بعد مرور أسبوعين. صباح في منزل نجيه. فتحت باب المنزل للطارق وأخذت من ذاك الشخص ذاك المغلف المرسل باسم "ممدوح". أغلقت الباب، يدها ترتعش بشعور مريب، عن ماذا بذاك المغلف يخص ممدوح... رفعت نظرها عن المغلف حين سمعت صوت ممدوح الذي خرج من غرفته يتثائب قائلًا: "صباح الخير يا أمي، مين اللى كان بيخبط على باب الدار." بيد مرتعشة رفعت ذاك المغلف قائلة: "ده واحد عطاني الظرف ده وجال إنه لك."
ضيق ممدوح عينيه وأخذ من يدها المغلف قائلًا: "فى إيه الظرف ده؟ لوهلة خفق قلبه بيأس حين أخذ منها المغلف ورأى مطبوع عليه شعار خاص بإحدى المدارس الخاصة، توقع أن يكون كالمعتاد اعتذار منهم لعدم اجتيازه في اختبارات قبول التعيين لديهم، لكن بقايا أمل بداخله جعلته يفتح ذاك المغلف، وقرأ تلك الورقة المرفقة بالمغلف، اندهش وعاود مرارًا قراءة تلك الورقة عن تأكيد، سرعان ما انشرح قلبه وابتسم، واقترب من نجيه وقبل يدها قائلًا:
"أخيرًا يا أمي، ربنا استجاب لدعواتك." على فرحته انشرح قلب نجيه وزالت الريبة، وضعت يدها على رأسه بحنان سائلة: "إيه اللى في الظرف ده بسطك أوي كده." قبل يدها مرة أخرى قائلًا: "ده جواب قبول إني أشتغل مدرس في مدرسة خاصة إنترناشونال ولها فروع في مصر كلها، أخيرًا يا أمي هيبقى لي قيمة وأنا بدرس للطلاب في المدرسة هشتغل بالمؤهل بتاعي وفي المهنة اللى طول عمري بحلم بها."
زاد انشراح قلبها وهي تضمه بحنان تدمع عينيها لفرحته هكذا، ربتت على ظهره بأمومة. رفع وجهه وقبل رأسها مرة ومرات قائلًا: "بعد كده مش هضطر أشتغل صبي في القهوة هأجرها، لا هسيبها نهائي." ابتسمت له قائلة: "إنت قيمتك عالية يا ولدي، وعقبال ما أفرح بجوازك يارب." قبل يديها قائلًا: "هيحصل يا أمي، بس واحدة واحدة كده، دلوقتي هيبقى لي مقام عالي، مدرس مش صبي قهوجي." وضعت يدها فوق كتفه قائلة:
"ربنا يعلى من مقامك يا ولدي ويحقق لك كل أمانيك إنت وأختك يارب." بعد قليل. خرج ممدوح من المنزل بزي منمق، وذهب نحو محل البقالة ابتسم يلقي السلام: "صباح الخير يا عم فتحي." أجابه فتحي ببسمة سائلًا بفضول: "صباح الورد يا ممدوح متشيك كده ورايح فين دلوقتي." وضع يديه يضم طرفي معطفه يهندمه قائلًا:
"باركلي يا عم فتحي، أنا قبلت التعيين في المدرسة الخاصة اللى كنت جولت لي عليها قدمت وروحت الاختبارات والحمد لله جالي جواب قبولي أشتغل هناك... ورايح المدرسة ادعيلي يسهلوا معايا في إجراءات التعيين." تبسم له فتحي بود قائلًا: "ربنا معاك يا ولدي ويرفع من شأنك إنت إبن حلال وتستاهل كل خير." بنفس الوقت جاءت رغد تحمل بيدها بعض الأكياس، خفق قلبها حين سمعت حديث والدها، ماذا يعني ولماذا هذا المديح... نظرت نحو والدها قائلة:
"جبت الحاجات اللى طلبتها يا أبوي." ابتسم لها، بينما نظر ممدوح لرغد مبتسمًا، زادت بسمته حين أخبرها والدها: "مش بتباركي لممدوح ربنا كرمه والمدرسة الخاصة بعتوا له جواب قبول إنه يشتغل فيها مدرس." في البداية ارتجف قلبها بريبة ثم انشرح بسعادة ونظرت نحو والدها وتبسمت كذلك هنأت ممدوح الذي تركهما بينما نظرت رغد في أثره ثم شعرت بانتباه والدها فنظرت له قائلة: "كانت فكرتك هايلة يا أبوي إنك كلمت سراج العوامري يستخدم نفوذه."
مساءً. بمنزل والدة ثريا. وقفت نجيه تذم ثريا بلوم قائلة: "إنت ناسية الجروح اللى في جسمك، إزاي... قاطعتها ثريا بتطمين: "أنا الحمد لله بقيت كويسة وبخير، والجروح تقريبًا طابت فاضل بس أثرها مع الوقت هتختفي... لكن سرعان ما همست لنفسها: "أول يمكن تسيب ندوب في جسمي زي حرق غيث...
لوهلة شرد عقلها أن بسبب ذاك الحرق توارت لفترة تزيد عن شهر ونصف عن العيون حتى لا يلاحظ أحد أنها لا تستطيع السير على قدميها، بسبب قسوة الألم الذي كانت تشعر به حين تحتك ساقيها ببعضهما، فسرت والدتها وخالتها أن سبب ذلك الإنزواء كان حتى لا ترى لا شفقة ولا لوم من أحد عليها، ليس حزنًا كما فسره البعض، كذلك كانت تعاقب نفسها بتحمل الألم حتى لا يضعف قلبها مرة أخرى وينسى مذاق الألم، تذكرت سبب اعتراضها على رغبة سعدية بعدم عودتها
مع غيث بعد شبه أن تعافت من اغتصابهن لها بتلك الطريقة القذرة، كان تهديده لها بقتل والدتها وأخيها كذلك أبناء خالتها التي تغويها بالتمرد عليه، لم ترهب بحياتها مثلما خافت من غضب غيث الذي كان فيضانًا من الشر يدعم قلبه "قاتل، سادي" يستلذ بمنظر الدماء، كان ديوثًا مع النساء لا أخلاق لديه حتى وإن فرض على أحد رجاله أن يعاشر زوجته لمجرد إعجابه بجسدها وإذلالها بأن تراه معها وهي كانت عاهرة لم تمانع بل رغبت به وفعلت مثلما يريد،
بالنهاية كانت عاهرة لا يفرق معها أفعال شاذة حلال من حرام، وهي تصرخ بمتعة مستلذة، كأنها ليست خائنة، ولا لوجود زوجها الموالي عليهم لتنتهي الليلة بقتل زوجها الذي كان يستحق تلك الرصاصة لمجرد أنه فتح الباب وقطع عليهم وصلة عُهرهم.
غاص قلبها بألم وخوف، غيث كان القتل هواية وغواية لديه، خافت على والدتها وأخيها كذلك خالتها وأبنائها استسلمت لطغيان غيث يغرقها بسيول جارفة جرفت لديها الإحساس وأصبحت متبلدة المشاعر. على ذكرها تذكرت سراج الذي تبدل كثيرًا في معاملته معها، لكن ذمها عقلها:
ربما يفعل ذلك طريقًا آخر يسلكه كي ينال ما يبغي، سياسة الترغيب بعد أن فشل في الترهيب سابقًا، بالتأكيد ذلك خداع منه، مخطط آخر، فكيف تتغاضى عن مساواته الخسيسة لها سابقًا، وجود خطيبته السابقة كضيفة شرف ذات شأن حتى بعد أن كانت غادرت عادت مرة أخرى بعد أن قضت عِدة أيام سياحة بالأقصر وأسوان... لا لن تقع في الفخ مرة أخرى عليها دائمًا أن تحذر وتفترض أن الجزء الأسود دائمًا يضغي.
انتبهت لوالدتها حين ذهبت نحو ذاك الباب وكادت تغلقه، تفوهت بتسرع: "سيبي الباب مفتوح يا أمي." لم تستمع لها وأغلقته ثم عادت نحوها قائلة: "كفاية عناد يا ثريا إصابتك مكنتش سهلة دايمًا بتعاندي وفي الآخر... أكملتها ثريا: "في الآخر بنهزم، بس خلاص مش ناوية نهزم تاني، ولازم أرجع أشتغل الزباين اللى موكلني عنهم هيطفشوا لو فضلت إكده راقدة زي ما إنت عاوزة... محدش هيحن علينا لما نتحوج يا أمي."
تدمعت عين نجيه فهمت حديث ثريا غص قلبها هي أكثر من أنحنت من أجل الحاجة، تنهدت قائلة: "ربنا ما يحوجك تاني يا بتي، ربنا يخلي جوزك وأخوكِ." لوت ثريا شفتيها بتهكم وحسرة وشفقة وضحكة سخرية قائلة: "جوزك... أخويا، جوزي... اللى كل هدفه حتة أرض، أخويا... نفسه محتاج اللى يساعده." عارضتها نجيه: "جوزك لو شفتي منظره في الأيام اللى كنتِ غايبة فيها عن الوعي، كنتِ عرفتي قد إيه هو بيعزك." تهكمت ثريا بسخرية آلم قائلة:
"مفيش أسهل من التمثيل عند العوامرية، لكن في لحظة القناع بيختفي وتظهر حقيقة قلوبهم بس لمجرد يوصلوا لغايتهم." عارضتها نجيه مرة أخرى: "وسراج هيمثل ليه وإيه غايته منك." تهكمت بحسرة: "الأرض، كفاية يا أمي بلاش تتعبيني أنا بقيت كويسة وبخير، وهرجع أشتغل من تاني، كمان هراعي أرضي اللى هي تمن عمري."
تصعبت نجيه بآسي واقتربت من ثريا وكفت عن إقناعها تعلم أن ثريا لن تتراجع، هي لا تثق بسراج ولا أحد، كادت تخبرها أنها تعلم كم تآلمت بعد قتل غيث بسبب ذاك الحرق هي رأته صدفة حين دخلت عليها بإحدى الليالي كانت غافية، وانزاح الدثار من عليها رأت ذاك الحرق علمت لما كانت تتوارى حتى لا يشفق عليها أحد، لم تخبرها أنها رأت ذلك حتى لا تكذب عليها وتخترع سبب غير حقيقي، حولت دفة الحديث قائلة:
"إبقي باركي لأخوك في مدرسة خاصة بعتوا له جواب تعيين فيها وراح لهم ورجع مبسوط هيشتغل مدرس زي ما كان نفسه طول عمره." سعد قلب ثريا قائلة: "أخيرًا حد فينا ربنا حقق له اللى كان بيتمناه." تبسمت نجيه بأمومة قائلة بدعاء: "اللى يصبر ينال، وربنا إن شاء الله هيجبر بخاطري فيكم." قبل قليل بدار عمران العوامري. ابتسم لعدلات التي قابلته فسألها: "ثريا نزلت من فوق." أجابته ببسمة: "ثريا خرجت من الدار جالت إنها رايحة دار الست نجيه."
زفر نفسه سراج بغضب قائلًا بعصبية ثم توعد: "دي مجنونة ولا إيه ناسية إصابتها، تمام." لم ينتظر وخرج مرة أخرى، ابتسمت عدلات قائلة: "أنا غلبت فيها وهي عاندت، خلى بقى سراج بيه هو اللى يقنعها." بعد وقت قليل. كانت ثريا جالسة خلف ذاك المكتب الصغير تنكب على قراءة إحدى القضايا لديها، شعرت ببعض الألم، تركت قراءة ذاك الملف واضجعت للخلف بظهرها، وضعت إحدى يديها على جانبها تهمس لنفسها:
"الوجع رجع تاني، نسيت أجيب معايا المسكن، يلا هانت ساعة كده وأقوم أرجع لدار العوامري وأبقى أخد المسكن هرتاح من الآلم ده." رفعت وجهها ونظرت نحو باب الغرفة الخارجي حين لاحظت ظل طيف يطل عليها من باب المكتب، زفرت نفسها وتغاضت عن ذاك الألم، من ملامح وجه سراج علمت أنه متعصب لم تهتم بعبوسه، واعتدلت وجذبت ذاك الملف وعاودت النظر به دون اهتمام.
بينما شعر سراج بالعصب أكثر واقترب منها صامتًا حتى أصبح جوارها، انحنى وقبض بيده على عضد يدها يجذبها للوقوف قائلًا يضجر: "المدام يادوب لقت نفسها إتعافت شوية قالت أرهق نفسي، ناسية إصابتك، ومين سمح لك بالخروج من الدار." غصبًا امتثلت وقفت تنظر له بتمرد: "مالوش لازمة الحديث ده، وعادي خرجت من إمتي كنت باخد إذن من حد." صق سراج على أسنانه بغضب قائلًا: "تمام، أنا بقول كفاية تمرد وناتفضلي معايا ولينا كلام تاني لما نرجع الدار."
كادت أن تعترض ثريا، لكن بنفس الوقت دهبت نجيه من الباب الآخر، وتفوهت بأمر: "ثريا كفاية إكده، بلاش عناد على حساب صحتك و... قطعت بقية حديثها حين تفاجئت بوقوف سراج جوار ثريا، تبسمت له قائلة: "كويس إنك جيت يا سراج... ، أنا حضرت الوكل تعالى نتعشى سوا." ابتسم لها بود ورحب بذلك قائلًا: "دايمًا عامر، أنا فعلًا جعان وعرفت من ثريا إن نفسك في الطبيخ لا يقاوم." نظرت له ثريا ولوت شفتيها بحنق وسخط...
بينما جذبها سراج مبتسمًا ودخلا إلى المنزل، تناولوا مع نجيه وممدوح العشاء بجو صافٍ وود تجاذب الحديث معهم ببساطة حتى أنه هنأ ممدوح بتلك الوظيفة الذي كان يتمناها... بينما ثريا بدأ الألم يشتد أكثر، رغم أنها معظم الوقت شبه صامتة تسمع فقط...
بعد وقت لاحظ سراج ملامح ثريا التي تغضنت، كذلك وضعها يدها على مكان أحد الجراح بجسدها وكذلك ضغطها على أسنانها كي تتحمل الألم، شعر بغضب مصحوب بلهفة ولم يتفوه حتى لا يلفت نظر نجيه وتشعر بالقلق على ثريا، نهض واقفًا يقول: "القعدة معاكم يا جماعة ميتشبعش منها، بس أنا بصراحة مرهق ومحتاج أرتاح يلا بينا يا ثريا." لولا الألم الذي تشعر به لكانت اعترضت، امتثلت تود تناول مسكن يخفف من حدة شعورها بالألم... بعد قليل.
بداخل دار العوامري. تبسمت عدلات حين استقبلت سراج وثريا تحدثت باحترام: "العشا انتهى، أحضرلكم عشا وأجيبه عالشقة بتاعتكم." أومأت ثريا رأسها بلا، بينما تفوه سراج: "لا كتر خيرك، إحنا إتعشينا عند بيت حماتي." تبسمت له قائلة: "بألف خير." أومأ لها مبتسمًا يقول: "تصبحي على خير." بعد لحظات كانت ثريا تسير أمامه صاعدة إلى تلك الشقة، لكن توقفت كأن الألم اندثر واستدارت له قائلة: "ليه دلوقتي نقلت محل الإقامة من الأوضة للشقة."
نظر لها مبتسمًا وصعد بجوارها وضع يده على كتفها قائلًا: "خلينا نطلع للشقة نتكلم براحتنا الوقفة كده مش كويسة عشان صحتك." نظرت له بسخط قائلة: "ليه، الحمد لله صحتي بقت كويسة. ابتسم وجذبها للصعود معه حتى دخلا إلى الشقة، أغلق سراج الباب ونظر إلى ثريا التي لوهلة انحنت قليلاً تشعر بألم... تلهف سراج نحوها بغضب قائلًا: عِنادك هيضرك يا ثريا. نفضت يده عنها قائلة:
عاوز توصل لإيه يا سراج، دور النعومة ده مش داخل عليّا متعودتش على الاهتمام المبالغ. نظر سراج لها قائلًا: ثريا بلاش تفسري كل حركة على هواكِ، وياريت كفاية عِناد على حساب صحتك. لم يقف أمامها مُتعمدًا ذهب نحو غرفة النوم متأكد ثريا ستأتي خلفه، هي تشعر بألم، هو سابقًا ذاق مثل إصابتها ويعلم أن الجرح يأخذ وقتًا قبل أن يلتئم، ويسبب وجعًا.
بسبب الوجع تبعته ثريا ودخلت إلى غرفة النوم، لم تتفاجئ حين وجدت سراج يقف بيده تلك الأدوية الخاصة بها يمد يده بها، أخذتها منه لم تعاند يكفي ألمها، تناولت الأدوية ثم نظرت لـ يده الممدودة بكوب ماء، أخذته وارتشفت القليل لكن لم تعطه كوب الماء ذهبت هي ووضعته وجلست فوق الفراش تنظر لـ سراج تنتظر أن يغادر كي تبدل ثيابها وتنظر إلى تلك الجروح التي بجسدها، لكن سراج تعمد الاقتراب منها ومد يده على مقدمة ثوبها وكاد يفتح الأزرار الأمامية.
لكن ثريا وضعت يدها فوق يده بغضب قائلة: إنت هتعمل إيه؟ أجابها ببساطة: هساعدك تقلعي هدومك، مش عيب أنا جوزك. تهكمت بغضب ونهضت بعيد عن يديه قائلة باستهزاء: لاء مش عيب، بس متشكرة وفر خدماتك، أنا هاخد غيار وأروح أغير في الحمام.
ابتسم سراج باستفزاز لـ ثريا التي اغتاظت منه ولم تتحدث، ذهبت نحو خزانة الثياب أخذت لها ثيابًا، ومن ثم توجهت نحو الحمام بصمت، دخلت تقف خلف باب الحمام تشعر بزهق من أفعال سراج التي تراها زيادة عن الحد في الاهتمام بها، ضجرت من ذلك، زفرت نفسها تنفخ أوداجها بغضب قائلة:
إنتِ اللي لجمتي نفسك بخيوط حديدية مع سراج وهو اللي بقى متحكم في الخيوط دي، لو فضلتي على كده هو هيكسب ومتأكدة لما يوصل لغرضه هيفك هو الخيوط دي ويرجع للنسخة القديمة من تاني، فوقي لازم يكون ليكِ أسلوب شديد، وكفاية ضعف. بدلت ثيابها، بنفس الوقت استغرب سراج وجودها بالحمام طرق على الباب سائلًا بقلق: ثريا إنتِ كويسة، إيه... قاطعته حين فتحت باب الحمام بغضب ونظرت له بعصبية قائلة:
أنا بخير وفر الرياء ده كفاية أنا اتخنقت منه، ومن فضلك بلاش تحسسني إني طفلة. ببرود ابتسم سراج متقبلًا غضب ثريا، وابتعد عنها ذهب نحو الفراش وتمدد عليه صامتًا. تنهدت ثريا بحنق وذهبت للناحية الأخرى من الفراش تمددت على الفراش سريعًا ما غفت بسبب ذاك المسكن الذي تناولته، بينما سراج شعر بانتظام أنفاسها، نظر لها وتبسم، لتلك الطفولية التي ظهرت عليها وهي تحدثه قبل قليل، سأل عقله:
منذ متى فلت اللجام من بين يديك لتعشق تبك العنادية المتمردة، ومتى احتالت على قلبك. والجواب منذ أن رأيت حورية الشمس سحرتك رغم بساطتها، احتالت عليه ولجمتك بخيوط من نور، في البداية كانت الضوء متوهجًا أكثر من اللازم فجعلك تغمض عينيك، لكن مع الوقت انجذبت لوهج الضوء وانكشف جزء من العتمة، ثريا هنالك ألغاز بحياتها والسؤال الأول لماذا عادت مع غيث والجواب بالتهديد أكيد وإعتراض
أو ربما هي أرادت ذلك وخوض تجربة خاصة، هنالك من يعشق تلك الأفعال الشاذة وإعتراض آخر لا ثريا ليست هكذا، وإلا كان ظهر عليها، هي متبلدة المشاعر وبالتأكيد سبب ذاك التبلُد هو ما مرت به. أسئلة وإجابات وإعتراضات بدأت تشغل عقل سراج وقلب عاد ينبض ويخفق وهي جوارَه فقط.
كانت حنان مستيقظة تنتظر عودة آدم الذي تأخر وأصبح الوقت منتصف الليل، قامت بالاتصال عليه قبل ساعة تقريبًا وأجابها أنه أمامه وقت قليل ويعود للمنزل، لكن تأخر، أو هكذا ظنت بسبب القلق. انخضت فجأة حين سمعت رنين الهاتف، توقعت أن يكون آدم يخبرها بوصوله، لكن ارتجف قلبها وجسدها حين رأت هوية المتصل، تصلبت يدها على الهاتف ولم ترد حتى انتهى الرنين، لكن سريعًا ما ارتعش جسدها حين وصل رسالة إلى هاتفها فتحتها بيد مرتعشة...
خفق قلبها باضطراب وارتياب حين رأت الصورة كانت لـ آدم وهو يسير بالشارع يقترب من المنزل... زاد ذاك القلق والارتياب رسالة أخرى نصها: "عريس الغفلة سايب العروسة وسهران بره لو أنا مكانه مكنتش هسيبك لحظة ياااا بنت عمي سابقًا مازال عندي أمل وهيتحقق قريب". أغلقت الهاتف وألقته على الفراش تشعر بانهايار في خلايا جسدها، ماذا يقصد ذاك الوقح، هل سيضر آدم الوقت تأخر والطريق بالتأكيد خالي قد يصطاد ذاك الوغد فرصته...
بسرعة فكرت أن تصعد إلى سراج وتخبره ربما ربما ماذا هل حدث سوء لـ آدم لا قلبها يخفق بشدة لن تتحمل أذى عليه... فكرت مرة أخرى وارتدت عباءة فوق منامتها وجذبت وشاحًا للرأس لكن قبل أن ترتديه سمعت صوت فتح باب الشقة تلهفت بسرعة وخرجت من الغرفة تستقبل آدم بالردهة واحتضنته فجأة تشعر بخفقات قلبها تكاد تخترق مسمع آدم، تفوهت بتسرع: قلقتني عليك، إيه اللي آخرك كده. ابتسم وهو يختويها قائلًا:
أبدًا الزبون اللي كان جاي عشان يشتري الفرسة طلب مني يشوف بقية الخيول اللي في المزرعة، وأنا قلت ده زبون سخي يمكن يشتري غيرها وده اللي حصل فعلًا، مالك قلقانة عليّا كده ليه، حبيبتي اطمني مش بيقولوا عمر الشقي بقى، وأنا قبل كده وصلت للموت ورجعت تاني. وضعت يدها على فمه قائلة: بلاش السيرة دي يا آدم، أكيد جعان، هروح أحضرلك عشاء خفيف. ابتسم وضمها قائلًا: لاء مش جعان، أنا عطشان بس...
وكان العطش مصحوبًا بالارتواء من شفاهها قبلات، جعلتها تنسي القلق والخوف تمتد إلى دقائق عشق ذائبة بين يديه وهو يبثها أشواقه وتوقه إليها وهي مستكينة متشبثة به بقلب يخشى عليه من الأذى، وتكون هي سببًا لذلك. بعد مرور يومين صباحًا قد تكون صدفة أفضل من ترقُب
صدفة أثناء تواجد قابيل بمنزل عمران العوامري من أجل مناقشة بعض الأشغال الخاصة بهم، كذلك كان يشعر بترقُب فاليوم مهم جدًا، سيتم نقل تلك الآثار من ذاك المخزن الخفي إلى مخزن آخر لتسليمها لصائد ثروات بطريقة غير مشروعة... لكن هدأ ذاك القلق حين سمع قول سراج لوالده: أنا هاخد تالين أوصلها لمطار الأقصر والمسا هكون هنا. فرصة، بل غنيمة وسينتهزها من كل الجوانب حادث إرهابي على الطريق يصرف نظر الشرطة فتمر البضاعة بسلام
وغنيمة سيتخلص من سراج دون إثارة غضب الكبير... تخطيط ازدواجي... بالفعل خرج من المنزل بحجة بعض الأعمال بالطريق توقف وفتح هاتفه، رد عليه الآخر بصوت ناعس زاد غضب قابيل الذي نهره قائلًا: لساك نايم في العسل لاء فوق وإسمعني كويس الخطة اللي رسمناها سوا عشان نغتال سراج العوامري دي تنساها الخطة هتتبدل وهتم النهاردة قدامك فرصة
خلال أقل من ساعة تكون مجهز رجالتك وتعمل اللي هقولك عليه بالظبط، عاوز خبر سراج يوصل هنا قبل العصر، والليلة يكون ساكن في قبره. صدفة كانت تفتح زجاج شرفة غرفة النوم
رأت ثريا سراج وهو يتوجه نحو باب السيارة يقف أمامها، يبدو أنه ينتظر أحدًا، لم يغيب عليها بل لم تغب، إنها تالين، التي تبسمت لها وهي تفتح باب السيارة ثم صعدت إليها، رفع رأسه لوهلة رأى ثريا لم يبالِ وصعد هو الآخر إلى السيارة متعمدًا إثارة غيرتها، أو بالأحرى يود معرفة رد فعلها لكن ليس الآن حين يعود مساء، لكن لا يعلم أن ذلك زاد من يقين يتسرب إلى قلبها، سراج يخدعها برسم خطة أخرى أكثر مفعولًا، أو هكذا يظن أن اللين قد يجعلها تصدقه.
بالمركز الرياضي كان يقوم جسار ببعض الأعمال قبل موعد حضور الأشبال لتلقي التمرين لكن فجأة صدح رنين هاتفه، نظر للشاشة سريعًا ما قام بالرد وقال: تمام متقلقش هكون عندك في الوقت المناسب. سريعًا بدّل ثياب الكارتيه وارتدى زي رسمي... وتوجه للخروج من المركز، لكن بسبب انشغاله ببعض الاتصالات الهاتفية... كاد يصطدم مع إيمان التي لاحظت لهفته للخروج حتى أنه لم يبالِ بتذمرها وغادر مسرعًا، استغربت فعلته لكن لم تهتم.
قبل قليل على الطريق كان يسود الصمت بين سراج وتالين، كان عقله مشغولًا بمحتالته يود أن ينقضي الوقت ويعود لها، يعرف رد فعلها حين تعلم أن تالين غادرت إلى القاهرة. رغم شعورها بألم قاسٍ يهتك بقلبها لكن قطعت تالين ذاك الصمت ونظرت نحو سراج تكبت دموع عينيها سائلة بلوعة قلب: للدرجة دي بتحبها يا سراج.
مازال يلتزم الصمت رغم سماعه لها، لكن عقله مشغول وهو يتبادل النظر بين مرآة السيارة الجانبية والأمامية، يراقب سيارة النقل الصغير الذي لاحظ سيرها خلف سيارته منذ أن أصبح على الطريق الرئيسي، حاول التأكد من ذاك الهاجس وراوغ بالطريق سواء بزيادة السرعة ثم تبطيئها أو الدخول لمنعطفات أخرى على الطريق، لكن مازالت تتعقبه، تأكد حدسه، حين عاودت تالين الحديث لكن هذه المرة لم تستطع كبت دموع عينيها وهي تتحدث بنبرة عذاب:
كنت مفكرة قلبك فولاذ زي ما بابا كان بيقول سراج قلبه من فولاذ، لكن واضح إن لأول مرة بابا يكون غلطان، لما قلت لي إنك اتجوزت مصدقتش، لأن كنت متأكدة إنك مستحيل قلبك يعشق وتجي واحدة تقنعك بالخطوة دي، فاكرة لما إنت فسخت خطوبتنا قلت لي إن عمرك ما بتخلي قلبك ياخد قرار، دايمًا بتحكم عقلك، وخطوة الجواز بعيدة عن تفكيرك، بس مع ثريا إنت لاغيت عقلك، من غير ما تفكر روحت أنقذتها، رغم إنك كان ممكن تنصاب زيها، حبيتها إمتى يا سراج.
سؤال لا يعلم هو نفسه له جواب لا يعلم متى اخترقت تلك المحتالة قلبه بل وتمكنت من فولاذ قلبه وانصهر... رغم ذلك مازال عقله مشغول بتلك السيارة التي زادت من سرعتها وتقدمت أمامه ثم أبطأت سيرها، لاحظ فتح زجاج شبابيك تلك السيارة، كذلك صندوق تلك السيارة الذي كان به بعض الأقفاص الخشبية وجزء مغطى بمفرش بلاستيكي انزاح ذلك ووقف بعض الرجال يشهرون أسلحتهم... سريعًا فهم، وعلم أن هنالك كمينًا لاصطياده، وتصفيته، سريعًا
وضع يده على رأس تالين قائلًا بأمر: انزلي في دواسة العربية وأوعي ترفعي راسك. انخضت تالين وشعرت بالهلع، حين سمعت صوت إطلاق رصاص، نفذت ما قاله لها، ثم سريعًا ما فتح صندوقًا بالسيارة وأخرج سلاحه الذي يحتفظ به دائمًا، تأكد من وجود الرصاص به، ثم سريعًا فتح هاتفه وضغط على أحد الأرقام سريعًا ما فتح الآخر الاتصال واستمع إلى سراج: واضح إن أنا الطعم النهاردة، أنا على الطريق العام اللي بيودي لمطار الأقصر...
حاول تجي بالدعم بسرعة هحاول أراوغهم، بس سلاحي مش هيسد معاهم... كمان عربيتي مش مصفحة... أغلق الهاتف وتركه بالسيارة، ثم نطق بالشهادتين وهو يحاول المراوغة بالسيارة يتفادى تلك الرصاصات التي أصبحت تنطلق بغزارة نحو سيارته، مما سبب هلعًا لـ تالين أكثر حين سمعت أصوات اصطدام الرصاص بالسيارة.. حتى أنها كادت تخرج من دواسة السيارة لكن صرخ عليها سراج بأمر: أوعي تتحركي من مكانك.... صمت حين اخترق جسده إحدى الرصاصات
مما جعل تالين تتلهف عليه ولم تمتثل لأمره وخرجت من دواسة السيارة كي تطمئن عليه، لكن كان هذا لسوء حظها فقد نالتها إحدى الرصاصات، رصاصة واحدة اخترقت جسدها بمكان قاتل نظر لها مصعوقًا، وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة يسمع هزيانها... وأصبح أمام قرار واحد وكما تعلم أن هنالك دائمًا «خطة بديلة»
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!