات علا لها مليئة بالسعادة لكن ليس كل الظاهر هو الحقيقة فهناك أفاعي تتظاهر بالحب والمودة بينما تولي ظهرك لها فتغرز أنيابها بك وتبث سمومها القاتلة .
*********************************************
_ في منزل سماح ....
_ بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما ع خير إن شاء الله ... قالها المأذون
أطلقت صباح الزغاريد وقالت : مبروك يابت ياسماح وأخذت تقبلها ثم جاءت تصافح طه فرمقها بحدية فأبتعدت عنه
نهض المأذون والثلاثة رجال الذي كان إحداهم وكيل العروس والأخرين شهود .....
_ أي خدمة يا ست صباح ؟؟ ... قالها إحدهم
صباح : متشكرين يا رجاله نردهالكو ف الأفراح
غادر الجميع وهم طه بالمغادره خلفهم فأوقفته صباح وقالت : خد عندك رايح ع فين يا عريس؟
طه : مش حصل الي عايزينه ف أي تاني ؟
صباح : نعم يا حلو!! إيدك ع الفلوس الي إيدينها للرجالة عشان يشهدو ع الجوازة السوكيتي دي
طه وهو يخرج جيوبة الفارغة من بنطاله وقال : ياريت أنتي الي أديني فلوس أمشي بيها حالي لحد ما لاقي حته اخد فيها بنت أختك
هبت سماح واقفه وصاحت : نعم نعم نعم نعم !!! حتة أي يا سي طه ... أومال البيت الطويل العريض ده مش يبقي بتاعكو ولا اي ؟
طه : مش روحتي فضحتيني عند أبويا ... اهو شرط عليا لما اتزفت واكتب عليكي أخدك ف اي حتة برة مش طايقني ولا طايقك
صباح وهي تضع يديها ف خصرها وترفع إحدي حاجبيها وقالت :
اسمعني أنا بقي يا ابن الشيخ سالم ... البت مش هتاخدها اي نعم كتبت كتابك عليها بس يوم ما تخرج من الشقة تكون لابسه فستان الفرح زيها زي اي عروسة وتتعملها أحلي زفة فيكي يا حارة ومن ناحية المكان هاسافر وقتها لأسكندرية عند جماعه قرايبنا وهاسيبلكو الشقه اسبوعين لحد ما تظبط أمورك
سماح وهي تعانقها بتصنع : ياحبيبتي يا خالتي ربنا يخليكي لينا
دفعتها صباح وقالت :ده عشان خاطر أمك الي يرحمها بس
طه : مطلوب حاجه تاني ؟؟
صباح : اها تتصرف عشان الفستان والزفة ع حسابك وتدي البت فلوس تجبلها هدمتين بدل الجلاليب الي دايبة عندها
أبتسم ساخرا وقال : حاضر
صباح : يلا خد الباب ف أيدك وأنت ماشي
غادر طه وصفق الباب خلفه بقوة
صباح : الله يهدك يا بعيد هتكسر الباب
سماح : الله عليكي يا خالتي ده أنتي خلتيه شبه البطه البلدي
صباح : أومال أي يابت هو فاكرنا عشان نسوان ومعناش راجل هيبهدل فينا !!! لاء ده أنا صباح بنت جابر الفتوة الي كان أكبر شنب فيكي يا أسكندرية يكش منه
***************************************
_ أشرقت الشمس بنورها الساطع تنير درب البعض والبعض الأخر لم تصل إليه إشعتها فيظل دربه مظلما ....
فتحت عينيها وهي تتقلب بحرية فلم تجده بجوارها فتنهدت بأريحية ... نهضت وهي تستند ع كل مايقابلها حتي تذهب لغرفة الثياب حتي تأخذ ثوب وتذهب إلي المرحاض ... وقفت تفكر قليلا ولن تشعر بالذي ولج للتو يرتدي منشفه حول خصره
_ صباح الخير ... قالها قصي بصوت رجولي عذب فأنتفضت بذعر وألتفت إليه فتراجعت إلي الخلف حتي اصتدم ظهرها بحواف الرفوف
أقترب منها وقال : مالك خايفه خوفتي ليه ؟ ... ظل يقترب منها حتي أصبح لايفصل بينهما سوي أنفاسهم ... فوجدته يلتقط شيئا من خلفها
فأردف : أنا كنت باخد القميص من وراكي وأنتي الي واقفه أدامي ... قالها ثم أبتسم بمكر
صبا : ع فكرة مش حلوه الحركات الي كل شوية تعملها معايا دي ومنستش الي عملته فيا إمبارح
جذبها من يدها لترتطم بصدره وهو يضع يده ع ظهرها فقال بخبث : لو لسه وجعاكي ممكن أخليها تخف زي وجع رجلك ... فاكرة؟؟
أتسعت عينيها لتشهق من كلماته ويده التي تهبط إلي مؤخرتها فدفعته ف صدره وقالت : أأأ أنت قليل الأدب وبعد كده مش هنام معاك ف أوضة لوحدنا تاني
جذبها مرة أخري بعنف وقال وهو يحدق بها بنظرات حاده وقال : والكلام ده لمين ؟؟
أبتلعت ريقها بخوف وقالت : ليك طبعا هو ف حد معانا هنا تاني
أقترب من أذنها وقال : أولا أنا جوزك يعني مكان نومك يبقي ع نفس السرير الي أنا بنام عليه إن شاء الله لو هنام ع الباركيه هتنامي جمبي و ف الوضعيه الي ع مزاجي
كادت تبتعدت فقال : رايحه فين أنا مخلصتش كلامي ... ثم وضع يديه ع خصرها بقوة سببت لها الألم وأردف : وثانيا لسه محسبتكيش ع إنك تعصي أوامري وتهددي الحارس بسلاحه وتخرجي كارين وكمان بتساعديها تهرب
صبا : أنا مش غلطانه لو فيه حد غلطان يبقي أنت ... لما تبعدها عن الي بتحبه وبيحبها وكمان عارف إنه يونس ابن خالي وبتأذيه وكنت ممكن تموته يبقي تروح تحاسب نفسك يا قصي باشا
صاح ف وجهها بصوت أرعبها وجعلها ترتجف : ما هو عشان ابن خالك فعملت فيه كده ... عشان ميفكرش هو ولا حد من أخواته يقرب من أي حاجة تخص قصي العزازي
صبا وقد أمتلأت عينيها بالدموع قالت : نفسي افهم سر العداوه مابينك وما بينهم ... مش كنت أنا وخلاص بقيت ملكك زي ما بتقولي ديما عايز منهم أي تاني
تحول لون عينيه إلي ظلمة معتمه وقال : الي ما بيني ومابينهم يخصني أنا ومصير كله حاجة هتنكشف ف يوم من الأيام ... ولما اليوم ده يجي مش هيكون فيها حاجة اسمها عيلة البحيري
************************************
_ في حديقة القصر ....
ترتشف جيهان قهوتها الصباحية ... فجاء من خلفها يوسف وأعطاها قبلة ع وجنتها وقال : صباح الخير يا أحلي جيجي ف العالم كله
جيهان : صباح النور يا حبيبي
إنجي التي ترمقه بحنق قالت : يعني مبشوفش من حنيتك دي خالص ؟ ولا هي مبتطلعش غير لمامتك وبس
ضحكت جيهان وقالت : أنتي هتغيري ولا أي ... يوسف بيحبك وبيموت فيكي بس أنتي بطلي تزعليه
يوسف : يونس لسه مرجعش من الجاليري بتاعه؟
جيهان : معرفش موبايله مقفول وأنت عارف لما بيكون عنده عرض أو حفلة بييبات بالأيام
يوسف : خلاص هابقي اعدي عليه وأنا راجع .... وجد إنجي ترمقه بإزدراء
رمقها يوسف بدون أن يتفوه لكن نظراته دائما كان يتفحصها وبداخل عقله لايعلمه سواه ...فقال : عن إذنك يا جيجي لما الحق أروح المستشفي
جيهان : ربنا يوفقك يا حبيبي
إنجي : شايفه بيعاملني إزاي ؟؟؟ كأني هوا أدامه
جيهان وهي تضع الفنجان فوق الطاولة وتراجعت إلي الخلف وقالت :
هو عنده حق المرة دي يا إنجي ... ف حد يقعد ف النادي طول اليوم وقافله موبايلك
إنجي : مكنتش قفلها هككرها مليون مرة الفون كان فاصل شحن
جيهان : أومال الباور بانك الي معاكي بيعمل أي ؟
إنجي : نسيته
جيهان : كنتي اتصلي من اي تليفون من كافتريا النادي وقولي انك هتتأخري ومنها تطمني ع بنتك
إنجي : أووف بقي يا جيجي أنا تعبت من الكلام ف الموضوع ده
جيهان : عموما أنتي حره دي حياتك أنتي وجوزك وأنتو حرين بس متجيش تشتكي بعد كده وتكوني أنتي الي غلطانه
_ صباح الخير ... قالها آدم ثم جلس بجواروالدته
جيهان : صباح النور
إنجي : صباح الخير
رن هاتفها باسم المتصل (ميرو ) فجذبت هاتفها ع الفور وقالت : عن أذنكو ... ثم نهضت
جيهان : مروحتش الشركة ليه النهارده؟
آدم وهي يرجع ظهره إلي الخلف وتنهد ثم قال : مخنوق شويه
جيهان : مخنوق من الشغل ولا عشان....
قاطعها وقال : بليز ياجيجي مش عايز أتكلم ف الموضوع ده تاني
جيهان : ع راحتك بس باباك لسه ماخدش القرار وقال لعمك إن خديجة تاخد وقت تفكر واعتبر إن رفضها ردا ع إهانتك ليها
آدم : يعني لسه مصمم إنه أتجوزها .... نهض من مكانه ثم نظر أمامه بنظرات توعد وقال : أوك معنديش مانع أتجوز خديجة بس بشروطي
************************************
_ في منزل الشيخ سالم ...
تحمل صينية الطعام وقالت : أي بابا الفطار زي ماهو ماكلتش ليه ؟
سالم : الحمدلله يابنتي
خديجة : الدكتور قال انك لازم تاكل كويس عشان العلاج الي بتاخده شديد
سالم : خدي الصينيه وسيبيني هقرأ شوية ف المصحف وبعد كده هريح لحد ما الضهر يأذن
خديجة : حاضر يا حبيبي وأنا ف أوضتي لو محتاج حاجة أنده عليا
سالم : تسلمي يابنتي ... ناوليني بس المصحف من عندك
تركت الصينية جانبا ثم أعطته المصحف : أتفضل يا بابا
سالم : خدي بالك من أخوكي يا خديجة أنا عارف أنه غرقان ف بحر ذنوب ربنا يهديه ويغفر له بس خليكي واقفه جنبه لحد مايتصلح حاله .... ومتنسيش برضو تفكري ف موضوعك أنتي وآدم أنا نفسي أفرح بيكي يابنتي واشوفك مع الي يصونك ومش لاقي حد غير آدم الي أقدر أأمنه عليكي ... ريحي قلبي قبل ما اقابل ربنا
خديجة : ربنا يديك طولت العمر ويباركلنا فيك
سالم :ده مصير محتوم يابنتي مفيش مفر منه ... يلا روحي شوفي الي وراكي
خديجة : حاضر
فتح المصحف لتقع عينيه ع سورة الفجر وبدأ يقرءها بخشوع حتي وصل إلي أخر الآيات :
(( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي ))
صدق الله العظيم
أنسدلت جفونه ويديه تحتضن المصحف ع صدره لتصعد الروح إلي بارئها ...
رواية صراع الذئاب الفصل الثامن عشر 18 - بقلم ولاء رفعت علي
بداخل ضريح مدافن عائلة البحيري...
تقف العديد من السيارات بالخارج.
تتوافد الحشود من الأقارب والمعارف والجيران يتشحون بالسواد... أصوات بكاء ونحيب وكلمة التوحيد تهتز لها الأرض والقلوب وجميع جدران وشواهد تلك القبور المنتشرة في كل الأرجاء المحيطة.
وها هم كل من طه وآدم ويوسف وياسين يحملون التابوت المكسو بكسوة خضراء مطرزة بالشهادتين... عزيز في المقدمة يرتدي نظارة سوداء لكن لا تخفي حزنه على فراق صديق دربه وابن عمه.
ولج الجميع إلى داخل الضريح ينتظرهم عمال الدفن والشيخ الذي يدعو ويتلو الآيات القرآنية التي تذكر عند دفن الميت.
تقف خديجة جانبًا تستند على جيهان التي تحاوطها بذراعها وتربت عليها... وعلى الجانب الآخر لها تقف شيماء، وبالقرب منهن إنجي التي تتأفف من الطقس الحار والذباب، وبجوارها سماح التي تصطنع النحيب والبكاء والعويل بمبالغة.
صاحت سماح:
- يا عيني عليك يا حماياااااا مكنش يومك... يا لهوووووووي.
تبادل المتواجدون نظرات تعجب من أفعال وأقوال تلك الحية.
صرخت خديجة قائلة:
- اسكتي خالص مش عايزة اسمع صوتك ولا أي حد يصوت.
صمتت سماح وشعرت بالحرج وتراجعت في صفوف النساء.
بدأت مراسم الدفن وأخرجوا جثمان الشيخ سالم الملفوف بالكفن الأبيض، ونزلوا به إلى الأسفل ليضعوه بداخل القبر على جانبه الأيمن باتجاه القبلة.
وبعد الانتهاء أخذ طه يلقي التراب وعبراته تتساقط حزنًا على فراق والده، ونادمًا خاصة كلما يظن أنه السبب في وفاته بسبب ما اقترفه من فعل أثيم.
أخذ الشيخ يدعو للمتوفى والجميع يردد خلفه... ويتلو بعض الآيات القرآنية حتى انتهت المراسم، وبدأ الحاضرون بالمغادرة بعد أن يصافحوا طه وعزيز وأبنائه.
قالت جيهان وهي تعانق خديجة التي لم تكف عن البكاء:
- يلا يا خديجة يا حبيبتي عشان نروح.
قالت خديجة بصوت مبحوح:
- مش عايزة اسيبه لوحده هاقعد معاه.
جيهان:
- يا حبيبتي مينفعش، وجودك مش هيفيده، إنتي ادعيله واقرئي له قرآن.
أجهشت بالبكاء أكثر وقالت:
- مكنش ليا غيره وسابني... ليه يا بابا سبتني... ليه ماخدتنيش معاك عشان متبقاش لوحدك ولا أنا أبقي لوحدي في الدنيا.
جاء نحوها طه الذي يبكي أيضًا وجذبها بين ذراعيه ليحتضنها، فدفعته وصاحت به:
- أبعد عني... أنت السبب.. أنت اللي خليته يموت بعد عملتك السودة... ارتحت!! أهو مات وهو غضبان عليك.
ثم رمقت سماح باحتقار وأردفت بصياح:
- اشرب بقى نتيجة أعمالك ولسه هاتشوف.
اشتد غضبه حيث كل كلمة كانت كالجمار التي تقذفها عليه لتزيده ألمًا وندمًا فصاح:
- كفااااااية بقى اخرسي.
قالها مندفعًا نحوها وكاد يصفعها فمنعته يد آدم الذي قال:
- اهدى يا طه مينفعش اللي بتعمله ده.
طه:
- قولها كده.. هي فاكرة إن اللي مات أبوها لوحدها مش أبويا أنا كمان.
قال عزيز:
- خلاص يا طه... وتعالى عشان أنت وأختك هتيجوا معانا على القصر.
قالت خديجة باندفاع:
- آسفة يا عمي إحنا هنروح بيتنا وهناخد العزا هناك في الحارة.
جيهان:
- خلاص يا عزيز أنا هاروح معاها أنا وإنجي.
إنجي:
- معلش يا جيجي مامي مستنياني عشان رايحة معاها مشوار.
رمقها يوسف بنظرات استفهام.
عزيز:
- ماشي هتصل بالمسؤول عن النعي وهخليه يكتب العزا في الحارة... وهخليهم يجهزوا صوان كبير.
آدم:
- طيب يلا يا ماما تعالي معايا أنتي وخديجة، وطه يروح مع ياسين وبابا.
اتجهوا جميعهم نحو سياراتهم...
فتح يوسف باب السيارة لإنجي فقالت:
- لأ روح أنت معاهم وأنا هاخد تاكسي من على الطريق.
قال يوسف بحنق:
- تاكسي إيه اللي هتركبيه في قلب الترب ده!! إنجزي يا إنجي واركبي أحسنلك.. هوديكي أنا.
قالت إنجي بتوتر:
- أأ.. أنا مكنتش عايزة أعطلك يعني.
رمقها بسخرية ودلف إلى سيارته فتبعته.
ذهب طه مع ياسين وعزيز... ركضت خلفه سماح وقالت:
- طه يا طه.
التفت إليها وحدق بها بنظرات نارية وقال:
- نعم!!!
قالت سماح بتصنع:
- أهل الحارة مشيوا من بدري وأنا هنا لوحدي ومش عارفة اروح إزاي.
قال ياسين:
- تعالي معانا إحنا كده كده رايحين الحارة.
انفرجت أساريرها بسعادة بالغة وهي تنظر لياسين بتفحص وقالت:
- شكرًا يا بيه.
فتح لها طه باب السيارة ودفعها بعنف إلى الداخل وهمس لها:
- حسابك معايا بعدين.
سماح:
- يوه هو أنا عملت حاجة؟؟؟
طه:
- انكمتي خالص إلا ورحمة أبويا هدفنك وأخلص منك.
دلف عزيز إلى السيارة بالمقعد الأمامي وياسين في مقعد القيادة... لتنطلق السيارات جميعًا.
*******************************
فتحت عينيها وهي تشعر بتلك المحاليل المعلقة المتصلة بحقنة مغروزة بيدها... حاولت النهوض بجذعها وهي تتذكر ما حدث... وضعت كفها على جبهتها حيث تشعر بالصداع.
قامت من فوق الفراش وتستند فوق الكومود، فتعثرت يدها بكوب الماء ليهوي أرضًا وحطامه أصدر صوتًا... فتح كنان الباب على الفور ليرى ما يحدث... وجدها تقف بصعوبة وكادت تقع فوق الزجاج المنثور.
صاح بها كنان وهو يمسك بها بين ذراعيه:
- كاااارين... حاسبي.
رفعت وجهها وهي تضع يدها على كتفه... ظل محدقًا في عينيها وهو يشعر بأنفاسها.
قال قصي بصوت أجش حيث ولج للتو:
- إيه اللي بيحصل ده!!!
جلست كارين على التخت وابتعد عنها كنان وقال بتوتر:
- ققق قصي... باشا... كنت واقف بره وسمعت صوت إزاز بيتكسر لقيت آنسة كارين واقفة ودايخة و...
قاطعه قصي وقال وهو يشير إليه بأن يغادر الغرفة:
- خلاااص.
رمقه كنان بخوف وقلق وهو يبتلع ريقه واعتدل من سترته وغادر على الفور.
اقترب قصي منها وهي تشيح ببصرها عنه... جلس بجوارها وأمسك يدها وقال:
- حمد الله على سلامتك.
رمقته بتهكم وقالت:
- تقتل القتيل وتمشي في جنازته.
رفع أحد حاجبيه وقال:
- قصدك إيه باللي قولتيه ده؟؟؟
سحبت يدها من قبضته وقالت:
- يعني أنت كنت هتموت يونس وجاي تكمل عليا أنا كمان.
جز على فكه وقال:
- حاسبي على كلامك معايا... وبعدين أنا مكنتش هموته أنا أديتله قرصة ودن، واللي حصلك إمبارح أنتي السبب فيه لما بطلتي تاخدي علاجك.
ضيقت عينيها لترمقه بتساؤل وقالت:
- هو أنا أختك يا قصي!!
انصدم من سؤالها فحدق بوجوم وقال بسخرية:
- بيقولوا كده.
كارين:
- أنا مبهزرش.
قصي:
- ولا أنا بهزر... أنتي اللي بتسألي أسئلة غبية وأنتي عارفة كويس من غير ما تسألي أنا بحبك قد إيه وبخاف عليكي وعايز مصلحتك.
ابتسمت بسخرية وقالت:
- ومصلحتي مع يونس البحيري.. عارف ليه؟؟ لأن أنا بحبه وهو كمان بيحبني حتى وهو مش عارف إن أنا أختك.
تفوهت بكلماتها الأخيرة فقهقه لتتعالى ضحكاته ثم توقف وقال:
- وأنتي بقى قايلة له إنك بنت مين على كده؟؟
كارين:
- ملكش دعوة حاجة تخصني أنا... وأنت إيه يا أخي البرود اللي أنت فيه ده... أنا على الرغم من اعتراضي على طريقة جوازك من صبا واتخانقت معاك وسبتلك القصر بس موقفتش قدامك لما شوفت في عينيك حبك ليها.
نهض ووقف واضعًا يديه في جيوب بنطاله وقال:
- وصبا مش بنت البحيري.
كارين:
- بس خالها عزيز البحيري اللي أدفع نص عمري وأعرف إيه سر كرهك ليه أوي كده.
أشاح وجهه عنها وقال:
- حاجة متخصكيش.
كارين بنبرة تحدي:
- وعلاقتي أنا ويونس برضو متخصكش.
اقترب منها وملامحه لا تدل على خير فانتفضت عندما حاوط وجهها بين كفيه وهمس بجوار أذنها وقال:
- ده يبقى على جثتي يوم ما تتجوزي ابن عزيز البحيري، وأحسنلك بلاش تتحديني عشان متجيش تعيطي في الآخر.
قالها وقام بتقبيل جبهتها ثم ابتعد تحت نظراتها التي تحولت إلى الكراهية.
دخل الطبيب بعدما طرق الباب وقال:
- صباح الخير.. ما شاء الله شايف حضرتك يا آنسة كارين بقيتي كويسة عن إمبارح.
قصي:
- هي هتخرج إمتي يا دكتور؟؟
الطبيب:
- لو حبت تخرج دلوقت عادي بس إحنا مستنيين الدكتور المتخصص في حالتها وهو للأسف هيجي بالليل.
قصي:
- خلاص مـ...
قاطعته كارين وقالت:
- عادي ممكن استنى.
رمقها قصي بشك فأردفت وهي تنظر إلى الطبيب:
- أصل بصراحة لسه دايخة وحاسة بصداع جامد.
الطبيب:
- الدوخة والصداع شيء طبيعي متقلقيش، وأنا هنده للممرضة تيجي تديلك مسكن وهم هيبعتولك الفطار حالًا... عن أذنكم.
غادر الطبيب تاركًا كليهما يحدقان ببعضهما البعض وكل منهما يعلم ما يجول في عقل الآخر.
*****************************
لا تغفو جفونها منذ البارحة... ظلت تحدق في الفراغ وهي تفكر في حل ما للخلاص من براثن هؤلاء الجبابرة عديمي القلوب.
قالت فاتن وهي تلج إلى غرفتها تحمل صينية مليئة بأطباق الطعام:
- ها لسه عاملة نفسك نايمة؟؟
نهضت رحمة وهي ترجع خصلات شعرها خلف أذنها وقالت بصوت هادئ:
- معلش يا فاتن تقلت عليكي وهتلاقيكي مش عارفة تاخدي راحتك في أوضتك.
وضعت الصينية أمام رحمة على الفراش وقالت:
- متقوليش كده يا عبيطة ده أنا اللي قعدت أتحايل على أبيه عادل يسيبك تبيتي معايا.
ابتسمت رحمة وقالت:
- هو أنا وحشة أوي كده عشان...
ثم صمتت وانسدلت منها عبرة رغمًا عنها.
جلست فاتن بجوارها وهي تربت عليها بحنان وقالت:
- لأ أنتي مش وحشة يا رحمة، بس أنا مش فاهمة ليه أبيه بيعاملك وحش هو وماما كده، أنا قولت يمكن بتعمل معاكي شغل الحموات وأبيه زي ما بيقولوا بيدبحلك القطة... بس عايزة افهم حاجة وأنتي بتزعقي إمبارح ليه بتقولي لماما ابنك مش راجل؟؟؟
نظرت إليها رحمة بصمت لتدرك عدم معرفة فاتن بمعضلة شقيقها، ويبدو أيضًا لا تعلم ما اقترفه معها في ليلة الزفاف.
صاحت بها فاتن:
- رحمة... رحمة.
رحمة:
- ها.. نعم.
فاتن:
- طيب سيبك من أسئلتي والحقي افطري وكلي لك لقمة أنتي من إمبارح وماكلتيش حاجة... وكمان خدي راحتك ماما نزلت راحت العزا ومش هتيجي دلوقت، وأبيه عادل جاله مشوار وشكله هيرجع على بالليل.
قالت رحمة بتعجب:
- عزا!!
فاتن:
- الشيخ سالم تعيشي أنتي.
شهقت وهي تضع يدها على فمها ثم نهضت وقالت:
- أنا طالعة شقتي.
وقفت فاتن أمامها وهي تمنعها وقالت:
- رايحة فين يا مجنونة، أبيه لو عرف إنك روحتي العزا مش بعيد يموتك فيها ولا أمي هطين عيشتك وقبلها عيشتي أنا كمان.
رحمة بنبرة رجاء:
- أرجوكي يا فاتن أنا هاروح اعزي خديجة دي أكتر من أختي.
فاتن:
- أرجوكي أنتي بلاش تخربي على نفسك.
دفعتها رحمة وخرجت متجهة نحو باب المنزل، فشهقت بفزع وهي تتراجع إلى الخلف والباب يفتح من الخارج... يلج علاء وهو ينظر إليها وقال:
- عاملة إيه دلوقت؟
قالت فاتن التي خرجت من غرفتها:
- يا مجنونة استني عندك...
فصمتت عندما وجدت علاء.
علاء وهو ينظر إليهما بالتبادل قال:
- هو في إيه؟؟؟
أجابت فاتن بتردد:
- ممم مفيش بس...
قاطعتها رحمة وقالت:
- عايزة أروح أعزي خديجة صاحبتي وأقف جمبها.
زفر علاء ثم قال:
- مش هينفع وأنا ما صدقت أحوش عنك عادل إمبارح، مش ضامن المرة دي يعمل فيكي إيه.
قالت رحمة بنبرة على وشك البكاء:
- يعني حتى الواجب ناحية أقرب الناس ليا هتمنعوني عنه...
قالتها فتلألأت دموعها ثم انهمرت.
زفر علاء بضيق وقال:
- رحمة اللي هقوله مش قصدي حاجة والله، بس أنتي عارفة وأنا عارف كويس إنه مينفعش، خصوصًا طه هناك بياخد عزا والده وساعات بيطلع فوق شقتهم اللي فيها الستات، وأمي كمان هناك ومش بعيد تجيبك من شعرك قدام نسوان الحارة.
فاتن:
- علاء بيتكلم صح يا رحمة وإحنا خايفين عليكي.
علاء بنبرة مزاح:
- شوفتي حتى فاتن المجنونة خايفة عليكي.
قالت فاتن بحنق:
- مين المجنونة يا عم علاء.
علاء:
- فكراني هخاف منك أنتي يا روح أخوكي، مجنونة وهتتجوزي واحد هربانة منه على الآخر.
أشارت له بتحذير وقالت:
- لم نفسك يا علاء يا بتاع فيديوهات الـ...
ركض نحوها ووضع كفه على فمها وقال بهمس من بين أسنانه:
- لمي لسانك أحسن ما أرنك علقة من بتوع زمان.
صدح رنين هاتفها من داخل غرفتها فدفعته وقالت:
- والله لهقول لأمي لما ترجع...
قالتها ودخلت غرفتها حتى تجيب على الهاتف.
علاء: قوليلها عشان هتغلطك في الآخر ومش هينوبك غير شبشبها وهو بيتحدف عليكي بسرعة الضوء.
ضحكت رحمة رغمًا عنها من تلك المشاجرة الفكاهية، فالتفت إليها علاء وهو يحدق بها مبتسمًا وقال:
- ضحكتك حلوة أوي.
اختفت ابتسامتها وقالت بخجل:
- شكرًا.
- احم... شوفتي نستيني إزاي...
أخذ الكيس البلاستيكي وأردف:
- معلش ممكن تجيبي صينية من المطبخ ونادي على المجنونة اللي جوه دي وتعالي عشان جايبلكو شوية سندوتشات وصاية.
رحمة: حاضر ثواني.
ذهبت لتنادي فاتن وجدتها ما زالت تتحدث في الهاتف فتركتها، ثم ذهبت إلى المطبخ وتبحث عن صينية، فوجدت الصواني متراصة بأعلى حمالة الأطباق المعدنية... حاولت أن تجذب واحدة فلم تستطع... رآها علاء فنهض ووقف بطوله الفارع ليجذب واحدة، فأوقع طبقًا وارتطم برأسها فتأوهت... وضع يده فوق رأسها وقال بلهفة وخوف:
- آسف والله مكنتش أقصد.
رحمة: ولا يهمك.
ظل يحدق بعينيها وأنفاسه تتعالى...
- كنتو عايزين مني إيه؟
قالتها فاتن.
سحب علاء يده بسرعة وخرج وقال:
- يلا عشان الأكل هيبرد.
خرجت رحمة وهي تنظر بطرف عينيها إلى فاتن التي كانت تنظر إليهما بريبة.
***
تمكث بغرفة والدها منذ أن جاءت، تحتضن جلبابه وتمسك بمسبحته ذات الحبات الخشبية المنبعث منها رائحة المسك الذي طالما يتعطر به دائمًا... أخذت تستنشق رائحته وعبراتها لم تكف عن الانهمار وهي تقول:
- كده!! كده سبتني في الدنيا الوحشة دي... ماخدتنيش معاك ليه!!... أنت عارف أنا من غيرك هبقى عايشة حلاوة روح... ااااااااه يا بابا... ااااااه يا حبيبي.
واستمرت في النشيج والبكاء وهي تعتصر جلبابه وكأنها تعانقه حتى هدأت.. أمسكت بالمصحف الشريف الخاص به وقرأت بعض السور القرآنية بصوت عذب ومليء بالشجن.
طرق الباب وقال الطارق:
- خديجة أنتي صاحية؟
خديجة: صدق الله العظيم...
أغلقت المصحف ووضعته جانبًا وقالت:
- اتفضلي يا طنط.
ولجت جيهان إلى الداخل وقالت:
- الستات كلها بتسأل عليكي عشان يعزوكي.
خديجة بصوت خافت:
- مش قادرة أقابل حد.
جلست بجوارها وقالت:
- مينفعش يا حبيبتي لازم تشدي حيلك، إنتي كده بتزعلي باباكي الله يرحمه.
بدأت بالبكاء مجددًا وقالت:
- مش قادرة يا طنط جيهان استحمل فراقه، ده بالنسبة لي كان كل حاجة.
احتضنتها بحنان أمومي وقالت:
- هو راح في مكان أحسن من هنا بكتير... وافرحي له يا خديجة أنتي بنفسك لقيتيه متوفي وبين إيديه كتاب ربنا... وما أحسنها خاتمة... وربنا يحسن خاتمتنا جميعًا.
خديجة وهي تكفكف عبراتها:
- يارب... نفسي أروح له.
جيهان: ربنا يبارك في عمرك يا حبيبتي وبإذن الله ربنا يجمعكو في الجنة... يلا قومي اغسلي وشك عشان الكل بيسأل عليكي.
أومأت لها لتذعن بما طلبت.
***
وبداخل المنزل المقابل...
- يالهوي يا خالتي على الجماعة قرايبهم بيدل إيه وعربيات إيه... دي العربية اللي جيت فيها مع طه ولا كأنها عربية رئيس الجمهورية.
قالتها سماح.
صباح وفمها متسع بسعادة قالت:
- حقه يا بت لو طلعوا قرايبهم بصحيح، ده يبقى كده اتفتحلنا طاقة القدر.
سماح: بقولك كان بيقول للراجل الكبير يا عمي، والست مراته شبه نجوم السيما كانت عمالة تحتضن وتهدي في الملعونة أخت طه... آه يا ناري كان نفسي أجيبها بسناني لما هبت فيا وسط الناس لما كنت بولول على أبوها.
صباح: مش مشكلة المهم رميتي لهم كلمة عشان يفهموا إنك مرات ابن أخوهم وليكي حق كمان.
سماح وهي تتذكر وانتابها الخوف:
- آه فكرتيني ده أنا لما صوت وقولت كلمة يا حمايا... طه بصلي حتة بصة كان هاين عليه يدفني جمب أبوه.
صباح: يبقى يجي جمبك كده ويشوف هعمل فيه إيه... قال يدفنك قال.
رن جرس المنزل ومعه طرقات عنيفة.
سماح: حاضر ياللي بتخبط الباب هينخلع الله يهدك.
فتحت الباب فصرخت بذعر وركضت تتحامى في خالتها.
أوصد خلفه الباب والشياطين تتراقص أمام عينيه وقال بصوت مرعب:
- إيه اللي عملتيه ده في الترب؟
صباح: في إيه أنت يا عم طه... هو ده جزائها وقفت جمبك زي أي واحدة بتقف جمب جوزها في الشدة.
دفعها طه من أمامه ليجذب سماح من رسغها وثنى ذراعها خلف ظهرها فتأوهت وقالت:
- والله ما كان قصدي حاجة يا سي طه... ااااه.
طه بنبرة غضب وتهديد:
- إياكي ألمحك بس بره باب الشقة... وكيد النسوان اللي بتعمليه ده مش معايا أنا، لإما هوريكي مين هو طه البحيري يا روح خالتك.
قالها ودفعها بعنف فارتمت على الأريكة.
سماح: اااه إلهي تتشك في إيدك... دراعي كان هيتخلع.
صاح فيها:
- المرة الجاية هتبقى رجليكي... وإياكي ثم إياكي يا سماح تفكري تعملي حركاتك دي تاني قدام قرايبي، مش هتكفيني ساعتها روحك... أنتي فاهمة؟
صباح: حيلك... حيلك يا...
قاطعها بصياح أرعبها:
- اخرسي يا ولية أنتي بالذات... واعملي حسابك تدورو على حتة غير هنا تسكنوا فيها أنتي وبنت أختك لأن مش ناقص اصطبح كل يوم بأشكالكو.
رمقهم بازدراء ثم غادر المنزل وصفق الباب بقوة.
سماح وهي تمسك برسغها بألم قالت بتوعد:
- بتعمل عليا دكر!! صبرك عليا إما وريتك مبقاش أنا سماح بنت سيدة.
***
فتح عينيه بتثاقل وتأوه عندما حاول تحريك ذراعه المكسورة.
قال الطبيب المتابع لحالته:
- حمد الله على سلامتك يا بطل.
قال بصوت واهن:
- أنا فين؟
الطبيب: زي ما أنت شايف في المستشفى.. خطيبتك وواحد كان معاها جابوك من يومين وأنت غرقان في دمك غير كسر دراعك الشمال والكدمات اللي مالية وشك وجسمك.
أخذ يتذكر ما حدث له فقال:
- هي فين؟
الطبيب: لما خرجت من العمليات روحتلها عشان أطمنها عليك لقيتها مشيت هي واللي معاها، بعد كده جالنا واحد وساب لك الظرف ده وقال إنه من خطيبتك...
تناوله يونس فقال:
- معلش يا دكتور ممكن تفتحه.
الطبيب: طبعًا.
وقام بفتح الظرف وأخرج جواب مطوي فأعطاه إياه.
أمسكه يونس بيده اليمنى وقرأ محتواه، وبدأت ملامحه بالضيق ثم الغضب، فأطبق الجواب بداخل قبضته وهو يجز على أسنانه.
الطبيب: في حاجة حضرتك؟
يونس: مفيش... هو موبايلي فين؟
الطبيب: حاجة حضرتك في الأمانات.
يونس: طيب ممكن أعمل مكالمة من عندك؟
الطبيب وهو يخرج هاتفه ويعطيه له:
- اتفضل يا فندم.
قام بالاتصال على شقيقه.
***
بعدما أوصلها لدى منزل خاله انتظر ريثما تدخل ويطمئن أنها لن تكون بكاذبة... لكن هيهات، اتسعت عينيه والشك يساوره... فإنها خرجت بمفردها وليست برفقة والدتها، وتتلفت يمينًا ويسارًا لتشير إلى سيارة أجرة.
عزم على الذهاب خلفها لكن رنين هاتفه أوقفه فتأفف ولم يجب، فتكرر الاتصال بنفس الرقم الغريب فزفر بسأم وأجاب:
- ألو...
***
يقف أمام النافذة يدخن بشراهة ولديه مكالمة هاتفية.
قصي: اتوفى إمتى؟
المتصل: ..........
قصي: ماشي... أقفل دلوقتي.
أغلق المكالمة وهو يغمض عينيه ليسترجع من ذاكرته ذلك المشهد...
(فلاش باك)
يركض هؤلاء الأطفال خلف بعضهم بفرح، لكن هناك أكبرهم يقف جانبًا يتابعهم بنظرات طفولية بريئة...
اتجهت نحوه والدته وتصيح به:
- مش قولتلك متخرجش برة أوضتك ولا كلامي مبيتسمعش؟
قالتها وهي تضربه على يده فأجهش بالبكاء.
أتى إليهم رجل يبدو على وجهه التقوى والإيمان فقال:
- ليه بتضربيه كده يا بنتي ده طفل صغير.
السيدة: سالم بيه.. معلش أصل حكيم بيه محرج عليا أخرجه خالص.
سالم: لا حول ولا قوة إلا بالله... ده طفل ومن حقه يلعب زيه زي أصحابه هنا في البيت... يا آدم... يا آدم.
ركض ذلك الطفل ذو الشعر المسترسل على جبينه وقال بنبرة طفولية:
- نعم يا عمو.
التفت سالم للطفل وقال:
- اسمك إيه يا حبيبي؟
الطفل: قص...
قاطعته والدته وقالت:
- محمد.. اسمه محمد.
سالم: ما شاء الله ربنا يبارك لك فيه يا بنتي.
فأخرج من جيبه بعض الحلوى وأعطاها له.
أخذها الطفل بعفوية وقال:
- شكرًا.
ربت سالم فوق رأسه وقال:
- الشكر لله يا بني... خده يا آدم يلعب معاكو.
قطب آدم حاجبيه وقال:
- جدو قالنا منلعبش معاه وملناش دعوة بيه.
سالم: متخافش خليه يلعب معاكو وأنا هكلم جدو.
السيدة: خلاص يا سالم بيه مش عايزة مشاكل مع حكيم وعزيز بيه الله يخليك.
احتضن سالم الطفل وكأنه ولده وقال:
- أنا هبقي أجيبلك طه المرة الجاية يلعب معاك... ماشي يا حبيبي؟
أومأ له الطفل بالموافقة.
(باك)
زفر دخان السيجار بقوة... ثم ألقى بها في المنفضة وغادر المكتب.... فنادى بصوت جهوري:
- داده زينات.
ركضت إليه وقالت:
- أمرك يا بيه.
قصي: خليهم يحضروا الغدا ويطلعوه فوق.
زينات: حاضر... بس صبا هانم مش فوق.
قصي: راحت فين؟
- نزلت من بدري في الجنينة وكانت معاها أميرة عشان لو حبت تتحرك.
قصي: خلاص هاتوا الغدا في الجنينة.
زينات: أمرك يا باشا.
ثم ذهبت.
وهو اتجه إلى الحديقة باحثًا عنها في كل الأرجاء... اشتد على قبضته بغضب وزفر بضيق... فنادى لإحدى رجال الحرس فأخبره أنها في إسطبل الخيول خلف القصر...
تنفس بأريحية وذهب إليها...
***
تمسك ببعض قطع السكر بداخل كفها وتمدها بالقرب من فم الخيل.. فتناولها وهي تشهق بخوف.
الخادمة: متصوتيش عشان ميخافش وممكن يعضك.
وصل إلى الإسطبل فالتفتت الخادمة وقالت:
- قصي بيه؟
أشار إليها بالذهاب ثم اقترب من صبا التي لم تعره اهتمام...
قال: بتعملي إيه هنا؟
أجابته بسخرية ولم تنظر له:
- بروض الحصان.
ضحك وقال:
- ومعنى إنك أكلتيه سكر كده روضتيه!!
التفتت إليه وقالت بحنق:
- وإيه اللي يضحك في كده؟
أجابها:
- عشان ترويض الخيل مش كده خالص... يعني أولًا مينفعش كل ما تكوني جمبه تبقي خايفة.
قالها ثم اقترب منها محاوطًا جسدها بين ذراعيه ويقف خلفها ممسكًا بالباب الحديدي الموصد على الخيل... التفتت إليه وقلبها يخفق بقوة من قربه الشديد منها وهو يحدق في عينيها ثم يرمق شفتيها التي تعتصرهم من التوتر.
أردف بصوت مليء بالرغبة:
- ها لسه خايفة برضو؟
فضرب بقبضته البوابة فأصدر الخيل صهيل دوي في أذنها مما أفزعها فاندفعت تحتضنه بشدة، لأنه يعلم مدى خوفها من الخيل.
ابتعد قليلًا وهو يفتح البوابة وما زالت تعانقه... خرج الخيل فربت على جانبه حتى هدأ.
رفعت وجهها من صدره وقالت:
- قصي خدني من هنا أنا خايفة.
ضمها بحنان وقال:
- متخافيش طول ما أنا جمبك.
حملها ليضعها فوق الخيل وصعد خلفها.
صبا بنبرة قلق وخوف:
- قصي.. نزلني.
التصق بظهرها حتى شعرت بعضلات صدره المشدودة، ومد ذراعيه من أسفل مرفقيها حتى يمسك باللجام ليضعه بيدها وقال:
- امسكي اللجام كويس.
التفتت بزاوية برأسها فتقابلت أنفاسهم وزيتونيتيه صوب رماديتيها... أنفه تكاد تلامس أنفها التي تستنشق أنفاسه... تفوهت بشفتيها التي على وشك أن تلمس شفاهه... فقالت:
- مش هقدر.
شد اللجام ليرمح الخيل للخارج... وقال قصي:
- قولتلك متخافيش... أومال عايزة تروضيه إزاي لازم تكوني متحكمة فيه كويس واللجام في إيدك لأن لو حس بخوفك هيقلبك من فوق ضهره.
شهقت عندما أسرع الحصان بالركض... تمسكت باللجام بقوة... انتفضت عندما قفز الخيل حتى أنها شعرت بأنها ستهوي من فوقه لكن تلك اليدين حاوطت خصرها فاطمأنت... ظلت هكذا حتى زال الإحساس بالخوف.
أخذ اللجام من يدها وقال:
- كفاية كده النهاردة.
ثم قاد الخيل إلى داخل الإسطبل.. وقفز من فوقه وساعدها بالنزول وهو يحملها من خصرها وهي تستند بكفيها فوق أكتافه... ولأول مرة يعتريها ذلك الشعور الذي أصاب قلبها وهي تحدق في عينيه... دقات قلبها اخترقت مسامعه... شفتيها ترتجف ببطء تدعوه بتذوقها... ظل ينظر في عينيها ثم شفتيها لينحني نحوهما...
أوصدت أهدابها لتبدأ تلك الملحمة وهو يلتقم شفاها التي أغرقته ف أنهار من العسل يرتشفه من فمها ... تعمقت قبلته عندما تسللت يديها إلي خصلات شعره خلف رأسه وكأنها لاتريد أن يبتعد .. . لم تشعر بقدميها حيث رفعها لأعلي ... دوي صهيل الخيول فأفزعها لكن مازال يتحكم بها بقبلاته فتعثر بها ليقعا ع كومة القش ... توقف عن تقبيلها عندما شعر بإختناقها ... أخذ يلهث وقال هامسا بعشق :
أنا بعشقك أوي
قالت بتوتر وهي تحاول النهوض من أسفله :
أ أأنا كنت ....
وضع أصبعه ع شفتيها وقال : بسس ... الي حسيته معاكي دلوقت ولا مليون كلمة تقدر تعبر عنه
صبا : أنا كنت هقولك الي بيعشق مبيأذيش الي بيعشقه وبيحبه
قصي : أنا بعترف إن أذيتك أكتر من مرة بس ده كان من حبي وغيرتي عليكي ... فكرة إنك عايزه تهربي مني متعرفيش كانت بتوجع قلبي إزاي
نهضت وهي تنظف ثوبها وخصلات شعرها من القش ثم ألتفت إليه وقالت :
أنا ممكن أسامحك ع كل الي عملته معايا من أول جوازك مني غصب و أخدت حقك مني غصب عني لحد قساوتك معايا ... كل ده هسامحك فيه بس ع شرط
نهض ليقترب منها وقال : وشرطك أي ؟؟
صبا : تشيل خالي و أولاده من دماغك والي ناوي تعمله أنت و الي أتفقت معاهم إنك تخسرو خالي شركاته تنساه خالص
عقد حاجبيه وقال بصوت مرعب : وأنتي عرفتي منين بالأتفاق ده ؟؟؟
ف
أبتعدت إلي الخلف وقالت : عرفت وخلاص
أغمض عينيه وهو يسترجع أحداث يوم الإتفاق فتذكر شيئا ... فتح أهدابه لتسود الظلمة مقلتيه فقال مبتسما بسخرية :
عشان كده خدتي الموبايل من زينات ... كنتي عايزه تتصلي بحبيب القلب وتقوليلو وفكراني مغفل وهاصدقك لما تضحكي عليا وتقوليلي عايزه تكلمي باباكي ... قالها وهو يمسك بمرفقيها بقبضتيه
لم تستطع التفوه من ملامحه المرعبه عندما يغضب فأردف بصياح :
انطقييييي
صاحت بغضب هي أيضا وقالت بتحدي غير مبالية بذكر الأسم الذي يوقظ شيطانه :
ايوه كنت هكلم آدم وهقوله ياخد حذره هو خالي لأن عمري ماهرضي إنك تدمر الي بنوه من سنين وأقف أتفرج
حاول تمالك قوي غضبه الجامح فقال : تعرفي الي كنتي هاتعمليه ده اسمه أي ؟؟ ولا عقابه بيبقي أي عندي ؟؟؟
صبا بعند وإصرار صاحت به : سميه زي ماتسميه ... عايز تسميها خيانة براحتك
أشتدت قبضتيه حتي شعرت بساعديها تكاد تنفصل عن عضديها فقال :
والخيانة تمنها عندي الموت ياصبا
تحملت الألم فقالت بيأس : موتني ياقصي ... لو ده هيريحك أقتلني
ترك زراعيها وأبتعد عنها قبل أن يصب غضبه عليها ويعود إلي نقطة البداية ... ذهب مسرعا ليتركها بمفردها تبكي ... وبعد لحظات جاءت زينات حيث أرسلها قصي لتسندها وتعود بها إلي داخل القصر .
*****************************
_ توقفت سيارة الأجرة ف منطقة نائية ... ترجلت منها لتجد من ينتظرها بسيارته ... فتحت الباب وولجت إلي الداخل بجواره
مروان : كل ده تأخير ؟؟
إنجي وهي تخلع نظارتها السوداء بتأفف قالت : أووف أسكت عشان أنا نفدت من يوسف بأعجوبة ... أصر يوديني لحد مامي عملت نفسي دخلت الفيلا وطلعت تاني
مروان : إفرضي لو كان مستنيكي بره يا فالحة واكتشف إنك بتكدبي عليه ؟
إنتابها القلق فقالت : بس بقي أنت بتخوفني ليه ... يلا خلينا نخلص من الحوار بتاعنا ده
مروان : جيبتي الأوراق ؟
فتحت حقيبتها وأخرجت ملف ورقي وقالت :
الأوراق أهي ... بس أنت متأكد من صاحبك ده ؟
مروان : عيب عليكي هو أنتي شيفاني أي بالظبط
أبتسمت بدلال وقالت : شيفاك مروان الي محبتش ولا هاحب حد غيره
أمسك يدها وقام بتقبيلها وقال : وأنتي قلبي يا أنوجه
إنجي : طيب يلا بسرعه عشان ألحق أرجع القصر قبل ما يوسف يجي وممكن يتصل ع مامي
مروان : وهي خالتي مش ف البيت ؟
إنجي : بطل ذكاء يا مروان مامي لو عرفت إن بكلمك هتفتح معايا سين وجيم وأنا مش ناقصه صداع
مروان : اصبري بس يا حب المشروع ينجح ونكسب ساعتها هتطلقي من يوسف ونتجوز ونسافر أمريكا
أنجي بتعجب قالت : أتطلق!!
مروان : مالك أستغربتي ليه ؟؟
إنجي : أصلك أول مرة تقولي حاجه زي كده
مروان : الظاهر إنك مش قادرة تستغني عن الدكتور لسه
إنجي : مروان أظن كان إتفاقي معاك علاقتنا حاجة وجوازي حاجة تانية ولو عملت كده زي مابتقول هخسر أهم حاجة ف حياتي وهي بنتي وبعدها أهلي
مروان بحنق قال : اصدك يوسف وإمبراطورية البحيري
إنجي : أوووف بقي مش هنخلص
رمقها بنظرات توعد .. فضغط بقدمه أكثر ع المكبس لتزيد سرعة السيارة متجهين نحو البنك .
*********************************
_ تتسحب لتفتح الباب بهدوء فوجدت كنان يقف أمام الغرفة يلعب ع هاتفه... فأبتسمت بمكر ثم قامت بمناداته :
كنان .. كنان
نهض وهو يضع هاتفه بجيب بنطاله وذهب إليها وقال :
محتاجة حاجة يا آنسه كارين ؟
كارين : اه ممكن خدمة .. أنا زهقت والدكتور شكله هيتأخر فممكن تشتري لي إسكتش كانسون وقلم فحم أتسلي شويه
كنان : اعذريني ... قصي باشا لو عرف إن أتحركت من أدام الأوضه يموتني
كارين بدلال مصتنع : بعد الشر عليك ... أنت هاتلي الحاجه بس ومتخافش مش هقوله
كنان : بس ا.....
قاطعته وهي تمسك يده برجاء : بليز كنان أنا أول مرة أطلب منك حاجة
أبتلع ريقه عندما لامست يدها يده وحدق بعينيها ذات لون العسل الصافي ... فأذعن لطلبها وقال :
من عينيا
قالها وذهب ليشتري لها ما طلبت .. أنفرجت أساريرها بنجاح أول جزء بمخططها ... وبعدما أطمأنت من مغادرته أزالت تلك المحاليل المعلقه بيدها و خرجت بخطي سريعة تتلفت حولها حتي وجدت الدرج فهبطت ع الفور ... وأخيرا غادرت المشفي بأكمله وأستقلت سيارة أجرة بعدما أوقفتها وأنطلقت بها
_ بعدما ذهب فتوقف فجاءة وهو يتذكر معصمها الملفوف بالجص وقال : اي ده هترسم إزاي وإيدها اليمين ف الجبس !!! ... ليكون .... ضرب جبهته بكفه وقال : يا ليلتك السوده يا كنان لو الي ف بالي طلع صح ..
ركض وعاد إلي المشفي وصعد الدرج مسرعا حتي وصل إلي غرفتها وهو يلهث ليجدها شاغرة وأنابيب المحاليل ملقاه ع التخت ....
قام بمهاتفة الحراس المنتظرين بداخل السيارة أمام المشفي
كنان : ظرف ساعة وترجعو بأخت قصي بيه بدل ما هرجعله بجثثكو منك ليه
الحارس : أمرك يا كنان بيه
_ أغلق المكالمة وزفر بغضب وقال : أنا غبي ... غبي ... غبيييييي
صاح بالأخيرة وهو يركل المقعد بقوة لينقلب أرضا
*****************************
_ دلف إلي داخل القصر يوسف وهو يسند شقيقه يونس ...
يونس بوهن قال : طلعني بسرعة أوضتي مش عايز أشوف حد ولا حد يشوفني بالمنظر ده
يوسف : ده الكسر الي ف دراعك هيقعد ع الأقل 6 شهور يعني هتختفي فيهم يعني !!!
يونس : يوسف أرجوك كفايه رغي واسمع الي بقولك عليه أنا تعبان ومش قادر
تنهد يوسف وقال : حاضر أنا هطلعك وهخليهم يحضرولك الأكل عشان تاخد العلاج
قابلهم مصعب الذي أنفزع من مظهر يونس وقال :
اي الي حصلك ... الف سلامه عليك
يوسف : إبن حلال يا مصعب جيت ف وقتك ... طلعو فوق عشان أنا كتافي أتخلعت منه
أمسك مصعب به وساعده ع صعود الدرج فقال يونس : هم راحو فين ؟
مصعب : عمك سالم البقاء لله
يونس بنبرة حزن : لا إله إلا الله .. ربنا يرحمه
فأكمل مصعب وقال : عزيز بيه وياسين وآدم وجيهان هانم ف العزا هناك ف الحارة وزمانهم جايين
وصل كليهما إلي الغرفه ... ساعده مصعب ع التمدد بفراشه وقال :
حضرتك محتاج أي حاجه تاني ؟؟؟
يونس : لاء شكرا
مصعب : عن أذنك .... قالها ثم غادر الغرفه
وف طريقه بالرواق وقف أمام غرفتها أراد أن يطمأن عليها فطرق الباب
لم تجيبه فظن إنها نائمة لكنه توقف عندما صوت حسن وعذب يغني ... مصدره غرفتها ... وبدون أن يشعر فتح الباب وولج إلي الداخل فوجدها تقف بداخل الشرفة تنظر إلي القمر وتغني من روائع كوكب الشرق أم كلثوم (مقطوعة من أغنية أنت عمري)....
وإن أنتهت من الغناء صفق وقال : الله عليكي
ألتفت وركضت نحوه كالفراشة وقالت : أي ده أنت هنا من أمتي ؟؟
مصعب : من وقت بداية الوصلة لنهايتها
توردت وجنتيها بخجل وقالت : أنا عارفه صوتي مش حلو بس قولت أسلي نفسي شويه
مصعب : بالعكس والله صوتك جميل أوي وبيدخل القلب ع طول
أقتربت منه وهي ترفع رأسها لتحدق ف عينيه وقالت :
شكرا
أبتسم لها وقال :
العفو ع أي يا آنسه ملك
ملك : ع كل حاجة ع حمايتك ليا طول الوقت وأنقذتني من إيد الحيوان الي اسمه رامي
تضايق عندما تذكر ماحدث فأمتعضت ملامحه ... تفاجاء بالتي تلف زراعيها حول جذعه ورأسها تتوسد صدره العريض وقالت :
ربنا يخليك ليا وميحرمنيش منك أبدا
تسمر جسده من ذلك العناق طالما تمناه ف أحلامه وهي ملكه وبين يديه ... لم يدرك حاله وهو يبادلها المعانقة حتي بدت كالعصفورة بين زراعيه ... لم يستطع كبح لسانه الذي تفوه وقال :
أنا بحبك ... بحبك أوي يا ملك
أبتعدت ويتملكها الشعور بالصدمة فأردف بنبرة مليئة بعذاب عاشق :
متستغربيش ... أنا بحبك وأنتي لسه بيبي ... كنتي بتكبري ادام عيني وبيكبر حبك جوه قلبي ... بفرح لفرحك ... بزعل لزعلك ... ولما كان حد بيبصلك كنت ببقي عايز أحرقه بالنار الي كنت بحس بيها من غيرتي عليكي
ملك : م.....
قاطعها وقال : أرجوكي اسمعيني للأخر ... أنا عارف أنه مستحيل فرق المكانة وفرق السن الي مابينا بس أنا كنت محتاج أقولك ع الي جوايا ومش منتظر إنك تبادليني مشاعري ناحيتك ... فكل الي بطلبه منك إنك مضايقيش نفسك والي حصل معاكي ده يعلمك متأمنيش لأي حد و ف نفس الوقت عايزك ترجعي ملك البنت الحلوة الي ضحكتها بتنور الكون وبتخليني أسعد واحد ف العالم .
فتح الباب فألتفت كليهما ليجدوا يوسف ينظر إليهم بتجهم
شعر مصعب بإحراج فقال : يوسف بيه أنا...
قاطعته ملك وقالت : مصعب كان بيطمن عليا عشان منزلتش من أوضتي طول اليوم
قال يوسف :
عارف يا حبيبتي ... أنتي يعتبر أخته الصغيرة وبيخاف عليكي زينا بالظبط ... قالها وهو يرمق مصعب الذي أدرك مايرمي إليه
هم مصعب بالمغادرة وقال : عن أذنكم ... ثم ذهب
أغلق يوسف الباب وأقترب من ملك وعانقها بحنان الأخ وقال :
بطتي الصغيرة عامله أي النهارده ؟
بادلته العناق وقالت:
الحمدلله بقيت أحسن ... هي ماما فين مشوفتهاش النهارده خالص
لم يريد إخبارها بالوفاة حتي لايؤثر سلبا ع حالتها النفسية فأضطر إلي الكذب وقال :
جيجي عند خالك وزمانها جايه
_ سميرة ... خليهم يعملولي سندوتشات وكوباية عصير ... قالتها إنجي التي وصلت للتو ذاهبة نحو غرفتها
يوسف : طيب يا ملوكة قولت هاطمن عليكي قبل ما تنامي ... هاسيبك ترتاحي ... عايزة حاجة ؟
ملك بإبتسامة قالت : ميرسي يا جو
قبل جبهتها وقال : تصبحي ع خير يا حبيبتي
ملك : وأنت من أهله
ذهب وتركها ف رحلة السهر فلما لا فكلمات مصعب النابعة من قلبه ستسلب النوم من عينيها وستظل تفكر ف كل ما قيل ... لكن هل قلب تلك الملاك سيشعر بذلك العاشق أم لا!!!
************************************************
_ كنتي فين ؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ... صاح بها يوسف وهو يثني زراع إنجي إلي الخلف بقسوة
تأوهت وصرخت ف وجهه : أنت أتجننت !!! ... أنا كنت عند مامي وأنت الي وصلتني بنفسك
لم يستطع كبت غضبه فهوي بكفه ع وجهها بصفعة قوية وصاح بها : كداااااااااااااابه .... ثم جذبها من خصلاتها بعنف وأردف : أنا شايفك بعينيا وأنتي يدوب لما دخلتي المدخل وطلعتي تاني وركبتي تاكسي
أتسعت عينيها فقالت بتلعثم : ممم ما أنا ملقتش حد فأتصلت عليها قالتلي تعاليلي عند المول
قبض أكثر ع خصلاتها لتصرخ وقال : وفكراني هاصدقك صح !!!! ...
- قسمًا عظمًا يا إنجي لو ما قولتي كنتي فين لهتشوفي أيام أسود من شعر راسك، ومحدش هيحوشني عن اللي هعمله فيكي.. أنا مش طايقك من ساعة يوم ما خرجنا وخبيتي عليا اللي حصل لملك عشان أنانيتك وأعرف بعدها بيوم.. ده غير الـ...
قاطعه صوت رنين هاتفها فتركها وأخذ حقيبتها، ليشحب وجهها خشية أن يكون المتصل مروان، فأجاب على الاتصال:
- ألو يا طنط.
والدة إنجي:
- إزيك يا جو عامل إيه؟
يوسف:
- الحمد لله.. معلش كنت عايز آجيلك مع إنجي النهاردة بس جالي مشوار مهم.
والدتها:
- مش فاهمة حاجة، هي إنجي عندك؟
رمقها يوسف بازدراء وألقى الهاتف في وجهها، فتناولته وقالت:
- مامي.. صح يا حبيبتي أنا نسيت معاكي النهاردة الكريدت وإحنا بنشتري الفستان بتاع لوجي.
والدتها:
- هو في إيه يا إنجي.. آه فهمت.
إنجي:
- خدي يا مامي كلمي يوسف عشان مش مصدق إني كنت معاكي النهاردة.
أعطته الهاتف.
يوسف:
- ألو يا طنط.
والدتها:
- معلش يا جو مقدرتش أحضر الجنازة أنت عارفني مبستحملش المواقف دي، ومتقلقش إنجي كانت معايا.
يوسف بعدم تصديق:
- حاضر يا طنط مصدقك.. معاكي أهي.
أعطاها الهاتف ورمقها بنظرات قاتلة وذهب إلى المرحاض. وضعت الهاتف على أذنها وقالت:
- أيوة يا مامي.
والدتها:
- بتهببي إيه من ورا جوزك وخلتيني أكذب عليه؟
إنجي بصوت منخفض:
- هفهمك بعدين لما أشوفك، يلا باي.
والدتها:
- عارفة يا إنجي لو طلع اللي في بالي وهو إنك قابلتي مروان..
إنجي:
- مامي بليز مش وقته خالص هفهمك بعدين، واطمني مش اللي في دماغك.. يلا باي.
أخذت تتحسس موضع الصفعة وقالت:
- الله يحرقك يا مروان.. أنا هخلص المصلحة اللي معاك دي ومش هتشوف وشي تاني.
***
في اليوم التالي..
استيقظت بفزع على صوت طرقات الباب.. تناولت إسدال الصلاة لترتديه سريعًا تاركة زوجها الذي يغط في سبات عميق. فتحت الباب ليدفعها بعنف شاب ذو ملامح مخيفة شاهرًا سلاحه في وجهها وقال:
- لو صرختي يا مزة هقطعلك وشك الحلو ده.
دلف خلفه شخص آخر لا يفرق عنه.
شيماء برعب قالت:
- إنتو مين وعايزين إيه؟
الشاب:
- عايزين فلوس البضاعة بتاعة المعلم من المحروس جوزك.
خرج عبد الله الذي تحامل على آلام جسده التي لم تندمل بعد وقال:
- خشي جوه يا شيماء.
فجذبها الشاب ووضع السكين عند نحرها وقال:
- لو خايف عليها هات الفلوس أحسنلك وأحسنلها.
عبد الله بصياح:
- ابعد إيدك عنها أحسن وديني لأدفنك..
لم يكمل ليضربه الآخر وأوقعه أرضًا.
- عبد الله..
صرخت بها شيماء.
عبد الله:
- فلوسكم المعلم بعت الزفت اللي اسمه برشامة وخدها مني.
الشاب:
- ملناش دعوة ده حسابك معاه هو.. لكن حساب المعلم لسه عندك، وأمرنا يا نجيب له الفلوس يا راسك بدالها.. أو ممكن راس السنيورة مراتك ولو إنها خسارة في الموت.
قالها وهو يرمقها بنظرات شهوانية قذرة. صاح عبد الله وهو ينهض:
- يا ابن الـ...
ليقاطعه الآخر بضربة أخرى.
شيماء بنبرة رجاء:
- أرجوك سيبه وأنا هجبلكوا الفلوس.. هو المبلغ كام؟
تركها الشاب وقال:
- كده الكلام المظبوط.. اتعلم من مراتك يا خروف.. الحساب يا مزة عشرة آلاف جندي.
شيماء:
- ثواني هجيب المحفظة بتاعتي.
الشاب:
- رجلي على رجلك يا قطة.
شيماء:
- متخافش.. مش هنط من الدور الرابع يعني.
ذهبت إلى الغرفة ثم خرجت وهي تعطيه ورقات مالية وقالت:
- خد دول ألفين جنيه.
رفع الشاب حاجبه بتهكم وقال:
- نعم يا قطة!
شيماء وهي ترفع معصم الإسدال:
- ما تستنى يا عم إنت.
ثم خلعت أسورة ذهبية وقالت:
- خد الأسورة دي تعملها 8000 وشوية.
الشاب:
- بتضحكي عليا بأسورة صيني؟
شيماء:
- وربنا أبدًا دي ورثاها من أمي الله يرحمها، ولو مش مصدقني وديها لأي جواهرجي وهو يأكدلك إنها دهب حقيقي.
الشاب:
- خد يا حوكا شوفها دهب ولا القطة بتسرح بينا.
أخذها الشاب الآخر وتفحصها بعدسة صغيرة أخرجها من جيبه وقال:
- أيوة يا شبح دي دهب وعيار 21 كمان.
شيماء:
- صدقت؟
الشاب:
- لا مؤاخذة يا مدام دي فلوس ناس برضو.. وآسف على الإزعاج.
ثم انحنى نحو عبد الله وقال:
- لما إنت مش قد لعب المعلم متلعبش معانا تاني وشوفلك سكة تانية غيرنا يا.. يا شبح.
ثم نظر إلى شيماء يتفحصها بنظرات جريئة وقال:
- سلام يا قطة.
فذهب برفقة صاحبه، فأوصدت الباب خلفهم.. نهض عبد الله بتثاقل واقترب منها وكاد يتفوه فصرخت في وجهه:
- ابعد عني.. عمرك ما هتتغير أبدًا.
ذهبت إلى غرفتها وهي تبدل ثيابها.
عبد الله:
- بتعملي إيه؟.. اصبري هفهمك.
شيماء:
- مش عايزة أعرف لأني فهمت كل حاجة، وهي قد إيه إنك كداب و.. وملكش أمان، وخليت أشكال زي دي تتهجم على حرمة بيتك، عايز تعمل فيا أكتر من كده!
عبد الله:
- والله..
قاطعته:
- اخرس.. إياك تحلف بربنا تاني كذب إيه مبتزهقش! ويكون في معلومك أنا رايحة عند أبويا، ياريت تخلي عندك دم وتبعتلي ورقتي.
رواية صراع الذئاب الفصل التاسع عشر 19 - بقلم ولاء رفعت علي
بعد مرور أيام...
في قصر العزازي...
ابتعد عنها في تلك الآونة، تعمد ألا يراها واكتفى بأن يصعد إلى الغرفة ليلًا عند نومها وقبل أن تستيقظ يغادر على الفور... بينما هي كانت تعلم بتسلله ليلًا من رائحة عطره المتعلقة بثيابها وتملأ الفراش... وبالرغم أنها كم تمنت ذلك البعد لكن يخالجها شعور بالضيق مما جعلها سريعة الغضب... وفي يوم قررت أن تقتحم غرفة المكتب خاصته... ولجت إلى الداخل بعد أن دفعت الباب على مصراعيه تبحث عنه فلم تجده.
- مدام صبا!
قالها كنان وهو يحمل عدة أوراق.
التفتت إليه وقالت:
- فين قصي؟
كنان وهو يضع الأوراق فوق المكتب قال:
- الباشا في الشركة وجيت عشان أجيبله شوية أوراق... حضرتك عايزة حاجة؟
حدقت به لثوان ثم قالت:
- أنا جاية معاك.
رمقها باندهاش وقال:
- بس ا...
قاطعته وقالت:
- بس أيه؟ عايزة أروح لجوزي فيها حاجة دي!!... وهو مانعني أخرج طول وهو مش موجود غير لو أنت معايا.
فغر فاه من تلك الكلمة التي تفوهت بها لأول مرة ثم قال:
- أنا تحت أمرك بس ممكن دقيقة هكلمه.
عقدت ساعديها أمام صدرها بحنق وقالت:
- بسرعة.
تركها ليتحدث بالخارج... نظرت إلى الأوراق الموضوعة وأتاها الفضول لترى محتواها... أخذت تطلع لورقة تلو الأخرى حتى وقعت عيناها على ذلك الظرف المدون عليه من الخارج: "اسم المرسل: شركة آل البحيري".
كادت تقوم بفتحه لكن ألقت به في ثنايا الأوراق عندما دلف كنان.
كنان:
- أنا مستني حضرتك عقبال ما تجهزي.
كان ذهنها منشغلًا بذلك الظرف... صاح مناديًا:
- مدام صبا... مدام صبا.
انتبهت له وقالت:
- أأأي خلاص سمعتك... استناني هنا هاجهز ونازلة على طول.
قالتها وذهبت إلى غرفتها لتبدل ثيابها.
***
تسير في روضة مليئة بالعشب والورود البيضاء... انحنت نحو زهرة لتستنشقها فتفاجأت بيد تمسكها من فرعها... رفعت عينيها لترى والدها مبتسمًا لها.
انفرجت أساريرها بسعادة وقالت:
- بابا.
اعتدلت لترتمي على صدره وأردفت:
- وحشتني أوي يا حبيبي.
مسد على خصلاتها بحنان وقال:
- متزعلنيش منك يا خديجة.
ابتعدت برأسها وقالت:
- أنا زعلتك؟
أومأ لها بالإيجاب وأمسك يدها وقال:
- طه يا خديجة.
خديجة:
- هو السبب في إنك بعدت عني.
سالم:
- الموت قدر ومكتوب مفيش مفر منه.
خديجة:
- مش قادرة أسامحه يا بابا.
سالم:
- سامحيه يا خديجة... ربنا غفور رحيم... ولا يعلم الغيب إلا الله.
قالها ثم ابتعد كالطيف ثم اختفى... طرق على باب غرفتها فاستيقظت... فقالت:
- ادخل.
دلف طه إلى الغرفة وكان ينظر بحزن وكأنه يطلب السماح... بادلته بنظرة متجهمة إلى أن تحولت إلى ابتسامة خافتة وفتحت ذراعيها له ليركض نحوها ويعانقها بقوة ليجهش بالبكاء وقال:
- سامحيني يا خديجة... حقك عليا... أنا غلطت ومش عارف أسامح نفسي.
ربتت على ظهره وقالت:
- متعيطش يا طه... أنا مسمحاك يا أخويا... وأنت اللي سامحني على الكلام اللي قولتهولك كان غصب عني.
ابتعد عنها وقال:
- لأ أنتي كان عندك حق في كل اللي قولتيه.. أنا من يوم موت بابا ومش عارف أنام... حاسس بالضياع... بندم على كل لحظة زعلته فيها... أنا مستحقش أكون ابن الشيخ سالم.
وضعت يدها على وجنته وهي تمسح عبراته وقالت:
- هو مسامحك متخافش... أهم حاجة تبدأ مع نفسك وزي ما قولتلك قبل كده حارب شيطانك واهزمه وخليك قريب من ربنا... الطريق للرحمن كله نور بيحرق أي شيطان يحاول إنه يضللك... واللي يهزمه إيمانك القوي النابع من قلبك... وأقرب مثال ليك بابا الله يرحمه القرآن كان رفيق عمره ومات وهو بين إيديه وبإذن الله هيكون شفيع له.
طه:
- تعرفي كلامك ريح قلبي أوي.
خديجة:
- ربنا يهديك يا طه وينور لك طريقك ويبعد عنك الشيطان سواء إن كان من أهل إبليس أو شياطين الإنس.
رن جرس المنزل...
طه:
- خليكي هنا وهاروح أشوف مين.
ذهب وفتح الباب ليجد تلك الغارقة في البكاء وبيدها حقيبة ثياب...
- خالتي مشيت ومعرفلهاش طريق وأنا مليش مأوى ومعيش فلوس أأجر بيها حتى أوضة فوق السطوح.
قالتها سماح وهي تبكي.
تنهد بضيق فأشار إليها بالدخول وقال:
- ادخلي.
ولجت إلى الداخل فانتبهت إلى خديجة التي رمقتها بسخط واحتقار.
تركت الحقيبة واقتربت من خديجة وقالت:
- أنا عارفة إنك مبتحبنيش ولا بطيقيني بس أنا مبقاش ليا غيركو دلوقت فبطلب منك نفتح صفحة جديدة وتعتبريني زي أختك.
نظرت إلى شقيقها فأومأ لها فقالت:
- بصي يا سماح أنا بابا الله يرحمه علمني التسامح وإن مقفلش الباب في وش حد خصوصًا لو كان باب بيت الشيخ سالم البحيري الله يرحمه... فلو زي ما بتقولي عايزة تفتحي صفحة جديدة يبقى تحطي طه في عينيكي وتعيشي وسطنا بأدبك واحترامك.
ابتسمت سماح واندفعت نحوها لتعانقها فأوقفتها خديجة.. فابتعدت وهي تنظر بإحراج وخجل.
طه:
- أنا هنزل هشتري أكل وشوية حاجات محتاجين حاجة تاني؟
خديجة:
- شكرًا.
طه:
- خدو بالكو من نفسكو وأنا مش هتأخر... سلام.
***
تنظر من زجاج النافذة بضجر فقالت:
- أوووف بقالك ساعة سايق ولسه موصلناش!!
كنان:
- حضرتك زي ما أنتي شايفة الطريق زحمة... وبعدين لو اتأخرنا عادي كده كده قصي بيه عنده اجتماع.
صبا:
- طيب إنجز يا كنان عشان أنا مش طايقة نفسي.
كاد يضحك من طريقتها لكنه خشي من غضبها فكتم ضحكاته... وبعد مرور بعض الوقت وصلت السيارة أمام الشركة... نزل كنان ليفتح لها الباب فاندفعت مسرعة بدون أن تنتظر كنان...
- رايحة فين يا مدام؟
قالها حارس الأمن.
صبا:
- أنا أبقى مدام قصي العزازي.
أجابها بتوتر وقال:
- آسف يا فندم اتفضلي.
دلفت إلى الداخل... ليلحق بها كنان راكضًا...
- مدام صبا... استني بس حضرتك متعرفيش مكتب الباشا فين.
ولجت إلى داخل المصعد فأتبعها قبل أن يغلق الباب... فضغط على رقم الطابق الخامس ولم تنظر إليه بل كانت تتفقد مظهرها بالمرآة... لاحظت إنه يحدق بها فرمقته رافعة إحدى حاجبيها فأخفض بصره بخجل... توقف المصعد فقال:
- وصلنا يا هانم.
خرجت بزهو وكبرياء وكعب حذائها يسمعه كل من بالطابق، توقفت عند بهو ذو مساحة شاسعة يوجد به مكتب تجلس خلفه السكرتيرة... وأمامها باب كبير الذي ينفتح على مزلاج بداخل الحائط.
كادت تمسك بالمقابض فأوقفتها السكرتيرة وصاحت:
- اقفي عندك بتعملي أيه؟؟؟
رمقتها صبا من أعلى لأسفل وقالت:
- نعم!!!
صاحت بها السكرتيرة بحنق وقالت:
- داخلة كده من غير استئذان.
صبا صاحت بها بغضب:
- أنتي بتكلميني كده إزاي!!
السكرتيرة:
- عشان أنا هنا سكرتيرة قصي بيه وده شغلي.
رمقتها صبا بنظرات نارية وقالت بأمر:
- روحي قوليلو مدام صبا بره وشوفي هيقولك أيه.
السكرتيرة:
- ممنوع لأنه عنده اجتماع.
صبا:
- ممنوع!! الممنوع ده على أي حد مش أنا.. هتروحي تعملي اللي بقولك عليه ولا هدخل أنا بنفسي؟؟
زفرت السكرتيرة بضيق وأجابت بسأم:
- طيب استني هكلمه.
ثم أمسكت بسماعة الهاتف الداخلي وضغطت على زر فقالت:
- في واحدة يا فندم بتقول اسمها صبا عايزة تدخل لحضرتك...... حاضر يا فندم... أمرك.
وضعت السماعة ثم نظرت إلى صبا بانتصار وقالت:
- الباشا قال عنده اجتماع ومش فاضي استنيه لما يخلص هيبقي يبعتلك.
وصلت لذروة غضبها وقالت:
- الكلام ده ليا أنا!!! طيب مااااشي.
قالتها فاندفعت نحو الباب في محاولة من السكرتيرة لمنعها فدفعتها صبا بكل قوتها ثم فتحت الباب على مصراعيه لترى ذلك...
قصي يجلس على الأريكة الجلدية بجوار سيدة شقراء في قمة الجمال ذات عيون فيروزية ووجه مستدير وشعر أشقر منسدل على كتفيها العاريين في بداية الثلاثينات... تضع ساق فوق الأخرى ليتراجع طرف ثوبها إلى فوق ركبتيها... كانا يضحكان فتوقف كليهما لينظرا إلى التي تود قتلهما بنظراتها.
- والله يا فندم حاولت أمنعها ومقدرتش عليها.
قالتها السكرتيرة.
قصي وهو يشير إليها قال:
- روحي على مكتبك دلوقت.
ذهبت... فقالت صبا بسخرية وهي تعقد ساعديها أمام صدرها:
- هو ده بقى الاجتماع يا قصي باشا!!
رمقها ببرود وقال:
- اتفضلي اطلعي برة ولما هاخلص هندهلك.
اقتربت منهما كالعاصفة وصاحت في وجهه:
- أنت بتطردني من مكتبك عشان العاهرة دي!!!
أشارت نحو السيدة بازدراء.
نهضت السيدة وقالت:
- أنتي فـ...
أوقفها قصي بإشارة من يده وقال بصوت أجش:
- اعتذري لها يا صبا.
اتسعت عيناها باندهاش وقالت:
- نعم!!
قالها مرة أخرى بصوت مرعب:
- اعتذري لها يا صبا.
السيدة:
- خلاص يا قصي هي متعرفش أنا مين واضح إنها بتحبك وبتغير عليك.
قصي:
- اسكتي أنتي يا روان طالما غلطت لازم تعتذر.
صبا بصراخ وهي تحاول كبت عبراتها:
- وأنا مش هعتذر يا قصي.
وضع يديه في جيوب بنطاله وقال بنبرة تهديد:
- هتعتذري ومرتين، مرة لمدام روان ومرة لصوتك اللي عمال بيعلى، وإلا هيبقي ليا تصرف تاني معاكي.
اقتربت روان من قصي وهمست له برجاء:
- عشان خاطري خلاص بقى أنا مسامحة في حقي أنا ست زيها ومقدرة شعورها.
قصي بنبرة حازمة:
- اسكتي خالص يا روان أنا عارف بعمل أيه.
زفرت بسأم وخشيت أن يتطور الأمر فقالت وهي تمسك بسترتها وحقيبتها:
- عن أذنكو.
أمسكها قصي من يدها أمام صبا التي اشتعلت براكين بداخلها ولا تعلم هل بسبب أوامره وطريقته معاها أمام تلك الغريبة أم بسبب ما تراه حاليًا!!
قصي:
- رايحة فين.. لسه مخلصناش كلامنا.
سحبت يدها وقالت:
- أظن أولى أنك تقعد مع مراتك وتتصالحوا أحسن والكلام في الشغل يتأجل بعدين.
فاقتربت من صبا وأردفت:
- أنا مش زعلانه منك لأن لو مكانك كنت عملت أكتر من كده... وعشان تطمني قصي بالنسبالي زي أخويا الكبير وهو هيبقي يحكيلك سبب معرفتنا... وأتمنى أشوفك مرة تانية ونتعرف على بعض.
ظلت صبا ترمقها بنظرات متجهمة ولم تجب عليها... غادرت روان المكتب... فذهب قصي خلفها ليوصد الباب ولم تشعر بذلك حتى انتفضت من صوت صفق الباب بصوت أفزعها.
التفتت نحوه لتراه يرفع أكمامه ويثنيها لأعلى ثم خلع ساعة يده وألقى بها فوق المكتب يقترب منها بخطى هادئة ومرعبة معًا.
أخذت تتراجع بظهرها إلى الخلف حتى تعثرت ووقعت على الأريكة ولا مفر لها للهرب من أمامه.
***
بداخل السوق الشعبي حيث بائعي الخضروات والفواكه واللحوم... تسير في وسط الزحام تحمل بيدها أكياس بلاستيكية مليئة بمتطلبات تلك الشمطاء التي أجبرتها على التسوق وبصحبتها شقيقة زوجها...
- استنيني هنا هاروح أجيب حاجة من المحل وجاية.
قالتها فاتن.
رحمة:
- هتجيبي أيه تاني إحنا اشترينا كل حاجة ويلا عشان أنا مش ناقصة أسمع كلمتين من أمك ونتخانق تاني.
فاتن:
- متقلقيش بسرعة وجاية.. اقفي أنتي هنا في الضلة وجايلك على طول.
ذهبت فاتن... فاستندت رحمة بظهرها على الجدار في انتظارها... انقطع من قبضة يدها الكيس لينفرط منه حبات البطاطا والبندورة.
- أستغفر الله العظيم... ده اللي كان ناقص الكيس يتقطع.
قالتها وانحنت لتلملم الحبات وتضعهما بداخل الكيس الآخر.
بينما هي تتناول الحبات وكادت تضع يدها فوق إحداهم لتجد يد تسبقها... رفعت وجهها فتسمرت وقالت:
- طه!!
أمسك يدها وقال وهو يحدق في عينيها بنظرات عتاب:
- أيوه طه يا مدام رحمة... مبرووك... معلش جت متأخر.
نهضت وهي تجذب يدها من يده وقالت:
- أنت مالك بتلومني كأني اتجوزت بمزاجي مش غصب عني.
طه بنبرة سخرية:
- هو في واحدة دلوقت بتتجوز غصب عنها!!
صاحت بقهر وألم:
- اهااا يا طه فيه أنا... وتقدر تقول أهلي باعوني بأرخص تمن لواحد سافر بعد جوازنا بأسبوع وسابني خدامة لأمه ومش كده وبس لاقيت مستنيني مصير الجحيم أهون منه بمليون مرة...
- وأنت جاي تكمل عليا بنظرات عتابك ولومك عليا...
قالتها لتنفجر عبراتها، فكاد يقترب منها وهو يقول:
- رحمة أنا آسف مكنش...
قاطعته وهي توقفه بيدها وقالت:
- أبوس إيدك ابعد عني، أنا فيا اللي مكفيني.
مسحت عبراتها وهي تشهق فأردفت بابتسامة تهكمية:
- متقلقش عليا، الضربة اللي مبتقتلش بتقوي... وقريب أوي هاخد حقي من كل اللي ظلمني وجه عليا... وياريت تنساني لأن رحمة بتاعت زمان ماتت يا طه.
وفي تلك الأثناء كان علاء يتجول بالسوق باحثًا عن رحمة وشقيقته... فوقعت عينيه على رحمة وأمامها طه... جز على أسنانه بحنق... أسرع نحوهما وقال:
- إزيك يا طه عامل إيه؟
انتفضت رحمة من صوت علاء ونظرات الاتهام التي يرمقها بها.
أجابه طه:
- الحمد لله يا علاء أنا بخير.
ثم نظر إلى رحمة وذهب بعيدًا... وما زال علاء يحدق بها ليقاطعه صوت شقيقته:
- علاء!!
رمقها بضيق وقال:
- كنتي فين وسايبة رحمة لوحدها؟؟
فاتن:
- كنت بشتري حاجات لجهازي والراجل كان بيجيبهالي من المخزن عشان كده اتأخرت.
علاء:
- هاتوا الشنط دي...
قالها وهو يأخذ منهما الأكياس فأردف:
- يلا قدامي منك ليها.
***
- ااااااااااااه...
صرخة أطلقتها صبا التي يقيد قصي يدها بقبضته إلى الخلف وممدة على بطنها فوق فخذيه، وساعده الآخر يمنع حركة ساقيها من الركل أو الحركة تمامًا.
- دي عشان فستانك القصير ومجسد كل تفاصيل جسمك...
قالها قصي بحنق بعدما عض مؤخرتها.
فانهال مرة أخرى بعضة أقوى لتطلق صرخة دوى صداها بأرجاء المكتب وقال:
- ودي لعدم سمعانك الكلام ودخولك المكتب من غير استئذان.
فأتبع بالعضة الثالثة ليصاحب صراخها بكاء بألم، فقال:
- ودي عشان بعد كده متطوليش لسانك ولما أطلب منك تعتذري تنفذي على طول.
- ااااااااه... كفاااااايه.. حراااااام عليك... أنا آسفة... آآآآسفة...
صرخت بها بعد العضة الرابعة.
فقال:
- ودي عشان تبقي تفكري تعلي صوتك عليا تاني.
ترك يديها ثم صفعها على مؤخرتها في موضع آثار أسنانه التي تركت أثرًا على قماش ثوبها الأحمر الداكن.
نهضت وظلت تبكي بنشيج وهي تضع يدها على موضع ألمها وقالت:
- أنا بكرهك يا قصي... بكرررررررهك.
وقف وحدق بها ببرود أعصاب متقن وقال:
- شكلك متعلمتيش لسه الأدب وعايزاني أعيد من أول وجديد.
اتسعت عينيها بخوف وهي تبتعد وتهم بالركض نحو الباب.
قصي:
- اقفي عندك.
توقفت وقالت:
- عايز مني إيه تاني!!
اتجاه نحوها فأجهشت بالبكاء مجددًا كالطفلة التي عوقبت لتوها.
جذبها بين ذراعيه ليحتضنها بقوة وظل هكذا حتى هدأت، ليمسد ظهرها ويهبط بيده أسفل ظهرها، فأمسكت يده وأبعدتها وقالت:
- أنا عايزة أروح.
أخذ يمسح عبراتها من وجنتيها وقال:
- إيه رأيك نخرج نتغدى برة؟؟
أبعدت يديه وقالت بصوت مختنق:
- أنا تعبانة وعايزة أروح.
تنهد بسأم وقال:
- أوك... براحتك.
أنزل أكمامه وأغلق أزرارها وارتدى ساعة يده، ثم تناول سترته وهاتفه الذي أجرى عليه اتصالًا وقال:
- جهزلي العربية... أنا نازل حالًا.
فأغلق المكالمة.
مد يده ليمسك بيدها حتى يغادرا فلم تذعن له وتركته لتسير أمامه بعد أن فتح الباب... وكان الصمت هو رفيقهم الثالث بداخل المصعد، وعندما خرج كليهما من الشركة وكذلك في طريق العودة بداخل السيارة.
***
- خلصي يا اختي منك ليها مكنش حبة بتنجان بتحشوهم...
قالتها عديلة.
فاتن:
- إحنا خلصنا أصلًا وأنتي مش واخدة بالك غير في المسلسل اللي بتتفرجي عليه من الصبح ده.
قذفت عديلة الشحاط على ابنتها...
فاتن:
- ااااه والله حرام عليكي اللي بتعمليه فيا.
عديلة:
- حرمت عليكي عيشتك... قومي يلا أنتي والحلوة اللي جنبك وخلصوا الحاجة اللي في المطبخ.
نهضت رحمة وهي تمسك بإناء الباذنجان ولم تجب على تلك الحيزبون... اتجهت نحو المطبخ فأوقفتها عديلة وقالت:
- سيبي حلة المحشي للبت فاتن وطلعي الأكل للبط والفراخ فوق وتنزلي على طول.
فاتن:
- رحمة ياما بتخاف من الطيور هطلعوا أنا.
نهضت من فوق الأريكة وقالت بسخرية:
- بتخاف من إيه يا ضنايا!!!... انجري يا بت خدي الطبق عندك فوق الرخامة خديه وطلعيه أحسن ما خليكي تباتي معاهم فوق.
- ربنا ياخدك ونرتاح منك يا أم قويق...
تمتمت بها رحمة وهي ترمقها بسخط.
فاتن:
- معلش يا رحمة متاخديش على كلام أمي... أنتي اطلعي وارمي الأكل بسرعة وانزلي.
أومأت لها رحمة ثم أخذت الطبق المليء ببواقي الطعام وصعدت إلي الأعلى... فتحت باب السطح الخشبي المتهالك فشهقت بذعر عندما وجدت علاء يولي ظهره ويقف يدخن سيجارة.
التفت إليها ورمقها بنظرات عتاب ولم يتحدث، والتفت مرة أخرى وهو يلوح للحمام الزاجل المحلق بالسماء.
وضعت الطبق جانبًا واقتربت منه وقالت:
- علاء أنا كنت عايزة أتكلم معاك.
أجابها بدون أن يلتفت إليها:
- نعم يا رحمة؟
رحمة:
- أنت فاهم اللي شوفته غلط... والله شوفته بالصدفة وكل الكلام اللي دار بينا كان عادي.
التفت إليها وقال بحنق:
- لأ مش عادي يا رحمة، لما تكوني على ذمة واحد وواقفة مع اللي كنتي بتحبيه ده اسمه إنك مش بتحترمي جوزك.
ابتسمت بتهكم وسخرية:
- جوزي!!!... للأسف محدش فيكوا عارف حاجة ولا أنت ولا فاتن.
حدق بها وقال:
- وإيه هو اللي منعرفهوش؟؟
رحمة:
- هتفرق إيه لو حكيتلك؟ مش هتعملي حاجة لأن ده أخوك وعمرك ما هتقف قصاده.
علاء:
- ومين قالك... أنا لو شايف أخويا غلطان بقوله على طول... احكيلي وأنا أوعدك إني هساعدك.
ابتلعت غصتها وقالت:
- أنا عايزة أتطلق من عادل أخوك.
***
يتجول في غرفته ذهابًا وإيابًا ينتظرها على أحر من الجمر... فكم اشتاق إليها منذ أيام وأراد أن يشاركها سعادته بما هو قادم عليه.
شعر بخطواتها تقترب نحو الباب...
وضعت يدها فوق المقبض بحذر ففتح لها الباب، ففزعت عندما جذبها إلي الداخل وأوصد الباب.
- هونت عليكي الأيام اللي فاتت دي كلها من غير حتى تطمنيني عليكي؟؟
قالها ياسين وهو يمسك بيد ياسمين ويضعها فوق صدره.
ابتسمت بخجل وقالت بصوت خافت:
- أبدًا يا حبيبي أنا كنت مشغولة وبحضر عشان الجامعة خلاص هتفتح.
ياسين بنبرة اشتياق وحب همس إليها:
- وحشتيني أوي... وحشتيني أوي أوي يا حبيبتي..
قالها ثم أمسك بيديها وقبلهما.
لم تستطع التحديق بعينيه التي سلبت روحها فجذبت يديها بتوتر وقالت:
- أنت كنت فين بقالك يومين مش في القصر؟؟
ضحك من خجلها فتنهد وقال:
- مش هقولك.
قطبت حاجبيها وقالت:
- خلاص مش عايزة أعرف.
اتسع ثغره بابتسامة جعلتها تكاد تفقد عقلها من وسامته الساحرة... ضغط على وجنتها بأصبعيه مازحًا وقال:
- طيب متضايقيش عشان خدودك بتحلو أكتر وشفايفك بتاخد وضع البوس وأنا قلبي الصغير مش حمل الجمال ده كله فهتلاقيني اتهورت وعملت حاجات هموت وهعملها.
شهقت بخجل وكادت تغادر من أمامه... فقهقه ممسكًا بساعدها وقال:
- تعالي هنا والله بهزر معاكي... ولا أنتي لسه مش واثقة فيا؟؟؟
أجابت ببراءة:
- أنا.. أنا بتكسف من الكلام اللي بتقوله.
ياسين:
- خلاص مش هقولك كده تاني... بس اعذريني لما بشوفك ببقى عايز أخدك في حضني وأخطفك وتبقي ملكي.
ياسمين:
- وأنا قولتلك حلها وملقتش أي خطوة منك لغاية دلوقت.
ياسين:
- ما هي دي المفاجأة اللي كنت سهران عليها الأيام اللي فاتت.
نظرت بتعجب وقالت:
- مش فاهمة!
ياسين:
- بصي أنتي دلوقتي روحي استأذني من ماما ومدام سميرة إنك هتشتري لوازم محتاجاها وكده، وأنا هستناكي بالعربية برة وهاخدك أوريكي المفاجأة.
قالت وهي تفكر:
- بس أنا...
قاطعها وقال:
- متخافيش مش هنتأخر المكان قريب من هنا مش بعيد.
ياسمين:
- حاضر أول ما هجهز هبلغك.
ياسين:
- أنتي مش واخدة بالك من حاجة؟؟
ياسمين:
- حاجة إيه؟
ياسين:
- معيش نمرة تليفونك لغاية دلوقت.
أخذت هاتفه من فوق الطاولة وأخذت تكتب رقم هاتفها ثم ضغطت على زر الاتصال.. رن هاتفها فأغلقت وأعطت له هاتفه وقالت:
- ابقى سجله وأنا هسجل رقمك.
نظر إليها بهيام وقال:
- هستنى تليفونك يا قلبي.
ابتسمت بخجل وهي تفتح الباب لتغادر وقالت بصوت هادئ للغاية:
- حاضر يا عمري وكل ما ليا.
ذهبت مسرعة وتتبعها عيون علا التي ترمقها بنظرات حقد وغيرة.. سارت خلفها حتى توقفت تسترق السمع وهي تستأذن مدام سميرة التي هاتفت جيهان وأخبرتها فوافقت بشرط ألا تتأخر... كان قلبها يتراقص بالسعادة وهي تسير شبه راكضة متجهة نحو المنزل الملحق بالقصر...
ولجت إلي غرفتها تبحث عن ثوب من الثياب الفاخرة التي ابتاعها لها.
دق الباب فقالت:
- مين؟؟
الطارق:
- أنا علا يا ياسو.
فتحت ياسمين الباب وقالت:
- علا... بنت حلال والله، تعالي بالله عليكي اختاري لي حاجة حلوة ألبسها عشان خارجين أنا وياسين.
تصنعت الاندهاش على ملامح وجهها وقالت:
- إيه ده بجد!!... بس أنتي واثقة فيه ليكون بيضحك عليكي وأنتي زي الهبلة صدقتيه.
جلست طرف تختها وقالت بثقة:
- ياسين اتغير يا علا خالص خاصة لما عرف ظروفي واللي أمي بتعمله فيا.
علا:
- يبقى بيشفق عليكي مش أكتر.
رمقتها بامتعاض وقالت:
- على فكرة هو واعدني هيكلم عزيز بيه على خطوبتنا بس في الوقت المناسب.
ارتسمت على محياها ابتسامة مصطنعة وقالت:
- ياريت يا ياسمين يطلع بيحبك بجد وناوي يتجوزك.
ياسمين:
- يارب يا علا يارب.
علا:
- بس كنت حابة أقولك على شوية حاجات كده عشان لو عايزاه يبقى زي الخاتم في صباعك وميملش منك خالص.
ياسمين بلهفة قالت:
- ياريت قوليلي أعمل إيه عشان أنا خيبة خالص.
أجابتها بخبث الأفاعي:
- بصي يا ستي واسمعيني كويس......
***
يرسم ملامحها التي اشتاق إليها منذ فترة... لكن كلما تذكر هذا الجواب الذي ظن أنها قد أرسلته يعتصر قلبه بقبضة من فولاذ... تمنى أن يراها ويواجهها لماذا كانت تخدعه!! لماذا أوهمته بحبها!!
- اطلعي بقى من دماغي....
صرخ بها يونس وهو يركل اللوحة التي رسمها لها وألقى عليها الألوان السائلة لينسكب اللون الأحمر على ملامح وجهها المرسومة... فكما معروف باللون العشق فهو لون العذاب أيضًا... عذاب قلوب عاشقة.
ركض إليه حارس الأمن عم عليش:
- مالك يا فنان إيه اللي حصل؟
زفر بضيق عندما رأى الفوضى التي اقترفها للتو فقال:
- معلش يا عم عليش ممكن تشيل الحاجات دي وارميها في الزبالة.
قالها وغادر المعرض وقفز بداخل سيارته ليبدأ بتشغيلها ويقود بيد واحدة والأخرى ما زالت بالجص....
ظل هكذا ينطلق في الطرق بلا اتجاه... شارد في من اختطفت قلبه ورحلت... يتذكر كل ما حدث بينهما حتى جاء في ذاكرته السيدة فايزة فأتت له فكرة بمحاولة أخيرة في البحث عنها.
أخذ يقود وهو يتذكر العنوان حتى وصل أمام المنزل الذي تعلق في ذاكرته من قبل...
ترجل من سيارته متوجهًا إلي البوابة الحديدية وضغط على زر الجرس.
بينما هناك من يراقبون كل شيء... فقال أحدهم في الهاتف:
- أيوه يا كنان بيه... يونس البحيري لسه واصل عند مدام فايزة والظاهر كده بيدور على آنسة كارين.
كنان:
- خليكوا مراقبينه ولو حصل أي حاجة بلغوني فورًا.
الرجل:
- أمرك يا بيه.
ونعود مرة أخرى إلي يونس ما زال ينتظر أمام البوابة... وأخيرًا فتحت السيدة الباب الخشبي واتجهت نحو البوابة ونظرت إليه.
يونس:
- مساء الخير يا مدام فايزة... أنا يونس البحيري اللي كنت مع كارين... فاكراني؟؟؟
فتحت البوابة وقالت:
- اتفضل يا ابني... طبعًا فاكراك.
يونس:
- أنا بصراحة جاي أسأل عن كارين بقالها فترة مختفية وروحت لها شقتها أكتر من مرة ملقتش حد والبواب قالي إن الشقة معروضة للبيع.
ربتت على كتفه وقالت:
- تعالي ادخل ونتكلم جوه أحسن...
- بس عشان تعرف أنا زي زيك معرفش حاجة، وآخر مرة شوفتها لما جيتولي مع بعض.
اعتراه الشعور باليأس فقال:
- أرجوكي لو كلمتك أو جتلك قوليلها تيجي تواجهني بكل كلمة كتبتهالي في الجواب اللي بعتتهولي في المستشفى، ووقتها هبعد عنها زي ما هي طلبت مني طالما دي رغبتها.
أومأت له وقالت:
- حاضر يابني.
أخرج محفظته وفتحها بصعوبة بيد واحدة وأخرج منها بطاقة ورقية مزخرفة وقال:
- ده الكارت بتاعي، ورجاء أخير لو عرفتي عنها أي حاجة بلغيني.
أخذته منه وقالت:
- إن شاء الله.
يونس:
- آسف على إزعاج حضرتك.
فايزة:
- مفيش إزعاج أبداً، وكفاية إنك تبع كارين اللي بعتبرها بنتي اللي مخلفتهاش.
يونس:
- متشكر جداً... سلام.
قالها وغادر ليعود إلى القصر خالي الوفاض يعتريه اليأس، لكن هناك شعور دخيل يبعث له نقطة ضوء ربما ستنير له دربه إليها في يومٍ قريب.
***
وبداخل منزل السيدة فايزة...
ولجت إلى غرفة مكتب زوجها المتوفى... اقتربت من المكتبة التي تأخذ الجدار بالكامل... سحبت أحد الكتب فضغطت على زر لينفتح ذلك الجدار المؤدي إلى غرفة سرية... وجدتها تدفن وجهها في الوسادة وتبكي بشدة.
- وبعدين يا كارين يابنتي؟ مينفعش اللي بتعملوه في نفسكو ده.
التفتت إليها وقالت:
- يعني كنتي عايزاني أرجعله عشان قصي يقتله؟
فايزة:
- مفيش غير حل واحد لمشكلتكو دي.
كارين:
- أي حل هينهيه قصي بأنه هيجيبني حتى لو أنا سافرت آخر الدنيا، ومش بعيد يموت يونس قدام عيني... أصلك مشفتهوش وهو بيهددني بقتله، عيونه كانت مليانة كره وحقد.. وأنا متأكدة إنه عارف إن أنا مستخبية عندك على الرغم رجالته قالبة بيتك عليا... أخويا ذكي لدرجة ما تتوقعيش هو بيفكر في إيه.
فايزة:
- هو مفيش غير الحل ده، تهربي أنتي ويونس وتتجوزوا وتعيشوا برة... وأنا عن نفسي هساعدكو... ليا واحدة قريبة جوزي الله يرحمه عايشة هي وجوزها في إيطاليا في قرية بعيدة عن زحمة المدن واستحالة أخوكي يوصلها.
التمعت عيناها ببريق أمل... فأردفت فايزة:
- بس نسيت أقولك حاجة قالهالي يونس، إنه عايزك تواجهيه بكلام بعتيه له في جواب.
كارين بتعجب قالت:
- جواب!!!
فايزة:
- وادالي الكارت بتاعه عشان لو وصلتلك أكلمه.
أمسكت بالبطاقة فنهضت وقالت:
- أنا لازم أكلمه وأفهم منه.
***
- كل ده يا ياسمين؟ ده أنا قولت إنك نمتي.
قالها ياسين بعدما دلفت إلى سيارته.
نظرت إلى عينيه ومدت يدها بتوتر وارتجاف لتلامس لحيته وتتخللها بأناملها وقالت:
- معلش يا حبيبي غصب عني عقبال ما جهزت نفسي.
حدق لمظهرها فأشعل الإضاءة... اتسعت حدقتاه بانبهار من جمالها؛ حيث تضع حمرة شفاه باللون الوردي يجعل من يرى تلك الكرزتين يشتهيها على الفور... وتحدد عينيها بالكحل الذي أبرز جمال كلتا اللوزيتين تحاوطهما أهداب كثيفة.. ووجنتاها تلمع بحمرة باللون الخوخ.... ثم نظر إلى ثوبها تعجب أكثر، فبالرغم إنه طويل وذو أكمام تصل إلى معصميها لكن يلتصق بجسدها ليظهر منحنيات جسدها ويحدد مفاتنها بشكل دقيق ومثير... ابتلع ريقه فقال بغضب:
- إيه اللي مهبباه في نفسك ده!!
نظرت إليه بصدمة وقالت:
- مالي؟؟
زفر بضيق وقال:
- ياريت الفستان ده متلبسهوش تاني، والبلياتشو اللي عاملاه في وشك ده ميتكررش... والحمد لله المكان اللي رايحينه مفهوش حد هيشوفك، كنت خليتك ترجعي القصر تاني.
التمعت عيناها بالدمع وقالت:
- أنا كنت فاكرة إنك هتبقى مبسوط من شكلي.
حاول الهدوء بنبرة صوته وقال:
- ياسمين أنا اللي شدني فيكي أدبك واحترامك وأنك مختلفة عن أي بنت عرفتها في حياتي... ومين قالك إنك مش عجباني!!... بالعكس أنتي في عينيا ملكة جمال الكون بس وأنتي على طبيعتك بجمالك اللي خلقه ربنا وبلبسك المحترم وحجابك اللي بيخليني هتجنن وأشوفك بشعرك بس وأنتي حلالي.
زمت شفتيها وقالت:
- ما أنت شوفته قبل كده لما كنت مستخبي في أوضتي.
- مكنتش ببصلك وقتها زي دلوقت.
قالها بأسف وندم.
ياسمين:
- خلاص أنا ممكن أرجع القصر وأوعدك مش هكررها تاني.
ياسين وهو يضع كفه على وجنتها قال:
- لأ هنروح مشوارنا ونرجع على طول... واللي عاملاه ده ميتكررش تاني... خلاص اتفقنا؟؟
أومأت له بابتسامة وقالت:
- حاضر.
أمسك كفها ليطبع بداخله قبلة رقيقة وانطلق بسيارته.
***
يرتشف من الكأس التي بيده، وباليد الأخرى يمسك بالأوراق....
- دي عقود الصفقات اللي تخص كاظم بيه وحازم الحاروني، وهيبعتوا المحامين بتوعهم عشان نمضي على عقود شراكة الصفقات.
قالها كنان.
وضع الكأس جانباً فقال وهو ينظر إلى الأوراق:
- لسه مفيش أخبار عنها؟؟؟
ابتلع ريقه بتوتر وقال:
- بصراحة لأ، إحنا بقالنا أيام قالبين عليها كل مكان حتى خلينا البواب يعرض شقتها للبيع قولت يمكن لما تعرف هتروح عليها على طول بس الظاهر مفيش فايدة.
فتح العلبة الخشبية ليسحب منها سيجارة ثم يشعلها بقداحته وزفر الدخان وقال:
- أنت دورت كويس عند اللي اسمها فايزة دي؟
كنان:
- والله يا باشا مسبناش خرم في بيتها غير وفتشناه، حتى كان ليها قرايب في المنصورة روحنالهم وملقناش غير ست عجوزة وقاعد معاها ابنها ومراته.
قصي:
- سيب الرجالة زي ماهم قدام بيت فايزة وقدام البرج اللي كانت ساكنة فيه... وأنا هكلم معارفي في المطار عشان لو سافرت يبلغوني على طول.
كنان:
- نسيت أقول لحضرتك إن يونس البحيري كان عند مدام فايزة النهاردة.
ضرب المكتب بقبضته أفزعت كنان فصاح بصوت مرعب:
- مفيش حاجة اسمها نسيت يا كنان، ولو الشغل كتر عليك لدرجة بقيت تنسى قولي وأنا هدور على حد تاني.
رمقه بعتاب وقال:
- متشكر يا باشا.
زفر بضيق فقال:
- متزعلش أنا لازم أشد عليك عشان شغلنا ده مينفعش فيه غلطة واحدة وحاجة اسمها نسيت.
كنان:
- آسف ياباشا مش هتتكرر تاني.
قصي:
- أتمنى كده... ها كمل، كان بيعمل إيه ابن عزيز البحيري عندها؟
كنان:
- شكله كان بيسألها عليها... واللي مستغرب ليه إزاي بعد ما بعتله الجواب لسه برضو عايز يشوفها.
انتبه له قصي وقال:
- جواب!!
كنان وهو يعدل رابطة عنقه بقلق قال:
- بصراحة خليت واحد من الرجالة بعتله جواب كأنها اللي بعتهوله وبتقوله مش عايزة تكمل معاه وخصوصاً بعد اللي حصله وهي مش عايزة مشاكل وبس.
ابتسم قصي بسخرية وقال:
- والكلام الأهبل ده اقتنع بيه بدليل إنه لسه بيدور عليها.
كنان:
- هروبها كمل خطة الجواب.
نهض من المقعد ثم دفس ما تبقى من سيجارته في المنفضة وقال:
- عموماً أي جديد أعرفه في وقتها.
كنان:
- أمرك يا باشا.
غادر قصي الغرفة واتجه إلى المطبخ وولج إلى الداخل فتفاجأت الخادمات بوجوده... تركت كل منهن ما بيدها ووقفن باعتدال وينظرن إلى أسفل.
زينات:
- تؤمر بحاجة ياقصي بيه؟؟
ألقى نظرة عليهن باقتضاب ثم قال:
- عايز تلج.
أسرعت إحدى الخادمات فجلبت من المجمد بالثلاجة علبة مكعبات الثلج وأفرغتها في وعاء وأعطتها له وقالت:
- اتفضل يابيه.
أخذه وذهب وصعد الدرج....
***
بالأعلى تتمدد على بطنها فوق الفراش، ترتدي منامة قطنية قصيرة تشعرها براحة حيث ما زالت تتألم ولم تتحمل الجلوس...
سمعت خطواته تقترب من الغرفة فسحبت الغطاء تدثر جسدها جيداً وأغلقت إضاءة المصباح المجاور لها فوق الكومود.
فتح الباب... ودخل وهو يضغط على زر إضاءة الثريا... تقدم نحو الفراش بالقرب منها ووضع الوعاء فوق الكومود ثم التفت إليها وهي مولية وجهها للجهة الأخرى تتصنع النوم وهو يعلم ذلك... جذب الغطاء عنها ثم أمسك بطرف منامتها لكي يرفعها لأعلى فاتسعت عيناها ونهضت بفزع وقالت:
- بتعمل إيه!!!
قصي:
- هداويلك وجع العض اللي في...
قالها ثم أشار بنظراته نحو مؤخرتها.
صاحت بحنق:
- لأ متشكرة... مش عايزة منك حاجة.
ثم نظرت إلى وعاء الثلج.
ابتسم بعينيه واقترب من وجهها وقال:
- هو في حل من الاتنين، يا تخليني أعالجك بطريقتي يا إما هكملهم عشر عضات.
ابتعدت إلى الخلف وقالت:
- قصي أنا مبحبش الهزار الرخم ده.
رفع أحد حاجبيه وقال:
- وأنا مبهزرش على فكرة.
وقفت على التخت بركبتيها وقالت:
- ممكن تطفي النور ده وتسيبني أنام وهي هتخف لوحدها.
ابتسم بمكر وقال:
- هي إيه اللي هتخف؟؟
جزت على أسنانها بحنق فألقت عليه وسادة وهي تصيح:
- بااااارد.
أمسك الوسادة قبل أن ترتطم في وجهه وقال:
- رجعنا نعلي صوتنا تاني، شكل العقاب مكنش كافي.
- لأ بجد أنت زودتها أوي... ده أنت على طول بتاكل لحمة... مالك مسعور عليا زي الكل....
صمتت ولم تكمل ما كانت ستتفوه به خاصة عندما تحولت ملامحه إلى الوجوم واحتدت عيناه وقال:
- ها... ما تكملي زي اللي إيه؟؟؟
أجابته بإحراج وخجل:
- أنا مكنش قصدي ده مجرد تشبيه.
تنهد وقال:
- طيب يا صبا ياريت ناخد بالنا من الكلمة قبل ما تطلع... وتعالي يلا اسمعي اللي بقولك عليه.
صبا:
- قصي بجد بقى كفاية واتفضل روح شوف بتعمل إيه عشان عايزة أنام.
وقف وأشار إليها للعودة إلى الفراش وقال:
- تعالي نامي وأنا كده كده كنت نازل ورايا شوية حاجات هخلصها.
ذهب نحو الباب... فركضت إلى الفراش وتمددت فوقه وهي تولي ظهرها إليه... سمعت صوت صفق الباب... تنفست الصعداء... أوصدت عينيها براحة... ولكن هيهات، تفاجأت بحرارة تقترب منها وجاءت تلتفت فوجدته يحملها على ذراعيه فصرخت بذعر وهي تركل في الهواء:
- نزلنيييييييي.
قصي:
- أنتي مرضتيش أعالجك بالتلج فاضطرتيني ألجأ لطريقة تانية.
قالها وغادر الغرفة وهبط بها الدرج تحت ضحكات الخادمات وزينات... رمقهم بحدية فصمتوا جميعهن وعادوا أدراجهم... أخذها إلى الحديقة متجهاً إلى المسبح الشتوي المغلق... عندما رآه الحراس أخفض الجميع أبصارهم.
- واخدني على فين... نزلنييييي.
صرخت بها.
رواية صراع الذئاب الفصل العشرون 20 - بقلم ولاء رفعت علي
- ما شاء الله حلو أوي ربنا يباركلك فيه يا حبيبي.
قالتها ياسمين وهي تجول بعينيها الصالة والأجهزة الرياضية.
قالها ياسين:
- يعني عجبك الجيم يا قلبي؟
أجابته بعفوية وهي تحدق بإحدى الأجهزة:
- حلو أوي وأكبر وأحسن من اللي في القصر.
ضحك من عفويتها فقال:
- عسل يا ياسو... اللي في القصر دي صالة ألعاب عادية... لكن ده مركز شامل كل اللي يخص الرياضة.
ياسمين وهي تشير إلى الجهاز قالت:
- اسمه إيه الجهاز ده؟
ياسين:
- ده أبسط جهاز فيهم اسمها مشاية ودي بتمشي عليها وبتجري وممكن تنطي كمان وبتخسس الجسم أسرع لو واظبتي عليها.. بس أنا عن نفسي بفضل الجري والمشي في التراك على الأقل مبيخلنيش أحس بالملل زي المشاية.
ياسمين:
- تعرف أول مرة شوفتك فيها كنت على البتاعة دي كنت عصبي وقتها ولما شوفتني زعقت فيا وقولتلي يا اسمك إيه هاتيلي البشكير، ومن خضتي ولخبطتي أديتلك الفوطة اللي بنضف بيها التراب ولما أخدت بالي طلعت أجري خوفت منك بصراحة.
قهقه ثم قال:
- آه فاكر طبعا وقعدت أدور عليكي وقتها ومكنتش عارف اسمك كنت مستحلفلك بصراحة.
ياسمين بنبرة رقيقة:
- وكنت ناوي تعمل فيا إيه لو شوفتني ساعتها؟
قالتها وهي تستند بظهرها إلى إحدى أجهزة الأثقال فوقعت عصا التوازن المعدنية لتصدر صوتاً أفزعها فارتمت على صدره بخوف.
ياسين:
- متخافيش مش هتقع عليكي.
كانت تنظر نحو الجهاز لتلتف إليه وتتشبث به لتتقابل أعينهما بصمت... تتصاعد الأنفس بلهفة... تحرك شفتيها من التوتر... فحدق بها وهو يقترب منها... توقف وهو يعود إلى رشده ليبتعد عنها وقال وهو يتحاشى النظر إليها:
- يلا عشان نروح.
ياسمين:
- يلا.
ذهبا معاً بعد أن أغلق المركز وتأكد من وجود الحراسة على البوابة... فدخل إلى سيارته وهي أيضاً... ظلت طوال الطريق تنظر إليه من طرف عينيها حيث كان لا ينظر إليها ولم يتكلم.
فقالت بداخل عقلها:
"الله يخربيتك يا علا نصايحك بدل ما تنفعني أهي جت على دماغي وشكله زعلان مني لسه من الميك أب اللي حطاه ولا الفستان المسخرة اللي لبساه ده... أنا أول ما هاروح إن شاء الله هاروح لها وأرمي لها فستانها وأقول لها مش عايزة منك نصايح تاني."
قالها ياسين بدون أن يلتفت إليها:
- يلا انزلي وصلنا.
ياسمين:
- ياسين.
ياسين:
- نعم؟
ياسمين:
- أنت لسه زعلان مني عشان الفستان والميك أب؟
ابتسم وهو يربت على وجنتها وقال:
- لا يا قلب ياسين مش زعلان منك بس أنا مخنوق شوية.
ياسمين:
- ممكن تقولي إيه اللي مضايقك وخانقك؟
تنهد وحدق بها للحظات وقال:
- متشغليش بالك ويلا ادخلي وأول ما تطلعي أوضتك طمنيني عليكي.
ياسمين:
- حاضر... تصبح على خير يا حبيبي.
ياسين:
- وأنتي من أهل الخير وأهلي.
ترجلت من السيارة وهي تلوح له بيدها ثم أسرعت إلى الداخل.
***
متعلقة به حيث تلف ذراعيها حول عنقه... ترتدي ثياب الخاصة بالسباحة ومكونة من قطعتين.
تصيح بخوف:
- طلعني من هنا مبعرفش أعوم.
قالتها صبا.
قصي:
- خليكي ماسكة فيا ومتخافيش.
تأففت بضجر وقالت:
- أوووف بقي أنت جايبني هنا ليه وبعدين أنا سقعانة وعايزة أطلع أنام.
قصي:
- هو أنتي اللي عليكي عايزة أطلع أنام!!! وبعدين الميه سخنة أنتي اللي بتدلعي... وجايبك عشان تسترخي في الميه الدافية والألم اللي عندك يخف.
قالتها بصوت خافت:
- هو أنا كنت اشتكتلك... ده إيه القرف ده.
قالها قصي:
- سمعتك وبطلي برطمة بدل ما هسيبك لوحدك.
صبا:
- كفاية بقي طلعني أنا بجد حاسة بسقعة.
اقترب منها ليلتصق بها معانقاً إياها وقال:
- كده لسه سقعانة؟
دفعته عنها واستندت عند حافة المسبح وقالت:
- قول بقي كده جايبني هنا وعاملها حجة.
قصي:
- حجة إيه؟ ولو عايز أعملك حاجة مش هلف وأدور عليكي.
صبا:
- طيب أنا خلاص خفيت ومش حاسة بأي ألم... يلا طلعني بقي.
أجابها ببرود:
- توء توء.
صاحت بغضب وهي تلقي في وجهه المياه:
- ده أنت أبرد إنسان شوفته في حياتي.
- مش قولت بلاش غلط وصوتك ميعلاش؟
أجابته بتحدي وعناد:
- بطل رخامة وبرود وأنا مش هعلي صوتي ولا هغلط.
رمقها بتوعد وقال:
- ماشي يا صبا.
قالها ثم غطس إلى أسفل المياه... شعرت بالقلق والخوف لا سيما الإضاءة خافتة والمياه مظلمة.
قالتها بخوف:
- قصي... روحت فين؟
فتفاجأت بيديه التي جذبت أربطة ثياب السباحة التي ترتديها فانزلقت من جسدها... فأصبحت عارية تماماً أسفل المياه.
شهقت وصاحت:
- يخربيتك إيه اللي عملته ده؟
صعد برأسه فوق المياه وهو يلوح بثيابها وقال:
- مش عايزة تطلعي تعالي يا روحي وأنا هاطلعك.
صاحت بحنق وقالت:
- عيب يا قصي اللي بتعمله معايا ده... هات المايوه لو سمحت.
ابتسم باستفزاز وقال:
- لما تعتذري الأول وتقولي أنا آسفة يا جوزي يا حبيبي وهسمع كلامك ومش هغلط تاني ولا هعلي صوتي عليك.
صبا:
- ننننعم!!! مش قايلة.
قصي:
- خلاص براحتك خليكي كده لحد ما دراعك يوجعك ورجليكي مش طايلة أرضية البيسين وساعتها أنا هاجي أمسكك عشان متغرقيش.
زفرت بسأم وقالت باستسلام:
- حاضر بس هتديني المايوه؟
أومأ لها وقال:
- أنا عمري قولتلك على حاجة ورجعت فيها.
قالت بسخرية:
- أبداً بدليل كل اللي بتقوله بتنفذه على طول.
قصي:
- ماشي... يلا سمعيني اللي قولتهولك من شوية.
جزت على فكها وقالت من بين أسنانها:
- أنا آسفة يا جوزي يا حبيبي وهسمع كلامك.
قصي:
- كملي.
صبا:
- ومش هغلط تاني.
قصي:
- ها؟
صبا:
- ولا هعلي صوتي تاني... خلاص ارتحت كده!!
قصي:
- على الرغم مش عجباني طريقة اعتذارك اللي بتقوليها من تحت ضرسك بس المسامح كريم.
فاقترب منها وهو يمد يده إليها.
نظرت إليه وقالت:
- عجبك كده هلبسهم إزاي دلوقت لازم أستخدم إيديا الاثنين عشان الأربطة.
أجابها بمكر:
- خلاص هلبسهولك أنا.
صبا:
- لا طبعا.
ضحك ثم قال:
- حبيبتي أنتي مراتي يعني ولا عيب ولا حرام ومتخافيش أنا لسه على وعدي ليكي.
صبا:
- أومال اللي بتعمله ده اسمه إيه؟
قصي:
- بنكش فيكي.
صبا:
- قصدك بترخم عليا.
قصي:
- ماشي سميها رخامة.
صبا:
- طيب ممكن تلبسني المايوه من غير ما تبص ولا إيدك تلمسني.
قال بسخرية مازحاً:
- هو أنا هفك قنبلة نبيل الحلفاوي في الطريق إلى إيلات... هبص فين وأنتي غطسانة في الميه وراسك اللي طالعة بس.
صبا:
- يوووه مش هخلص في الليلة دي... أمري لله... خلص بقي.
اقترب منها ليحدق بعينيها وهو يلبسها القطعة التي بالأعلى فأحست بلمسات أنامله على ظهرها وعلى عنقها من الخلف فارتجفت... وبعد أن انتهى من عقد الأربطة أنزل يديه ليلبسها القطعة الأخرى فأوقفته وقالت:
- بتعمل إيه!! هات أنا هاربط الأحبال وبعد كده هلبسه.
كتم ضحكاته... انتهت من ارتداء القطعة الأخرى ثم تشبثت به وقالت:
- طلعني يلا.
أخذ يسبح بها حتى وصل إلى الدرج الموجود أسفل المياه... صعدت أمامه وهو خلفها... ذهب نحو مقاعد الاستراحة والتقط المنشفة فوضعها على جسدها عندما رأى جسدها يرتجف من البرد... فقام بتجفيفها وتجفيف شعرها المبتل وهي تنظر إليه فقالت:
- شكراً.
ارتدت منامتها التي خلعتها قبل أن يرغمها على نزول المسبح برفقته... وانتظرت أن ينتهي من تجفيف جسده وشعره وارتداء ثيابه التي خلعها... حاوطت جسدها لتستمد الدفء... وقف خلفها وحاوطها بذراعيه وقال:
- أنتي سقعانة أوي كده؟
أجابته بنبرة مرتجفة:
- آه.
عانقها بقوة وكأنه يدثرها بجسده وظل هكذا لدقائق حتى شعر بارتخاء جسدها... لينظر إلى وجهها وجدها تستسلم للنوم... حملها على ذراعيه... ليعود إلى القصر ثم إلى غرفتهما.
***
في منزل الحاج فتحي.
صاح بها والد شيماء ثم أخذ يدخن النرجيلة واضعاً ساق فوق الأخرى:
- وأنا بقولك بنتي مش رجعالك.
جز عبدالله على أسنانه بحنق وقال:
- وبنتك مراتي وليا فيها أكتر منك وهاخدها يعني هاخدها.
رمقه باحتقار من أسفل لأعلى وهو يزفر الدخان من فمه وأنفه وقال:
- روح العب بعيد ياض بدل وديني وإيماني أبلغ عنك الحكومة أنت والأشكال الو..... اللي خلتهم يتهجموا على بنتي.
وبداخل غرفتها تبكي وهي تستمع للحوار الذي يجري بالخارج.
قالتها نعمات زوجة أبيها:
- أنتي لو لسه باقية عليه تبقي هبلة وعبيطة وتستاهلي اللي بيحصل فيكي.
صاحت بغضب:
- خليكي في حالك يا مرات أبويا.
قالتها نعمات:
- هااا!! ده جزاتي بوعيكي لمصلحتك وفي الآخر تشخطي فيا.. أخص عليكي.
رمقتها بنظرات حادة وهي تمسح عبراتها وقالت:
- ملكيش دعوة بيا ومتدخليش في اللي ملكيش فيه ياريت.
وقفت نعمات وهي تلوي فمها جانباً ثم قالت بشماتة:
- تصدقي يابت أنتي تستاهلي كل اللي بيجرالك وفعلاً آخرك واحد محشش زي جوزك.
ثار غضبها أكثر ونهضت لتهجم على زوجة أبيها فأوقفها صوت والدها الجهوري وهو يناديها:
- شيماااااء.... يا شيمااااء.
ابتسمت نعمات بسخرية.
بالخارج في الردهة...
فتحي:
- دلوقت هتسمع بودانك إنها مش عايزاك ولا طايقة تشوفك حتى.
فتحت الباب بهدوء وقلبها يخفق بشدة فهي لم تره منذ أيام على الرغم من محاولاته الكثيرة في مصالحتها وإرضائها... خرجت وهي تنظر إلى الأرض وكان الآخر يحدق بها بلهفة واشتياق وود أن لو يأخذها رغماً عنها ويعود بها إلى منزلهما.
أجابت بصوت خافت:
- نعم يابا.
فتحي وهو ينظر إلى عبدالله بسخط:
- البيه مش مصدق إنك مش عيزاه وإنك قرفتي وجوازك منه كان أكبر غلطة في حقك وحقي إني سلمتك لعيل صايع وبتاع مخدرات زيه.
عبدالله وهو يقترب منها ويمسك يدها ويرجوها بندم:
- شيماء... أنا آسف.. حقك عليا.. اشتميني اعملي اللي أنتي عيزاه فيا... بس أبوس إيدك ما تبعديش عني.
جذبت يدها وأشاحت وجهها للجهة الأخرى لكي لا يرى عبراتها المنسدلة.
أردف عبدالله وهو يبكي من صميم قلبه العاشق لها:
- ساكتة ليه يا شيماء... ردي عليا... أنا عبدالله حبيبك وجوزك واللي مش عارف يعيش طول ما أنتي بعيدة عنه لأنك روحه اللي عايش بيها والهوا اللي بيتنفسه... شيماء... أنا من غيرك بموت... يعلم ربنا من ساعة ما مشيتي من البيت وأنا زي اليتيم اللي ملهوش ملجأ لأنك أهلي وناسي.
صاح فتحي:
- ما خلاص يا عم روميو ما قولنالك البت مش طيقاك ولا البعيد معندوش دم لا مؤاخذة.
لم يعيره عبدالله أي اهتمام وما زال يحدق بها وقال:
- أنا مش همشي غير لما أسمعها منها بس قبل ما تحكمي عليا ورحمة أمي اللي ما بحلف بيها كدب أبداً أنا ما هشتغل في الهباب ده تاني وهبعد عنه خالص حتى لو هموت وأشربه... قولتي إيه يا قلب عبدالله وروحه وحياته وكل ما ليا.
لم تجب عليه لكن صوت شهقات بكائها يتعالى من صراع عقلها وقلبها.
زفر فتحي بضيق وقال:
- أستغفر الله العظيم... يارب صبرني... بطلي عياط يابت وقوليله يغور من هنا وقبلها يرمي عليكي يمين الطلاق.
مسح عبدالله عبراته وقال:
- أنا عارف اللي جواكي كويس وهسيبك تفكري في كلامي... بس طلاق مش هطلق.
اتجه نحو باب المنزل وأردف:
- ومن دلوقت لحد ما تردي عليا هثبتلك صدق كل كلمة قولتهالك من شوية وهتغير عشانك وعشان نفسي... سلام.
قالها ثم غادر وصفق الباب خلفه... تاركاً إياها تجهش بالبكاء لتجد والدها فاتحاً ذراعيه لها فركضت نحوه وارتمت على صدره... وهو يربت على ظهرها وقال:
- متعيطيش يابت أنا هخليهولك يتربى من أول وجديد وهعلمه الأدب.. بس عايز أعرف حاجة أنتي لسه بتحبيه؟
رفعت رأسها من صدره ونظرت إليه بصمت فأردف:
- مالك ما تقولي عشان بناءً على ردك هتعامل معاه... أنا أهم حاجة عندي أنتي يا شيماء بنتي اللي طلعت بيها من الدنيا ويهمني سعادتك قبل راحتي.
تفوهت بصوت باكٍ:
- اللي تشوفه يا بابا... أنا تعبت ومش قادرة أفكر... قلبي عايزه وعقلي العكس.
- بس مقدرش أعيش من غيره حتى لو هتعذب معاه.
ضمها إليه وقال:
- "كنت متأكد إنك لسه بتحبيه، بس عشان يستحق حبك ده سيبيني أربيه بمعرفتي، ويفكر مليون مرة قبل ما يزعلك."
أومأت له بالموافقة وقالت:
- "ربنا يخليك ليا يا بابا."
في قصر البحيري...
يرتشف عزيز قهوته وهو ينظر إلى جيهان التي تتصنع القراءة في الكتاب الذي بين يديها.
قال عزيز بنبرة سخرية:
- "ما شاء الله عليكي بقيتي تقرأي الكتب بالمقلوب ولا دي صيحة جديدة؟"
قالها ثم ارتشف مرة أخرى.
تنهدت وهي تغلق الكتاب بتأفف وقالت:
- "بدل ما أنت مركز معايا وعمال تتريق ركز مع عيالك اللي بقيت حاسة كأنهم زي الأغراب... يوسف بقيت أشوفه بالصدفة بسبب شغله، ولا يونس اللي حابس نفسه في أوضته ما بين الرسم واللاب توب، ولما بتكلم معاه وأشوف ماله يتهرب مني بأي حجة... ولا ياسين اللي مركز الجيم واكل عقله، وملك اللي كل ما أجي أتكلم معاها ترد عليا على أد السؤال وكأنها بتعاقبني عشان حضرتك مخدتلهاش حقها من الولد الحيوان ابن السويفي اللي سيادتك عرفت إنه من ضمن المستثمرين عندك في المجموعة وخوفت على مصالحك معاه على حساب بنتك."
صاح بها عزيز بزمجرة:
- "جيهااااااان..."
أكملت حديثها بحنق:
- "ولا ابنك الكبير اللي معرفش عنه حاجة من ساعة خناقتك معاه بعد وفاة سالم الله يرحمه وعايز تجبره على جوازه من خديجة كأنه عيل صغير ولازم يسمع الكلام... وفرضنا إنه هو رضخ لأمرك هتعمل إيه مع خديجة اللي رفضته وسمعتها بنفسك."
ترك الفنجان على الطاولة... ورجع بظهره إلى الخلف وقال بهدوء استفزازي:
- "خلصتي كلامك؟"
جيهان:
- "عايزاك تحس بيا وبولادك يا عزيز قبل ما تخسر حد فينا، ولا تحصل كارثة وتقول يا ريت اللي جرى ما كان."
عزيز بنبرة ثقة:
- "متخافيش على عيالك وأنا عارف كل واحد فيهم بيعمل إيه وبيفكر في إيه... وملك اللي متعرفهوش إن حمدي السويفي أبو رامي جالي بنفسه الشركة واعتذر لي واترجاني إن ملك تسامح ابنه، لأن بعد اللي حصل بيومين عمل حادثة ومفيش حتة في جسمه سليمة وهيفضل عايش على كرسي متحرك طول عمره... بالنسبة لآدم أنا....."
قاطعه آدم الذي جاء للتو بصوت غاضب:
- "أنا نفسي أفهم ليه حضرتك عملت كده؟!"
قالها وهو يلقي على الطاولة بطاقة دعوة فرح... أخذتها جيهان وهي تقرأ محتواها فاتسعت عيناها بصدمة وحدقت بعزيز الذي تصنع الهدوء القاتل.
عزيز:
- "أفهمك إيه... كل حاجة واضحة قدامك."
جيهان:
- "صحيح اللي مكتوب في الكارت ده يا عزيز؟!"
آدم وهو يكور قبضة يديه بغضب حتى ابيضت أنامله قال:
- "أيوه يا ماما... بابا.. عزيز باشا البحيري حجز أكبر قاعة في أشهر وأفخم فندق عشان فرح ابنه اللي أنا أصلاً اتفاجأت بيه لما لقيت الناس بتتصل عليا وتبارك لي... والعريس اللي هو أنا آخر من يعلم."
قالها وابتسم بسخرية.
عزيز:
- "واعمل حسابك النهاردة بالليل هنروح لولاد عمك عشان نتفق معاهم على ترتيبات الفرح ونعرف طلبات خديجة."
كاد يتفوه آدم ونظراته يتطاير منها الشرر.. وقفت جيهان وقالت:
- "آدم تعالى عايزاك."
آدم:
- "ماما... أرجوكي أنا...."
قاطعته وقالت وهي تتجه نحو الدرج:
- "هستناك في المكتبة فوق."
زفر بسأم ما بين كفيه ثم حدق بوالده الذي كان يرمقه بنظرات تحدي... فقرر اللحاق بوالدته قبل أن يتفوه بما لا يحمد عقباه... صعد خلفها.
في منزل عائلة إنجي...
قالت والدة إنجي:
- "أحسن عشان مجتيش تشوريني قبل ما تدي فلوسك وفلوس بنتك لواحد مستهتر وملهوش أمان زي مروان."
إنجي وهي تخلل أناملها في خصلات شعرها وتحدق في الفراغ صاحت:
- "مش ده يبقى ابن أختك!"
والدتها:
- "وأنا مالي؟ لو حد غلطان يبقى أنتي... لأنك عارفة إنه فاشل وملهوش كلمة، وهو السبب في إن أبوه يخسر كل شركاته لما كان بيختلس من وراه فلوس ويروح يضيعها على القمار والسهرات القذرة."
إنجي في محاولة كبت غضبها قالت:
- "أرجوكي يا مامي مش وقته الكلام ده... أنا هتجنن من ساعة ما روحت سحبت له الفلوس وخدها قافل تليفونه ولا حتى موجود في شقته و...."
لم تكمل بعد أن أدركت ما قالته للتو.
اقتربت منها والدتها والصدمة على وجهها وقالت:
- "أنتي كنتي بتروحيلو الشقة يا إنجي؟!"
إنجي:
- "ماما متفهميش غلط أنا...."
قاطعتها والدتها بصفعة قوية وصاحت بها:
- "اخرسي يا سافلة... هتفهميني إيه... وقعتي بلسانك خلاص وأنا أكتر واحدة فهماكي لأني مامتك بس للأسف معرفتش أربيكي."
إنجي بنبرة باكية:
- "بلاش تجريح واسمعيني الأول قبل ما تحكمي عليا."
والدتها:
- "أسمع إيه ولا هتقوليلي إيه؟ مهما كان تبريرك بس ميديكيش الحق إنك تخوني جوزك أبو بنتك اللي عمره رفض لك طلب ومعيشك في مستوى كل صحباتك بتحسدك عليه... ربنا أدالك كل حاجة، زوج محترم ودكتور مشهور عايشة في قصر وربنا رزقك بأجمل بنوتة، عايزة إيه تاني؟!"
إنجي:
- "أنتو كلكو شايفين اللي بره بس وعمركو ما سألتوا أنا جوايا إيه... ومتعرفوش حاجة عن حياتي، أنا كل يوم بنام معيطة من جوزي اللي عايشة معاه كشكل اجتماعي مش أكتر... تحبي أعدلك كام مرة كنت ببقى محتاجة له زي أي ست لما بتبقى محتاجة لجوزها وهو بيبقى بايت في المستشفى؟ ولو موجود بيقولي أنا عايز أنام ورايا عمليات... تحبي أقولك كمان عمره ما في مرة خدني في حضنه وقالي مالك؟ ويوم ما يقول كلمة حلوة بتبقى مجاملة مش من قلبه... دي أول خروجة لوحدنا من ساعة ما اتجوزنا من 8 سنين كانت من فترة، وبعدها روحنا نكد عليا لما عرف اللي حصل لأخته ملك، وأنا مرضتش أنكد عليه وأقوله وقتها واتهمني بالأنانية... أنا بني آدمة وليا مشاعر."
أجابتها والدتها بصرامة وجدية:
- "كل اللي قولتيه ده مش مبرر كافي... تقدري تقوليلي هتعملي إيه لما يوسف يعرف بخيانتك ليه وأنتي عارفة إنه بيكره مروان؟ ولا بنتك لو عرفت هيبقى شكلك إيه في نظرها؟ أنتي مش خونتي جوزك بس... أنتي خونتي أهله اللي هم أهلك برضو، وخونتي بنتك وقبلها خونتي نفسك وبعتيها بالرخيص لواحد سافل ومنحل زي مروان."
إنجي بصراخ:
- "أنا مليش دعوة بكل ده دلوقتي... أنا عايزة أعرف ابن ال.... ده راح فين."
ابتسمت والدتها بتهكم وقالت:
- "ده أقل عقاب ليكي ولسه اللي جاي يا إنجي.... يا ترى هتخسري إيه تاني!"
أخذت حقيبتها وهاتفها ومفاتيح سيارتها وذهبت بدون أن تتكلم... وعندما خرجت من البوابة... جاءها اتصال على هاتفها فأجابت:
- "ألو.. عملت إيه؟"
المتصل:
- "أنا عرفت من واحد صاحبه إنه مأجر شقة مفروشة في أكتوبر."
إنجي:
- "فين في أكتوبر بالظبط؟"
المتصل:
- "هبعت لحضرتك العنوان في رسالة."
إنجي:
- "يا ريت بسرعة... ولو فيه جديد بلغني على طول.. ومتقلقش كله بحسابه... سلام."
أغلقت المكالمة وبعد مرور دقيقة رن هاتفها بوصول الرسالة فقامت بفتحها وهي تدلف إلى سيارتها... حفظت العنوان جيداً... فانطلقت إليه بسرعة جنونية.
يتجمع كل من طه وخديجة وسماح حول المائدة الخشبية الصغيرة لتناول طعام الغداء....
قالت سماح:
- "طه كنت عايزاك في موضوع كده..."
نظر إليها وابتلع ما بفمه وقال:
- "خير يا سماح؟"
أشارت له بعينيها نحو خديجة بمعنى أنها لا تريد التحدث أمامها.
تنهد وقال:
- "قولي يا سماح، خديجة أختي وأي حاجة هتحصل لازم تعرفها."
تركت خديجة الملعقة ونهضت:
- "الحمد لله... أنا هروح أعمل الشاي."
طه:
- "اقعدي يا خديجة وكملي أكلك."
خديجة:
- "الحمد لله أنا شبعت وكده كده كنت قايمة."
قالتها وهي تومأ له بعينيها أنها تريد تركهما بمفردهما... ذهبت إلى المطبخ.
كانت تتبعها سماح بنظراتها ثم التفتت إلى طه وقالت:
- "في إيه؟ هو أنا كل ما أعوز أكلمك في حاجة خاصة تعمل كده؟"
قبض على رسغها بقوة وقال:
- "لمي نفسك يا سماح... وبطلي حركاتك دي، ومتنسيش إن خديجة هنا ست البيت وأنتي مجرد ضيفة مش أكتر."
تأوهت:
- "آه إيدي... أوعى كده خلاص عارفة... أنا كنت عايزة منك فلوس عشان محتاجة شوية حاجات."
طه:
- "اصبري لآخر الشهر عقبال ما نلم فلوس الإيجار ونستلم معاش أبويا الله يرحمه... خلاص؟"
نظرت له بإغراء ودلال وقالت:
- "مش خلاص لسه فيه حاجة كمان."
زفر بتأفف وقال:
- "نعم؟"
أمسكت يده وقالت:
- "أنا مش مراتك ولا إيه؟"
وقف وذهب ليقف خلفها وانحنى نحو أذنها وقال:
- "احمدي ربنا إني وفيت بوعدي معاكي وكتبت عليكي... أكتر من كده متحلميش عشان مش طايقك وقرفان منك من اليوم الزفت اللي اتهببت معاكي فيه... ولو عقلك وزك بحركة كده ولا كده قسماً بالله لأجرك من شعرك وأرميكي في الشارع ومحدش هيحوشني عنك وقتها."
انتفضت خوفاً من تهديده.. نهضت ووقفت أمامه وقالت:
- "أنت فهمتني غلط... مكنش قصدي اللي في دماغك."
وضع كفه على وجنتها وربت بعنف وقال:
- "لأ أنا فاهمك وفاهمك أوي كمان، بس مش رايق لك لأن ورايا حاجات أهم منك."
تركها وذهب إلى شقيقته... فقالت بصوت يكاد يكون مسموعاً:
- "أما وريتك يا ابن سالم البحيري مبقاش أنا سماح... صبرك عليا بس."
كانت تقف أمام الموقد شاردة....
قال طه:
- "خديجة..."
فشهقت بذعر.
خديجة:
- "حرام عليك خضتني."
طه:
- "أنتي اللي سرحانة... مالك لتكوني متضايقة من البت اللي بره دي؟"
خديجة:
- "لأ خالص... هي مراتك برضو وعايزة يبقى ما بينكو خصوصية ومن حقها طبعاً."
طه:
- "سيبك منها دلوقت... نسيت أقولك عمك عزيز اتصل بيا الصبح قال هيجوا بالليل بعد العشا، واللي حسيته... إنه الله وأعلم شكلهم جايين عشان موضوعك أنتي وآدم."
قامت بإطفاء الموقد ثم التفتت إليه وقالت:
- "هم بيهزروا! ده بابا لسه معداش عليه 40 يوم وعايزني أتجوز!"
طه:
- "وفيها إيه يا خديجة... أنا عن نفسي عايز أطمن عليكي."
عقدت حاجبيها بضيق وظلت صامتة... أردف طه وهو يضع يديه على كتفيها:
- "يا حبيبتي أنا مش بضغط عليكي، ولو مش موافقة قوليلي وأنا هكلم عمي وهفهمه بالطريقة إن كل شيء قسمة ونصيب."
قالت باندفاع:
- "لأ متقولوش حاجة."
رمقها بنظرات ماكرة وقال:
- "أنا بقول يعني كده عشان حاسس إنك مش عايزة آدم."
انتابها التوتر وتلعثم لسانها:
- "أ.. أنا.. ليه... يعني."
ابتسم من توترها وخجلها وقال:
- "هقولك رأيي وهسيبك تفكري براحتك دي حياتك وأنتي حرة فيها... أنا بصراحة هبقى مطمن لو الإنسان اللي هتتجوزيه يبقى آدم، شاب محترم وجدع ومتحمل المسؤولية مع باباه من وهو لسه كان بيدرس... وابن عمنا ومننا وإحنا منهم... يا ريت تفكري كويس قبل ما يجوا وأنا معاكي في أي قرار تاخديه."
ابتسمت وقالت:
- "حاضر."
طه:
- "خدتيني في الكلام وضحكتي عليا، فين الشاي؟"
خديجة:
- "خمس دقايق وهيكون جاهز."
طه:
- "لأ بهزر معاكي... أنا هطلع أشربه فوق مع الواد عبد الله بقالي كتير مشوفتوش... وبعد كده هنزل أشتري شوية فاكهة وحلويات وساقع لزوم الضيافة... محتاجة حاجة تاني؟"
خديجة:
- "شكراً."
طه:
- "أسيبك أنا بقى... سلام."
غادر المنزل... ذهبت إلى غرفتها وأغلقت خلفها الباب... أدت فرضها ثم أخذت جلباب أبيها تحتضنه وتمددت على فراشها... أغمضت عينيها حتى تحلم به وتخبره عن ما بداخلها.
قالت جيهان:
- "يعني أفهم من كده إنك موافق ولا أنت في دماغك إيه بالظبط؟"
تنهد آدم وهو يفكر ثم قال:
- "موافق بس بشروطي أنا."
جيهان:
- "ما أنت قولت قبل كده نفس الكلام وبترجع تتخانق مع باباك."
آدم:
- "ما خلاص المرة دي حطني قدام الأمر الواقع والدنيا كلها عرفت إني هتجوز.. بس يا ريت ست الحسن والجمال مترفضش زي قبل كده."
جيهان:
- "من الناحية دي اطمن أنا أول ما هنروحلهم هاخدها على جنب وهتكلم معاها."
آدم:
- "لما نشوف."
جيهان:
- "هسيبك بقى وهروح أطمن على ملك."
قالتها وذهبت... ليدلف ياسين وهو يقرع على الباب بإيقاع ويغني بطريقة كوميدية:
- "يا عريس... يا عريس... يا عريس... عريسنا أهو.."
- يا ناس أهو.
قهقه آدم من تعابير شقيقه المضحكة، ليدلف إليهم يوسف الذي عاد من عمله بالمشفى.
قال يوسف مازحًا:
- إيه يا ياسين الحالة رجعتلك تاني ولا إيه؟
ياسين:
- لأ يا جو أنا بغني لعم دومي عشان قراية فتحته على خديجة النهاردة.
يوسف:
- بجد... ألف ألف مبروك يا باشمهندس.
قالها وهو يعانق شقيقه ويهنئه بسعادة.
آدم:
- الله يبارك فيك يا جو، وعقبال لما تفرح بلوجي يارب.
يوسف:
- تسلم يا أدومة.
ياسين:
- بصراحة يا زين ما اخترت يا آدم، خديجة بنت قليل جدًا تلاقي زيها في الزمن ده... ده الواحد من كتر البلاوي اللي بيسمعها لازم يفكر مليون مرة في الإنسانة اللي هتبقى شريكة حياته.
يوسف بسخرية مازحًا:
- وإيه الحكمة اللي نزلت مرة واحدة عليك يا سي ياسين؟
ياسين:
- كنت قاعد النهاردة مع الكابتن اللي هيجيب لي مدربين عشان يشتغلوا عندي في الجيم... المهم كنا بندردش وحكى لي إن واحد صاحبه لسه مطلق مراته، كانت بتخونه مع الواد اللي كانت بتحبه قبل ما تتجوزه، واكتشف الموضوع ده لما بتخرج كتير وتتأخر وتقول له أنا رايحة النادي رايحة عند أهلي... في مرة قفش في موبايلها رسالة مبعوتة ليها كلام حب وغراميات ومسيفة الاسم باسم بنت... راح صاحبنا قطع الشك باليقين، خد الرقم واتصل عليه من عنده وعمل عليه حوار لحد ما عرف أنه الإكس بتاع المدام... معملش أي رد فعل وفضل مراقبها لحد ما اتأكد إنها معاه في شقته، راح بلغ البوليس إن الشقة دي مشبوهة وفعلاً راحوا قبضوا عليهم واستلمها من القسم بعد ما اتصلوا عليه وخلاها تمضي له على تنازل عن كل حاجة وطلقها.
آدم بنبرة غضب:
- طلقها بس!! ده أنا لو مكانه كنت دبحتها ورميتها في أي مقلب زبالة.
يوسف كان ينصت لكل كلمة وذهنه منشغل بأمرٍ ما.
ياسين:
- إيه يا أدومة مالك شراني كده ليه... هو عمل الصح لأن الواحد مش هيودي نفسه في داهية ويخسر مستقبله وسمعته عشان واحدة خاينة... ولا إيه يا دكتور جو؟
يوسف:
- بتقول حاجة؟
ياسين:
- بقولك إيه رأيك، مش صح اللي عمله الراجل مع مراته الخاينة؟
وقف يوسف وقال:
- هو أصلاً اختياره كان غلط من البداية... عشان كده لازم الواحد يعيد حساباته كويس.
قالها واتجه نحو الباب.
آدم:
- رايح فين وسايبني مع الواد المجنون ده؟
يوسف:
- ورايا شوية حاجات هعملها وهبقى أشوفكم على بالليل بعد ما ترجعوا من مشواركم.
ياسين:
- وأنا كمان هروح أكلم المسؤول عن حفلة افتتاح السنتر.
آدم:
- ما قولتليش صح، سميت الجيم بتاعك إيه؟
ياسين بطريقة كوميدية:
- ياسو جيم، معانا هتتحول من عيل توتو إلى جون سينا.
ضحك آدم وقال:
- ربنا يستر.
ياسين:
- ادعِ لي أنت بس المشروع ده ينجح وبعدها هفرحكم قريب.
قالها وهو ينظر من النافذة إلى ياسمين التي تقطف الأزهار من الحديقة وتنسقها بداخل مزهرية.
***
ولجت إلى فناء ذلك البرج فأوقفها الحارس وقال:
- رايحة على فين يا مدام؟
التفتت إليه ورمقته من أسفل لأعلى وقالت:
- فيه واحد ساكن هنا اسمه مروان؟
الحارس بنبرة استنكار:
- لأ مفيش.
أخرجت من حقيبتها ورقة من المال وأعطتها له وقالت:
- ها لسه مفيش؟
الحارس وهو يحدق بالورقة ذات فئة المائة جنيه قال:
- هو لسه فيه ساكن جديد بقاله كام يوم اسمه مروان، ساكن في الدور التالت شقة رقم 12.
تركته واتجهت نحو المصعد وهي تتمتم:
- آه يا نصاب يا حرامي وربنا ما هسيبك.
أمسك الحارس بهاتفه وأجرى اتصالًا:
- ألو يا سليم باشا، الشقة إياها لسه طالعة واحدة فيها... تمام سعادتك.
وصلت إلى الطابق وخرجت من المصعد... كان بالداخل يتحدث بالهاتف:
- يلا بقى يا حب أنتي اتأخرتي عليا أوي وأنا مشتاق.
الطرف الآخر بمزاح ودلال:
- طيب يلا أنا على الباب أهو افتح لي بقى.
رن جرس المنزل.. فقال:
- بسرعة كده!!
فأغلق المكالمة وذهب ليفتح الباب.
دلفت إلى الداخل وهي تدفعه في صدره وتصيح به:
- آه يا نص