الفصل 19 | من 41 فصل

رواية سراج الثريا الفصل التاسع عشر 19 - بقلم سعاد محمد سلامه

المشاهدات
41
كلمة
0
وقت القراءة
1 د
التقدم في الرواية 46%
حجم الخط: 18

مواجهة.... كانت حامية. قرار... ربما يبدو سهلاً، لكن بالحقيقة شاق عليهما. مواجهة منها... تنتظر قراراً ربما يكون هو بداية الحرية في نظرها. قرار منه... كلمة قد تُنهي المواجهة، لكن... أي كلمة؟ الطلاق... ووضع النهاية... أم الإنطلاق، ربما يبدو فرصة للبداية. أغمضت عينيها لوهلة، وكأنها سمعت قرار سراج: "الأرض مقابل حريتك يا ثريا." هكذا طن برأسها... أو بالأصح توقعت قوله ذلك بمساومة منه، لكن لن ترضخ.

لكن الحقيقة، حين فتحت عينيها، كان سراج ينظر لها صامتاً للحظات قبل أن يرفع إحدى يديه يجذبها من عنقها، وبِلحظة كان يلتهم شفتيها بقبلة مزيج متشعب من المشاعر غير المفهومة لا بعقله ولا بعقلها الذي غيبه المفاجأة، قبلة غضب تحولت إلى قبلات تُغيب عقليهما الإثنين. لم يدري أي منهما كيف وصلا إلى الفراش، كأنهما سقطا بفجوة زمنية فقد فيها الإثنين الوعي، حتى ذاك الرنين في البداية تجاهلاه وظلت مستمرة القبلات واللمسات، لكن الرنين المتواصل أفاقهما من تلك الغفوة.

نهض سراج عنها ووقف يحاول تهدئة أنفاسه قبل أن يرد على الهاتف، خرج صوته متحشرجاً وهو يسأل بتورية: "متأكد من المكان؟ أكد له الآخر، تحدث سراج: "تمام، ساعة بالكتير هكون عندك." بينما شعرت ثريا بالخزي من نفسها من ذاك الاستسلام المباغت منها، وحاولت تعديل ثيابها تحايد النظر نحو سراج الذي عدل هندامه وهو يذهب ناحية باب الغرفة وتحدث بأمر وهو يعطيها ظهره: "ممنوع تحتكي بأي حد في الدار، وأما أرجع لينا كلام تاني مع بعض."

لم ينتظر ردها، وخرج صافعاً خلفه باب الغرفة بقوة. جلست على الفراش تشعر بغضب من تحكماته الزائدة، كذلك تنفست بجمود وهي تشعر أنها مثل الضالة الشريدة، كانت تود قرار حاسم لمواجهتها له. لكن انتهت المواجهة بلا قرار. *** بعد قليل. بمكان خالٍ قريب من الجبل... أخذ سراج تلك الصور من ذاك الوسيط قائلاً: "واضح إن في عملية تهريب كبيرة هتتم قريب، مين اللي وصلك الصور دي؟ أجابه الوسيط:

"ده الراجل بتاعنا اللي في وسطهم، بس أعتقد إن في حاجة هتحصل قبل ما تتم العملية دي، كنوع من التشتيت للجهات الأمنية. لغاية دلوقتي العميل بتاعنا بيقول مفيش أي أوامر وصلت له بتنفيذ أي شيء." تنهد سراج بتفكير قائلاً:

"أكيد مش هيفتشوا أوراقهم كلها مرة واحدة، أنا عاوز العميل ياخد حذره لأن العملية واضحة أنها كبيرة وهما مش هيأمنوا لأي حد، ولو شكوا في أي شخص مش هيفرق هو مين، والتصفية عندهم أسهل شيء، ومتأكد هيبقى في تصفيات كبيرة الفترة الجاية." أجابه الوسيط: "تمام يا أفندم، عاوزك تطمن، أنا محذر عليه ياخد حذره... وكمان في تعاون بين الجيش والداخلية عشان كده." ابتسم سراج قائلاً: "قولي بقى إيه آخر أخبارك، شايفك اتأقلمت هنا بسهولة."

ابتسم الوسيط قائلاً: "أنا هنا في مهمة خاصة يا أفندم والمطلوب مني بنفذه، وكمان شُغلنا في الجيش، وإننا بنأدي مهمات وعمليات خاصة عودنا نتأقلم عالمكان اللي إحنا فيه مهما كانت طبيعة المكان، لأن كل الأماكن متاحة لينا العيش فيها، مش لازم نصعبها على نفسنا." ربت سراج على كتفه بمؤازرة وافتخار قائلاً: "تمام، إنت ضابط كفء وكنت أفضل اختيار للمهمة." ابتسم الوسيط قائلاً بمدح:

"أكيد بتعلم من سيادتك، وسعيد جداً إني بشتغل تحت قيادتك، إنت عارف كان نفسي أشتغل مع حضرتك، والفرصة جت لي وأتمنى أكون مفيد وعند حسن ظنك." ربت سراج على كتفه قائلاً بتشجيع: "إنت من أكفأ الضباط وكفاية مدح كتير، مش عاوزين العملية دي تتم بدون ما الجيش يكون له الكلمة الأخيرة فيها."

بعد قليل أثناء قيادة سراج للسيارة عائدًا للدار، توقف للحظات. في البداية شك أن هناك من يتعقبه، لكن كان مخطئاً. ربما تفكيره بتلك المحتالة جعله يتخيل ذلك. زفر نفسه.

لو عاد الليلة إلى الدار قد يعود الشجار بينه وبين ثريا، وقد لا يتحكم في أعصابه. تنهد بضجر مصحوب بمشاعر مختلطة غير مفهومة. ثريا تلك المحتالة العنيدة، أصبح لها تأثير عليه، بدل أن يعاقبها على ما تفوهت به، وجد نفسه يقبلها. يريد أخذ قرار حاسم وردع تمردها، لكن بالنهاية يحدث العكس. تنهد بجمود وبدل طريقهُ من العودة إلى دار العوامري، إلى مكان آخر قد تهدأ فيه عاصفة عقله.

بعد قليل كان يقف أمام ذاك المنزل يدق عليه وانتظر دقائق حتى فُتح الباب. نظرت له رحيمة بخصه قائلة بلهفة وقلق: "سراج خير يا ولدي، إخواتك بخير، ثريا بخير؟ أجابها مبتسماً: "إخواتي بخير يا خالتي وثريا كمان، أنا كنت في مشوار قريب من هنا قولت أفوت أطمن عليكِ." -كاذب يا سراج. هكذا أخبرها إحساسها، لكن تبسمت قائلة: "واقف جدام الباب إكده ليه، تعالى لچوه الدار." ابتسم وهو يدلف خلفها يغلق الباب. نظرت له بحنان سائلة:

"إنت عارف إني بصلي العشا وأنام، أجيب لك تتعشى." هز رأسه بنفي قائلاً: "لأ مش جعان." تبسمت له قائلة بحنان وهي تجلس على الأريكة: "تعالى. إجعد عالكنبه چاري، رچليا بيوجعوني من الواقفة كتير، عجِزت بجى." ابتسم وهو يراها تجلس تشاور على فخذها، فهم غرضها، وهذا هو ما يريده أن يتمدد بجسدهُ يضع رأسه على فخذيها، ربما يهدأ قلبه.

تبسمت بحنان حين وضع رأسه على فخذيها، وضعت يدها على رأسه تتخلل أصابعها بين خصلات شعره تُمَسدها بحنان، وهو يُغمض عيناه يتنفس بهدوء. عن قصد سألته: "إزي ثريا؟ فتح عيناه، وتنهد لثواني قبل أن يجيبها: "بخير." تبسمت قائلة: "يا ريت كنت جِبتها معاك، كانت دعكت لي رچليا، إيديها حنينة، وهي كمان قلبها حنين." زفر نفسه، فهو لم يرى من حنانها شيئاً، هي معه دائماً عاصية تستفزه.

تبسمت رحيمة ووضعت يدها فوق صدر سراج تسير بكفها إلى أن وصلت إلى موضع قلبه، وقالت بتصريح حنون ومباشر: "العشق وشم محفور على الجلوب يا ولدي، صعب يتمحي حتى بكي النار هيسيب آثر لـ سهم العشق اللي اتوغل من جلبك، مش هتقدر تجاوم كتير، العشق هيغلبك، ويغلبك. البنية جلبها ناشف زي الأرض الشراجي (الشراقي) بس ندى الصباح قادر يرجع الخضار لـ جلبها...

هي الوحيدة اللي قادرة تحتوي غضبك، بلاش الجسوة يا ولدي تجسي جلبك، أمك زمان ماتت من المرض ماتت من الجسوة." "الهالوك بيرعرع أكتر من الورد." "بس... الأرض الطيبة كيف ما تزرعها بتحصد منها." أغمض سراج عينيه، يفهم قصدها، لكن مازال التمرد بعقله، لكن زادت رحيمة قولها: "بلاش تتمرد عالقدر يا سراج، ثريا هي قدرك، إفتح جلبك للعشق وبلاه العند هيخسرك كتير."

فتح عيناه ينظر لها وهي تبتسم تومئ له برأسها أنها تفهم سبب مجيئه لها بهذا الوقت. أراد أن يشعر بالاهتمام والاحتواء، كذلك أراد أن يفهم سبب لتلك الحالة الذي أصبح بها. لم يكن يخطر على عقله يوماً أن يقع ببراثن العشق. أغمض عينيه يشعر بهدوء نسبي. تبسمت رحيمة ومازلت تُمسد خصلات شعره، حتى أنه غفى بسلام نفسي. صباح اليوم التالي.

فتح سراج عينيه حين وصل إلى أنفه تلك الرائحة الطيبة، تمطئ ونحى ذاك الدثار عنه ونهض يسير خلف تلك الرائحة إلى أن وصل إلى ذاك المطبخ الصغير الذي لا يحتوي على تجهيزات عصرية، بضع أرفف رخامية تحمل الأواني وثلاجة صغيرة، موقد صغير ومنضدة أرضية، كل شيء بها صغير لكن به رائحة طيبة. تبسمت له قائلة:

"كنت هاجي أصحيك، عشان نفطر سوا، يلا روح اتوضا وصلي ركعتين الصبح وتعالى، أكون جهزت الوكل عالطبلية، كمان عملت لك صنية الراوني، وصنية محوجة اللي بتحبهم من يدي، كمان عملت صنيتين تانيين بس مش ليك، تاخدهم لأخواتك ومتنساش تدي منهم لـ ثريا حبيبتي."

أومأ لها متبسماً. بعد قليل، كان بالطريق يشعر بصفاء، لكن لفت نظره في المرآة الجانبية للسيارة، كأن هناك سيارة تحاول الاقتراب منه والالتصاق به على الطريق. تجنب لها على جانب الطريق كي تمر من جواره، لكن في البداية، راوغ سائق تلك السيارة وحاول الاحتكاك به أكثر من مرة. أخذ حذره وفتح صندوق بالسيارة أخرج منه سلاحّ، وتأكد أنه به رصاص، لكن قبل أن يقوم بفتح صمام الأمان، سارت تلك السيارة وابتعدت عنه. لاحظ سيرها بالطريق كانت تسير بتعرج على الطريق مما سبب له الحذر إلى أن انحدر بطريق آخر ونظر بالمرآة الأمامية، كذلك الجانبية كان الطريق حركة سيره عادية. نفض عن رأسه الشك، ربما تلك السيارة كان سائقها لا يجيد القيادة.

بعد قليل وصل إلى دار العوامري، ترجل من السيارة، دلف إلى الداخل. تقابل مع إحدى الخادمات سألها: "الست ثريا نزلت؟ أجابته: "الست ثريا خرجت من الدار من هبابة، شكلها رايحة المحكمة كان معاها ملف بيدها... أحضر لچنابك الفطور." نفى براسه قائلاً: "لأ، شوفي شغلك."

صعد إلى غرفته، دلف يتنهد بجمود وهو ينظر نحو الفراش المرتب. بالتأكيد ثريا من هندمته. ذهب نحو الفراش وتمدد عليه يغمض عينيه للحظات، عاود يتذكر قبلاته لها بالأمس، وفجأة فتح عينيه يشعر بضيق وغضب. لو تخيلها كانت تقبل ذاك السفيه "غيث" كما نعتته، لكن بعقله حيرة، لما يستطيع اختراق مشاعرها بتلك السهولة، وتبدو كأنها حقاً لم تتزوج سابقاً... سر تلك العلامة بفخذها... أسئلة وإجابتها هي ثريا تلك المحتالة. وأمنية صارت برأسه...

ليتها تتنازل عن تلك الأرض ويبدأا ببداية أخرى، لا عناد ولا تحدي منها، كذلك لا تحكمات منه. تنهد بقوة ونهض من فوق الفراش وخرج من الغرفة. لا يعلم لماذا أراد دخول الغرفة، ربما شيء بداخله أراد الشعور برائحتها التي تسكن الغرفة. *** ظهراً. أمام ذاك المشفى.

بعد الانتهاء من وقت عملها بالمشفى، تبسمت حين خرجت ورأت إسماعيل يقف أمام سيارته يضع على عينيه نظارة شمس تُعطيه وسامة خاصة. اقتربت من مكان السيارة، لكن راوغت ذاك المجنون، عن عمد منها أشارت بيدها لأحد سيارات الأجرة. استفزه ذلك، ذهب نحوها وأخفض يدها قائلاً: "بقالى ساعة مستني تخلصي ورديتك، واقف في الشمس، وجالي صداع من الحرارة وفي الآخر بتشاوري لتاكسي." أخفت بسمتها قائلة:

"تصدق مشوفتكش، أكيد الشمس زغللت في عيني، أو يمكن النضارة اللي لابسها خفية وشك." تنهد بتوتر قائلاً: "شمس فين دي، إحنا في الخريف، صحيح الشمس قوية بس مش اللي تزغلل عينك. على العموم يلا تعالي معايا، عشان ألحق ميعادي مع باباكِ وميقولش إن مواعيدي مش مظبوطة." تبسمت له قائلة: "لأ طبعًا أنا عمري ما ركبت عربية مع حد غريب." خلع نظارته ونظر لها بضيق قائلاً: "وأنا غريب، قريبًا هبقى جوزك."

نظرت له والشمس تداعب عيناه التي تحولت من سوداء إلى عسلية، كذلك نسمة الهواء الخريفية التي داعبت خصلات شعره السوداء الناعمة التي انسدل منها بعض خصلات على جبينه. كان وسيمًا للغاية. توترت من ذلك الإحساس ونحتت بصرها عنه قائلة: "لما تبقى جوزي وقتها هركب معاك، دلوقتي... قاطعها، فيكفيه التوتر الذي يشعر به وسحبها من يدها تسير جواره قائلاً:

"أنا على أعصابي، بلاش حديث ملوش لازمة، يعني سواق التاكسي كان معرفة سابقة، بلاش رغي كتير." سحبت يدها من يده بعنف وهي تُخفي بسمتها ورغمًا عنها صعدت إلى السيارة. بمجرد أن جلس خلف المقود، بقصد منها تفوهت بما يوتره أكثر: "آخر مرة هسمحلك تسحبني وراك بالشكل الهمجي ده، ويا ريت تلتزم حدودك معايا، إحنا مفيش بينا ارتباط يسمحلك تمسك إيدي." زفر نفسه بعصبية قائلاً: "إن شاء الله، بس نرتبط مش همسك إيدك بس، أنا...

صمت حتى لا يتفوه بوقاحة، وتزداد عصبية قسمت. تبسمت قسمت تعلم بقية حديثه، لكن صمتت. إلى أن وصلا إلى العنوان الخاص بها، ترجلت من السيارة، كذلك إسماعيل الذي اقترب منها. نظرت له سائلة: "إنت رايح فين؟ أجابها ببساطة: "طالع معاكِ، عشان أقابل باباكِ." نظرت له بضيق قائلة: "لأ، أنا هطلع الأول وإنت لسه نص ساعة على ميعادك مع بابا، كمان المفروض دي أول مرة تدخل شقة بابا، والمفروض تدخل ومعاك هدية مميزة، مش تدخل بإيدك فاضية."

تنفس سائلًا: "وإيه هي الهدية المميزة بقى؟ فكرت قسمت قائلة: "أنا عاوزة بوكيه ورد." "وبابا ممكن تجيب له شيكولاتة." استفزها قائلاً: "شكلك داخلة على طمع، أجيب لك ورد منين دلوقتي؟ تبسمت باستفزاز قائلة: "ماليش فيه، اتصرف، ومتنساش شيكولاتة لبابا، يلا أشوفك بعد نص ساعة متتأخرش، بابا أكتر شي بيكرهه هو عدم الالتزام بالمواعيد." تركته قسمت وتوجهت إلى مدخل البناية الخاصة بها، تبتسم. بينما زفر إسماعيل نفسه قائلاً:

"الشيكولاتة سهل أشتريها لكن أجيب لها بوكيه الورد منين دلوقتي، أنا غلطان كنت بعتت لهم عمتي ولاء مباشر كانوا خافوا من سمها.... قطع بقية حديثه صوت رسالة آتية إلى هاتفه، أخرجه من جيبه وقرأ الرسالة بإستفزاز: "الوقت بيمر يا دكتور، فاضل سبعة وعشرين دقيقة، متنساش الورد والشيكولاتة." تنرفز ينفخ أوداجه.

بعد قليل وقف أمام باب تلك الشقة ينظر إلى علبة الشيكولاتة الفاخرة، وتلك الزهرات اللتان بيديه. وضعهما بيد واحدة ثم رفع الأخرى ودق جرس الشقة وانتظر جانباً ينظر للزهرات، كذلك الشيكولاتة يستهزأ من نفسه لكن يهون ذلك، كي يحصل على موافقة والد قسمت فهي أخبرته أن والدها ذو شخصية حادة وعليه التعامل معه بطريقة حذرة.

لحظات قبل أن تفتح والدة قسمت له باب الشقة مبتسمة ورحبت به، كانت لطيفة ربما هذا ما هدأ من توتره قليلاً، كانت سيدة بشوشة الوجه لطيفة بإستقبالها له. ذهبت معه إلى أن دخل إلى غرفة الضيوف واستأذنت منه، بعد لحظات دلف رجل بنهاية العقد الخامس ذو وجه صارم ينظر لإسماعيل بتدقيق. نظر ليد إسماعيل الممدودة وصافحه. تنحنح إسماعيل: "أنا... قاطعه بصرامة:

"إنت الدكتور زميل قسمت في المستشفى، كلمتني عنك، وقالت إن في زميل لها عاوز يتقدم لها." أومأ إسماعيل برأسه وقدم له علبة الشيكولاتة، ابتسم والد قسمت وأخذها منه ونظر لها قائلاً: "شيكولاتة نوع ممتاز، واضح إنك ابن أصول... اقعد واقف ليه." شعر إسماعيل بهدوء قليلاً وجلس، بينما دخلت قسمت تبتسم. نهض إسماعيل وقدم لها تلك الزهور. نظرت له وقالت بهمس: "تلات وردات اللي هانوا عليك، ماشي يا إسماعيل."

كادت قسمت أن تجلس لكن نهاها والدها بتعسف قائلاً: "قومي شوفي مامتك بتعمل إيه؟ بطاعة نهضت قسمت وقفت على جانب الباب تتسمع على سؤال والدها لإسماعيل: "قولي بقى إنت دكتور إيه تخصصك." أجابه إسماعيل بحشرجة: "تشريح." -نعم. أجلى إسماعيل صوته وأجابه مرة أخرى: "دكتور تشريح." أوما والد قسمت رأسه بإعجاب قائلاً:

"ممتاز، أحب أنا الشاب اللي قلبه جامد، بالك قسمت بنتي خوافة كان التنسيق جايب لها طب تشريح وقولت لها ده طب ممتاز يحتاج القلوب الجامدة، بس هي زي مامتها قلبها ضعيف وحولت من ورايا صيدلة. المهم بقي يا أسد قولي إنت من هنا من الصعيد طبعًا." أجابه إسماعيل: "أيوه صعيدي أبًا عن جد... ومن عيلة معروفة كمان." فتح والد حنان علبة الشيكولاتة والتقط واحدة وقام بإزالة التغليف ووضعها بفمه يتذوقها بإستمتاع. ثم سأل إسماعيل:

"كويس أوي، عيلة إيه بقى؟ أجابه إسماعيل بفخر: "عيلة العوامري، أنا أبقى الابن الثالث لـ عمران العوامري... سأله والد قسمت: "عمران العوامري المشهور بتاع مصانع الكتان." أومأ إسماعيل بفخر. تبدلت ملامح والد قسمت إلى تجهم ونهض واقفاً يقول برفض قاطع: "طلبك مرفوض، يا أخ معنديش بنات تتجوز من شخص أهله برجوازيين." غر إسماعيل فاهه بعدم فهم، قائلاً: "يعني إيه 'برجوازيين' أصلًا." تفوه والد قسمت بعصبية:

"كمان مش عارف يعني إيه برجوازيين تبقى غبي وجاهل، طبعًا الشهادة بتاع الطب دي اشتريتها بفلوس أبوك، يا فاشل، اغرب عن وجهي يا إمعة." ذُهل إسماعيل وعاود قول بعض الكلمات بسخرية: "اغرب عني وجهي يا إمعة، إنت قديم أوي يا عمي، وإهدي كده إحنا.... قاطعه بغضب: "إحنا إيه يا سليل البرجوازية، اخرج من بيتي، معنديش بنات للجواز، بره، بره قبل ما أرميك من البلكونة، يا سليل البرجوازية." تعصب إسماعيل، قائلاً:

"تمام هطلع بره وهاخد الشيكولاتة بتاعتي، مش أنا اللي جايبها بفلوس أبويا البرجوازي." تمسك والد قسمت بعلبة الشيكولاتة قائلاً: "لأ هتخرج لوحدك بدون علبة الشيكولاتة... هعد لتلاتة ولو لقيتك قدامي أنا هكسب ثواب وأضرب برجوازي سليل البرجوازي مستغل." بعصبية نظر له إسماعيل وكاد يتحدث لولا دخول قسمت ووالدتها وحاولن تهدئة الأجواء. تحايلت قسمت على إسماعيل قائلة برجاء: "عشان خاطري يا إسماعيل، امشي دلوقتي، بابا متعصب."

حاول أن يهدأ قائلاً: "تمام، همشي عشان خاطرك بس عاوز علبة الشيكولاتة بتاعتي إنتِ عارفه تمنها كام، ده نص المرتب طار في تمنها هي والورد." وضعت يدها على خصرها قائلة: "نص مرتبك طار في تلات وردات وبتحسبهم عليا بوكيه، لأ بقى بابا عنده حق، إنت برجوازي مستغل." تنهد إسماعيل سائلاً: "إنتِ تعرفي يعني إيه برجوازي؟ أجابته قسمت بغباء: "لأ معرفش بس بابا طالما قالك كده يبقى حاجة مش كويسة... ولو سمحت بلاش تعصب بابا أكتر."

زفر إسماعيل نفسه قائلاً: "تمام، بس مش مسامح في تمن الشيكولاتة، وإن شاء الله هيجيلك السكر... خد من قلبي بدعي عليك، دعوة برجوازي." ضحكت قسمت قائلة: "بابا عنده السكر أساسًا، كفايه بقى يا إسماعيل بلاش تعصبه أكتر، وبس يرجع يهدي إن شاء الله هيوافق، بس بلاش تعصبه دلوقتي، أرجوك عشان خاطري." نظر لها قائلاً: "تمام، طب هاتي الورد أرجعه اهو أستفاد بأي حاجة." زغرت له قائلة بقطع: "طبعًا لأ، الورد خلاص بقى بتاعي."

نظر لها بسخط قائلاً: "إنتِ وأبوكِ طماعين وإستغلالين." "هو طمع في الشيكولاتة وإنتِ في الورد وأنا مش مسامح في الاتنين." غادر إسماعيل الشقة بعد رجاء قسمت له. وقف أمام سيارته يفكر سائلاً: "هو يعني إيه برجوازيين؟ *** مساءاً. بمركز الشباب. منذ زفاف أخيها وهي لم تذهب إلى التدريب. يشعر بشعور غريب، بينما إيمان هي الأخرى لديها رغبة أن تراه لكن تعتقد ذلك مجرد عناد لا أكثر، أن يعرف أنها ذات شخصية مستقلة.

لإنشغال جسار بشراء بعض المستلزمات الخاصة به، تأخر على التمرين المسائي للأشبال. للصدفة ذهبت إيمان اليوم، تبسمت للأشبال وهم يقومون ببعض الحركات الجديدة بإتقان، هللت لهم بتشجيع، وهي تقوم بالتمرين معهم، سعيدة بمستواهم الذي ازداد تقدمًا. بذلك الأثناء دخل جسار إلى صالة التدريب، تبسم بخفقان قلب حين رأى إيمان، وهلل بتشجيع هو الآخر وهو يرى الأشبال تتباري مع بعضها لإظهار مدى تقدمهم الرياضي.

توقفت إيمان، ونظرت إلى جسار الذي اقترب منها يبتسم، وهي الأخرى يخفق قلبها، لأول مرة بمشاعر غير مفهومة، تجعلها تشعر بأحاسيس جديدة عليها. لكن نفضت ذلك وهي تبتسم لأحد الأشبال وكانت فتاة، نظرت إلى يد إيمان وسألتها بطفولة: "كابتن إيمان، الحنة اللي على إيدك حلوة أوي عاوزه أرسم زيها على إيدي، مين اللي رسمهالك." نظرت إيمان إلى الحناء التي مازال أثرها على يدها واضح جداً قائلة:

"دي خالتي رحيمة هي اللي كانت رسماها لي، بس أكيد هتلاقيها عند العطار ومامتك ممكن ترسمهالك." تبسمت الطفلة بينما نظر جسار إلى يدي إيمان وتبسم. من تدعي أنها فتاة متمردة، بالنهاية تهوى أشياء تهواها كل الفتيات، تلك الحناء، كانت رائعة على يديها. حوار بالعيون والنظرات بين الإثنين، لكن حادت إيمان نظرها أولاً وشعرت بخجل لا تعلم سببه ونظرت إلى الأشبال قائلة: "يلا كفاية كده وقت الراحة انتهى خلونا نرجع للتمرين."

بينما جسار لام عقله بذم، كيف يفكر بـ إيمان كأنثى ويعجب بها، هو ليس حر. *** بعد المغرب بقليل. بدار عمران. وقفت عدلات أمام ثريا تمدح في جمالها وأناقة تلك العباءة ذات اللون البنفسجي التي ترتديها قائلة: "والله إنتِ اللي يشوفك بالعباية دي يا ثريا يقول ملكة جمال، لو سراج بيه شافها عليكِ هيمنعك من الطلوع من الدار." أنهت عدلات حديثها وغمزت بعينيها بإيحاء. تهكمت ثريا مبتسمة تقول بود:

"تسلميلي يا عدلات والله الدار دي كلها مفيهاش حد بيجبر بخاطري غيرك... يلا لازم ألحق الحنة، عشان هفوت الأول على خالتي نروح سوا." طبطبت عدلات على كتف ثريا قائلة: "عقبال ما تفرحي بعوضك يا ثريا، بلاش تتأخري في الفرح سمعت إن في خلاف بين أبو العروسة وأهل العريس، معرفش إزاي اتفقوا من الأول، ربنا يعدي الفرح على خير." تبسمت لها ثريا قائلة:

"لأ متقلقيش مش هغيب هو بس نص ساعة كده جبران خاطر، أم العريس هي وخالتي جيران وألحت عليا أحضر، هروح بس مجاملة نص ساعة مش هغيب." تبسمت لها عدلات، حين غادرت تنهدت تتمنى قائلة: "قلبك أبيض يا ثريا خسارة، يا ريتك اتقابلتي مع سراج بيه من زمان وكان هو أول بختك، كان هيسعد قلبك، ومكنتيش شوفتي العذاب والقسوة اللي شوفتيهم من غيث اللي... تنهدت بأسف قائلة: "يلا ميجوزش عليه غير الرحمة مع إني أشك إن ربنا يرحمه." بعد قليل.

فتحت ثريا باب منزل خالتها الذي كان موارباً ثم دخلت تنادي عليها قائلة: "فينك يا خالتي سايبة باب الدار مفتوح ليه." أجابتها سعدية بصوت مزكوم قائلة: "أنا في أوضة النوم، تعالي يا ثريا." دخلت ثريا وجدتها ممدة على الفراش ترشح. تبسمت قائلة: "مالك يا خالتي إنتِ عيانة ولا إيه؟ أجابتها سعدية:

"أيوه يا بت يا ثريا واخده دور برد شديد جوي، وجوز خالتك جولت له يروح الصيدلية يجيب لي علاج وتلاقيه هو اللي ساب باب الدار مفتوح عشان ولاد خالتك ممعهمش مفتاح للدار. كمان كنت جولت له إنك جاية، ومش هقدر أتحرك وأفتح الباب، بس إيه الحلاوة دي يا بت، سراج شافك وإنتِ طالعة من الدار بالحلاوة دي." تهكمت ثريا قائلة: "لأ مكنش في الدار، بس إيه شوية برد يعملوا فيكِ كده وترقدي عالسرير." عطست سعدية قائلة:

"أنا كبرت ومبقتش زي الأول، سيبك مني جول لي، عرفت إن إيناس أخت غيث اللي ما هيشوف رحمة، في المستشفى إيه اللي جرالها." غص قلب ثريا وسردت لها كل ما تعرفه: "اللي أعرفه إنها كانت حبلى، وجالها نزيف زايد أوي وسقطت والنزيف فضل مستمر وسمعت إن الدكتور قرر إنه لازم تستأصل الرحم وإلا النزيف هيفضل مستمر، ومعرفش أكتر من كده. مش بسأل عنها." تنهدت سعدية وقالت:

"صحيح ربنا مش بيسيب حق حد وكل المظالم بتترد، ده ذنبك يا بت يا ثريا، هي كانت مشاركة في اللي عملوه أخوها فيكِ." غص قلب ثريا وكادت تدمع، لكن نهضت قائلة: "المظالم بتترد يا خالتي، بس مش بتمحي الظلم عن اللي شافه وعانى منه. هجوم أروح الفرح نص ساعة وأرجع لك تاني، بس هاجامِل الست اللي دعتني." شعرت سعدية بقلق وقالت لها: "بلاش تروحي، وخليكي معايا اهو نتساير، بدل غمات الستات وعيونهم تحسدك وإنتِ أحلى من العروسة." ضحكت ثريا قائلة:

"مش هغيب، نص ساعة بس وأرجعلك، أهو تكوني خدتي العلاج واتحسنتِ شوية." تبسمت لها سعدية بمزح، وربما بداخلها إحساس لا تود ذهاب ثريا قائلة: "قليلة الأصل زي أمك بدل ما تقعدي معايا وتاخدي بالك مني هتروحي الفرح بتاع الست اللي أنا وهي مش بنطيق بعض." ضحكت ثريا قائلة: "هقول لامي، مش هتأخر، لسه عشان الست متزعلش دي بتجيب لي قضايا، والله كلها مآسي." تبسمت سعدية قائلة: "يعني مجاملة مصالح، طب متغيبيش بقى."

تبسمت ثريا وأومأت برأسها وهي تغادر الغرفة. بينما تنهدت سعدية بداخلها ريبة تشعر بها، لكن نفضت ذلك بعد أن عطست قائلة: "الراجل جوزي قال رايح الصيدلية بجاله ساعة، يكون تاه ولا ملجاش العلاج وراح يجيبه من البندر." بالعُرس كان هناك هدوء أو سكون ما قبل تلك العاصفة.

بسبب كتابة قائمة منقولات العروس حدث خلاف بين الطرفين، وتطاولا على بعضهما بالسباب الحاد كذالك بالأيادي وطال أكثر من ذلك بالأسلحة فيما بينهم، وامتد ذلك إلى مكان المعازيم من النساء والرجال. أعيرة نارية تنطلق بلا هدف وتحصد أرواح بريئة. *** بدار العوامري. دخل سراج قابلته إحدى الخادمات، قائلة: "سراج بيه الحاج عمران قاعد في المندرة وجالي لما تجي للدار أقول لك إنه منتظرك."

أومأ لها وذهب نحو المندرة وجد عمران وآدم يتحدثان. جلس بعدما ألقى عليهما السلام. تفوه عمران بقلق: "عرفت إن حفظي فاق من الغيبوبة." رد سراج: "لأ، لسه عارف منك دلوقتي." تنهد عمران قائلاً: "أنا متوجس منه، حفظي حقود وجاحد وأكيد حكاية موت أبوه وهو في الغيبوبة هيأثر عليه. ربنا يستر." تفوه آدم أولاً: "حفظي جبان يا أبوي، ومعتقدش إنه هيفكر يأذي حد من العوامريه." أكد سراج ذلك قائلاً:

"وبعدين هو اللي غلط من الأول لما دخل وسط الستات واتحامى فيهم، ده داس حرمة الدار." شعر عمران بقلق وحاول أن يتحلى بالهدوء وعدم التسرع. *** بينما بمكان العُرس. طلقة واحدة انطلقت، ظنت ثريا أنها كانت بمجاملة، لكن كانت البداية، لوابل من الطلقات لا تفرق بين جماد وإنسان.

حاولت ثريا الابتعاد عن مرمى الرصاص واحتمت بأحد الأركان داخل منزل العريس، تحاول مساعدة تلك السيدة التي أصيبت برصاصة في كتفها. داخلها لا تشعر بخوف، ربما لو كان سابقاً لكانت ارتاعت، لكن ما مرت به ووصولها إلى الموت ربما جعل قلبها يجحد ولا تخشى الموت. بينما بدار العوامري. هرولت عدلات إلى المندرة وفتحت الباب دون استئذان. وقفت تلهث قائلة:

"سراج بيه الست ثريا راحت فرح بنت واحدة من جيران دار خالتها، وفي ضرب نار عشوائي شغال هناك." هرع سراج واقفاً ولم ينتظر سماع محاولة أبيه منعه من الذهاب. وصل في دقائق لم يتوقف للحظة يبحث عنها يحاول تفادي تلك الرصاصات التي تتطاير عشوائياً تحصد كل ما يقف أمامها. أين هي؟ عقله سيشت في الحال، ليست بين الضحايا، وليست لها أثر. لكن تعرف على تلك الخادمة الأخرى ممددة أرضاً، اقترب منها وحاول جس عنقها كان مازال بها الروح سألها بلهفة

وهي تلتقط نفسها الأخيرة: "فين الست ثريا؟ لم تستطيع الرد عليه أشارت له بيدها على إحدى نواحي المكان ثم سكنت يدها جوار جسدها. شعر بأسف وتركها وذهب نحو تلك الناحية. بحث عنها لكن هي كانت تجلس جوار إحدى المصابات، مازال الرصاص يتطاير حولها. اسمها نطقهُ قلبه قبل لسانه. ثريا... نهضت واقفة تنظر له عينيها لأول مرة لا يرى بعينيها التحدي، كأنها تستغيث به، قبل أن يحذرها أن تبقى جاثية كما هي.

كانت رصاصة طائشة ذهبت إلى مستقرها مباشرةً تخترق جسدها الذي ارتج إلى الخلف قبل أن يتهوى. لحظات قبل أن يصل لها كانت اعترافًا أن ثريا امتلكت قلب الـ سراج. «أصبح مغرمًا بها».

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...