دفعها بعيدًا عنها كأنها وباء. وهو يترك لها الفراش، ينظر لها بجمود، تنفخ أوداجه، يزفر أنفاسه غضبًا. تبدل حالها بعد أن كانت مازالت هائمة بلذة سكرة تلك اللحظات الذي غمرها فيها بالغرام، فاقت على تلك الدفعة القاسية. نظرت نحوه وهي تسحب دثار الفراش، تبتلع ريقها الذي جف وهو يُعنفها بالقول بفظاظة: "سبق وأكدت عليك تاخد وسيلة لمنع الحمل." تعلثمت وهي تُبرر برجفة قلب:
"أنا كنت باخد وسيلة ومعرفش حبلت إزاي، بس الدكتورة جالتلي إن مفيش وسيلة مضمونة ميه في الميه." نظر لها بسخط قائلًا: "وسيلة الحمل اللي مش مضمونة ولا عقلك اللي مفكر إنك بالخلفة هتبقي ست الدار هنا. فُوقي يا إيناس، سبق وجلتلك بعد ما ولدتي من سنة ونص إني مش عاوز ولاد تاني دلوقتي قبل خمس سنين... فجأة كده الوسيلة مبجتش مضمونة."
نهضت من فوق الفراش شبه عارية، توجهت نحوه بدلال، تضع يديها على صدره تحاول إثارة مشاعره، ربما تستطيع امتصاص غضبه، وتحدثت بغنج مُبررة: "ورحمة أخوي غيث الدكتورة جالت كده، وأني بعشقك ونفسي في عيال كتير منك."
ما كان عليها ذكر سيرة أخيها، الذي يبغضه رغم أنهما تشاركا الأخوة بالدم منذ طفولتهما بعد أن أنقذ أحدهما حياة الآخر، لكن هو خدعه وخطف من سقط بعشقها من أمامه كي يُجبر هو على الزواج بتلك الثقيلة على قلبه، يتحمل ارتباطه بها بصعوبة بسبب وعد سخيف منذ الطفولة. لكن حين أصبح شابًا سقط بهوى امرأة أخرى، اختُطفت من أمامه، وليت غيث صانها، بل على يقين أنه دمرها. نظر لها بجحود وهو ينفض يديها عنه، يبتعد عنها قائلًا بغلاظة:
"وأنا سبق وجلتلك م عاوزش عيال تاني دلوقتي." "وتمام طالما الدكتورة جالت إن مفيش وسيلة مضمونة ميه بالميه، الحمل لساه في أوله، شوفي طريقة تنزله، وأعتقد مش هتغلبي لو سألتي أمك أو خالتك أكيد عندهم خبرة سابقة."
قال هذا وتركها تسقط أرضًا راكعة على يديها، تضغط بهما على أرضية الغرفة، تنظر في أثره وهو يدخل إلى المرحاض، يرتج بابه بقوة. سالت دموعها قهرًا، لكن لا مانع من رجاء آخر أو وضعه بالأمر الواقع أمام العائلة، ربما يهدأ لاحقًا ويتقبل ذاك الحمل. *** بالبنك
شعر بالغيظ والغضب من طريقة ثريا الفجة في الحديث أمام مدير البنك، الذي نهض يُرحب بها بحفاوة، بينما هو ظل كما كان جالسًا، بل عن قصد منه وضع ساق فوق أخرى متعاليًا. رمقته بعينيها لوهلة كأن الماضي أمامها وغيث هو من يجلس هكذا، ارتجف قلبها. أغمضت عينيها لوهلة وحايدت النظر نحو سراج. بينما بعد ترحيب المدير بها عاد ناحية مكتبه. تجاهلت ثريا سراج عمدًا، وهي تقترب من مكتب المدير سائله بإستفسار:
"حضرتك اتصلت عليا وجلت في أمر مهم، خير؟ ياريت تجولي بسرعة، لآن وقتي محدود." إستهزأ سراج بقولها، تُعطي لنفسها أهمية زائدة، بينما بإحترام تفوه المدير: "الموضوع بسيط مش هياخد وقت، اتفضلي اقعدي يا مدام ثريا." "مدام ثريا" شعرت بوجع غائر وعاصر في قلبها من ذاك اللقب الذي اكتسبته من زيجتها بوغد دنيئ وحقير، بالتأكيد ذاك الجالس أقل منه دناءة وحقارة.
كذلك وقع رنين تلك الجملة على عقل سراج، شعر بشعور غريب، ضيق وغضب، ولا يعلم سببًا لذلك، ربما كان الأفضل أن قال لها مثلما قال قبل قليل "أستاذة ثريا". بمضض جلست ثريا بمقعد مقابل لمقعد سراج، مازالت تُحايد النظر له، مما جعله يشعر بغيظ. بينما تحدث المدير: "حضرتك عارفة إن المرحوم غيث بيه، كان حط مبالغ مالية في حسابك الخاص عندنا." أجابته بتأكيد: "أيوه عندي علم بده، ياريت تدخل في سبب اتصالك عليا مباشرةً، أنا مش بحب المقدمات."
أومأ المدير قائلًا: "تمام، حضرتك مسحبتيش من المبلغ ده قبل كده، والبنك كنا بنعمل حصر بالعملاء المميزين اللي حساباتهم فيها مبالغ كبيرة واتضح إننا للأسف سهو علينا نخطر حضرتك بالفوايد اللي انضافت لحساب حضرتك، وعشان كده طلبت حضورك لهنا اعتذارًا عن خطأنا." فتحت عينيها باتساع مستهزئة، فهذا سبب واهٍ، بل سبب أبلة لاستدعائها، كما أن وجود سراج يؤكد ذلك. نهضت واقفة، تدعي البلاهة وأنها صدقت ذاك العته، وقالت:
"تمام، كان سهل تقولي كده على الموبايل، مكنش له لازمة استدعائي وتعطيلي." لثاني مرة تُعطي لوقتها أهمية زائدة. ضغط سراج على شفتيه بقوة. نهض المدير مسرعًا يعتذر: "آسف إن كنت عطلت وقتك، بس في قسيمة إضافة الأرباح لمبلغ حضرتك لازم تمضي عليه، كمان استخرجت لك بطاقة ائتمان بنكية عشان تقدري تصرفي بالمبلغ بتاع حضرتك بسهولة، ثواني هطلع أجيبهم من الموظف المسؤول."
إستغربت ثريا خروج مدير البنك، كان سهلاً أن يطلب ذلك دون الخروج من الغرفة، لكن تيقنت أن سراج السبب في ذلك بعد أن لاحظت إشارة منه لمدير البنك. تهكمت ساخرة. ثم نظرت إلى سراج سائله بإستهزاء: "انت كمان أكيد من كبار عملاء البنك، بس أعتقد إن عندك خبر بقيمة أرباحك، كمان عندك بطاقة ائتمان بنكية، بس أكيد في سبب لوجودك هنا دلوقتي أكيد مش صدفة يا سراج." مجرد نطقها لاسم "سراج" بتلك النبرة التي يشعر بها تقليل منه...
يعصبه بشدة ويجعله يتمنى لو يصفعها على لسانها... أو يقتلعه أفضل... لكن أخذ نفسًا طويلًا... حتى هذا لم يجعلها تصمت وهي تبتسم قائلة بإستهزاء وعينيها تنظر إلى أحد جوانب الغرفة: "غريبة إنك مش قادر تتنفس مع إن المكتب فيه تكييف، عكس الحر اللي بره، يمكن وجودي هنا شفط الهوا... نهض واقفًا بضجر وكاد يقبض على عضدها بعصبية، لكنها عادت للخلف بتحذير قائلة:
"أوعي تفكر تلمسني يا سراج، بسهولة وبكلمة مني أقول اللي كان عاوز يغتصبني هو انت وتتبدل إشاعة من الشهامة لـ إشاعة الدناءة وهتك العرض وصدقني البلد كلها هتصدقني لإن معروف إن أنا الوحيدة اللي قدرت تاخد من العوامريه...... قاطعها بغضب وهو يقبض على معصم يدها بقوة، ينظر نحو أركان الغرفة، رأى كاميرا بأحد زوايا الغرفة مثلما توقع، وهسهس يضغط على أسنانه بغضب: "فعلًا وجودي هنا مش صدفة يا ثريا، ومش هينفع نتكلم هنا."
لم يُمهلها فرصة وسار نحو باب المكتب يجذبها للسير غصبًا. سارت خلفه تحاول تخليص يدها من قبضته، لكن كان يقبض عليها بقوة. تنرفزت قائلة بحِدة ووعيد: "سيب إيدي هصرخ و... جذبها عليه لخطوة كادت تصطدم بصدره، لكن انتبهت وتوقفت. ابتسم رغم عصبيته قائلًا بتوعد وثقة: "صرخي وشوفي مين هيقرب، هتجي معايا من سكات أفضل لينا إحنا الاتنين." "سيب إيدي."
مازالت تُعاند، لكن تبسم ولم يهتم وعاد يسير قابضًا على يدها، جعلها تمتثل عنوة. لكن لم تسير خلفه، بل أسرعت بخطواتها تُجاري خطواته وتسير لجواره، تنفخ أنفاسها غضب وإرهاق من سرعة خطواته، تنظر حولها إلى الموجودين بالبنك، بالتأكيد لو صرخت لن يهتم أحد. بمجرد معرفة هوية سراج لن يتدخل أحد، لكن لن تستسلم لاحقًا. بينما هو... تبسم لذلك بزهوة نصر مؤقت. *** بالمشفى
أنهى ذاك التقرير الطبي الخاص بأحد المشتبه بسبب وفاته. كانت وفاته حقًا غير طبيعية بسبب نسبة سموم مميتة ابتلعها، هكذا دون التقرير. ثم ترك القلم، واضجع بظهره على مسند المقعد، يزفر نفسه بزهق، أو شعور آخر هو الاشتياق. إلى تلك الصيدلانية التي منذ أن رآها أول مرة شعر بخفقان في قلبه الذي كان يعتقد أنه أصبح يابسًا بسبب عمله كطبيب شرعي، يرى الموتى فقط، لكن هي أحيت تلك القطعة مرة أخرى. لا يتلاعب بها حقًا، أحبها ويتمنى الارتباط بها. لكن أيضًا برأسه هدف آخر، لا يعلم قرارها هل هي مستعدة لمرافقته إذا اتخذ القرار وسافر للخارج يكمل أبحاثه الطبية كطبيب يكتشف أسباب الموت ويحاول تجنبها أو تقليلها باكتشافات طبية تكتشف أسباب المرض وربما تستطيع علاجه.
إرهاق يشعر به، وضع رأسه بين كفيه. بنفس الوقت سمع طرق على باب المكتب، سمح بدخول الطارق وأزاح يديه عن وجهه. سرعان ما رفع ذاك التقرير قائلًا: "تقرير التشريح أهو وصله لإدارة المستشفى تتصرف في التحقيق." أخذ الآخر التقرير وغادر. بينما نفض إسماعيل ذاك الإرهاق ونهض واقفًا، ذهب نحو شباك مكتبه، رأى تلك التي تغادر، تنهد بآسف على حاله وحيرته.
فمنذ ذاك اليوم وهو يراها من بعيد وهي تدخل أو تغادر المشفى، لا ترد على اتصالاته الهاتفية ولا رسائله. ربما لو تحدث معها كان اتخذ قرارًا حاسمًا. تنهد يشعر بحيرة بين القلب والعقل. القلب عاشق لا يتسلى، وإلا لما كان هذا الشعور يجعله حائرًا ومشتاقًا. العقل... هنالك هدف آخر، انتظار فرصة قد تكون قريبة. فرصة من شأنها تعلية شأنه كطبيب ناجح. زفر نفسه بضجر، واتخذ قرار مغادرة المشفى، عليه تصفية ذهنه من كل ذلك.
الصراع بين العشق والطموح. *** بالاسطبل مساءً كان آدم يتريض بالمضمار على إحدى المهرات. تشعر بالحرية رغم ذاك اللجام الموثوق بعنقها، لكن تسير كما تشاء دون توجيه منه أو شد لجام. تهرول سريعًا وببطء كأنها تفهمه. لاحظ دخول سيارة إلى الاسطبل، عرف هوية صاحبها. إنه إسماعيل. لمعت عيناه ببسمة، وجود إسماعيل هنا خلفه سبب، لا يأتي بغير ذلك.
ترجل من فوق المهرة، وربطها بإطار المضمار الخشبي. ذهب نحو إسماعيل الذي يقترب منه. يحل أزرار قميصه من فوق ساعديه ويشمر عنهما كذلك لمنتصف صدره. استقبله ببسمة ومرح قائلًا: "دكتور التشريح إيه اللي جابنا على دماغك النهاردة؟ تبسم إسماعيل قائلًا: "كنت معدي قولت أكيد الروائي بتاعنا هنا، قولت أجي أرفه عن نفسي شوية في عالم الأحياء." ضحك آدم قائلًا:
"عيبك يا دكتور إنك مش بتعرف تكذب، يمكن ده الحاجة اللي اتعلمتها من دراسة التشريح." "الموتى لا يكذبون." "تعالى تعالى هنادي عالسايس يجيبلك فرسة هادية ونتسابق." ضحك إسماعيل قائلًا: "فرسة هادية ونتسابق إزاي بقى، وانت مروض الخيول دي وأكيد عارف قدرة كل واحد فيهم. على العموم أنا موافق، بس لو غلبتك إحنا آخر الشهر والمرتب بخ... هتغديني على حسابك." ضحك آدم قائلًا:
"ابن عمران العوامري، بيعتمد على مرتب الحكومة برضوا، على العموم كده كده هغديك متقلقش." بعد قليل تسابقا سويًا، كل منهما يتباري بإجادة لركوب الخيل، فهما منذ نعومة أظفارهما كانا لا يهابون من الخيول. توقف الاثنان بنهاية المضمار، ينظران لبعض حين رأوا سيارة أخرى تدخل إلى الاسطبل. سريعًا علم آدم هوية قائد السيارة، فهي إحدى سيارات الاسطبل بالأساس. تبسموا حين رأوا سراج يترجل منها. ضحك الاثنان، وهو يقترب منهما.
حتى توقفا بالخيول. تبسم آدم قائلًا: "الفرسان التلاتة في الاسطبل، من زمان متجمعناش هنا." وافقه إسماعيل: "من سنين، فاكر مين اللي كانت تقول علينا كده 'الفرسان التلاتة'؟ ضحك سراج قائلًا: "خالتي رحيمة." تبسموا وهم يترجلون من فوق الأحصنة. سار الثلاثة وجلسوا تحت إحدى المظلات. في البداية تحدثوا بذكريات طفولتهم الذي شبه قضوها هنا لهوايتهم الثلاث في حب الخيل، فهذا الاسطبل أُنشأ من أجلهم الثلاث.
تجارة أخرى اكتسحها عمران العوامري. مع تجارة الكتان الشهيرة بها عائلة العوامري. لكن الفرسان لم يهوا غير الخيول. وضع أحد العاملين أمامهم الطعام الذي التهموه، ثم نهضوا يتسابقون الثلاث. كان الأمهر فيهم كالعادة منذ الطفولة. سراج. توقف بالحصان الخاص به وانتظرهم حتى أصبحوا لجوارة. ضحك إسماعيل وهو ينظر لـ آدم قائلًا: "كل قوي في الأقوى منه." "سراج كسبنا بكل سهولة، مُتمرس."
ضحك سراج، بينما آدم هو الآخر أثنى على إجادة سراج قائلًا: "الحصان اللي مع سراج ده هو اللي روّضه في أيام، رغم إني بقالي شهور بروض فيه." ضحك سراج بزهو، بينما تبسم إسماعيل قائلًا: "تعرف يا آدم بستغرب إنك إزاي لسه بتحب الخيول بعد ما كانت السبب إنك توصل لمرحلة الموت." شعر إسماعيل بالندم كيف يقول ذلك ويُذكر آدم بحادث الماضي الذي وصمه بكلمة "الاعرج". لكن آدم لم ينزعج من ذلك وربت على كتف إسماعيل قائلًا:
أنا بحب التحدي وبعاند دايمًا عكس التيار، لأن لو استسلمت هغرق، وده اللي حصل معايا. قاومت جبروت وقدرت أخرج منه حي، الإعاقة مش ماثرة على عزيمتي. خلونا يا شباب نقعد في موضوع هام عاوز أتكلم فيه معاك يا سراج، وإنت يا دكتور من فضلك خباثة زمان لما كنت تحب تاخد فرصة على قفانا وتفتن لأبوي علينا. لسانك يتلم لحد ما أنا اللي أفتح أبوي بالأمر اللي نويت عليه.
ضحك إسماعيل وهو يشير بيده على فمه بإشارة أنه سيصمت ولن يشي بذلك، كذلك سراج ضحك قائلًا: أنا كمان في قرار مصيري أخدته لازم تعرفوه. نظر لهما إسماعيل قائلًا: النهاردة يوم القرارات المصيرية لفرسان العوامري. بعد قليل كانوا يجلسون أرضًا تحت ظلال إحدى أشجار الصفصاف، كل منهم يحكي ما انوى عليه. اندهش إسماعيل من ما قالوا أنهم انووا الزواج، وكل منهم يقول الفتاة التي سيرتبط بها. ازدادت دهشته أكثر بمعرفة هوية هاتين الفتاتين.
أو بالأصح فتاة وامرأة تعادي عائلة العوامري علانية. وأخرى مازال هناك بصيص نار تحت رماد الثأر... تهكم على نفسه هو صاحب الطريق الأسهل بينهم، فمن يهواها. فتاة بسيطة لا يوجد أي سور بينهم، السور موجود بعقله فقط لكن مازال لا يمتلك قرار حاسم مثلهما. *** بين المغرب والعشاء. بمحل البقالة. كانت تجلس رغد تنظر إلى ذاك الكتاب الذي بيديها تقرأ بعض سطوره وتشعر بعدم الفهم، تزفر نفسها بغضب تحدث نفسها:
مش فاهمه حاجة، كأنها طلاسم مش كتاب جامعي. أنهت قولها وألقت الكتاب بقسوة، بدل من أن يستقر على تلك الطاولة أمامها استقر على الأرض أمام يد الذي توقف، ثم انحنى يجذب الكتاب، ثم نظر لرغد التي لمعت عيناها، ولم تهتم بشأن كتابها، تبسم قائلًا بمرح على غير عادته: كده ترمي العلم في الأرض، إيه اللي مضايقك أوي كده. خفق قلبها يضرب صدرها وهي تراه يبتسم هكذا كان وسيمًا للغاية ليته يظل هكذا مبتسمًا.
ظلت تنظر له للحظات تائه بتلك البسمة قبل أن تسمع نحنة والدها الذي دلف إلى المحل، تبسم لممدوح قائلًا: كيف يا ممدوح؟ تبسم له ممدوح وأخبره: أنا بخير يا عم "راضي". تبسم له راضي يربت على كتفه وهو ينظر إلى ذاك الكتاب الذي بيد ممدوح، قائلًا: برضوا مش فاهمه اللي في الكتاب يا رغد، قلت لك شوفي حد من المدرسين اللي كانوا في مدرستك يفهمك اللي مش فاهماه. ارتبكت رغد وخجلت، لولا نحنة والدها لظلت هائمة بممدوح. الذي قال:
وإيه اللي صعب في الكتاب ده ومش فهماه؟ رد راضي بدل عنها: مش عارف مع إنها شاطرة بس كل المادة دي بتقول عليها صعبة. قرأ ممدوح ما هو مدون بعنوان الكتاب ووافق رغد قائلًا: فعلاً المادة دي فيها شوية دروس صعبة ومعقدة محتاجة فك تشفير، بس بسهولة ممكن تفهميها. قال هذا وللصدفة العابثة قرأ اسم مدرس المادة على الكتاب، تهكم ببؤس، هذا كان زميله بالدفعة، وكان هو متفوقًا عليه، لكن هو تم تعيينه معيدًا وأصبح أستاذًا، وهو... هو ماذا...
مجرد شريك في مقهى صغير بالبلدة. يقدم مشروبات باردة وساخنة، بدلًا من أن يقدم العلم... لمعت عيناه بحسرة قلب سرعان ما نفضها يكفي.... بينما نظرت رغد له وأومأت برأسها، ودت أن تخبره ألم تعرض مساعدتك علي منذ أيام هل تراجعت... أم نسيت. هو فعلًا قد نسي، أو تناسى غصبًا ليس لمشاغل الحياة، بل كي لا ييأس من حاله أكثر، هو كان يستحق أن يكون أستاذًا جامعيًا. لكن لا يمتلك وساطة مثل ذاك الأستاذ، تنهد قائلًا:
قولي لي إيه اللي صعب قدامك وأنا هاخد الكتاب أقرأها وبإذن الله بكرة هكتب لك ملخص يبسط الأجزاء اللي مش فاهماها. انشرح قلبها وأخبرته بتلك الأجزاء التي تستصعب استيعابها. ابتسم وأخذ الكتاب منها قائلًا: تمام إن شاء الله الليلة هكتب لك الملخص وبكرة هجيبه لكِ. تبسمت له بعيون سعيدة، لاحظها راضي لكن لم ينتبه أنها غرام بممدوح بل ظن أنها مجرد امتنان، بينما غادر ممدوح ترافقه نظرات رغد، لكن انتبهت لوقفة والدها الذي قال:
ممدوح ابن حلال بس يا خسارة حظه سيئ. وافقت رغد قول والدها... بينما أثناء سير ممدوح وبيده الكتاب تذكر أنه نسي أن يشتري السجائر من البقالة كما كان ذاهبًا، لكن نظر للكتاب، كم كان يهوى الكتب وقراءتها، وأمنية قديمة حين كان يقرأ كتب زملاءه يصحح لهم أخطائهم كأنه معلمًا. تنهد بأسف فالأماني تعصف بها الحقيقة. *** بدار عمران العوامري. عقل ولاء يكاد يشتعل، وهي تقول بذهول: إنت بتتكلم جد، سراج جالك كده، ركز يا أخوي.
نظر لها بغضب قائلًا: يعني هكذب عليكِ، إياك، ولا مفكراني خرفت، بقولك هو جالي كده. هيتجوز من بت الحناوي. نظرت له عيناها تقدح شررًا: ده مستحيل يحصل، وإنت قلت له إيه؟ أجابها: قلت له كده، أنا مستحيل أوافق عالبنت دي. وقفت ولاء تدق يديها ببعضهما بغيظ وغضب جارف:
أكيد سراج مش في وعيه وهو بيقولك كده، بقى سراج اللي تتمناه بنات أكبر العائلات في البلد يفكر في الكلبة دي، اللي مستهينها تغسلي رجلي، طب قولنا غيث كان هوائي ومقدرناش نخليه يتراجع، والنتيجة أهي قدامنا عملت لنفسها سعر في سوق الحريم بالأرض اللي خدتها مننا غصب، قلت لعبد المقصود بلاش تضعف وتعطيها لها، قالي معاها حكم محكمة بميراثها في المرحوم غيث، ولو مسكتهاش بأي عضمة هتشنع بعائلة العوامري، لو كان وافقني كنت عرفتها مقامها...
لكن لأ أوعاك توافق وتساير سراج في الجنان اللي في عقله ده، وسيبني أنا أتحدث وياه هقنعه. زفر عمران نفسه ببغض هو الآخر قائلًا: يا ريت تعرفي تقنعيه ده حتى مسمعش لرفضي وسابني وقال قدامه مشوار مهم وهيتأخر عليه. بقمة غضب ولاء. دلف الثلاثة إخوة إلى المنزل، كان باب تلك الغرفة مفتوحًا ورأتهم ولاء التي زفرت نفسها بغضب وخرجت نحوهم، نظرت لهم بإستهجان قائلة بغضب: إنتم التلاتة داخلين للدار مع بعض قدام الناس.
لم يستغرب أحدهم قول ولاء الذي يعلمون أنها آفاقه، لكن تحدث سراج: وفيها إيه لما ندخل سوا للدار. -هتتحسدوا. هكذا سبق عمران وأجابه: أنتم زينة شباب والعين تحسدكم. تهكم آدم قائلًا: دي تخاريف يا أبوي... قاطعته ولاء قائلة: لأ مش تخاريف يا واد أخوي. مذكور في كتاب الله سيدنا يعقوب قال لولاده "وادخلوا من أبواب متفرقة"... إحنا مش ناقصين كل كم سنة يفارق شاب من شباب العوامرية.
لم يجادل أحدهم يعلم أن ولاء بالنهاية لابد أن يُنفذ ما تقوله، لكن للاختصار في الحديث تفوه إسماعيل: حاضر يا عمتي دي آخر مرة. نظرت له بسخط قائلة: مش كفاية النحس وعيون الناس اللي بتصيب شباب العيلة. فقدنا شابين في أقل من سنتين سكنوا التراب في عز شبابهم يا حسرة قلبي عليهم. رد سراج بتأفف من رياء ولاء، فمنذ متى كان بقلبها الحنان لأحد، هل تعتقد أنه نسي أنها يومًا كانت معارضة لدراسته في الكلية الحربية:
ده قدر، والعمر عند ربنا مكتوب، أنا.... قاطعته ولاء: أنا عاوزة أتحدث وياك في موضوع هام... نظر سراج نحو والده لا يحتاج إلى تخمين، بالتأكيد أخبرها بما قاله لها.. لم يعترض قائلًا: تمام. نظر إسماعيل وآدم لبعضهما وانسحبا بهدوء، بينما قالت ولاء: خلونا نتحدث في المندرة هنا الخدمين رايحين جايين. على مضض وافق سراج وذهب خلفها إلى تلك الغرفة، التي ظلت واقفة إلى أن دخل وأغلقت خلفه الباب تنظر له بإستهجان سائلة:
إنت كنت بتتحدث جد لما قلت لعمران عن رغبتك في الجواز من بت الحناوي. أجابها ببرود وهو ينظر نحو والده الذي جلس غير مبالٍ لتحكم ولاء: أيوه بتحدث جد، دي حياتي وأنا حر في اختيار شريكة حياتي. -شريكة حياتك. قالتها بتعقيب وإستهزاء ثم أكملت بفحيح: إزاي عاوز تتجوز عازبة وإنت شاب ومسبق لك الجواز، إنت راجل ودي أول فرحتك ولازم تتجوز من بنت بكر تليق بمقام "سراج العوامري".. وتحسسك برجولتك.
قالتها ولاء بنبرة نهي كأنها تتحدث عن وباءً لابد أن يبتعد عنه تناشد رجولته. فهمها سراج ونظر لها متهكمًا وتحدث بوقاحة: مش نقطتين الدم هما اللي هيفرحوني أو يضيعوا رجولتي، أنا قلتها كلمة وإنتهيت. ابتلعت تلك العصبية وحاولت إثارة رجولته بنفس طريقة وقاحته قائلة:
مش بس النقطتين الدم هما اللي يخللوك متتجوزش من عازبة، كمان إنك تكون الراجل التاني في حياتها، هي سبق لها الجواز وعاشت جوزها، أكيد كانت بتنام في حضنه عريانة، يد غيرك لمست جسمها. نظر لها بسخط قائلًا بعناد: قولتيها كان جوزها، يعني كان حلال، مش حرام، قلت الموضوع انتهى، وجوازي من ثريا يوم الجمعة الجاي. -والفرح هيبقى شد الطرفين؟ هكذا تهكمت ولاء بنبرة استنكار:
هي عازبة، بس عينها قوية وجريئة ومش هتنكسف تقعد بين الحريم وتتحنى كمان. أجابها بحسم: مش أنتم اللي عاوزين تفرحوا وأنا أهو بفرحكم. ازداد غضبها قائلة: دي كأنها ساحرالك ولا تكون عاشقها، زي جوزها الأولاني كان متمسك بها زيك كده، يا ريت في الآخر صانت ذكراه، يا دوب مر على موته سنة ونص وأهي هتتجوز تاني. نظر لها عيناه بها شرر وقال بقطع: كفاية يا عمتي وفري مجهوده للتجهيز للفرح وكمان استقبال العروسة. ضغطت
على آخر زر في عقله قائلة: إنت ناسي إنت كنت خاطب بنت مين. تعصب قائلًا: الموضوع ده انتهى من فترة إحنا دلوقتي... قاطعته:
لأ منتهاش إنت عارف إنها هي وأبوها يتمنوا إشارة منك، وعشان كده بقولك اعقل وتأنى عشان مش بعد فترة تقول الموضوع مش على هواك، ثريا معندهاش أخلاق ولا أدب، كل هدفها تصيد راجل، أنا كنت مفكرة إنك فاهمها وعندك وعي أكتر من كده، إنت شيل الموضوع ده من راسك وأنا هتحدث ويا والد خطيبتك إنكم ترجعوا من تاني، وتتجوزوا في أقرب وقت، هي خلاص عرفت غلطها ومش هتكرره تاني، كانوا شوية جلَع (دلع) وطيش بنات. زفر نفسه بتصميم قائلًا:
قلت الموضوع ده انتهى من وقت إحنا دلوقتي... قاطعته ولاء بيأس غاضبة بتهديد: أنا مستحيل أروح دار المحتالة دي وأطلبها لك. زفر نفسه قائلًا: اطمئني وفرت عليكِ المشوار يا عمتي أنا اتفقت على كل حاجة وزي ما قلت الفرح يوم الجمعة الجاية يعني بعد أسبوع من دلوقتي... أنا مرهق وطالع أنام ومحدش يصحيني على العشا. غادر سراج، وترك ولاء تكاد تحترق، تفوهت بغضب ساحق: كأنها سحرالهم، يتشجعوا بها. حاول عمران تهدئتها قائلًا:
بس سراج مش زي غيث هوائي. زفرت بغضب نفسها ملتهبة يشبه لهيب البركان الثائر تقول: ده اللي مجنني. غيث كان هوائي ويمكن هي لعبت على مشاعر رجولته... لكن سراج لعبت عليه بالسهوكة، دلوقتي اتأكدت إن حكاية اللي كان هيغتصبها دي حكاية من تخطيطها عشان توقع سراج فيها. وتظهر قدامه إنها ضعيفة ومحتاجة لراجل يحميها. كان سراج مازال جوار الغرفة وسمع فحيح ولاء وتهكم مستهزئًا هو الذي يعلم تلك الحقيقة الكاذبة.
صعد إلى غرفته، توجه إلى المرش مباشرةً، أخذ حمامًا باردًا ثم خرج، بنفس الوقت رأى إضاءة شاشة هاتفه التي أضاءت، جذبه وتنفس بزهق من كثرة تلك الرسائل الذي أصبح يتضايق منها، بالتأكيد حين تعلم أنه تزوج بأخرى ستكف عن مطاردته وتقطع آمالها، تعلم أنها كانت نزوة ماضي. جلس على الفراش يجفف شعره بتلك المنشفة ثم ألقاها وتمدد على الفراش بظهره ينظر إلى شباك غرفته المفتوح يسرب ضوءًا للغرفة، كذلك نسمة هواء ساخنة.
تلك النسمة الساخنة ذكرته بلقائه مع ثريا قبل ساعات. أمام البنك توقف سراج أمام سيارته، فتح أبوابها عبر جهاز تحكم بيده الأخرى، ثم فتح باب السيارة وأرغم ثريا أن تصعد إليها عنوة، أو ربما استجابت بمزاجها. أغلق التحكم أبواب السيارة إلى أن استدار للناحية الأخرى، فتحه وسرعان ما صعد إلى السيارة وانطلق سريعًا. تهكمت ثريا قائلة بإستهزاء وإستبياع وإستغلال من سراج:
"إيه خطة النسوان بتاعت المرة اللي فاتت فشلت قررت تخطفني المرة دي بنفسك، بس يا ترى المرة دي هتجيب لي مين يغتصبني يا حامل راية الشهامة." شعر بغضب ونظر لها بعصبية بأمر قائلاً: "إخرسي يا ثريا." ضحكت ثريا بإستهزاء قائلة: "مكنتش أعرف إن صوتي كمان بيضايقك، عالعموم أنا سكت أما أشوف إيه الجديد عندك المرة دي. إغتصاب ولا هتجيب من الآخر ويبقى قتل." ضغط على أسنانه بقوة. جعلت ثريا تضحك غصبًا. بعد قليل.
بمكان صحراوي شاسع خلفه من بعيد هضاب عالية... توقف سراج بالسيارة وترجل منها. ظلت ثريا بالسيارة قليلًا تنظر له وهو جالس على مقدمة السيارة. في البداية لم تهتم، ولكن طال وقت وقوفه لأكثر من عشر دقائق. بفضول منها ترجلت من السيارة وذهبت نحوه تقول بإستهزاء: "إيه اللي هينفذ المهمة المرة دي اتأخر ولا يمكن تاه في المكان."
بسبب نعومة الرمال وعدم انتباه ثريا كادت تتعرقل، لكن قبض سراج على ساعد يدها سريعًا حتى استقامت واقفة. سحبت يدها سريعًا سائلة: "عاوز مني إيه، عاوز الفلوس اللي في البنك خدها متلزمنيش، لكن مش هتنازل عن الأرض يا سراج." ضحك ساخرًا: "الفلوس متهمنيش، وبعدين هو في راجل عنده نخوة بياخد فلوس من مراته يا ثريا."
لم تفهم حديثه. في نفس الوقت كانت نسمة هواء قوية رغم سخونتها، جعلت ثياب ثريا تنحصر بضيق تلتصق بجسدها وأظهرت أنوثة جسدها للحظات. إشمأزت من نظرة عين سراج، رغم أنه لم ينظر لها بوقاحة. تحدثت بعصبية: "إبعد عني يا سراج وكفاية بلاش.... قاطعها بحسم: "إحنا هنتجوز يا ثريا... واعتبِري المبلغ اللي في رصيدك مهرك مني." فهمت معنى قوله. لوهلة ظلت مشدوهة قبل أن تنفجر ضاحكة وهي تنظر أمامها لتلك الصحراء.
ربما لا يعلم ذاك الوغد المتعالي، أنها بلا روح مثل تلك الصحراء الجرداء التي تمتد أمامه. لو توغل لن يجد بها شيئًا نافعًا سوى بعض الأعشاب، حتى تلك الأعشاب لن تنفعه فهي "أعشاب جافة".
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!