في مقهى مطل على النيل، نهض إسماعيل واقفًا يقترب من سياج حديدي فاصل عن تلك الحديقة الصغيرة الخاصة بالمقهى. نهضت قسمت هي الأخرى واقتربت منه، وقفت بجواره تنظر له وهو صامت عكس صخب بداخله. تعمدت السؤال كأنه عتاب: "بقالك كام يوم غايب عن المستشفى، لعل السبب خير، وكل ما أتصل عليك ترد كلمتين وتقفل." قطع صمته وتأمله لمجرى تلك المياه التي تهتز بموجات هادئة: "كنت مداوم في مستشفى تانية، مرات سراج أخويا، أصبت برصاصتين."
انخضت لوهلة سائلة: "رصاصتين ليه؟ أجابها ببساطة: "كانت في فرح عندنا في البلد وأصبت بالغلط." تنهدت قسمت براحة قائلة: "طب الحمد لله وأخبارها إيه دلوقتي؟ أجابها بإيجاز: "الحمد لله حالتها اتحسنت." "يعني إيه؟ هكذا سألت قسمت التي تشعر أن إسماعيل به شيء مختلف في طريقة رده على أسئلتها بإيجاز. بنفس الإيجاز: "يعني حالتها بقت كويسة وخرجت لأوضة عادية." زفرت نفسها وشعرت بأسف قائلة: "مالك يا إسماعيل، حاسة إنك متغير معايا."
نظر نحوها، شعر بشعور غريب، كأن قلبه تبلد... أو ربما شعور آخر من اللامبالاة في عقله. بينما لمعت دمعة في عين قسمت، بسببها عاد قلب إسماعيل، يخفق وازدادت تلك الخفقات حين أخفضت وجهها تقول بنبرة: "عارفة إنك مضايق من اللي عمله بابا، بس بابا والله قد ما هو شخص عصبي بس سهل والله هو طيب جدًا." غصبًا تذكر نعته له بـ "سليل البرجوازي" فضحك سائلًا: "هو يعني إيه برجوازي اللي زي النغمة في لسانه؟ ابتسمت قسمت قائلة:
"أنا مكنتش أعرف يعني إيه برجوازي زيك كده، بس بابا فسرها لي وفهمت إنه الشخص اللي عنده مصانع وبيشغل عمال تحت إيديه." ضحك إسماعيل قائلاً: "طب وده فيه إيه بقي؟ فسرت قسمت: "ما هو البرجوازي اللي بيستغل احتياج العمال ويتحكم في أجورهم وكمان وقت شغلهم ممكن يجبرهم يشتغلوا ساعات أكتر بأجور قليلة." ضحك إسماعيل قائلاً: "استغلالي يعني، وهو باباكِ مش استغلالي وطمع في الشيكولاته؟ ضحكت قسمت، فعقب إسماعيل:
"وانتِ كمان طمعتي في بوكيه الورد." نظرت له بسخط قائلة باستقلال: "تلات وردات هتحسبهم عليا بوكيه، دول حتى كانوا دبلانين، إنت كنت جايبهم منين؟ تذكر قائلاً:
"الدبلانين دول وقفوا عليا بربع مرتبى من المستشفى، كنت ماشي بالعربية أدور على محل ورد، أو حتى مشتل، لقيت بيت مزروع فيه ورد في البلكونة، كان فيه عيل غتت واقف وساومني على حق الوردة، وعشان أرضيكي وافقت، لقيت أمه وأبوه كمان استغلوا الموقف، كان ناقص يساوموني عالبدلة، عالم استغلالية.. وفي الآخر باباكِ يقول لي برجوازي." ضحكت قسمت وهي تشعر بامتنان قائلة: "استغلالية عشان طلبت ورد شيكولاته؟ أومأ رأسه مبتسمًا ثم تنهد قائلاً:
"هو ينفع نتجوز من ورا أبوكِ أصله شكله كده مش طايقني." أجابته برفض: "طبعًا لاء مستحيل، وبعدين إنت هتستسلم من أول لقاء بينك وبين بابا، إنت لو شاريني هتحاول معاه تاني، وعلى فكرة بابا مش ديكتاتوري... سهل يقتنع ويوافق على جوازنا، إنت اللي شكلك عاوز تتلكك و... قاطعها بذهول قائلاً: "لو كنت عاوز أتلكك مكنتش فكرت في الجواز من أساسه وانتِ عارفه إن فكرة الجواز دي مكنتش في بالي أساسًا." ابتسمت بدلال قائلة:
"خلاص بلاش تستسلم وحاول مرة تانية مع بابا ومتاكدة لما يلاقيَك شاريني هيوافق بابا شخص متفهم وعمره ما كان ديكتاتوري معايا أنا أو واحدة من أخواتي، هو بس بيخاف علينا أوي عشان بنات." غمز إسماعيل بعينه قائلاً: "هو بصراحة عنده حق في حكاية خوفه دي، بس نسيت أسألك هو باباكِ بيشتغل إيه." ابتسمت واجابته: "بابا طلع معاش، كان بيشتغل مدرس "لغة فرنسية" دلوقتي بقى بيشتغل في مدرسة خاصة." ذُهل إسماعيل قائلاً:
"مدرس فرنسساوي وبيتكلم باللغة العربية الفصحى آخر شيء كنت أتوقعه." ضحكت قسمت قائلة: "بابا عنده عشق خاص للغة العربية بيقول عليها لغة لها "مفردات بديعية"... والحديث بها له متعة خاصة." نظر لها بسخط قائلاً: "متعة خاصة، أبوكِ ده محتاج.... توقف للحظات ثم عاود الحديث: "أنا عرفت مين اللي تقدر على غتاتة أبوكِ وهيوافق عالحوازة غصب عن ديكتاتوريته." *** بالمشفى ليلاً
آنت ثريا بألم طفيف، سمعتها سعدية التي كانت تمكث معها بالغرفة، نهضت سريعًا وأشعلت ضوء الغرفة كاملًا وذهبت نحوها سائلة بلهفة: "ثريا مالك سمعت صوت تأوهك." ابتسمت ثريا قائلة: "أنا بخير، بس كنت بتحرك وإيدي شدت عليا شوية بسبب الإبر اللي فيها." ابتسمت سعدية براحة وجلست على طرف الفراش بجوارها أمسكت يدها بحنو قائلة بمرح: "وشك نور والدموية زادت فيه، صحتك جاية عالمستشفى." ضحكت ثريا قائلة بغرور: "طول عمري حلوة وموردة يا خالتي."
ضحكت سعدية قائلة: "لاء يا بت المحاليل هي اللي نفخت وشك وردت الدموية في وشك، غير كده كنتِ سودة من نقرتك في الشمس طول اليوم." ضحكت ثريا قائلة: "كويس إن أمي أخيرًا رضيت وراحت تنام في الدار، هنا مش بتنام طول الليل بحس بيها، كل شوية تقرب مني." تدمعت عين سعدية ببسمة قائلة بمرح: "هي نجية أختي دايمًا إكده جلبها رهيف، عكسي تمامًا." تبسمت ثريا قائلة: "عارفة انتِ جامدة ومفترية يا خالتي." تنهدت سعدية ببسمة قائلة:
"لاء يا بت أنا مش مفترية، بس أيوه جامدة. أم الصبيان لازم تكون جامدة، كفاية هو وعياله ضيعوا أنوثتي." "أنوثتك." قالتها ثريا ثم ضحكت فـ توجعت قائلة: "لما بضحك صدري بيوجعني." نغزتها في كف يدها بخفة قائلة بمرح: "أحسن بتريقي عليا يا بت، مشوفتنيش وأنا صبية بنت خمسطاشر سنة كان عودي فاير وابان أكبر من سني كان أبوي يجول للعرسان دي لساها صغار هي اللي خراط البنات خرطها بدري." ضحكت ثريا فتوجعت قائلة:
"صادقة يا خالتي، ماهما بيقولوا إني فيا شبه كبير منك، بس أنا على أحلى." نغزتها سعدية مرة أخرى قائلة: "أحلى من مين يا بت، أنا طول عمري مربربة كده مش زيك مسلوعة، زي اللي عندهم السُل." ضحكت ثريا قائلة: "مسمهاش مسلوعة، اسمها جسمي سمبتيك." "سمبتيك." قالتها بحنق وسخط وأكملت:
"ده حديث العيال بتوع اليومين دول، على أيامي كانت البنات بنات مش زي دلوق مفيش أي معالم للأنوثة الطبيعية، كله نفخ إشي شفايف وخدود وحاجات فوق وتحت ونحت وسط، تحسي حاجات مش راكبة على بعضها." ضحكت ثريا قائلة: "كفاية يا خالتي، إنتِ جايه تباتي معاي عشان تاخدي بالك مني ولا جايه تضحكيني عشان أتوجع." تبسمت سعدية بحنان قائلة: "إضحكي يا بت خلى وشك ينور، مش بيقولوا إضحك لها تضحك لك." تبسمت ثريا بضحكة موجعة قائلة بحنق:
"والله ضحكت لها كتير هي اللي مش عاوزة تضحك لي." تنهدت سعدية بآسي لكن حاولت بث الأمل فيها قائلة: "وماله إفضلي أضحكي برضك يمكن تتكسف على دمها وتضحلك." نهضت سعدية تتثائب قائلة: "وكفاية رغي أنا منعوسة وعاوزة أنام، لكن إنتِ مجضياها نوم بمزاجك." ضحكت ثريا قائلة: "والله أنا زهجت من النوم عالسرير ده وعاوزة أطلع من هنا... كفاية كده أنا بجيت زينة." تبسمت سعدية قائلة:
"أهو جلبك الحامي ده هو اللي هيضيع عافيتك بدري، خلي زيي كده بشتغل عالهادي، وبعدين إنتِ زعج (زعق) لك نبي نفدتي من الموت بأعجوبة بلاها شوية الحماسة دول... هقوم أمدد جُتتي عالسرير التاني، إياكِ تأني تاني بلاش إزعاج كتير." ابتسمت ثريا قائلة بكيد مرح: "ياريت أمي اللي باتت معاي... عالأقل مكنتش هتسخسر فيا الوكل، اللي كنتِ بعتيه لي، هو ده اللي طلبته منك، خليتي سراج اتمسخر عليا." ضحكت سعدية وغمزت بعينيها قائلة:
"آه صحيح يا بت فكرتيني من اللي وكلك بيده... بالتوكيد الوكل كان طعمه يشهي." تهكمت ثريا بإستهزاء: "وكل ماسخ ومالوش طعم." ضحكت سعدية قائلة: "على خالتك يا بت، يلا كفاية رغي أنا صدعت هنام بقى، تصبحي على خير، ووش سراج اللي يدوب بيسيبك مسافة الليل، لو مش مستحي مني أنا وأمك كان بات هنا."
تهكمت ثريا بسخط وأغمضت عينيها مستسلمة وهي تتذكر معاملة سراج لها مؤخرًا بعد أن فاقت من الغيبوبة، رغم أنه مازال محتفظًا ببعض من جموده وتسلطه، لكن هناك شيء آخر تشعر به لا تفهمه... لم تفكر كثيرًا واستسلمت لغفوة إجبارًا بسبب تأثير بعض أنواع الأدوية. *** بدار العوامري
تمدد سراج على الفراش يعقد يديه أسفل رأسه، ينظر إلى جواره تلك الوسادة التي كانت تضع ثريا رأسها عليها أثناء نومها، زفر نفسه يشعر باشتياق، تلك المحتالة استحوذت على جزء كبير من مشاعره، من كان يظن أنه بلا قلب أو وئد مشاعر قلبه، طغت عليه عاطفة قلبه، وضع إحدى يديه على موضع قلبه الذي الآن رغم اشتياقه لكن يشعر براحة وهدوء وسكينة عكس قبل أيام فقط. عاش لحظات كأنها دهور من الزمن قبل أن تفتح ثريا عينيها.
بالعودة إلى قبل أيام، حين اضطر الأطباء لمحاولة إفاقة ثريا طبيًا بعد عدم استجابتها طبيعيًا، بالغرفة التي كانت بها، بالتأكيد لن تتحمل والدتها رؤيتها بذاك الأثناء، كذلك قد لا تستجيب للإفاقة، فضل الطبيب ذلك واستسلمت نجية غصبًا تنتظر بشارة بالخارج، بينما سراج ظل مع الأطباء، ينظر إلى ثريا يراقب كل جزء بجسدها...
"يديها، قدميها، وجهها" ينتظر إشارة من أي منهم تدل على استجابتها للإفاقة، لم يطول الوقت، لكن مع ذلك الثانية تمر كأنها ساعات، لاحظ أحد الأطباء رمشة عين من ثريا، فأخبر الطبيب الآخر، تبسم فهذا أمل...
ما زالوا يحاولون، لاحظ سراج حركة يد ثريا التي تحرك أحد أصابعها ثم ارتخي مرة أخرى، كانت مؤشرات جيدة بدايةً، ثم نهايةً فتحت عينيها، أزعجها الضوء الذي تسلط عليها فجأة فأغمضت عينيها ثم فتحتها تدريجيًا، ترا بغشاوة في البداية إلى أن اتضحت الرؤية، لم تتعرف على تلك الوجوه، لكن ابتسامة الطبيب حين قال لها: "أهلاً برجوعك تاني يا مدام، يا ريت تقرب يا سيد سراج...
بالفعل اقترب سراج من وجهها وأصبحت تراه في البداية كان ما زال عقلها غافيًا، بصعوبة نطقت: "إنت مين؟ استغرب سراج ونظر للطبيب، الذي تفهم، فـ ثريا ظلت لأيام بغيبوبة ما زال عقلها لم يعد لاستيعابه الكامل... أومأ لـ سراج مبتسمًا يقول: "متقلقش ده رد فعل طبيعي، عقل المدام لسه بيفوق من الغيبوبة، وعلى العموم هننتظر لوقت لو استمرت الحالة كده هنعمل أشعة عالمخ...
من حسن حظ سراج لم تستمر حالتها كذلك حين خرج الطبيب وبشر بقية عائلة ثريا أنها قد استجابت وعادت للوعي، وسمح لهم برؤيتها، وبالفعل دخلت نجية ومعها سعدية ومعهن ممدوح التي تبسمت له ثريا، هو الآخر تبسم لها، تعرفت عليهم جميعًا مما سبب لـ سراج إحساس بالضجر، لكن تغاضى عن ذلك يكفي أنها عادت للوعي أخيرًا... مر يوم وفي اليوم الثاني تذكرت ثريا سراج.
عاود من تلك الذكرى مبتسمًا وهو يتذكر مشاغبته مع ثريا على إقناعها بأن تتناول الطعام مثل الأطفال، تنهد مبتسمًا، ثريا بداخلها طفلة تود بعض من الدلال. *** باليوم التالي بالمشفى بغرفة ثريا تبسمت نجية لـ رغد ورحبت بها بإمتنان لسبب زيارتها لـ ثريا بالمشفى، جلست معهن تبتسم وتحدثت بود... إلى أن دخل عليهن ممدوح الذي جاء صدفة، أو ربما كان من حسن قدرهما... جلس قليلًا، بعد وقت وقفت رغد وتبسمت قائلة:
"الحمد لله اطمنت على ثريا، ربنا يكمل شفاها على خير، لما قولت لابوي أني هزورك قال لي متتأخرش عشان الموصلات، هستأذن أنا، ومرة تانية حمد الله على سلامتك يا ثريا." تبسمت لها ثريا بود، بينما نهضت نجية قائلة: "قربنا عالمغرب صحيح والموصلات هتبقى قليلة، إنت كمان يا ممدوح ارجع للدار وفوت على خالتك أقول لها بلاش تتعب نفسها أنا هبات الليلة مع ثريا." تبسم وهو ينهض قائلاً: "تمام يا أمي." تبسمت له بحنان:
"روح مع رغد أهو ونس لها في الطريق." أومأ موافقًا. غادر الاثنين بينما نظرت نجية لـ ثريا قائلة: "رغد بنت حلال." أومأت لها مبتسمة قائلة: "فعلاً."
لمعت عين نجية بأمنية لاحظت ثريا تلك اللمعة وفهمتها وتبسمت ثريا، ثريا علمت أن ممدوح لم يفكر للحظة ودخل خلفها يعطيها من دمائه ما يجعلها تعود للحياة، ممدوح مثلها هُزم، وهزيمته كانت أقسى من هزيمتها، فهزيمة الرجل معناها انكسار واندثار، وهذا ما حدث معه لكن ما زال لم يندثر، ربما هناك معركة أخرى في انتظاره وقد ينتصر بها.
سارت رغد جوار ممدوح بينهم مسافة لكن عقلها كان مشغولًا، لم تنتبه لسيارة الإسعاف الخاصة بالمشفى والتي كادت تصطدم بها لولا أنه انتبه ونظر نحوها صدفة فجذبها بعيدًا عن السيارة... انتبهت وبوله انخضت لكن سرعان ما تبسمت لـ ممدوح الذي قال لها: "مش تاخدي بالك." شعرت بحرج وكذلك رعشة بجسدها من لمسة يده...
سرعان ما سحبت يدها منه وتبرجل عقلها بخجل صامتة وأكملوا سيرهما معًا إلى أن وصلا إلى مكان تلك الحافلات وصعدا معًا إلى إحدى سيارات الأجرة جلس هو بالداخل، لكن لاحظ أن هناك آخر صعد للسيارة واحتك بـ رغد والتي تضايقت منه بسبب ذلك، فهم أنها متضايقة، فنهض قائلاً: "رغد تعالي اقعدي إنتِ جنب الشباك." وافقت ببسمة واعتدلت جالسة مكانه وهو مكانها جوار ذاك السخيف...
شعرت بنسمة هواء خريفية منعشة تدخل إلى روحها تزيدها انشراحًا، مشاعر تخشى لو أباحت بها لنفسها قد يدمرها القدر. *** بعد مرور عدة أيام صباحًا بـ دار عمران العوامري نهض سراج من خلف طاولة الطعام مبتسمًا بعدما سأله آدم: "هي ثريا هتخرج النهارده من المستشفى." تبسم قائلاً: "أيوه الدكتور قال حالتها بقت كويسة وتقدر تخرج من المستشفى وإن احتاجت لأوكسجين وممكن نجيب لها أنبوبة هنا." ابتسم آدم كذلك حنان التي قالت بمحبة:
"ربنا يكمل شفاها على خير." ابتسم سراج لها وهو يغادر لكن توقف مع عدلات بردهة الدار وسألها: "كل حاجة بقت جاهزة." ابتسمت له قائلة: "تمام يا سراج بيه، وفرحانة إن ربنا خد بيد ثريا وربنا كتب لها عمر جديد، ربنا يسعد جلبها وجلبك يارب وتتهنوا سوا." أومأ لها مبتسمًا... وغادر. بينما بغرفة السفرة تفوهت ولاء عن عمد:
"وانتِ يا حنان مش ناوية بقى تخلعي لبسك للعبايات السودة دي، إنتِ المفروض لسه عروسة، معرفش إيه فجأة اللي حصل في الدار ده، نحس وصابنا، من بداية جواز سراج وبعدها آدم، يظهر الناس حسدونا مفكرين إننا الفرح عندنا زايد." كادت أن ترد عليها حنان، لكن نظرة آدم منعتها حتى هو الآخر ظل صامتًا، لكن قطع صمته صوت رنين هاتفه، أخرجه من جيبه ونهض قائلاً: "دي خالتي رحيمة هطلع أكلمها من الجنينة لو خلصتي فطورك تعالي معايا يا حنان."
ابتسمت حنان ووضعت يدها في يده الممدودة ونهضت معه وغادرا، مما سبب ضيق لـ ولاء التي التزمت الصمت فيكفي ما تشعر به من غِل وحقد. بينما خرجا آدم وحنان إلى حديقة المنزل وتحدثا مع رحيمة التي صدفة علمت بإصابة ثريا من حنان لامت عليهما أنهما أخفيا عنها ذلك فـ ثريا لديها مكانة بقلب رحيمة وطلبت من آدم إرسال سيارة خاصة كي تأتي بها، أغلق آدم الهاتف ونظر إلى حنان التي تبسمت له قائلة: "هتتأخر بالليل." ابتسم مجاوبًا: "معرفش."
ابتسمت بدلال قائلة: "لاء متتأخرش وارجع بدري عشان أنا بقلق عليك لما تتأخر... ومش بعرف أنام غير لما ترجع الدار قلبي بيطمن." ابتسم لها قائلاً: "تمام، هحاول، إنت هتروحي بيت أبوكِ النهاردة." هزت حنان رأسها بـ لا قائلة: "لاء، هفضل في استقبال ثريا." ابتسم آدم وهو يغادر، ربعت حنان يديها حول صدرها تتنهد بعشق تنظر في أثر آدم، لكن قطع نظرتها صوت هاتفها...
أخرجته من جيبها ببسمة لكن سرعان ما انسأم وجهها وهي ترى هوية مرسل تلك الرسالة، في البداية كادت تتجاهل الرسالة، لكن بالخطأ فتحت الرسالة وقرأت فحواها وارتجف قلبها... تخشى على سعادتها مع آدم أن تنتهي سريعًا، بل الأسوأ تخشى على آدم نفسه. *** مساءً بمنزل قابيل
بشقته مع إيناس دخل وجدها تجلس أرضًا تقوم بتوبيخ صغيرتها بسبب أنها قامت بسكب محتوى كأس العصير، تضايق منها وجذب صغيرته التي تبكي وحاول تهدئتها، بينما إيناس نهضت بغضب تخفي إحساسها بالنقص أمام قابيل، ذهبت إلى غرفة النوم وتمددت على الفراش، بعد دقائق دخل خلفها وجدها ما زالت مستيقظة، فقام بعتابها قائلاً: "على فكرة دي بنت صغيرة والمعاملة القاسية دي معاها ممكن.... نهضت إيناس من فوق الفراش بتعسف قائلة:
"عارفة إنها بنت صغيرة بس لازم تتربي مظبوط مش كل شوية تغضب وترمي أي حاجة في ايديها أنا زهقت من دلعها الزايد." استغرب قابيل ذلك ولم يتحدث وذهب نحو شرفة موحودة بالشقة، ليته ما خرج ألا يكفي غباء تلك الجاحدة، ليرى ما يجعله يشعر بغضب زائد. حين رأى تلك السيارة التي توقفت وترجل منها سراج أولًا ثم خلفه والدة ثريا وخالتها، ثم هي ليزداد غضبه وهو يرى سراج يحمل ثريا يدخل بها إلى الدار...
دلف إلى الداخل وأغلق باب الشرفة الزجاجي، كم ود تكسير ذاك الزجاج، لكن حاول تمالك غضبه الذي هدأ بعدما نظر إلى شاشة هاتفه وتبسم، وكاد يغادر الشقة، لكن أوقفنه إيناس بسؤال: "إنت خارج؟ أجابها وهو يعطيها ظهره: "أيوه، وخفي شوية من القسوة على بنتك."
غادر وتركها تشعر بجحود، وهي تسمع عن اهتمام سراج الفترة الماضية بتلك الحمقاء المتسلقة ثريا والتي لا تقارن بها فهي ذات أصل ونسب عالي عنها، بينما هي تجاهل قابيل مرضها منذ أن كانت بالمشفى قام بزيارتها مرة واحدة كأنها بلا أهمية، خسارتها لرحمها والذي معه فقدت فرصة أن تكون أم مرة أخرى وتنجب أطفال أكثر قد توطد علاقتها بـ قابيل.
قابيل التي عشقتها منذ أن وعيت على الحياة أصبح لها هوسًا ظنت بالزواج منه أنها وصلت إلى مبتغى السعادة، لكن... لكن ماذا؟ لن يتخلى عنها هو فقد حزين على ما أصابها وجفائه هذا مجرد وقت فقط. *** قبل دقائق توقفت سيارة سراج هرول منها سريعًا ذهب نحو الباب الخلفي فتح باب السيارة لـ ثريا التي تحاملت على نفسها وترجلت هي الأخرى. نظرت لها نجية قائلة: "الدكتور قال بلاش توقفي كتير على رجليكِ."
جاءت من الخلف سعدية هي الأخرى موافقة نفس حديث نجية، استسلمت لهن ثريا قائلة: "تمام أنا دوب نزلت من العربية، والمسافة من هنا للأوضة مش كبيرة وهقدر... نظر لها سراج قائلاً: "مش هتقدري تمشيها يا ثريا، بلحظة كان يحملها رغم اعتراضها، لكن هي حقًا لن تستطيع السير حتى لبعض خطوات، كما أنها آنت بألم بسبب حمل سراج لها، لكن لم تظهر ذلك لسببين: السبب الأول عنادًا وأنها أصبحت بخير...
والثاني مراعاةً لخوف والدتها قد تفزع وتطلب من سراج إعادتها للمشفى وهو لن يعترض ليس حبًا فيها بل لأنه يعلم أنها مثل المقيدة بتلك المشفى... صمتت دون اعتراض بينما أخفى سراج بسمته حتى لا تضجر ثريا، كذلك يترقب رد فعلها بعد لحظات. صعد سراج بـ ثريا وخلفه سعدية ونجية، لكن استغربت ثريا حين تخطى سراج مكان غرفتهما وصعد إلى أعلى وكادت تسأل لكن تفاجئت بـ رحيمة تقف أمام باب تلك الشقة المفتوح تقول بحنية ممزوجة مع عتاب:
"إكده يا سراج تخفي عليا اللي حصل لـ ثريا، أنا كنت بسألك عنها تقولي إنها بخير، تقولي علي إيه دلوقتي إني معبرتهاش." تبسم سراج قائلاً: "معلشي يا خالتي حقك عليا، وسعي خليني أدخل ثريا ونتعاتب بعدين."
ابتسمت له رحيمة، مع ذلك ثريا ما زالت غير متفهمة، حتى دخل سراج بها إلى تلك الشقة التي أصبحت مجهزة بأثاث كامل، تجولت عينيها دون فهم، حتى حين دخل سراج إلى إحدى الغرف التي كانت مجهزة بأثاث غرفة نوم جديدة، وضعها على الفراش بهدوء وحذر، نظر إلى عينيها التي تضخ بسؤال، لم تنتظر وسألته: "إيه اللي جابنا هنا، ليه مروحناش الأوضة اللي تحت." تبسم مجيبًا: "دي شقتنا وأخيرًا جهزت، الأوضة كانت وضع احتياطي بسبب إن جوازنا تم بسرعة."
تهكمت ثريا بسخط قائلة باعتراض: "شقتنا... أومأ سراج مؤكدًا: "أيوه وخلاص انتهت من التشطيب وكمان الفرش." اتسعت عين ثريا بغباء وهي تنظر إلى بسمة سراج، لكن بداخلها اندهاش، قبل إصابتها لم تدخل تلك الشقة وكانت تعلم أنها شبه منتهية التشطيبات الأساسية، وبها بعض الأثاث، لم تهتم رغم معرفتها أن تلك الشقة خاصة بـ سراج حتى ليالي حين كان يتشاجران كان يبيت بها ليلاً، ما الذي تغير...
سؤال إجابته لدى سراج، لكن بسبب بعض الألم صمتت حين دخلن والدتها مع سعدية ورحيمة، التي تبسمت لـ ثريا وجلست بجوارها على الفراش بهدوء تتحدث لها بحنو، وثريا تطمئنها أنها أصبحت بخير وأنها ليست عاتبة ولا آخذة بخاطرها من تجاهل رحيمة بل التمست لها المحبة التي دائمًا كانت تراها منها. بينما غادر سراج الشقة وتركهم مع ثريا لا تعلم إلى أين ذهب وتركهم معها لتلك الأسئلة برأسها، لماذا الآن جاء بها إلى هنا... ما الذي تغير عن السابق.
*** باليوم التالي قبل سطوع الشمس بأحد دهاليز سفح الجبل، كان الظلام، دخل قابيل إلى ذاك المكان، لكن سرعان ما انخض حين أشهر ذاك المتوحش سلاحه نحوه، شعر بهلع قائلاً: "أنا قابيل." أشعل الآخر ضوء هاتف خلوي وسلطه نحو سراج، فأخفض سلاحه، التقط قابيل نفسه الغائب قائلاً: "قطعت خلفي يا أخي، هو في حد يعرف إنك هنا غيري." تحدث الآخر بغلظة: "عايز إيه يا قابيل." جلس قابيل إلى جواره قائلاً:
"جايلك في شغلانة مفيش حدا هيعرف يعملها غيرك." سأله: "وإيه هي الشغلانة اللي تخليك تتسحب لهنا دلوقتي؟ أجابه ببساطة: "اغتيال سراج العوامري... اللي لك طار عنده هو اللي صفي عدد كبير من رجالتك وخلاك تيجي مذعور كده ومتسخبي كيف الولاية." لمعت عين الآخر فهو يشتهي دائمًا الإجرام، فكر للحظات ثم قال له:
"تمام سيبني كام يوم أفكر في طريقة وكمان أجمع رجاله معايا من اللي هربوا يوم مداهمة البوليس، تعرف لو أنا مش شايف سراج العوامري نفسه بين قوات الأمن مكنتش صدقتك، أنا بصعوبة هربت منه... دلوقتي لازم أفكر كيف آخد طار رجالتي منه." *** ظهرًا بشقة ثريا، ما زال بعقلها سؤال لماذا جاء بها سراج إلى تلك الشقة.
كانت نائمة فوق الفراش، حين صدح رنين هاتفها، جذبته وتبسمت، حين رأت رقم خالتها، تذكرت اتفاقهن صباحًا بأن تقوم بتجهيز قطعة أرضها لزراعة القمح فلقد تأخر الوقت، وكل ذلك كان بسبب إصابتها، أصبح لابد من تجهيز الأرض، اتفقن بأن تقوم هي وزوج خالتها بحرث الأرض وتجهيزها، ربما هناك شيء تود إخبارها به، بالفعل قامت بالرد لتسمع خالتها تقول:
"ثريا إنتِ كنتِ اتفقتي مع أُجرية يحرتوا الأرض ويجهزوه، أنا في الأرض وفي راجلين معاهم محراث بيحرتوا الأرض." استغربت ثريا قائلة: "كنت هتفق معاهم كيف يا خالتي وأنا في المستشفى، قربي منهم كده بس بحذر واسأليهم إيه اللي نزلهم أرضي، وخلّيكِ معايا عالموبايل متقفليش، جوز خالتي معاكِ." أجابتها وهي تسير نحو ذاك الذي يحرث الأرض قائلة: "أه معاي متقلقيش، دول اتنين وشكلهم مش شرانين، انتظرت ثريا معها على الهاتف
حتى سمعتها وهي تسأل أحدهم: "يا ريس جول لي مين اللي اتحدت وياك وجالك تحرت الأرض." أجابها ببساطة: "سراج بيه العوامري." سمعت ثريا قول العامل، كزت على أسنانها بغيظ، تقول: "ما شأنه ولما يفعل ذلك هل يظن أن يستغل مرضها ويسطو على الأرض لكن واهم،"
أغلقت الهاتف تشعر بغيظ مستعر وحسمت أمرها وتحاملت على ألم جسدها، وبدلت ثيابها بأخرى مناسبة لابد أن تذهب إلى أرضها لن تتركها له، فالبتأكيد أفعاله الحسنة معها بالأيام الماضية كانت خداعًا. خرجت من غرفة النوم بغضب تتراقص الشياطين أمامها لعدم انتباهها تصادمت في سراج الذي جاء للتو، شعرت بألم بجسدها بسبب ذاك الاصطدام، انخض سراج حين رآها تأني بألم طفيف، هلع وضع يده فوق كتفها سائلاً:
"ثريا مالك، إيه اللي بيوجعك أتصل عالدكتور يجي يشوفك." نظرت لـ سراج تشعر باندهاش من لهفته عليها وطريقة حديثه الهادئة معها مؤخرًا، فكرت أحقًا يخاف عليها أم هذا رياء... ثواني وأجابت نفسها: بالتأكيد رياء، نفضت يده عنها بضعف وكزت على أسنانها تتحمل ذاك الألم ثم نظرت لـ سراج بغضب قائلة: "إنت بعتت أُجرية يشتغلوا في أرضي." أجابها ببساطة: "أيوه، هو ده السبب اللي قومك من السرير... فيها إيه؟ صقّت أسنانها بغضب قائلة:
"إنت مين عطاك الحق تبعت أُجرية يشتغلوا في أرضي." "سراج بلاش تلعب معايا دور الحنية ده مش لايق عليك إحنا عارفين بعض كويس، وإبعد عن أرضي مالكش دعوة بها، وأهو إنت شوفت في لحظة كان ممكن أموت وبرضوا مكنتش هتورث الأرض لوحدك." ابتلع حديثها الجاف وهو ينظر لها وارسمت بسمة على شِفاهها قائلاً بعبث: "مش أرض مراتي وجنب أرضي، قولت لهم يجهزوه عشان زراعة القمح والأرض متبقاش متأخرة عن جيرانها."
شعرت بغيظ من رده البارد وكادت تتحدث لكن سراج ضمها بين يديه قائلاً: "على فكرة الدكتور قال بلاش تتعصبي عشان نفسك ميضقش، وكمان لازم تفضلي راقدة في السرير لأن الجرحين اللي في جسمك لسه ما التئموش، وممكن ده يؤدي لمضاعفات تاني." جذب يدها للسير معه، لكن هي شعرت بعصبية وحاولت نفض يده لكن تألمت، رجف قلب سراج لكن امتثل بالهدوء قائلاً: "العصبية مش هتفيدك، وبلاش عناد يا ثريا، عنادك ده كلفك خسارة كبيرة قبل كده."
نظرت له بغيظ وسأل عقلها: "وهل تعلم شيئًا عن خساراتي السابقة؟ " حين غصب ذاك المجرم غيث بالعودة إلى براثن إجرامه... لكن لا هي ليست تلك الفتاة الضعيفة التي كانت تشبه الرمال الهشة التي أقل عاصفة هواء تجرفها، هي أصبحت صخرًا في "صحراء جرداء"
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!